الخميس 24 شعبان 1447 | 2026-02-12

A a

أنَّ رجلًا استأذنَ على النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-، فلما رآه قال: «بِئْسَ أخو العشيرةِ، وبِئْسَ ابنُ العشيرةِ»، فلما جلسَ تَطَلَّقَ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- في وجهِهِ وانبسطَ إليه، فلما انطلقَ الرجلُ قالت له عائشةُ: يا رسولَ اللهِ، حينَ رأيتَ الرَّجُلَ قلتَ له كذا وكذا، ثم تَطَلَّقتَ في وجهِهِ وانبسطتَ إليه؟ فقالَ رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: «يا عائشةُ، متى عَهِدْتني فحَّاشًا؟ إنَّ شرَّ الناسِ عندَ اللهِ منزلةً يومَ القيامةِ مَن تركه الناسُ اتقاءَ شرِّه».


رواه البخاري برقم: (6032) واللفظ له، ومسلم برقم: (2591)، من حديث عائشة -رضي الله عنها-.


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«بِئْسَ»:
مهموزًا، فعل جامع لأنواع الذم، وهو ضد نِعْمَ في المدح. النهاية، لابن الأثير (1/ 90).

«العشيرة»:
عشيرة الإنسان: أهله الأدنون، وهم بنو أبيه. مطالع الأنوار، لابن قرقول (5/ 43).
وقال النووي -رحمه الله-:
المراد بالعشيرة: قَبِيْلَتَه. شرح صحيح مسلم(16/ 144).

«تَطَلَّق»:
أي: انبسط وجهه، وظهر البِشْر فيه. مشارق الأنوار، للقاضي عياض(1/ 319).
قال المظهري -رحمه الله-:
«تَطَلَّقَ» أي: أَظْهَرَ عن نفسه البشاشة والفرح في وجهه. المفاتيح (5/ 177).

«انبسط»:
أي: هَشّ له، وأظهر له البِشْر. مشارق الأنوار، للقاضي عياض (1/ 101).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
انبسط إليه رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أي: أظهَر له بوجهه الانبساط والسرور بدخوله. شرح سنن أبي داود (18/ 453).

«فحّاشًا»:
أي: ذا فُحش، يعني: قائلًا للفحش، وأصل الفُحش: زيادة الشيء على مقداره. مرقاة المفاتيح، للقاري (7/ 3033).
قال ابن الأثير -رحمه الله-:
والفاحش: ذو الفحش في كلامه وفعاله، والمتَفَحِّشُ: الذي يتكلَّف ذلك ويتعمَّده. النهاية (3/ 415).


شرح الحديث


قوله: «أنَّ رجلًا استأذنَ على النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-»:
قال البيضاوي -رحمه الله-:
علق «على» بـ«استأذن» لتضمُّنه معنى الدخول، أي: استأذن في الدخول عليه. تحفة الأبرار (3/ 239).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «إنَّ رجلًا» قال ابن بطال: هو عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري، وكان يقال له: الأحمق المطاع، ورجا النبي -صلى الله عليه وسلم- بإقباله عليه تألُّفه ليُسلم قومه؛ لأنه كان رئيسهم، وكذا فسَّره به عياض ثم القرطبي والنووي جازمين بذلك، ونقله ابن التين عن الداودي، لكن احتمالًا جزمًا، وقد أخرجه عبد الغني بن سعيد في المبهمات من طريق عبد الله بن عبد الحكم عن مالك: أنه بلغه عن عائشة استأذن عيينة بن حصن على النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: «بئس ابن العشيرة» الحديث، وأخرجه ابن بشكوال في المبهمات من طريق الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير أن عُيينة استأذن، فذكره مرسلًا، وأخرج عبد الغني أيضًا من طريق أبي عامر الخراز، عن أبي يزيد المدني، عن عائشة قالت: جاء مخرمة بن نوفل يستأذن، فلما سمع النبي -صلى الله عليه وسلم- صوته قال: «بئس أخو العشيرة» الحديث، وهكذا وقع لنا في أواخر الجزء الأول من فوائد أبي إسحاق الهاشمي، وأخرجه الخطيب، فيُحمل على التعدد.
وقد حكى المنذر في مختصره القولين، فقال: هو عيينة، وقيل: مخرمة، وأما شيخنا ابن الملقن، فاقتصر على أنه مَخرمة، وذكر أنه نقله من حاشيةٍ بخط الدمياطي فقصر، لكنه حكى بعد ذلك عن ابن التين أنه جوَّز أنه عيينة، قال: وصرَّح به ابن بطال. فتح الباري (10/ 453-454).

قوله: «فلما رآه قال: بئسَ أخو العشيرةِ، وبئسَ ابنُ العشيرةِ»:
قال الكرماني -رحمه الله-:
و«العشيرة» القبيلة، أي: بئس هذا الرجل منها، وهو كقولك: يا أخا العرب، لرجل منهم، وهذا الكلام من أعلام النبوة؛ لأنه ارتدَّ بعده -صلى الله عليه وسلم-، وجيء به أسيرًا إلى أبي بكر -رضي الله تعالى عنه-. الكواكب الدراري (21/ 182).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
معنى قوله: «ابن العشيرة وأخو العشيرة» أي: القبيلة والجماعة، والعرب تستعمل مثل هذا القول: نعم ابن العشيرة، وأخو العشيرة، يريدون قومه، وعشيرة الرَّجل: جماعته وقومه. إكمال المعلم (8/ 63).
وقال ابن حجر -رحمه الله- مُتعقِّبًا:
وقال غيره: العشيرة الأدنى إلى الرَّجل من أهله، وهم ولد أبيه وجده. فتح الباري (10/ 454).
وقال البيضاوي -رحمه الله-:
قوله: «فبئس أخو العشيرة» تعريف له بسوء الفعل، وخُبث النفس؛ وذلك يدل على جواز ذكر مساوئ الخبيث؛ ليُتحَرَّز منه، ويُتوقى شره. تحفة الأبرار (3/ 239).
وقال ابن العربي -رحمه الله-:
النبي -صلى الله عليه وسلم- أظهر له من البِشْر والطلاقة واللين خلاف ما قاله عند الاستئذان، ولم يكن ذلك مِن قِسْمِ النفاق وحاشاه ثم حاشاه ثم حاشاه، ولكن أمره الله تعالى أنْ يَسُنَّ لأُمَّته سُنة التعريف بحال الفاسق لمن جَهِلَهُ، وأَلَانَ القول مخافة شرِّه من غير أن يكون في القول معه كذب ولا مراء. عارضة الأحوذي (8/ 123).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
هذا الحديث أصل في جواز اغتياب أهل الفساد، ألا ترى قوله للرَّجُل: «بئس ‌أخو ‌العشيرة»؟ وإنما قال ذلك -عليه السلام- لما قد صح عنده من شره؛ لقوله -عليه السلام- في آخر الحديث: «إن شر الناس مَن تركه الناس اتقاء شره». شرح صحيح البخاري (9/ 246).
وقال ابن العربي -رحمه الله-:
قوله للمستأذِن عليه: «بئس ابن العشيرة» فيه دليل على إباحة الغِيبة في الفاسق؛ ولقوله -عليه السلام-: «لا غيبة لفاسق».
وفيه دليل على المداراة. المسالك في شرح موطأ مالك (7/ 248).
وقال النووي -رحمه الله-:
ووصْفُ النبي -صلى الله عليه وسلم- له بأنه: «بئس ‌أخو ‌العشيرة» من أعلام النبوة؛ لأنه ظهر كما وَصَف، وإنما ألان له القول تألُّفًا له ولأمثاله على الإسلام. شرح صحيح مسلم (16/ 144).

قوله: «فلما جلسَ تَطَلَّقَ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- في وجهِه، وانبسطَ إليه»:
وقال الكرماني -رحمه الله-:
قوله: «تَطَلَّق» أي: انبسط وانشرح، يقال: ما تَتَطَلَّقُ نفسي لهذا الأمر، أي: لا تنشرح، ولا تنبسط.
فإن قلتَ: كيف كان هذا الفعل بعد ذلك القول؟
قلتُ: لم يمدحه، ولا أَثْنَى عليه في وجهه، فلا مخالفة بينهما، إنما ألان له القول تألفًا له ولأمثاله على الإسلام. الكواكب الدراري (21/ 182).
وقال البيضاوي -رحمه الله-:
قولها: «تَطَلَّقَ» أي: أظهر له الطلاقة والانشراح، مِن دأب الكريم أنْ يكون بشَّاشًا، طَلْقَ الوجه منبسطًا إلى كل من يُقبل عليه، ويتوجه إليه، وإنْ كان خبيثًا مُخْبثًا، أو عدوًّا مكاشحًا، ويدل على ذلك تمام الحديث. تحفة الأبرار (3/ 239).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
«وانبسط إليه» لِمَا جُبِلَ عليه من حُسن الخُلُق، ورجا بذلك تأليفه ليُسلم قومه؛ لأنه كان رئيسهم، ولم يواجهه بذلك؛ لتقتدي أمَّته به في اتقاء شر من هو بهذه الصفة؛ ليسْلَم من شره. إرشاد الساري (9/ 31).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
وهذا من المداراة: وهو بذل الدنيا لصلاح الدنيا والدين، وهي مباحة مستحسنة في بعض الأحوال، خلاف المداهنة المذمومة المحرَّمة، وهو بذل الدين لصلاح الدنيا، والنبي -عليه الصلاة والسلام- هنا بذل له من دنياه حُسن عشيرته، ولا سيما كلمته وطلاقة وجهه. إكمال المعلم (8/ 62).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
وقد نُوزِعَ (يعني: البخاري) في كون ما وقع من ذلك غِيبة، وإنما هو نصيحة؛ ليحذر السامع، وإنما لم يُواجِهِ المقولَ فيه بذلك لحُسْن خُلُقه -صلى الله عليه وسلم-، ولو وَاجَهَ المقول فيه بذلك؛ لكان حَسنًا، ولكن حصل القصد بدون مواجهة.
والجواب: أنَّ المراد أنَّ صورة الغِيبة موجودة فيه، وإنْ لم يتناول الغيبة المذمومة شرعًا، وغايته أنَّ تعريف الغيبة المذكور أولًا هو اللغوي، وإذا استثني منه ما ذكر كان ذلك تعريفها الشرعي. فتح الباري (10/ 471).

قوله: «فلما انطلقَ الرجلُ قالت له عائشة: يا رسولَ الله، حين رأيتَ الرَّجُلَ قلتَ له كذا وكذا، ثم تَطَلَّقتَ في وجهِه، وانبسطتَ إليه؟»:
قال ابن الملك -رحمه الله-:
«فلما انطلق الرجل» أي: ذهب. شرح المصابيح (5/ 243).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«قالت عائشةُ» لعل هذا نقل بالمعنى، ويدل عليه رواية الشمائل عن عروة عن عائشة قالت: «استأذن رجل على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأنا عنده، فقال: بئس ابن العشيرة، أو أخو العشيرة، ثم أَذِنَ له، فأَلَانَ له القول، فلما خرج قلتُ: يا رسول الله، قلتَ له كذا وكذا» وفي الشمائل «قلتَ له ما قلتَ». مرقاة المفاتيح (7/ 3033).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«قالت عائشة» -رضي الله عنها-: «فقلتُ» بعدما خرج الرَّجل من المجلس «يا رسول الله، قلتَ له الذي قلتَ». البحر المحيط الثجاج (40/ 638).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
«قلتَ له: كذا وكذا» تعني: قوله: «بئس أخو العشيرة» إلى آخره. إرشاد الساري (9/ 31).

قوله: «فقال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: يا عائشةُ، متى عهِدْتني فحَّاشًا؟»:
قال المظهري -رحمه الله-:
«متى عاهَدْتِنِي» أي: متى رأيتِنِي، «فحَّاشًا؟» أي: سبَّابًا؛ يعني: هو رَجُل سُوء، ولكن لم أُؤْذِهِ؛ لأن إيذاء المسلمين ليس من خُلقي. المفاتيح في شرح المصابيح (5/ 177).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
«متى عهدتني» وفي رواية: «عاهدتني»، «فحَّاشًا؟» استفهام إنكار بمعنى النفي. الكوثر الجاري (9/ 429).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«متى عاهدتِني» أي: وجدتِني ورأيتِني «فحَّاشًا؟» أي: ذا فُحش، يعني: قائلًا للفحش، وأصل الفحش زيادة الشيء على مقداره، وهذا إنكار على قولها: إنك خالفتَ بين الغيب والحضور، فلمَ لم تَذْمُمْهُ في الحضور كما ذممته في الغيب؟ مرقاة المفاتيح (7/ 3033).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
أصل الفحش: زيادة الشيء على مقداره، ومن هذا قول الفقهاء: يصلي في الثوب الذي أصابه الدم إذا لم يكن فاحشًا أي: كثيرًا مجاوزًا للقَدْرِ الذي يتعافاه الناس فيما بينهم.
يقول -صلى الله عليه وسلم-: إنَّ استقبال المرء صاحبه بعيوبه إفحاش، والله لا يحب الفحش، ولكن الواجب أن يتأنى له، ويرفق به، ويُكَنِّي في القول، ويوري، ولا يصرح. معالم السنن (4/ 109).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
الفاحش: ذو الفحش في كلامه وأفعاله، والمتفحِّش: الذي يتكلف ذلك ويتعمده.
وقال الداودي: الفاحش: الذي من أخلاقه القول الفحش، وهو ما لا ينبغي من الكلام، والمتفحِّش هو الذي يَستعمل الفحش فيُضحك الناس، وهو نحوه.
وقال جماعة من أهل اللغة: كل شيء جاوز حده، وأفحش في المنطق، أي: قال الفحش، فهو فحَّاش، ويفحش في كلامه. التوضيح (28/ 345).

قوله: «إنَّ شرَّ الناسِ عند الله منزلةً يوم القيامة مَن تركه الناسُ اتقاءَ شرِّه»:
قال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «إنَّ شر الناس» استئناف كالتعليل لقوله: «متى عاهدتني فحَّاشًا؟» وهو إنكار على عائشة -رضي الله عنها- قولها: إنك خالفتَ بين الغيبة والحضور، فلمَ لم تذمه في الحضور كما ذممته في الغيبة، فقال: «متى عاهدتني فحَّاشًا؟ وإنما تركتُه اتقاء شره». الكاشف عن حقائق السنن (10/ 3118- 3119).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«منزلةً» أي: درجة. الكوكب الوهاج (24/ 375).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«منزلة عند الله يوم القيامة» أبعدهم عن رحمته. التنوير (3/ 619).
وقال المظهري -رحمه الله-:
«مَن تركه الناس اتقاء شره» يعني: تركتُ إيذاءه، وتطلقتُ في وجهه كي لا يؤذيني بلسانه، و«شر الناس» مَن تواضع إليه الناس من خوف لسانه لا لصلاحه. المفاتيح في شرح المصابيح (5/ 177- 178).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«مَن تركه الناسُ» تركوا لقاءه، والاتصال به؛ «اتقاء فُحْشِه». التنوير (3/ 619-620).
وقال الصنعاني -رحمه الله- أيضًا:
«اتقاءَ فُحْشِهِ» لأجل فحش لسانه بذمِّه للعباد، وبذاءة نطقه. التنوير (3/ 620).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
«إنَّ شر الناس عند الله منزلة يوم القيامة مَن تركه الناس اتقاء شره» أي: قبيح كلامه؛ لأن المذكور كان من جفاة الأعراب. إرشاد الساري (9/ 31).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
«إنَّ شرَّ الناس عند الله منزلة يوم القيامة مَن تركه الناس اتقاء فحشه» قيل: يمكن أن مراده هذا الرَّجُل وفيه بُعد، والحق أنه استئناف، وجارٍ مجرى العلة، ولفظ الناس أدل دليل على ذلك العموم. الكوثر الجاري (9/ 429).
وقال المناوي -رحمه الله-:
قال بعضهم: أُخِذَ من هذا الخبر وما قبله: أنَّ ملازمة الرَّجُل الشر والفحش حتى يخشاه الناس اتقاءً لشره من الكبائر. فيض القدير (2/ 454).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
قيل: المعنى: إنَّما أَلَنْتُ له القول؛ لأني لو قلتُ له في حضوره ما قلتُه في غيبته لتركني اتقاء فُحْشِي، فأكون أشر الناس. مرقاة المفاتيح (7/ 3034).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
قال المهلب: فإن قال قائل: إنَّ حديث ابن عمر وحديث أبي هريرة (يعني: «شر الناس ذا الوجهين») يعارِضان قوله -صلى الله عليه وسلم- للذي استأذن عليه: «بئس ابن العشيرة» ثم تَلَقَّاهُ بوجهٍ طلق وترحيب.
قيل: ليس بينهما تعارض -بحمد الله-؛ لأنَّه لم يقل -صلى الله عليه وسلم- خلاف ما قاله عنه، بل أبقاه على التجريح عند السامع، ثم تفضَّل عليه بحسن اللقاء والترحيب؛ لِمَا كان يلزمه -صلى الله عليه وسلم- من الاستئلاف، وكان يلزمه التعريف لخاصته بأهل التخليط والتهمة بالنفاق، وقد قيل: إنَّ تَلَقِّيه له بالبِشْرِ إنَّما كان لاتِّقاء شرِّه؛ وليكفَّ بذلك أذاه عن المسلمين، فإنما قصد بالوجهين جميعًا إلى نفع المسلمين بأنْ عرَّفهم سوء حاله، وبأنْ كفاهم ببِشْرِهِ له أذاه وشره، وذو الوجهين بخلاف هذا؛ لأنه يقول الشيء بالحضرة، ويقول ضده في غير الحضرة، وهذا تناقض، والذى فعله -صلى الله عليه وسلم- مُحْكَم مبيَّن لا تناقض فيه؛ لأنه لم يقل لابن العشيرة عند لقائه: إنه فاضل ولا صالح، بخلاف ما قال فيه في غير وجهه، ومن هذا الحديث استجاز الفقهاء التجريح والإعلام بما يُظن من سوء حال الرَّجل إذا خُشي منه على المسلمين. شرح صحيح البخاري (8/ 250-251).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
يجمع هذا الحديث علمًا وأدبًا، وليس قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في أُمَّته بالأمور التي يسِمُهم بها، ويضيفها إليهم من المكروه غِيبةً وإثمًا، كما يكون ذلك من بعضهم في بعض؛ بل الواجب عليه أنْ يُبيِّن ذلك ويُفصح به، ويعرف الناس أمره، فإن ذلك من باب النصيحة، والشفقة على الأُمَّة، ولكنه (-صلى الله عليه وسلم-) لمِا جُبِل عليه من الكرم، وأُعْطِيه من حُسْن الخُلُق، أظهر له من البَشاشة، ولم يَجْبَهْه بالمكروه؛ لِتقتدي به أُمَّته في اتقاء شرّ مَن هذا سبيله، وفي مُدَاراته؛ لِيسلموا من شرّه وغائلته. أعلام الحديث (3/ 2179).
وقال ابن حجر -رحمه الله- معلقًا:
قلتُ: وظاهر كلامه أن يكون هذا من جُملة الخصائص وليس كذلك، بل كل مَن اطلع من حال شخص على شيء، وخشي أن غيره يغترُّ بجميل ظاهره، فيقع في محذور ما، فعليه أن يطلعه على ما يحذر من ذلك قاصدًا نصيحته، وإنما الذي يمكن أن يختص به النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يكشف له عن حال مَن يغتر بشخص من غير أن يُطلعه المغتر على حاله، فيذم الشخص بحضرته؛ ليتجنبه المغتر ليكون نصيحة، بخلاف غير النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ فإن جواز ذمه للشخص يتوقف على تحقق الأمر بالقول أو الفعل ممن يريد نصحه. فتح الباري (10/ 454).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
وفيه: أن مَن أظهر الجفاء وما لا يجب يجوز أن يقال ذلك في غِيبته، ولا تكون غِيبة إذا جاهر بذلك. التوضيح (28/ 348).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
فيه: مشروعية الاستئذان قبل الدخول، وإنْ كان الداخل أشرف قومه. شرح سنن أبي داود (18/ 451).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
فائدة ذِكْرِ الفاسق بما فيه: عسى أن يبلغه ذلك فيرعوي عنه، وتحذير السامعين من ارتكاب مثله، واتقاء شره. الكوثر الجاري (9/ 442).
وقال البغوي -رحمه الله-:
فيه: دليل على أنَّ ذِكْرَ الفاسق بما فيه ليُعرف أمرُه فيُتقى، لا يكون من الغِيبة، ولعل الرَّجل كان مجاهرًا بسوء أفعاله، ولا غِيبة لمجاهر...
وفي الحديث: استعمال حُسْن العِشرة، حيث لم يواجِه الرجل بما أسَرَّهُ عنه، وعدم استقبال الرجل بعيوبه. شرح السنة (13/ 142).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
في حديثه من الفقه: جواز غِيبة الْمُعْلِن بفسقه ونفاقه، والأمير الجائر والكافر، وصاحب البدعة، وجواز مداراتهم؛ اتقاء شرهم، لكن ما لم يؤدِّ ذلك إلى المداهنة في دين الله تعالى. المفهم (6/ 573).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
يُستنبط منه: أنَّ الْمُجاهر بالفسق والشر لا يكون ما يُذكر عنه من ذلك مِن ورائه من الغيبة المذمومة.
قال العلماء: تُباح الغِيبة في كل غرض صحيح شرعًا، حيث يتعين طريقًا إلى الوصول إليه بها كالتظلم، والاستعانة على تغيير المنكر، والاستفتاء، والمحاكمة، والتحذير من الشر، ويدخل فيه تجريح الرواة والشهود، وإعلام مَن له ولاية عامة بِسِيرة من هو تحت يده، وجواب الاستشارة في نكاح أو عقد من العقود، وكذا مَن رأى متفقِّهًا يتردد إلى مبتدع أو فاسق، ويُخاف عليه الاقتداء به، وممن تجوز غيبتهم: من يتجاهر بالفسق أو الظلم أو البدعة، ومما يدخل في ضابط الغيبة وليس بغيبة: ما تقدم تفصيله في باب ما يجوز مِن ذكر الناس، فيستثنى أيضًا، والله أعلم. فتح الباري (10/ 471-472).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
وفيه: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قد ذكره بالعيب الذي عرفه به قبل أن يدخل، وهذا من النبي -صلى الله عليه وسلم- لا يجري مجرى الغِيبة، وإنما فيه تعريف الناس أَمْرَه، وزجرهم عن مثل مذهبه، ولعله قد تَجَاهَر بسوء فعاله ومذهبه، ولا غِيبة لِمُجَاهِرٍ، والله أعلم. معالم السنن (4/ 109).
وقال النووي -رحمه الله-:
«ائذنوا له بئس أخو العشيرة» احتج به البخاري على جواز غِيبة أهل الفساد، وأهل الريب. الأذكار (ص: 342).


إبلاغ عن خطأ