الأحد 6 شعبان 1447 | 2026-01-25

A a

«جَمَعَ النَّبيُّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- بينَ المَغْرِبِ والعِشَاءِ بِجَمْعٍ كلُّ واحدةٍ منهما بإقامةٍ، ولم يُسَبِّحْ بينهما، ولا على إِثْرِ كلِّ واحدةٍ منهما».


رواه البخاري برقم: (1673) واللفظ له، ومسلم برقم: (1288)، من حديث ابن عمر -رضي الله عنهما-.
وفي لفظ عند مسلم برقم: (1218)، «بأذان ‌واحد ‌وإقامتين»، من حديث جابر -رضي الله عنه-.


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«بِجَمْعٍ»:
اسم عَلَمٍ لمزدلفة، قالوا: إنَّما سُمي جمعًا: لأن آدم -عليه السلام- اجتمع فيه بحواء بعد أن أُهْبِطَا، وقيل: لأن الناس يجتمعون فيه بين صلاتي المغرب والعشاء. الشافي، لابن الأثير (2/ 132).
وقال ابن العطار -رحمه الله-:
أما جَمْع: فهو بفتح الجيم، وسكون الميم، وهو اسم للمزدلفة، سميت جمعًا؛ لاجتماع الناس بها. العدة في شرح العمدة (2/ 1069).

«‌يُسَبِّح»:
لم يُسَبِّحْ: أي: لم يتَنَفَّل، ولم يصلِّ بينهما سُنَّة. كشف المشكل من حديث الصحيحين، لابن الجوزي (2/ 500)، ومجمع بحار الأنوار للقاضي عياض (3/ 15).
وقال أبو عبيد الهروي -رحمه الله-:
سُمَّيت الصلاة تسبيحًا؛ لأن التسبيح تعظيم الله، وتنزيهه من كل سوء، ومنه قوله: {سُبْحَانَكَ} النور: 16، أي: أنزهك يا رب من كل سوء، وأبرئك، وسبحان الله، أي: براءة الله. الغريبين (3/ 854).

«إثْرِ»:
بكسر الهمزة، وسكون المثلثة، بمعنى: أَثَر بفتحتين، أي: عقبهما. حاشية السندي على صحيح البخاري (1/ 233).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
«إثر» يضبط بكسر الهمزة، وسكون المثلثة، وبفتحتين، بمعنى: بَعْدُ، وعلى عقبه، وأصله أثر الأقدام. لمعات التنقيح (5/ 367).


شرح الحديث


قوله: «جَمَعَ النَّبيُّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- بينَ المَغْرِبِ والعِشَاءِ»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«جَمَعَ النبي -صلى الله عليه وسلم -» أي: بالمزدلفة في وقت العشاء. مرقاة المفاتيح (5/ 1808).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«جمع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بين المغرب والعشاء» جمع تأخير. الكوكب الوهاج (14/ 271).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
جمع التأخير بمزدلفة وهو إجماع، لكنه عند جمهور أصحابنا (الشافعية) بسبب السفر، فالمزدلفي لا يجمع، وعند أبي حنيفة ومالك أنه بسبب النسك فيجمع، وإنَّما يؤخر إذا لم يخرج وقت اختيار العشاء، فإنْ خافه فالأفضل التقديم، كما قاله جماعات من أصحابنا. التوضيح (4/ 66).
وقال العيني -رحمه الله-:
قال الترمذي: والعمل على هذا الحديث عند أهل العلم أنه لا يصلي المغرب دون جمع.
وقال شيخنا زين الدين (العراقي) -رحمه الله تعالى-: كأنَّه أراد بالعمل عليه: مشروعيته استحبابًا لا تحتمًا ولا لزومًا، فإنهم لم يتفقوا على ذلك، بل اختلفوا فيه.
فقال سفيان الثوري: لا يصليهما حتى يأتي جَمْعًا، وله السعة في ذلك إلى نصف الليل، فإن صلاهما دون جَمْعٍ أعاد، وكذا قال أبو حنيفة: إنْ صلاهما قبل أنْ يأتي المزدلفة فعليه الإعادة، وسواء صلاهما قبل مغيب الشفق أو بعده، فعليه أنْ يعيدهما إذا أتى المزدلفة.
وقال مالك: لا يصليها أحد قبل جَمْع إلا من عذر، فإن صلاهما من عذر لم يجمع بينهما حتى يغيب الشفق، وذهب الشافعي إلى أنَّ هذا هو الأفضل، وأنه إن جمع بينهما في وقت المغرب أو في وقت العشاء بأرض عرفات أو غيرها أو صلى كل صلاة في وقتها جاز ذلك، وبه قال الأوزاعي وإسحاق بن راهويه وأبو ثور، وأبو يوسف وأشهب، وحكاه النووي عن أصحاب الحديث، وبه قال من التابعين: عطاء وعروة وسالم والقاسم وسعيد بن جبير. عمدة القاري (10/ 11-12).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
اختلفوا فيمن صلى قبل أنْ يأتي المزدلفة العشاءين (يعني: المغرب والعشاء)، فذهب الكوفيون أنه لا يجزئه ويعيدهما، وإن صلاهما بعد مغيب الشفق، وقاله ابن حبيب من أصحابنا، وقال مالك: لا يصليهما قبل المزدلفة إلا من به عُذر أو بدابته، ولا يجمع هذا بينهما حتى يغيب الشفق، وقال محمد (ابن الحسن): يصليهما كل صلاة لوقتها، وقيل: يجزئه صلاته لهما في وقتهما قبل مزدلفة، كان إمام الحاج أو غيره، وهو مروي عن جماعة من الصحابة والتابعين، وقاله الشافعي والأوزاعي وأبو يوسف وأشهب من أصحابنا وفقهاء أصحاب الحديث. إكمال المعلم (4/ 279).
وقال ابن العطار -رحمه الله-:
قد اختلف العلماء في جواز الجمع بغير مزدلفة، كما لو جمع في الطريق أو بعرفة جمع تقديم، والأحاديث الصحيحة تدل صريحًا على جوازه بعرفة، والخلاف فيه هل هو بسبب النسك أو السفر؟ ومَن منعه فالأحاديث الصحيحة حجة عليه، ومَن جوَّزه في السفر مطلقًا جوزه هنا.
ومن علَّلَه بالنسك قال: لا يجمع إلا بالمكان الذي جمع فيه رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؛ إقامة لوظيفة النسك على الوجه الذي فعله رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. العدة في شرح العمدة (2/ 1071).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
قال أصحابنا: فلو جمع بينهما في وقت المغرب في أرض عرفات، أو في الطريق، أو في موضع آخر، أو صلى كل صلاة في وقتها جاز جميع ذلك، وإن خالف الأفضل، هذا مذهبنا (الشافعية) وبه قال جماعة من الصحابة والتابعين، وقاله الأوزاعي وأبو يوسف وأشهب، وفقهاء أصحاب الحديث. التوضيح (4/ 67).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
السُّنة في تقصير الحاج بمنى وعرفة ومكة الصلاة الرباعية، مكيًّا كان أو غير مكي، إلا أهل منى بمنى، وأهل عرفة بعرفة، وأهل مكة بمكة، هذا قول مالك والأوزاعي، إلا الإمام فإنه يقصر وإن كان عندهم من سكان هذه المواضع، وذهب جمهور العلماء إلى أن هؤلاء يتمُّون، وإنما يقصر من كان في سفره ما تقصر فيه الصلاة على سُنة القصر، ولا يختص الحاج بشيء من غيره، وذهب بعض السلف إلى مثل قول مالك، إلا أنه سوى الإمام وغيره، وأنه يقصر إن كان من أهل الموضع، وهو مذهب إسحاق. إكمال المعلم (4/ 364).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
الأحاديث كلها تدل على أنه جمع في الوقت الواحد بعرفة ومزدلفة من غير خوف ولا مطر؛ لرفع الحرج عن أمَّته، فيباح الجمع إذا كان في تركه حرج قد رفعه الله عن الأمَّة؛ وذلك يدل على الجمع للمرض الذي يحرج صاحبه بتفريق الصلاة بطريق الأولى والأحرى، ويجمع من لا يمكنه إكمال الطهارة في الوقتين إلا بحرج كالمستحاضة، وأمثال ذلك من الصور. مجموع الفتاوى (24/ 83-84).
وقال العيني -رحمه الله-:
الخلاف فيه: هل هو للنسك أو لمطلق السفر، أو للسفر الطويل، فمن قال: للنسك، قال: يجمع أهل مكة ومنى وعرفة والمزدلفة، ومن قال: لمطلق السفر، قال: يجمعون سوى أهل المزدلفة، ومن قال: للسفر الطويل، قال: يتم أهل مكة ومنى وعرفة والمزدلفة وجميع من كان بينه وبينها دون مسافة القصر، ويقصر من طال سفره. عمدة القاري (10/ 11).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
واختلفوا في علة الجمع فيهما: فقيل: السفر، وفيه نظر؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يجمع في منى قبل عرفة ولا حين رجع منها.
وقيل: النسك، وفيه أيضًا نظر؛ إذ لو كان كذلك لجمع النبي -صلى الله عليه وسلم- من حين أحرم.
وقيل: المصلحة والحاجة، وهو الأقرب، فجَمْعُ عرفة لمصلحة طول زمن الوقوف والدعاء؛ ولأن الناس يتفرقون في الموقف، فإن اجتمعوا للصلاة شق عليهم، وإن صلوا متفرقين فاتت مصلحة كثرة الجمع.
أما في مزدلفة فهم أحوج إلى الجمع؛ لأن الناس يدفعون من عرفة بعد الغروب فلو حُبسوا لصلاة المغرب فيها لصلوها من غير خشوع، ولو أوقفوا لصلاتها في الطريق لكان ذلك أشق، فكانت الحاجة داعية إلى تأخير المغرب لتجمع مع العشاء هناك، وهذا عين الصواب والمصلحة؛ لجمعه بين المحافظة على الخشوع في الصلاة، ومراعاة أحوال العباد. مجموع الفتاوى (12/ 255-256).

قوله: «بِجَمْعٍ»:
قال ابن حجر -رحمه الله-:
وسميت جَمْعًا لأن آدم اجتمع فيها مع حواء، وازدلف إليها، أي: دنا منها.
وروي عن قتادة: أنها سميت جمعًا لأنها يُجمع فيها بين الصلاتين.
وقيل: وُصِفَت بفعل أهلها؛ لأنهم يجتمعون بها، ويزدلفون إلى الله، أي: يتقربون إليه بالوقوف فيها.
وسميت المزدلفة إما لاجتماع الناس بها، أو لاقترابهم إلى منى، أو لازدلاف الناس منها جميعًا، أو للنزول بها في كل زلفة من الليل، أو لأنها منزلة وقربة إلى الله، أو لازدلاف آدم إلى حواء بها. فتح الباري (3/ 523).

قوله: «كلُّ واحدةٍ منهما بإقامةٍ»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«كلُّ واحدة» بالرفع على الجملة الحالية، وبالنصب على البدلية. مرقاة المفاتيح (5/ 1808).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «كل واحدة منهما بإقامة» يعني: لم يؤذن إلا للمغرب. لمعات التنقيح (5/ 366).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«منهما بإقامة» أي: على حِدَة، وبه قال زُفَر -رحمه الله-، واختاره الطحاوي. مرقاة المفاتيح (5/ 1808).
وقال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله- معلقًا على كلام القاري:
قلتُ: ورجحه ابن الهمام، وقال الطحاوي بعد اختياره هذا القول: وهو خلاف قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد (ابن الحسن)؛ وذلك أنهم يذهبون في الجمع بين الصلاتين بمزدلفة إلى أنْ يجعلوا ذلك بأذان وإقامة واحدة. انتهى. مرعاة المفاتيح (9/ 156).
وقال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
لم يذكر في حديث ابن عمر هذا الأذان، وهو ثابت في حديث جابر، وفي حديث ابن مسعود، فلا بد من القول به. مرعاة المفاتيح (9/ 156).
وقال المازري -رحمه الله-:
اختُلف في هذا (يعني: في الأذان والإقامة) عندنا (المالكية) على ثلاثة أقوال:
فقيل: لا يجمع بينهما إلا بأذانين وإقامتين.
وقيل: يجزئ أذان واحد وإقامتان، وقد تقدم حديث جابر بما يؤيد هذا القول.
وقيل: تجزئ إقامتان بغير أذان. المعلم (2/ 94).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
روي الجمع بإقامة واحدة لهما، ولم يَذكر أذانًا، وقد ذكره مسلم بعد هذا، وروي الجمع ولم يذكر إقامة لكل صلاة، فقيل: بأذان واحد وإقامتين على حديث جابر، وإلى هذا ذهب أحمد وأبو ثور، وعبد الملك بن الماجشون والطحاوي، وقال مالك: يؤذن ويقيم لكل صلاة؛ قياسًا على سائر الصلوات، وهو مذهب عمر بن الخطاب وابن مسعود، وذهب أبو حنيفة وأبو يوسف إلى أذان واحد وإقامة واحدة، وقال الشافعي وأحمد -في أحد قوليه-: بإقامتين دون أذان لهما، وروي هذا عن القاسم وسالم، ومثله عندنا في كتاب الجلاب في عرفة ومزدلفة، وقال الثوري: تجزئ إقامة واحدة لا أذان معها، وحكي عن ابن عمر، وأما جمع عرفة فقال الطحاوي: إنهم لم يختلفوا أن الأُولى فيهما يؤذَّن لها ويُقام، وقد حكى شيوخنا الخلاف في ذلك كالخلاف في صلاة المزدلفة سواء. إكمال المعلم (4/ 278).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
الذي ذهب إليه الشافعي أنه يجمع بين المغرب والعشاء بمزدلفة، ويقيم لكل واحدة منهما، وهل يؤذن للأولى منهما؟ فيه خلاف.
وقال أبو حنيفة: يجمع بينهما بإقامة واحدة، ولا يجزئه التفريق في وقتيهما عنده، وعند محمد بن الحسن، ويجزئه عند الشافعي ومالك وأبي يوسف وأحمد. الشافي (2/ 132).
وقال المظهري -رحمه الله-:
اعلم أنه اختُلف في الأذان والإقامة إذا جمع بين المغرب والعشاء بمزدلفة.
قال الشافعي: يقيم لكل واحد منهما ولا يؤذن.
وقال أبو حنيفة: يؤذن ويقيم للمغرب ويقيم للعشاء.
وقال مالك: يؤذن ويقيم لكل واحد منهما.
وقال سفيان الثوري: يقيم للمغرب ولا يقيم للعشاء، ولا يؤذن لا للمغرب ولا للعشاء، هذا بحث الجمع بين المغرب والعشاء.
فأما الجمع بين الظهر والعصر بعرفة: فقد أجمعوا على أنه يؤذن ويقيم للظهر، ولا يؤذن للعصر.
وأما في الإقامة للعصر خلاف، فقال الشافعي: يقيم للعصر، وقال أبو حنيفة: لا يقيم. المفاتيح (3/ 306).
وقال العيني -رحمه الله-:
فيه (يعني: الأذان والإقامة في مزدلفة) للعلماء ستة أقوال:
أحدها: أنه يقيم لكل منهما، ولا يؤذن لواحدة منهما، وهو قول القاسم ومحمد وسالم، وهو إحدى الروايات عن ابن عمر، وبه قال إسحاق بن راهويه وأحمد بن حنبل في أحد القولين عنه، وهو قول الشافعي وأصحابه فيما حكاه الخطابي والبغوي وغير واحد، وقال النووي في شرح مسلم: الصحيح عند أصحابنا أنه يصليهما بأذان للأولى وإقامتين لكل واحدة إقامة، وقال (النووي) في الإيضاح: إنه الأصح.
الثاني: أن يصليهما بإقامة واحدة للأُولى، وهو إحدى الروايات عن ابن عمر، وهو قول سفيان الثوري فيما حكاه الترمذي والخطابي وابن عبد البر وغيرهم.
الثالث: أنه يؤذن للأُولى ويقيم لكل واحدة منهما، وهو قول أحمد بن حنبل في أصح قوليه، وبه قال أبو ثور وعبد الملك بن الماجشون من المالكية، والطحاوي، وقال الخطابي: هو قول أهل الرأي، وذكر ابن عبد البر أن الجوزجاني حكاه عن محمد بن الحسن عن أبي يوسف عن أبي حنيفة.
الرابع: أنه يؤذن للأُولى ويقيم لها، ولا يؤذن للثانية ولا يقيم لها، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف، حكاه النووي وغيره.
قلتُ: هذا هو مذهب أصحابنا (الأحناف) وعند زفر: بأذان وإقامتين.
الخامس: أنه يؤذن لكل منهما ويقيم، وبه قال عمر بن الخطاب، وعبد الله بن مسعود -رضي الله تعالى عنهما-، وهو قول مالك وأصحابه إلا ابن الماجشون، وليس لهم في ذلك حديث مرفوع، قاله ابن عبد البر.
السادس: أنه لا يؤذن لواحدة منهما ولا يقيم، حكاه المحب الطبري عن بعض السلف، وهذا كله في جمع التأخير.
أما جمع التقديم كالظهر والعصر بنمرة ففيه ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه يؤذن للأولى ويقيم لها، ولا يقيم لكل منهما، وهو قول الشافعي وجمهور أصحابه.
والثاني: أنه يؤذن للأولى ويقيم لها ولا يقيم للثانية، وهو مذهب أبي حنيفة.
والثالث: أنه يؤذن لكل منهما ويقيم، وهو وجه حكاه الرافعي عن ابن كج عن أبي الحسين القطان أنه أخرجه وجهًا.
فإن قلتَ: ما الأصل في هذه الأقوال؟
قلتُ: الذي قال: بأذان واحد وإقامتين، قال برواية جابر، والذي قال: بلا أذان ولا إقامة، قال بحديث أبي أيوب وابن عمر، فإنه ليس فيهما أذان ولا إقامة، وكذا رواه طلق بن حبيب وابن سيرين ونافع عن ابن عمر مِن فِعْله، والذي قال: بإقامة واحدة قال بحديث الزهري عن سالم عن ابن عمر: «أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- جمع بين المغرب والعشاء بجمع بإقامة واحدة» وكذا رواه ابن عباس مرفوعًا عند مسلم، والذي قال: بإقامة للمغرب وإقامة للعشاء بحديث أمامة، وكذا فعَلَه عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه-، فهذه الأحاديث التي رويت كلها مسندة، قاله ابن حزم، وقال: وأشد الاضطراب في ذلك عن ابن عمر -رضي الله تعالى عنه-، فإنه روي عنه مِن عمله الجمع بينهما بلا أذان ولا إقامة، وروي عنه أيضًا إقامة واحدة، وروي عنه موقوفًا بأذان واحد وإقامة واحدة، وروي عنه مسندًا الجمع بينهما بإقامتين، وروي عنه مسندًا بأذان واحد وإقامة واحدة، قال: وهنا قول سادس ولم نجده مرويًا عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، وهو ما رويناه عن ابن مسعود أنه: «صلى المغرب بالمزدلفة كل واحد منهما بأذان وإقامة».
قلتُ (القائل هو العيني): هذا رواه البخاري عن ابن مسعود -رضي الله تعالى عنهما-. عمدة القاري (10/ 12).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
الراجح عندي: قول مَن قال: يصلي الأولى بالأذان والإقامة، والثانية بالإقامة فقط؛ لحديث جابر -رضي الله تعالى عنه-، وهو مرفوع صريح في ذلك، وما عداه إما موقوف كحديث عمر وابن مسعود -رضي الله عنهما-، أو قابل للتأويل كحديث أسامة وابن عمر -رضي الله تعالى عنهما-، فيؤوَّل بأنه صلى الأولى بالإقامة مع الأذان، والثانية بالإقامة فقط.
وإنما أوَّلنا بذلك لأنه لا يمكن أن يُحمل على تعدد الواقعة، إذ حُجَّته -صلى الله عليه وسلم- واحدة، فتعين الجمع بين الروايات، وحديث جابر صريح مفسر، فوجب حمل غيره عليه. ذخيرة العقبى (8/ 178).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
الصحيح في ذلك كله: الأخذ بحديث جابر، وهو الجمع بينهما بأذان وإقامتين لوجهين اثنين:
أحدهما: أنَّ الأحاديث سواه مضطربة مختلفة، فهذا حديث ابن عمر في غاية الاضطراب...
الوجه الثاني: أنَّه قد صح من حديث جابر في جمعه -صلى الله عليه وسلم- بعرفة: أنه جمع بينهما بأذان وإقامتين، ولم يأتِ في حديث ثابت قط خلافه، والجمع بين الصلاتين بمزدلفة كالجمع بينهما بعرفة، لا يفترقان إلا في التقديم والتأخير، فلو فرضنا تدافُع أحاديث الجمع بمزدلفة جملةً؛ لأخذنا حُكْم الجمع مِن جَمْع عرفة. تهذيب سنن أبي داود (1/ 261-262).
وقال الشيخ ابن باز -رحمه الله-:
السُّنة: بأذان واحد وإقامتين، هذه سُنة النبي -صلى الله عليه وسلم- في الحج، وفي أسفاره، يؤذِّن للمغرب والعشاء أذانًا واحدًا، وللظهر والعصر أذانًا واحدًا، ويقيم لكل واحدة، هذا هو السُّنة إذا صلى المغرب والعشاء جميعًا، أو الظهر والعصر جميعًا في السفر، وهكذا في الحج أذان واحد وإقامتان كما ثبت ذلك من حديث جابر -رضي الله عنه-، ومن أحاديث أخرى. فتاوى نور على الدرب (13/ 46).

قوله: «‌ولم ‌يُسَبِّح ‌بينهما»:
قال ابن الملك -رحمه الله-:
«ولم يسبِّح بينهما» أي: لم يصلِّ بين المغرب والعشاء شيئًا من السنن والنوافل. شرح المصابيح (3/ 293).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «فلم يسبِّح بينهما» معناه: لم يصلِّ بينهما النافلة، والنافلة تسمى سُبحة. الكاشف عن حقائق السنن (6/ 1968).
وقال الفاكهاني -رحمه الله-:
قوله: «لم يسبح بينهما» أي: لم يتنفَّل، وهو دليل لمشهور مذهب مالك -رحمه الله-، وقد قال -صلى الله عليه وسلم-: «صلوا كما رأيتموني أصلي» والله أعلم. رياض الأفهام (4/ 145).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
هذه سُنة صلاة الجمع في عرفة ومزدلفة وليلة المطر: ألَّا تتنفل بينهما، إلا لمن يرى الأذان لكل صلاة، فيباح التنفل ما دام يؤذن المؤذن لمن يخفى عليه ذلك، فقد رُخص فيه. إكمال المعلم (4/ 278).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
إنما لم يتطوع بينهما -والله أعلم- لأنه لم يكن بينهما أذان، ففرغ من صلاة المغرب ثم قام إلى العشاء، ولم يكن بينهما مهلة في الوقت يمكن فيها التنفل، وأما من رأى أن يؤذن لكل صلاة فإنه لا يمنع التنفل لمن أراد، وقد فعل ذلك ابن مسعود، وإن كان قد روى ابن نافع عن مالك أنه لا يتنفل بين الصلاتين عند جمعهما، وكل ذلك واسع لا حرج فيه.
قال الطبري: لأنهما صلاتان تصلَّيان لأوقاتهما، ولن يفوت وقتهما للحاج حتى يطلع الفجر. شرح صحيح البخاري (4/ 354).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
قال القاضي (حسين المروروذي): ولو تنفل كان جائزًا، لكنه غير مسنون، قال أبو الفتوح العجلي والنووي وغيرهما: إذا جمع بين المغرب والعشاء يصليهما ثم سُنة المغرب، ثم سُنة العشاء، ثم سُنة الوتر، كذا يفعل الجامع في السفر، وقال القاضيان الماوردي والحسين (المروروذي): قال الشافعي: لا يُسبِّح بينهما، ولا في إثر واحدة منهما، أي: لا يتنفل بينهما؛ لأن النفل يقطع الجمع -يعني: إذا صلاهما في وقت الأولى-، ولا بعد العشاء؛ لأنه مأمور بالتأهب لمناسكه، انتهى، ويدل عليه الحديث، والمراد بالتنفل: النافلة المطلقة غير المسنونة. شرح سنن أبي داود (9/ 10).
وقال السندي -رحمه الله-:
ليس المراد أنه لا ينتفل لا بينهما ولا بعدهما؛ لأن المنفي التعقيب لا المهلة، وحينئذٍ فلا ينافي قولهم باستحباب تأخير سُنة العشاءين عنهما. حاشية السندي على صحيح البخاري (1/ 233).

قوله: «ولا على إِثْرِ كلِّ واحدةٍ منهما»:
قال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «ولا على إِثْر كل واحدة منهما» أي: عقبها. فتح الباري (3/ 523).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«ولا على إثر كل واحدة» بفتح الهمزة والمثلثة، وفي نسخة بكسر، فسكون، أي: عقيب كل واحدة «منهما». مرقاة المفاتيح (5/ 1808).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله- أيضًا:
وهو تأكيد لنفي ما بينهما، وتصريح لنفي ما بعدهما من النفل، وهو لا ينافي فعل السنة والوتر فيما بعدهما. مرقاة المفاتيح (5/ 1808).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «ولا على إثر كل واحدة منهما» أي: لم يصلِّ بعد العشاء. لمعات التنقيح (5/ 367).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
قوله: «ولا على إثر واحدة منهما» أي: ولا عقب كل واحدة من الصلاتين، لا عقب الأولى، ولا عقب الثانية، وهذا تأكيد بالنظر إلى الأُولى، وتأسيس بالنظر إلى الثانية. ذخيرة العقبى (25/ 389).
وقال البرماوي -رحمه الله-:
هذا لا ينافي قول الفقهاء: يستحب تأخير سُنة المغربين عنها خلافًا لما يوهم مقتضى: «ولا على إثر» أنه لا يتنفل لا بينهما ولا بعدهما؛ لأن المراد أنه لم يصلِّ بعد كل واحدة منهما، وإنْ صلى بعدهما معًا، أو أنَّ المنفي تعقيبه لا المهلة.
قلتُ: هذا أصلح من الأول؛ فإن لفظ: «واحدة» شامل لكل من الأولى والثانية. اللامع الصبيح (6/ 142-143).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
ليس المراد أنه لم يتنفل لا بينهما ولا بعدهما؛ لأن المنفي التعقيب لا المهلة، وحينئذٍ فلا ينافي قولهم باستحباب تأخير سنة العشاءين عنهما، ومذهب الشافعية: أنه إذا جمع بين الظهر والعصر قدَّم سُنة الظهر التي قبلها، وله تأخيرها سواء جمع تقديمًا أو تأخيرًا، وتوسيطها إن جمع تأخيرًا، سواء قدَّم الظهر أو العصر وأخَّر سنتها التي بعدها، وله توسيطها إن جمع تأخيرًا وقدم الظهر وأخَّر عنهما سُنة العصر، وله توسيطها وتقديمها إنْ جمع تأخيرًا سواء قدم الظهر أم العصر، وإذا جمع بين المغرب والعشاء أخَّر سنتهما، وله توسيط سنة المغرب إن جمع تأخيرًا وقدم المغرب، وتوسيط سنة العشاء إن جمع تأخيرًا وقدم العشاء، وما سوى ذلك ممنوع، وهذا كله بناء على أن الترتيب والولاء شرطان في جمع التقديم دون جمع التأخير، والأولى من ذلك تقديم سُنة الظهر أو المغرب المقدمة وتأخير ما سواها على كل تقدير. إرشاد الساري (3/ 204).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
فإن قلتَ: قال الفقهاء: تؤخَّر سُنة المغربين (يعني: المغرب والعشاء) عنهما، والمستفاد منه أنه لا يصلي السُّنة أصلًا لا بينهما ولا بعدهما.
قلتُ: لا نسلم أنه يستفاد منه ذلك، فإنه إذا صلى بعدهما صدق أنه لم يصلِّ بعد كل واحدة منهما، أو المراد صلَّاها بعدهما بمهلة لا في إثْر الفريضة وعقبها. الكواكب الدراري (8/ 166).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
يُستفاد منه: أنه ترك التنفل عقب المغرب وعقب العشاء؛ ولما لم يكن بين المغرب والعشاء مُهلة صرح بأنه لم يتنفل بينهما بخلاف العشاء، فإنه يحتمل أن يكون المراد أنه لم يتنفل عقبها لكنه تنفل بعد ذلك في أثناء الليل، ومن ثم قال الفقهاء: تؤخَّر سُنة العشاءين عنهما، ونقل ابن المنذر الإجماع على ترك التطوع بين الصلاتين بالمزدلفة؛ لأنهم اتفقوا على أن السُّنة الجمع بين المغرب والعشاء بالمزدلفة، ومن تنفل بينهما لم يصح أنه جمع بينهما، انتهى، ويعكر على نقل الاتفاق فعل ابن مسعود. فتح الباري (3/ 523-524).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله- معلقًا على كلام ابن حجر:
أشار به (يعني: فعل ابن مسعود) إلى ما أخرجه البخاري -رحمه الله تعالى-، من طريق أبي إسحاق، قال: سمعتُ عبد الرحمن بن يزيد، يقول: «حج عبد الله -رضي الله عنه-، فأتينا المزدلفة حين الأذان بالعتمة، أو قريبًا من ذلك، فأمر رجلًا فأذن وأقام، ثم صلى المغرب، وصلى بعدها ركعتين، ثم دعا بعَشَائه فتعشَّى، ثم أمر -أرى- فأذن وأقام، قال عمرو: لا أعلم الشك إلا من زهير، ثم صلى العشاء ركعتين، فلما طلع الفجر، قال: إن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان لا يصلي هذه الساعة إلا هذه الصلاة في هذا المكان من هذا اليوم، قال عبد الله: هما صلاتان تحوَّلان عن وقتهما: صلاة المغرب بعد ما يأتي الناس المزدلفة، والفجر حين يبزغ الفجر، قال: رأيتُ النبي -صلى الله عليه وسلم- يفعله». ذخيرة العقبى (25/ 389).
وقال ابن العطار -رحمه الله-:
في هذا الحديث أحكام:
منها: جواز جمع التأخير بمزدلفة، وهو جمع؛ لأنه -صلى الله عليه وسلم- كان وقت المغرب بعرفة، فما جمع بينهما بمزدلفة إلا وقد أخَّر المغرب، وهذا الجمع مجمع عليه، لكن اختلفوا في سببه، هل هو النسك أو السفر؟
ومنها: شرعية الإقامة لكل واحدة من الصلاتين المجموعتين، ولم يتعرض للأذان لهما في هذا الحديث، وفي رواية في صحيح مسلم: «أنه -صلى الله عليه وسلم- صلاهما بإقامة واحدة»، وفي صفة حجة النبي -صلى الله عليه وسلم- في صحيح مسلم: «أنه -صلى الله عليه وسلم- صلاهما بأذان واحد وإقامتين» وهذا مقدم على رواية الكتاب، ورواية صلاتهما بإقامة واحدة؛ لأنها رواية معها زيادة علم، فهي مقدَّمة على غيرها إذا كانت من ثقة مقبولة؛ ولأن جابرًا -رضي الله عنه- اعتنى بنقل حجة النبي -صلى الله عليه وسلم-، وضبطها أكثر من غيره، فكان أولى بالاعتماد والقبول، وتُحمل رواية صلاتهما بإقامة واحدة على كل واحدة منهما أنه صلاها بإقامة؛ جمعًا بين الروايات، ونفيًا للاختلاف.
ومذهب الشافعي الصحيح: أنه يؤذِّن للأُولى منهما، ويقيم لكل واحدة إقامة، فيصليهما بأذان وإقامتين، ودلالة حديث الكتاب على عدم الأذان دلالة سكوت.
ومنها: عدم التنفل بين الصلاتين المجموعتين، ويعبر عن ذلك بوجوب الموالاة بينهما.
ومنها: عدم صلاة النفل في السفر، لكنها دلالة بعدم الفعل، وهي بمجردها لا تدل على عدم الاستحباب، بل تدل على تأخير فعل النفل في ذلك الوقت.
ومذهب الشافعي -رحمه الله- استحباب السنن الراتبة، لكنه يفعل التي قبل الصلاة قبلها، ولا يفعل بينهما شيئًا، بل يفعل الذي بعدها، وقبل الثانية بعدهما؛ بدليل صلاة النفل في السفر في حديث ابن عمر -رضي الله عنهما-، وهو صحيح، والله أعلم. العدة في شرح العمدة، باختصار (2/ 1070-1072).
وقال الفاكهاني -رحمه الله-:
فيه: دليل على الجمع بين المغرب والعشاء بالمزدلفة، وأنه السُّنة، وقد اختلف الفقهاء هل يجوز الجمع بغير المزدلفة في هذه الليلة، فيجمع في الطريق -مثلًا-، أو بعرفة على التقديم، ومنشأ الخلاف هل هذا الجمع عذره السفر أو عذره النسك؟ رياض الأفهام (4/ 145).
وقال المظهري -رحمه الله-:
هذا الحديث صريح بأنه لا تُصلى السنن الرواتب عند الجمع بين الصلاتين، وعند القصر؛ لأن الجمع والقصر إنما يكون للتخفيف عن المسلمين، فإذا خفف عليهم الفرائض، فالتخفيف بوضع السنن عنهم أولى. المفاتيح (3/ 307).
وقال العيني -رحمه الله-:
ذكر ما يُستفاد منه:
فيه: الجمع بين المغرب والعشاء في المزدلفة، وهذا لا خلاف فيه.
وفيه: أن الإقامة لكل واحدة من المغرب والعشاء.
وفيه: أنه -صلى الله عليه وسلم- لم يتنفل بين المغرب والعشاء حين جمع بينهما بالمزدلفة، ولا عقيب كل واحدة منهما؛ وذلك لأنه لما لم يكن بين المغرب والعشاء مهلة لم يتنفل -صلى الله عليه وسلم- بينهما، بخلاف العشاء فإنه يحتمل أن يكون المراد أنه لم يتنفل عقيبها، لكنه تنفل بعد ذلك في أثناء الليل، ونقل ابن المنذر الإجماع على ترك التطوع بين الصلاتين بالمزدلفة، ومن تنفل بينهما لم يصح أنه جَمَعَ بينهما. عمدة القاري (10/ 12).


إبلاغ عن خطأ