الأربعاء 5 ذو القعدة 1447 | 2026-04-22

A a

«شهِدتُ عمرَ -رضي الله عنه- صلَّى بجَمْعٍ الصَّبحَ، ثم وقفَ فقالَ: إنَّ المشركينَ كانوا ‌لا ‌يُفِيضُونَ ‌حتى ‌تَطْلُعَ الشمسُ، ويقولون: أشرِقْ ثَبِيرُ، وإنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- خالفهم، ثم أفاضَ قبل أنْ تَطْلُع الشمسُ»


رواه البخاري برقم: (1684)، من حديث عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-.


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«بجَمْعٍ»:
بفتح الجيم، وسكون الميم، أي: المزدلفة، وسُمِّيت جمعًا؛ لأن آدم اجتمع فيها مع حواء، وازدلف إليها، أي: دنا منها، وروي عن قتادة: أنَّها سُمِّيت جمعًا؛ لأنها يُجمع فيها بين الصلاتين، وقيل: وُصفت بفعل أهلها؛ لأنهم يجتمعون بها. فتح الباري، لابن حجر (3/ 523).

«يُفِيضُونَ»:
بضم الياء من الإفاضة: وهو الدفع، وقال الجوهري: وكل دفعة إفاضة، قال: وأفاضوا في الحديث، أي: اندفعوا فيه. عمدة القاري، للعيني (10/ 22- 23).
وقال البركتي -رحمه الله-:
الإفاضة من عرفات: هو الدفع والرجوع منها إلى المزدلفة بكثرة على هينتهم، ومنه طواف الإفاضة، وكل دفعة إفاضة. التعريفات الفقهية (ص: 32).

«أَشْرِقْ»:
هو من شروق الشمس، وشروقها طلوعها، يقال: شَرَقَت الشمس شُروقًا إذا هي طلعت، وأشرقت إذا أضاءت، وإنما يريدون ادْخُل أيها الجبل في الشروق. غريب الحديث، لابن قتيبة (1/ 356).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
المعنى: ادخل أيها الجبل في الشروق، أي: في نور الشمس. جامع الأصول (3/ 248).

«ثَبِيرُ»:
بفتح المثلثة، وكسر الموحدة، جبل معروف هناك، وهو على يسار الذاهب إلى منى، وهو أعظم جبال مكة، عُرِفَ برجل من هذيل، اسمه ثبير، دُفن فيه. فتح الباري، لابن حجر (3/ 531).
وقال ابن دريد -رحمه الله-:
ثَبِيرُ: جبل معروف، وهي أربعة أثبرة كلها بالحجاز. جمهرة اللغة (1/ 259).
وقال العيني -رحمه الله-:
وذكر ياقوت (الحموي) أن بمكة سبعة جبال كل منها يسمى ثبيرًا:
الأول: أعظمها وأكبرها بينها وبين عرفة وهو المراد من قولهم: أشرِق ثبير كيما نغير، قال الأصمعي: هو ثبير حراء، وقال البكري: ويقال له: ثبير الأثبرة.
الثاني: ثبير الزنج؛ لأن الزنج كانوا يلعبون عنده.
الثالث: ثبير الأعرج.
الرابع: ثبير الخضراء.
الخامس: ثبير النصع، وهو جبل المزدلفة على يسار الذاهب إلى منى.
السادس: ثبير غينَى.
السابع: ثبير الأحدب، قال البكري: بالإضافة، وحكى ابن الأنباري أنه على النعت. نخب الأفكار (10/ 45).


شرح الحديث


قوله: «شهِدتُ عمرَ -رضي الله عنه- صلَّى بجَمْعٍ الصَّبحَ، ثم وقفَ»:
قال الشيخ حمزة محمد قاسم -رحمه الله-:
«شهدتُ عمرَ -رضي الله عنه- صلّى بجَمْع الصبح» أي: حضرتُ مع عمر -رضي الله عنه-، ورأيته بعيني وقد صلى في مزدلفة صلاة الصبح «ثم وقف» أي: ثم إنه لم يسارع بالنزول من مزدلفة بعد صلاة الصبح مباشرة، ولكنه وقف إلى وقت الإِسفار. منار القاري (3/ 126).

قوله: «فقال: إنَّ المشركينَ كانوا ‌لا ‌يُفِيضُونَ ‌حتى ‌تَطْلُعَ الشمسُ»:
قال الطبري -رحمه الله-:
قول عمر: «كان المشركون لا يفيضون من جَمْع حتى تطلع الشمس» يعني بقوله: «لا يفيضون» لا يرجعون من المشعر إلى حيث يبدأ المصير إليه من منى حتى تطلع الشمس؛ ولذلك تقول العرب لكل راجع من موضع كان صار إليه من موضع آخر غيره إلى الموضع الذي بدأ منه المصير إليه: أفاض فلان من موضع كذا...، وكان الأصمعي يقول: الإفاضة الدفعة، ويقول: كل دفعة إفاضة. تهذيب الآثار (2/ 889 - 890).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
«إن المشركين كانوا لا يفيضون» أي: مِن جَمْعٍ إلى منى «حتَّى تطلع الشمس». الكوثر الجاري (4/ 120).
وقال الشيخ حمزة محمد قاسم -رحمه الله-:
«فقال: إنَّ المشركين كانوا ‌لا ‌يفيضون ‌حتى ‌تطلع الشمس» أي: فلما حان وقت الإسفار قال: إنَّ المشركين كانوا لا ينزلون من مزدلفة إلى منى إلا بعد طلوع الشمس، والتأكد من طلوعها وإشراقها. منار القاري (3/ 126).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
كان المشركون في الجاهلية يدفعون من عرفة إذا كانت الشمس على رؤوس الجبال كالعمائم على رؤوس الرجال، يعني: أنها على وشك المغيب، فيدفعون قبل أن تغيب الشمس، فخالفهم النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وبقي حتى غربت الشمس، مع أنَّ الدفع قبل الغروب أسهل، لكن مخالفةً للمشركين، وفي مزدلفة بالعكس كانوا يتأخرون... فخالفهم، ولكنه خالفهم بما فيه الرفق على الأمَّة لم يتأخر حتى تبرز الشمس للعالي وللنازل بل تقدم؛ لأن ذلك أرفق بالأمة -عليه الصلاة والسلام-، ومن هنا نعرف إنه يجب علينا أن نخالف المشركين في هديهم وألا نوافقهم في هديهم لا سيما العبادات؛ لأن الأمر خطر، خطر عظيم. شرح كتاب الحج من صحيح البخاري (ص: 20).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
كانوا لا ينصرفون إلا إذا طلعت الشمس على ثبير، وهذا من الأمور المحدثة؛ لأنه لو كان مشروعًا لما خالفه الرسول -صلى الله عليه وسلم-، فإنَّ الرسول -صلى الله عليه وسلم- خالفه، وجعله مِن فعل الجاهلية، وليس من ميراث الأنبياء (التي ورثوها من أعمال الحج). شرح سنن أبي داود (ص: 2).

قوله: «ويقولون: أَشْرِقْ ثَبِيرُ»:
قال القسطلاني -رحمه الله-:
زاد أبو الوليد عن شعبة عند الإسماعيلي: «كيما نَغِير». إرشاد الساري (3/ 210).
وقال السيوطي -رحمه الله-:
«أشرق ثبيرُ» بهمزة قطع: أمرٌ من الإشراق. التوشيح (3/ 1308).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
«أَشرق ثبيرُ»... وإنما كانوا ينادون؛ لأن إفاضتهم كانت موقوفة عليه. الكوثر الجاري (4/ 120).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
قولهم: «أشرق ثَبير» أي: لتطلع عليك الشمس، و«ثبير» جبل، يقال: أشرق الرجل، إذا دخل في وقت الشروق، كما يقال: أصبح، إذا دخل في وقت الصباح، وأمسى، إذا دخل في وقت المساء، وشروق الشمس: طلوعها، يقال: شرقت الشمس، إذا طلعت، وأشرقت، إذا أضاءت، وكان قول أهل الجاهلية في هذا: «أشرق ثبير كيما نغير» أي: ندفع ونفيض. أعلام الحديث (2/ 892).
وقال ابن قتيبة -رحمه الله-:
إنما يريدون: ادْخُل أيها الجبل في الشروق، كما تقول: أَشْمَلَ القوم إذا دخلوا في ريح الشمال، وأَجْنَبُوا إذا دخلوا في الجنوب، وأراحوا إذا دخلوا في الرَّيح، وأَرْبَعُوا إذا دخلوا في الربيع، فإذا أردتَ شيئًا من هذا أصابهم قلتَ: شَمَّل القوم وجَنَّبوا وريَّحوا وربَّعوا وشرَّقوا، وكذلك غيَّثوا إذا أصابهم الغيث. غريب الحديث (1/ 356).
وقال الشيخ ابن باز -رحمه الله-:
تساهلٌ في العبارة، وإلا الإشراق ليس لثبير. الحلل الإبريزية (2/ 56).

قوله: «وإنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- خالفهم»:
قال الشيخ حمزة محمد قاسم -رحمه الله-:
«وأنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- خالفهم» أي: خالفهم في بقائهم بمزدلفة إلى طلوع الشمس، فكان -صلى الله عليه وسلم- ينزل في الإِسفار. منار القاري (3/ 126).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«وإنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خالفهم» أي: خالف المشركين في إفاضتهم بعد طلوع الشمس. ذخيرة العقبى (26/ 15).
وقال النووي -رحمه الله-:
المستحب أنْ يدفع (من مزدلفة) قبل طلوع الشمس...، فإن أخَّر الدفع حتى طلعت الشمس كُرِهَ...، فإنْ قدَّم الدفع بعد نصف الليل وقبل طلوع الفجر جاز؛ لما روت عائشة -رضي الله عنها- «أنَّ سودة -رضي الله عنها- كانت امرأه ثبطة (أي: ثقيلة) فاستأذنت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في تعجيل الإفاضة ليلًا في ليلة المزدلفة، فأذن لها» المجموع (8/ 125).
وقال الماوردي الشافعي -رحمه الله-:
فإنْ دفع منها (المزدلفة) بعد طلوع الشمس كان مخالفًا للسُّنة، ولا دم عليه؛ لأنه ليس بنسك. الحاوي الكبير (4/ 182).
وقال الباجي -رحمه الله-:
آخر وقت الوقوف إذا أسفر قبل أن تطلع الشمس، وقد روي عن عمرو بن ميمون أنه قال: شهدتُ عمر صلى بجمع ثم وقف فقال: «إن المشركين كانوا ‌لا ‌يفيضون ‌حتى ‌تطلع الشمس ويقولون: أشرق ثبير، وإن النبي -صلى الله عليه وسلم- خالفهم، ثم أفاض قبل أن تطلع الشمس».
وأما وقت الدفع: فهو عند الإسفار المذكور متصلًا بالوقوف، ولا يبقى أحد حتى تطلع الشمس، فإن أراد الإمام أن يؤخر حتى تطلع الشمس دَفَع قبله، وقد فعل ذلك ابن عمر وأخَّر ابن الزبير الوقوف بجمع حتى كادت الشمس أن تطلع، فقال ابن عمر: إني لأراه يريد أن يصنع كما صنع أهل الجاهلية، فدفع ابن عمر، ودفع الناس معه...
ولا يدفع أحد قبل الفجر قاله مالك.
ووجه ذلك: أنَّ الوقوف بعد الفجر مسنون، فلا يدفع قبل وقته، والإمام مقتدى به فلا يدفع قبله، وهذا مع سلامة الحال، فإن كانت ضرورة تدعو إلى ترك الوقوف دَفَعَ قبل الفجر. المنتقى شرح الموطأ (3/ 23).
وقال ابن قدامة -رحمه الله-:
لا نعلم خلافًا في أنَّ السُّنة الدفع قبل طلوع الشمس؛ وذلك لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يفعله، قال عمر: «إنَّ المشركين كانوا ‌لا ‌يفيضون ‌حتى ‌تطلع الشمس، ويقولون: أشرق ثبير، كيما نغير، وإن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خالفهم، فأفاض قبل أن تطلع الشمس» رواه البخاري، والسُّنة أن يقف حتى يسفر جدًّا، وبهذا قال الشافعي وأصحاب الرأي، وكان مالك يرى الدفع قبل الإسفار، ولنا ما روى جابر «أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يزل واقفًا حتى أسفر جدًّا، فدفع قبل أن تطلع الشمس»، وعن نافع «أن ابن الزبير أخَّر في الوقت حتى كادت الشمس تطلع، فقال له ابن عمر: إني أراه يريد أن يصنع كما صنع أهل الجاهلية، فَدَفَع، ودفع الناس معه»، وكان ابن مسعود يدفع كانصراف القوم المسفرين من صلاة الغداة، ودفع ابن عمر حين أسفر وأبصرت الإبل موضع أخفافها. المغني (5/ 286- 287).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
وقت الوقوف بالمشعر: بعد صلاة صبح النحر إلى الإسفار، وعن مالك: لا يقفون إلى الإسفار، ويدفعون قبله، وقال محمد (ابن الحسن): لا يجوز أن يؤخر حَتَّى تطلع (أي الشمس)، وأخَّر ابن الزبير الوقوف حَتَّى كادت الشمس تطلع؛ فقال ابن عمر: إني لأراه يريد أن يصنع كما صنع أهل الجاهلية، فدفع ابن عمر، ودفع الناس بدفعه، وفعله -صلى الله عليه وسلم- لمخالفة المشركين؛ لأنهم كانوا لا يفيضون حَتَّى تطلع الشمس، وقيل: الدفع بعد الإسفار الأول، وقيل: الإسفار الثاني، حكاهما ابن التين. التوضيح (11/ 595- 596).
وقال الرافعي -رحمه الله-:
(فيه) بيان أنَّ أهل الجاهلية كانوا يدفعون من عرفات قبل غروب الشمس، ومن المزدلفة بعد طلوع الشمس، فجاء الإسلام بمخالفتهم، وأمر بتأخير ما كانوا يقدمونه، وتقديم ما كانوا يؤخرونه. شرح مسند الشافعي(4/ 272).

قوله: «ثم أفاضَ قبل أنْ تَطْلُع الشمسُ»:
قال ابن حجر -رحمه الله-:
يحتمل أنْ يكون فاعل «أفاض» عمر، فيكون انتهاء حديثه ما قبل هذا، ويحتمل أن يكون فاعل «أفاض» النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ لعطفه على قوله: «خالفهم» وهذا هو المعتمد، وقد وقع في رواية أبي داود الطيالسي عن شعبة عند الترمذي: «فأفاض»، وفي رواية الثوري: «فخالفهم النبي -صلى الله عليه وسلم- فأفاض». فتح الباري (3/ 532).
وقال الشيخ البسام -رحمه الله-:
«أفاض» أصله من إفاضة الماء، وهو صبُّه بكثرة، فالمراد هنا: الدفع من مزدلفة إلى منى، أما الإفاضة الأولى التي قال الله تعالى عنها: {ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ} البقرة: 199، فهي من عرفة إلى مزدلفة، وأما الإفاضة الثالثة التي مرَّت في حديث جابر، فهي الإفاضة من منى إلى مكة بعد رمي جمرة العقبة، وبها سمِّي طواف الحج "طواف الإفاضة"، وهذه الإفاضة الثانية من مزدلفة إلى منى. توضيح الأحكام (4/ 160).
وقال الشيخ عبد الكريم الخضير -حفظه الله-:
فيحرص الإنسان على تطبيق السُّنة بقدر إمكانه؛ لكن لو طلعت الشمس وهو بمزدلفة؛ نظرًا لزحام سيارات، المقصود أنه يتهيأ للانصراف قبل طلوع الشمس، ويركب دابته أو سيارته قبل طلوع الشمس، فإذا أعاقه أمر خارج عن إرادته فلا شيء عليه. شرح بلوغ المرام كتاب الحج (ص: 173).
وقال النووي -رحمه الله-:
السُّنة ‌عندنا ‌أنْ ‌يبقى ‌بمزدلفة ‌حتى ‌يطلع ‌الفجر إلا الضعفة، فيستحب لهم الدفع قبل الفجر، فإن دفع غير الضعفة قبل الفجر بعد نصف الليل جاز ولا دم هذا مذهبنا، وبه قال مالك وأحمد.
وقال أبو حنيفة: لا يجوز الدفع قبل طلوع الفجر فإن دفع قبل الفجر لزمه دم...
(ثم قال): قد ذكرنا أن مذهبنا أنه يستحب أن يقف بعد صلاة الصبح على قزح، ولا يزال واقفًا به يدعو ويذكر حتى يسفر الصبح جدًّا، وبه قال ابن مسعود وابن عمر وأبو حنيفة وجماهير العلماء.
قال ابن المنذر: هو قول عامة العلماء غير مالك، فإنه كان يرى أن يدفع منه قبل الإسفار. المجموع (8/ 151).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
في هذا الحديث: فضل الدفع من الموقف بالمزدلفة عند الإسفار...، ونقل الطبري الإجماع على أنَّ مَن لم يقف فيه حتى طلعت الشمس فاته الوقوف، قال ابن المنذر: وكان الشافعي وجمهور أهل العلم يقولون بظاهر هذه الأخبار، وكان مالك يرى أن يدفع قبل الإسفار، واحتج له بعض أصحابه بأنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يعجِّل الصلاة مغلسًا إلا ليدفع قبل الشمس، فكل مَن بَعُدَ دفْعُه من طلوع الشمس كان أولى. فتح الباري (3/ 532).
وقال الشيخ عبد الله الفوزان -حفظه الله-:
الحديث دليل على تأكد الإفاضة من مزدلفة وقت الإسفار قبل طلوع الشمس؛ لأن هذا هو هدي النبي -صلّى الله عليه وسلّم-، وهدي أصحابه -رضي الله عنهم-؛ مخالفة لأهل الجاهلية.
وقد ذهب بعض الحنفية إلى الوجوب، وهو قول قوي؛ لفعله -صلّى الله عليه وسلّم-؛ ولما في ذلك من تحقيق المخالفة الواجبة لهدي الكفار، ومَن تأخر عامدًا إلى طلوع الشمس فقد أساء، وخالف هدي المصطفى -صلّى الله عليه وسلّم-، وأما من تعذر عليه ذلك بعد أن أخذ في الإفاضة، ولكن عاقه المسير لشدة زحام، أو خلل في مركوبه، أو نحو ذلك، فهو معذور.
(و) الحديث دليل على أنه يتأكد في حق المسلم مخالفة أهل الجاهلية، ولا سيما في باب العبادات؛ لأن هذا مقصد عظيم من مقاصد الشريعة الإسلامية؛ لتبقى هذه الأمة متميزة بدينها وعقيدتها وأخلاقها، ولا تكون تابعة لغيرها؛ بل يجب أن يكون غيرها تابعًا لها، ومقتديًا بها، والله المستعان. منحة العلام (ص: 242).
وقال العيني -رحمه الله-:
فيه: الإفاضة قبل طلوع الشمس من يوم النحر، واختلفوا في الوقت الأفضل للإفاضة، فذهب الشافعي إلى أنه إنما يستحب بعد كمال الإسفار، وهو مذهب الجمهور؛ لحديث جابر الطويل وفيه: «فلم يزل واقفًا حتى أسفر جدًّا فدفع قبل أن تطلع الشمس»، وذهب مالك إلى استحباب الإفاضة من المزدلفة قبل الإسفار، والحديث حجة عليه، وروى ابن خزيمة والطبري من طريق عكرمة عن ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما-: «كان أهل الجاهلية يقفون بالمزدلفة حتى إذا طلعت الشمس فكانت على رؤوس الجبال كأنها العمائم على رؤوس الرجال دفعوا، فدفع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حين أسفر كل شيء قبل أن تطلع الشمس» وروى البيهقي من حديث المسور بن مخرمة نحوه. عمدة القاري (10/ 23).
وقال الطبري -رحمه الله-:
مَن وقف بالمشْعَر الحرام ذاكرًا لله في الوقت الذي وقف به رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، أو في بعض ذلك منه، أدركه وأدَّى ما أَلزمه الله تعالى ذِكره به؛ وذلك من حين يصلي صلاة الفجر بعد طلوع الفجر الثاني إلى أن يدفع الإمام منه قبل طلوع الشمس يوم النحر، ومن لم يدرك ذلك حتى تطلع الشمس، فقد فاته الوقوف به بإجماع جميع أهل العلم، لا خلاف بينهم في ذلك. تهذيب الآثار (2/ 889).
وقال الشيخ البسام -رحمه الله-:
ما يُؤخَذ من الحديث:
1. أنَّ المشركين كانوا يعظمون البيت ويحجونه، ويقفون في المشاعر؛ إرثًا من أبيهم إبراهيم -عليه السلام-، إلا أنَّهم غيَّروا، وبدَّلوا في صفة النسك.
2. أنَّ المشركين في حجهم يبقون في مزدلفة صبح يوم النحر حتى تشرق الشمس، ثم يفيضون إلى منى.
3. النَّبي -صلى الله عليه وسلم- خالفهم فدفع من مزدلفة إلى منى وقت الإسفار قبل طلوع الشمس.
4. وجوب مخالفة الكفار على تنوع مِلَلِهِم، في أعمالهم وأحوالهم وشعائرهم؛ ليكون للمسلمين كيان مستقل عنهم، وميزة تبرزهم وتميزهم عن غيرهم، فلا يذوبون في الأوساط والمجتمعات المخالفة لنهجهم، والمؤسف أنَّ المسلمين الآن يترسمون خطاهم، فيحاكونهم في كل شيء بلا بصيرة.
5. قوله: «وإنَّ النَّبيَّ -صلى الله عليه وسلم- خالفهم» يفهم قصد مخالفة الكفار، والابتعاد عن مشابهتهم. توضيح الأحكام (4/ 160- 161).


إبلاغ عن خطأ