«خطبنا النبي -صلى الله عليه وسلم- يوم النحر، قال: أتدرون أيُّ يوم هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سَيُسَمِّيه بغير اسمه، قال: أليس يوم النحر؟ قُلنا: بلى، قال: أيُّ شهر هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، فسَكَت حتى ظننا أنه سَيُسَمِّيه بغير اسمه، فقال: أليس ذو الحجة؟ قلنا: بلى، قال: أيُّ بلد هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سَيُسَمِّيْه بغير اسمه، قال: أليست بالبَلْدَة الحرام؟ قلنا: بلى، قال: فإن دماءكم، وأموالكم، عليكم حرام، كحُرْمَة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، إلى يوم تَلْقَون ربكم، ألا هل بَلَّغت؟ قالوا: نعم، قال: اللهم اشهد، فليبلغ الشاهد الغائب، فرُبَّ مُبلَّغ أَوْعَى من سامع، فلا تَرْجِعُوا بعدي كُفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض».
رواه البخاري برقم: (1741) واللفظ له، ومسلم برقم: (1679)، من حديث أبي بكرة -رضي الله عنه-.
ورواه البخاري أيضًا برقم: (1742)، من حديث ابن عمر -رضي الله عنهما- وزاد: «وقف النبي -صلى الله عليه وسلم- يوم النحر بين الجمرات، في الحجة التي حج بهذا، وقال: هذا يوم الحج الأكبر، فطفق النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: اللهم اشهد، وودع الناس، فقالوا: هذه حجة الوداع».
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«بالبَلْدَة الحرام»:
البلد والبلدة: مكة شرفها الله تعالى. القاموس المحيط، لفيروز أبادي (ص: 268).
«أَوْعَى»:
وعيت الحديث أَعِيَه وعيًا فأنا واع، إذا حفظته وفهمته، وفلان أوعى من فلان، أي: أحفظ وأفهم. النهاية، لابن الأثير (5/ 207).
قال الفيروز أبادي -رحمه الله-:
وعاه يعيه: حفظه، وجمعه. القاموس المحيط (ص: 1343).
«الجَمَرَات»:
الجمرة واحدة: جمرات، المناسك، وهي ثلاث جمرات يُرْمَين بالجمار. مختار الصحاح، للرازي (ص: 60).
«حجة الوداع»:
التوديع: عند الرحيل، والاسم الوداع بالفتح. مختار الصحاح، للرازي (ص: 335).
قال الفيروز أبادي -رحمه الله-:
هو تخليف المسافر الناس خافضين، وهم يُودِّعونه إذا سافر تفاؤلًا بالدعة التي يصير إليها إذا قَفَل (يعني: رجع)، أي: يتركونه وسفره. القاموس المحيط (ص: 769).
شرح الحديث
قوله: «خطبنا النبي -صلى الله عليه وسلم- يوم النحر»:
قال العيني -رحمه الله-:
إطلاق لفظ الخطبة ليس على حقيقة الخطبة المعهودة؛ لأنه ليس فيه ما يدل على أمر من أمور الحج...، والخطبة الحقيقية في حديث ابن عباس: ما رواه جابر بن زيد عنه قال: «سمعت النبي -صلى الله عليه وسلم- يخطب بعرفات»...، فهذه الخطبة الحقيقية؛ لأن فيها تعليم الناس الوقوف بعرفة والمزدلفة، والإفاضة منها، ورمي جمرة العقبة يوم النحر، والذبح والحلق وطواف الزيارة، وليس في خطبة يوم النحر شيء من ذلك، وإنما هي سؤالات وأجوبة، وكذلك في حديث الهِرْمَاس بن زياد وأبي أمامة عند أبي داود، وحديث جابر بن عبد الله عند أحمد: «خطبنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوم النحر، فقال: أي يوم أعظم حرمة» الحديث، وإطلاق الخطبة في كل ذلك ليس على حقيقته. عمدة القاري (10/ 77).
وقال المغربي -رحمه الله-:
في قوله: «خطبنا» دلالة على أنها خطبة مشروعة، وفي ذلك: الرد على من قال: ليست بخطبة مشروعة، وإنما هي من الوصايا العامة لا على أنها مشروعة في الحج كما قالت المالكية والحنفية: إن خطب الحج ثلاث: سابع ذي الحجة، ويوم عرفة بها، وثاني يوم النحر بمنى، وخالفهم الشافعي فزاد الرابعة يوم النحر، وقال: الخطبة ليست في ثاني، وإنما هي في ثالثه؛ لأنه أول النفر. البدر التمام (5/ 359-360).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
اختلف الناس في خطب الحج، فكان مالك يقول: يخطب الإمام في اليوم السابع قبل يوم التروية بيوم، ويخطب ثاني يوم النحر، وهو يوم القَرِّ؛ سمي بذلك؛ لأن الناس يستقرون فيه بمنى، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، ووافقهم الشافعي في خطبة اليوم السابع يأمرهم بالغدو إلى منى، وخطبة يوم عرفة بعد الزوال، وخالفهم فقال: يخطب يوم النحر بعد الظهر، يُعَلِّم الناس فيها النحر والرمي والتعجيل لمن أراد، وخطبة رابعة: ثالث يوم النحر بعد الظهر، وهو يوم النفر الأول، يودع الناس ويعلمهم أن من أراد التعجيل فذلك له، ويأمرهم أن يختموا حجهم بتقوى الله وطاعته، واحتج الشافعي بخطبة يوم النحر بحديث ابن عباس وابن عمر وأبي بكرة: «أن النبي -عليه السلام- خطب يوم النحر» قال الشافعي: وبالناس حاجة إلى هذه الخطبة ليعلمهم المناسك، وإن علمهم النحر والإفاضة إلى مكة للطواف والعود إلى منى للمبيت بها، فوجب أن يكون ذلك سنة، وقال ابن القصار: أما خطبة يوم النحر فإنه -عليه السلام- إنما وقف للناس فقال: «أي يوم هذا؟ وأي شهر هذا؟ وأي بلد هذا؟» فعرفهم أن دماءهم وأموالهم وأعراضهم حرام، وأمرهم بتبليغ ذلك لكثرة اجتماعهم من أقاصي الأرض، فظن أنه خطب، وقال الطحاوي: لم تكن هذه الخطبة من أسباب الحج؛ لأنه -عليه السلام- ذكر فيها أمورًا لا يصلح لأحد بعده ذكرها، والخطبة إنما هي لتعليم الحج، ولم ينقل أحد عنهم أنه علَّمهم يوم النحر شيئًا من سنن الحج، فعلمنا أن خطبة يوم النحر لم تكن للحج، وإنما كانت لما سواه، قال ابن القصار: وقوله: يحتاج أن يعلمهم النحر، فقد تقدم تعليمهم في خطبته يوم عرفة، وأعلمهم ما عليهم فيه وبعده، وخطب ثاني النحر؛ فأعلمهم ما بقي عليهم في يومه وغده، وأن التعجيل يجوز فيه، وكذلك خطب قبل يوم التروية بيوم وهو بمكة، فكانت خطبه ثلاثًا، كل خطبة ليومين، وأما قول الشافعي: إنه يخطب ثالث يوم النحر، مع اجتماعهم بأنها خطبة يأمر الإمام الناس فيها بالتعجيل إن شاؤوا، ولما كان لم يختلفوا فيه أن الخطبة التي يأمر الإمام الناس فيها بالخروج إلى منى قبل الخروج إليها، كان كذلك الخطبة التي يأمرهم فيها بالتعجيل في يومين قبل ذلك أيضًا، قال ابن المواز: الخطبة الأولى قبل التروية بيوم في المسجد الحرام بعد الظهر لا يجلس فيها، والثانية بعرفة يجلس في وسطها، والثالثة بمنى أول يوم من أيام التشريق، وهي بعد الظهر لا يجلس فيها، وهي كلها تعليم المناسك، ولا يجهر بالقراءة في شيء من صلاتها. شرح صحيح البخاري (4/ 410-411).
قوله: «قال: أتدرون أي يوم هذا؟»:
قال العيني -رحمه الله-:
قوله: «أيُّ يوم هذا؟» خرج مخرج الاستفهام، والمراد به التقرير؛ لأنه أبلغ، وكذلك الاستفهامان الآخران. عمدة القاري (10/ 77).
قوله: «قلنا: الله ورسوله أعلم»:
قال القاضي عياض -رحمه الله-:
قوله: «الله ورسوله أعلم» صرف للجواب إليه؛ لعلمهم أنه لم يجهل ما سأل عنه، ولا طلب منهم جوابه بالحقيقة، بل تقريرهم كما يورده عليهم، أو لما ذكروه أنهم ظنوا أنهم لما سألهم عنه إنما ذلك لما لم يعلموه ليسمي لهم ما سألهم عنه بغير اسمه، لا يراد عجبًا ذلك، كما سمى المدينة طَابَة، وسمى العَتَمَة العشاء، وغير ذلك. إكمال المعلم (5/ 483).
قوله: «فسكت حتى ظننا أنه سَيُسَمِّيه بغير اسمه»:
قال الكرماني -رحمه الله-:
فإن قلتَ: المستفاد من الحديث الأول (يعني: حديث ابن عباس): أنهم أجابوه بأنه يوم حرام ونحوه، ومن الثاني (يعني: حديث الباب): أنهم سكتوا عنه، وفوضوه إليه، فما التوفيق بينهما؟
قلتُ: السؤال الثاني فيه فخامة ليست في الأول بسبب زيادة لفظ: «أتدرون»؛ فلهذا سكتوا فيه بخلاف الأول، أو أجابوا بأنه يوم كذا بعد أن قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «أليس يوم النحر»، وكذا في أخويه فالسكوت كان أولًا، والجواب بالتعيين كان آخرًا. الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (8/ 203).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قيل في الجمع بين الحديثين: لعلهما واقعتان، وليس بشيء؛ لأن الخطبة يوم النحر إنما تُشرَع مرة واحدة، وقد قال في كل منهما: إن ذلك كان يوم النحر.
وقيل في الجمع بينهما: إن بعضهم بادر بالجواب، وبعضهم سكت.
وقيل في الجمع: إنهم فوضوا أولًا كلهم بقولهم: «الله ورسوله أعلم»؛ فلما سكت أجاب بعضهم دون بعض.
وقيل: وقع السؤال في الوقت الواحد مرتين بلفظين، فلما كان في حديث أبي بكرة فخامة ليست في الأول؛ لقوله فيه: «أتدرون» سكتوا عن الجواب، بخلاف حديث ابن عباس؛ لخلُوِّهِ عن ذلك، أشار إلى ذلك الكرماني.
وقيل: في حديث ابن عباس اختصار بيَّنتْه رواية أبي بكرة وابن عمر، فكأنه أطلق قولهم: «يوم حرام» باعتبار أنهم قرروا ذلك بقولهم: «بلى» وسكت في رواية ابن عمر عن ذكر جوابهم، وهذا جمع حسن. فتح الباري (3/ 575).
وقال التوربشتي -رحمه الله-:
فإن قيل: في بعض الروايات في خطبة ذلك اليوم أنه قال: «أيُّ شهر هذا؟» قالوا: «ذو الحجة»، وفي بعضها «شهر حرام».
قلنا: كان -صلى الله عليه وسلم- يومئذ بين بشر كثير لا يضبطهم ديوان، ولا ينالهم حسبان، حتى أقام في كل صقع من يبلِّغ عنه ما أدَّاه الصوت إليه، من بعُد عنه فلم يبلغه.
والاختلاف الذي في هذه الألفاظ لم يوجد في رواية راو واحد، بل في رواية أناس شتى، فالذي يروي قولهم: «الله ورسوله أعلم» إنما يرويه ممن كان يليه من أهل العلم والخشية، الذين أكرمهم الله بحسن الأدب، وألزمهم كلمة التقوى، وكانوا أحق بها وأهلها، والذي يروي مبادرتهم إلى ما سكت عنه الآخرون، فإنه يرويه على ما بلغه من أوفاض (أي: فرق) الناس، أو غِمَار (أي: جماعة) الأعراب. الميسر في شرح مصابيح السنة (2/ 626).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
قولهم: «سيسميه» إشارة إلى تفويض الأمور بالكلية إلى الشارع، وعزْلٌ لِمَا أَلِفُوْهُ من المتعارف المشهور. الكاشف عن حقائق السنن (6/ 2015).
قوله: «قال: أليس يوم النحر؟ قلنا: بلى»:
قال الكرماني -رحمه الله-:
«يوم النحر» بالنصب خبر ليس، أي: أليس اليومُ يومَ النحر، ويجوز الرفع على أنه اسمه، والتقدير أليس يومُ النحر هذا اليوم. الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (8/ 202).
وقال عبد القادر شيبة الحمد -رحمه الله-:
«يوم النحر» أي: يوم عيد الأضحى -يعني: بمنى- ليُعَلِّم الناس بعض مبادئ الإسلام، ويفتي السائلين عن مناسك الحج، ولا سيما أفعال يوم النحر للحجاج. فقه الإسلام شرح بلوغ المرام (4/ 192).
قوله: «قال: أي شهر هذا؟»:
قال ابن علان -رحمه الله-:
«أيُّ شهر هذا» الاستفهام فيه لتقرير حرمة الشهر في نفوسهم، فيصح بناء ما سيذكره عليها. دليل الفالحين (2/ 532).
وقال الشيخ محمد الهرري -رحمه الله-:
«أيُّ شهر هذا» أي: هذا الشهر الحاضر الذي نحن فيه الآن ما اسمه. الكوكب الوهاج (18/ 376).
قوله: «قلنا: الله ورسوله أعلم»:
قال البيضاوي -رحمه الله-:
قولهم في الجواب: «الله ورسوله أعلم» مراعاة للأدب، وتحرز عن التقدم بين يدي الله ورسوله، وتوقف فيما لا يُعْلَم الغرض من السؤال عنه. تحفة الأبرار (2/ 174).
وقال النووي -رحمه الله-:
هذا السؤال والسكوت والتفسير أراد به التفخيم والتقرير والتنبيه على عظم مرتبة هذا الشهر والبلد واليوم، وقولهم: «الله ورسوله أعلم» هذا من حسن أدبهم، وأنهم علموا أنه -صلى الله عليه وسلم- لا يخفى عليه ما يعرفونه من الجواب، فعرفوا أنه ليس المراد مطلق الإخبار بما يعرفون. شرح مسلم (11/ 169).
قوله: «فسَكَت حتى ظننا أنه سَيُسَمِّيه بغير اسمه»:
قال ابن علان -رحمه الله-:
«فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه» أي: توهَّموا أن طول سكوته لِتَرَدُّدِهِ في وضع اسم مناسب له غير اسمه المشهور يضعه عليه بدله. دليل الفالحين (2/ 532).
قوله: «فقال: أليس ذو الحجة؟ قلنا: بلى»:
قال الشيخ محمد الهرري -رحمه الله-:
«بلى» هو ذو الحجة؛ لأن بلى يجاب بها النفي؛ فيكون إثباتًا؛ لأن نفي النفي إثبات. الكوكب الوهاج (18/ 377).
قوله: «قال: أي بلد هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سَيُسَمِّيْه بغير اسمه»:
قال الشيخ محمد الهرري -رحمه الله-:
«فأيُّ بلد هذا» أي: هذا البلد الذي نحن فيه الآن. الكوكب الوهاج (18/ 377).
قوله: «قال: أليست بالبلدة الحرام؟ قلنا: بلى»:
قال التوربشتي -رحمه الله-:
قيل: إن البلدة اسم خاص بمكة، عظم الله حرمتها، ويؤيد ذلك هذا الحديث، ووجه تسميتها بالبلدة -وهي تقع على سائر البلدان-: أنها البلدة الجامعة للخير، المستحقة أن تسمى بهذا الاسم؛ لتفوقها سائر مسميات أجناسها، تفوق الكعبة -في تسميتها بالبيت- سائر مسميات أجناسها، حتى كأنها هي المحل المستحق للإقامة بها، من قولهم: بَلَدْن بالمكان، أي: أقام. الميسر في شرح مصابيح السنة (2/ 626).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
وعرَّفها للعهد والتخصيص والتعظيم، وهذا مثل قوله تعالى: {إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ}، وقيل: هو اسم لمكة، وقيل: اسم لمنى. إكمال المعلم (5/ 482).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
قوله: «بالبلدة الحرام» فإن قلت: البلدة مؤنث، فما حكم الحرام؟
قلتُ: لفظ «الحرام» اضمحل منه معنى الوصفية، وصار اسمًا، وفي بعضها لم يوجد لفظ «الحرام». الكواكب الدراري (8/ 202-203).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قوله: «أيُّ شهر هذا؟» و«أيُّ بلد هذا؟» و«أيُّ يوم هذا؟» وسكوته بعد كل واحد منها كان ذلك منه استحضارًا لفهومهم، وتنبيهًا لغفلتهم، وتنويهًا بما يذكره لهم، حتى يُقْبِلوا عليه بكُلِّيَّتهم، ويستشعروا عظمة حرمة ما عنه يخبرهم؛ ولذلك قال بعد هذا: «فإن دماءكم، وأموالكم، وأعراضكم، حرام عليكم، كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا». المفهم (5/ 47).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
قوله -عليه السلام- لهم وسكوته بأنه كان سؤال على طريق التقرير والاسْتِنْصَات. إكمال المعلم (5/ 483).
قوله: «قال: فإن دماءكم، وأموالكم، عليكم حرام»:
قال ابن علان -رحمه الله-:
«فإن دماءكم» الفاء فيه فصيحة، أي: فإذا عَلِمْتُم ما ذُكِرَ فتيقظوا إلى حرم أخرى هي أعظم منها، وهي الدماء وما بعدها. دليل الفالحين (2/ 533).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «فإن دماءكم..» إلى آخره، هو على حذف مضاف، أي: سفك دمائكم وأخذ أموالكم، وثَلْبَ أعراضكم. النكت على صحيح البخاري (2/ 104).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
هذا منه -صلى الله عليه وسلم- مبالغة في بيان تحريم هذه الأشياء، وإغياء (بلوغ الغاية) في التنفير عن الوقوع فيها؛ لأنهم كانوا قد اعتادوا فعلها، واعتقدوا حليتها، كما تقدم في بيان أحوالهم، وقبح أفعالهم. المفهم (5/ 47).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
والمعنى: لا يأكل بعضكم مال بعض بالباطل، ولا يقتل بعضكم بعضًا، وذلك أن المؤمنين بعضهم إخوة بعض، فما أصاب أخاه من مكروه فكأنه المصاب به، ومثله قوله تعالى موبِّخًا لبني إسرائيل الذين كانوا بين ظَهْرَانَي المسلمين في قتل بعضهم بعضًا من ديارهم: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ} البقرة: 84، فأخرج الخبر عن قتل بعضهم لبعض على وجه الخبر عن أنفسهم، وفيه: البيان عن أن الله حرم من مال المسلم وعرضه نظير الذي حرم من دمه، وسوى بين جميعه فلا يستحل ماله، وكذلك قال ابن مسعود في خطبته: حرمة مال المسلم كحرمة دمه.
فإن قال قائل: فإنك تستحل سفك دماء أقوام من المسلمين وأنت لأموالهم محرم، وذلك كقطَّاع الطريق، والخوارج، ومن يجب قتله بحد لزمه.
قيل: أما هؤلاء فإنما لزم الإمام سفك دمائهم إقامة لحد الله الذي وجب عليهم، وليس ذلك استحلالًا لزمه من الوجه الذي سوى الله بينه وبين ماله وعرضه في الحرمة، وإنما ذلك عقوبة لجرمه دون ماله، كما أمر بعقوبة آخر في ماله دون بدنه، وليس إلزامه الدية استحلالًا لماله من الوجه الذي سوى بينه وبين دمه وماله، وإنما الوجه الذي سوى بين حرمة جميع ذلك في ألا يتناول شيئًا منه بغير حق، فحرام أن يغتاب أحد بسوء بغير حق، وكذلك ماله؛ أخذ شيء منه حرام بغير حق كتحريم دمه. شرح صحيح البخاري (4/ 411-412).
قوله: «كحُرْمَة يومكم هذا، في شهركم، هذا في بلدكم هذا، إلى يوم تَلْقَون ربكم»:
قال القاضي عياض -رحمه الله-:
كل هذا تأكيد لحرمة الدماء والأموال والأعراض، وتحريم لمظالم العباد، كتأكيد حرمة يوم النحر من شهر الحج في حَرَمِ مكة. إكمال المعلم (5/ 483).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
قوله: «كحرمة يومكم..» إلى آخره، يعني: حرمة الظلم؛ لأن الظلم في الحرم وإثمه أعظم من إثم الظلم في غيره. التوضيح لشرح الجامع الصحيح (32/ 318).
وقال الدماميني -رحمه الله-:
قال ابن المنير: قد استقرَّ في القواعد أن الأحكام لا تتعلق إلا بأفعال المكلفين، فمعنى تحريم اليوم والبلد والشهر: تحريم أفعال الاعتداء فيها على النفس والمال والعرض، فما معنى إذًا تشبيه الشيء بنفسه؟
وأجاب: بأن المراد: أن هذه الأفعال في غير هذه البلدة، وهذا الشهر، وهذا اليوم مغلظة الحرمة، عظيمة عند الله. مصابيح الجامع (4/ 201).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
إنما شبَّه حُرمة الدم والعرض والمال بحرمة اليوم والشهر والبلد؛ لأن المخاطبين بذلك كانوا لا يرون تلك الأشياء ولا يرون هتك حرمتها، ويعيبون على من فعل ذلك أشد العيب، وإنما قدم السؤال عنها تذكارًا لحرمتها، وتقريرًا لما ثبت في نفوسهم؛ ليبني عليه ما أراد تقريره على سبيل التأكيد. فتح الباري (3/ 576).
وقال ابن حجر -رحمه الله- أيضًا:
ومناط التشبيه في قوله: «كحرمة يومكم» وما بعده ظهوره عند السامعين؛ لأن تحريم البلد والشهر واليوم كان ثابتًا في نفوسهم، مقررًا عندهم، بخلاف الأنفس والأموال والأعراض، فكانوا في الجاهلية يستبيحونها، فطرأ الشرع عليهم بأن تحريم دم المسلم وماله وعرضه أعظم من تحريم البلد والشهر واليوم، فلا يرد كون المشبَّه به أخفض رتبة من المشبَّه؛ لأن الخطاب إنما وقع بالنسبة لما اعتاده المخاطبون قبل تقرير الشرع. فتح الباري (1/ 159).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
وجه التشبيه مع أنها في الحرمة أفضل من المشبَّه به، كون المشبَّه به أشهر، وتشبيه ما لم يشتهر وإن كان أفضل بما اشتهر وإن كان مفضولًا واقع، جعل منه قوله: «صلِّ على محمد، كما صليت على إبراهيم»، ولاحتياج المقام إلى التأكيد زاد فيه فأتى بـ: "إن" المفيدة له وبدأ بالدماء، مع أن الأعراض أخطر؛ لأن الابتلاء بها أكثر وخطرها أكبر، ومن ثم كان أكبر الكبائر بعد الشرك القتل على الأصح. دليل الفالحين (2/ 533).
قوله: «ألا هل بَلَّغت؟ قالوا: نعم»:
قال الشيخ محمد الهرري -رحمه الله-:
«ألا» حرف استفتاح. الكوكب الوهاج (18/ 380).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قوله: «ألا هل بلغت» استفهام على جهة التقرير، أي: قد بلغتكم ما أُمِرْتُ بتبليغه لكم، فلا عذر لكم إذ لم يَقَع منِّي تقصير في التبليغ.
ويحتمل: أن يكون على جهة استعلام ما عندهم، واستنطاقِهِم بذلك، كما تقدم في حديث جابر، حيث ذكر خطبته -صلى الله عليه وسلم- بعرفة، فقال: «وأنتم تُسْأَلون عنِّي، فما أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد: أنك قد بلغت، وأديت، ونصحت، فقال بإصبعه -السَّبَابة- يرفعها إلى السماء، ويَنْكُتُها (أي: يخفضها) إلى الأرض، اللهم اشهد -ثلاث مرات-». المفهم (5/ 49-50).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«قلنا: نعم» أي: بلغت الرسالة والأمانة، فقد بلغ الرسالة والأمانة، ونصح الأمة، وكشف الغُمَّة، وجاهد في الله حق جهاده، فجزاه الله خير ما جزى نبيًّا عن أمته، ورسولًا عن قومه، وأفضل على كل ما هو له أهلٌ. دليل الفالحين (2/ 534).
قوله: «قال: اللهم اشهد»:
قال زكريا الأنصاري -رحمه الله-:
«اللهم اشهد» أي: أني أدَّيْتُ ما أوجبته عليَّ من التبليغ. منحة الباري (4/ 205).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
قوله: «أشهد» لما كان التبليغ واجبًا عليه أشهَدَ اللهَ على أداء الواجب. الكواكب الدراري (8/ 203).
وقال الكشميري -رحمه الله-:
قوله: «اللهم اشهد» إنما جعله شاهدًا؛ لأن الأمم يُسألون عن أنبيائهم يوم القيامة، أنهم هل بلغوا أم لا؟ فيكذبون بعضهم، ويقولون: إنهم لم يُبَلِّغهم شيئًا، وحينئذٍ يحتاج الأنبياء -عليهم السلام- إلى الشهادة. فيض الباري على صحيح البخاري (3/ 269).
قوله: «فليبلغ الشاهد الغائب»:
قال ابن علان -رحمه الله-:
«ليبلغ» بتشديد اللام وتخفيفها، والتبليغ واجب عينًا على من انحصر فيه وإلا فكفاية. دليل الفالحين (2/ 534).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قولة: «ليبلغ الشاهد» أي: الحاضر في المجلس. النكت على صحيح البخاري (2/ 104).
وقال ابن دقيق العيد -رحمه الله-:
قوله: «فليبلغ الشاهد الغائب» فيه: تصريح بنقل العلم، وإشاعة السنن والأحكام. إحكام الأحكام (2/ 62).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قوله: «ليبلغ الشاهد الغائب» أمر بتبليغ العلم ونشره، وهو فرض من فروض الكفايات. المفهم (5/ 49).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «الغائب» أي: الغائب عنه، والمراد: إما تبليغ القول المذكور، أو تبليغ جميع الأحكام. النكت على صحيح البخاري (2/ 104).
قوله: «فرُبَّ مُبَلَّغ»:
قال الكوراني -رحمه الله-:
«ربَّ مبلَّغ» -بفتح اللام المشددة- أصل وضع «رب» للتقليل، والمراد هنا: الكثرة، وكذلك رغب في التبليغ، وحملُهُ على القلَّة وهْمٌ. الكوثر الجاري (4/ 152).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
والمبلغ: بفتح اللام، أي: رُبَّ شخص بلغه كلامي فكان أحفظ له، وأفهم لمعناه من الذي نقله له. فتح الباري (3/ 576).
وقال ابن حجر -رحمه الله- أيضًا:
قال المهلب: فيه أنه يأتي في آخر الزمان من يكون له من الفهم في العلم ما ليس لمن تقدَّمه إلا أن ذلك يكون في الأَقَل؛ لأن ربَّ موضوعة للتقليل.
قلتُ: هي في الأصل كذلك، إلا أنها استعملت في التكثير، بحيث غلبت على الاستعمال الأول، لكن يؤيد أن التقليل هنا مراد أنه وقع في رواية أخرى تقدمت في العلم بلفظ: «عسى أن يبلغ من هو أوعى له منه». فتح الباري (3/ 576).
قوله: «أَوْعَى من سامع»:
قال زكريا الأنصاري -رحمه الله-:
«أوعى» أي: أحفظ وأفهم لمعنى كلامي. منحة الباري (4/ 205).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
فيستفيد من الخبر الذي يبلغه ويفيد الناس ما لا يحصل لمن سمعه مني، لا لقصور فهمه عنه، بل لاشتغاله عنه بما هو أهم منه من الجهاد الأعظم الذي وقع لأكثر الصحابة بعده، فلا يقال: كيف يكون في التابعين أو من بعدهم من هو أعلم من الصحابي؟ وهو كان إذا وقع نظره الكريم للبدوي، والخلف صار ينطق بالحكمة لوقته، وعدُّوا ذلك من خصائصه العَلِيَّة، ولا يُعْتَرض بالمنافقين؛ لأن الكلام فيمن لا مانع فيه للتلقي من الحضرة النبوية، وأولئك فيهم موانع صيرتهم كالجماد، ويمكن أن يقال: قد يكون في المفضول مزية ليست في الفاضل، فنحن وإن قلنا بالأصح: إن جميع الصحابة أفضل ممن بعدهم، يجوز أن يكون عند غير الصحابي من الفهم والاستنباط ما ليس عنده، وإن كان الصحابي أفضل وأجل بمراتب، وهذا أوفق بظاهر قوله: «فلعل من يبلغه» ... إلخ، ثم ذكر بعض ثمرات التبليغ، ومنها: انتشار العلم، وعموم النفع به، وحفظه على توالي الأزمنة إلى قُبَيْل القيامة كما أخبر به. دليل الفالحين (2/ 534).
قوله: «فلا تَرْجِعُوا بعدي كفارًا»:
قال الكوراني -رحمه الله-:
«لا ترجعوا» رجع من الرجوع، أي: إلى ما كنتم عليه قبل الإسلام من الكفر، أو إلى أوطانكم، فإنه كان بمكة في حجة الوداع. الكوثر الجاري (1/ 250).
وقال الدماميني -رحمه الله-:
«لا ترجعوا» أي: لا تصيروا، ففيه استعمال رجع كصار، معنى وعملًا. مصابيح الجامع (4/ 201).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
«بعدي» أي: بعد هذه الخطبة، أو بعد انتقالي من الدنيا. الكوثر الجاري (4/ 151).
وقال البرماوي -رحمه الله-:
«بعدي» أي: بعد موتي، أو بعد موقفي هذا، أو المراد: خلافي. اللامع الصبيح بشرح الجامع الصحيح (2/ 88).
وقال زكريا الأنصاري -رحمه الله-:
«كفارًا» بالنصب بنزع الخافض على تضمين «ترجعوا» معنى تتشبهوا، وبالخبرية على تفسير «ترجعوا» بتصيروا. منحة الباري (1/ 365).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
قوله: «كفارًا» أي: كالكفار، فهو تشبيه، أو هو من باب التغليظ، فهو مجاز. الكواكب الدراري (16/ 210).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
وقال بعضهم: معناه: لا ترجعوا بعدي فِرقًا مختلفين يضرب بعضكم رقاب بعض، فتكونوا بذلك مضاهين للكفار، فإن الكفار متعادون يضرب بعضهم رقاب بعض، والمسلمون متآخون يحْقِنُ بعضهم دماء بعض. معالم السنن (4/ 316).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
وقيل: المراد بالحديث أهل الرِّدَّة. إكمال المعلم (1/ 324).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
ويحتمل: أنه -صلى الله عليه وسلم- علم أن هذا لا يكون في حياته فنهاهم عنه بعد وفاته. التوضيح لشرح الجامع الصحيح (3/ 611).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
جملة ما فيه من الأقوال ثمانية:
أحدها: قول الخوارج: إنه على ظاهره.
ثانيها: هو في المستحلين.
ثالثها: المعنى كفارًا بحرمة الدماء، وحرمة المسلمين، وحقوق الدين.
رابعها: تفعلون فعل الكفار في قتل بعضهم بعضًا.
خامسها: لابسين السلاح، يقال: كفر درعه، إذا لبس فوقها ثوبًا.
سادسها: كفارًا بنعمة الله.
سابعها: المراد الزجر عن الفعل، وليس ظاهره مرادًا.
ثامنها: لا يُكفِّر بعضكم بعضًا كأن يقول أحد الفريقين للآخر: يا كافر، فيكفر أحدهما، ثم وجدت تاسعًا وعاشرًا. فتح الباري (12/ 194).
وقال ابن حجر -رحمه الله- أيضًا:
ثم وقفت على تاسع: وهو أن المراد: ستر الحق، والكفر لغة: الستر؛ لأن حق المسلم على المسلم أن ينصره ويُعينه، فلما قاتله كأنه غطى على حقه الثابت له عليه.
وعاشر: وهو أن الفعل المذكور يفضي إلى الكفر؛ لأن من اعتاد الهجوم على كبار المعاصي جَرَّه شُؤم ذلك إلى أشد منها، فيخشى أن لا يختم له بخاتمة الإسلام....
وقال الداودي: معناه: لا تفعلوا بالمؤمنين ما تفعلون بالكفار، ولا تفعلوا بهم ما لا يحل، وأنتم ترونه حرامًا، قلتُ: وهو داخل في المعاني المتقدمة.
واستشكل بعض الشراح غالب هذه الأجوبة: بأن راوي الخبر وهو أبو بكرة فَهِمَ خلاف ذلك.
والجواب: أن فهمه ذلك إنما يعرف من توقفه عن القتال، واحتجاجه بهذا الحديث، فيحتمل: أن يكون توقفه بطريق الاحتياط لما يحتمله ظاهر اللفظ، ولا يلزم أن يكون يعتقد حقيقة كفر من باشر ذلك، ويؤيده أنه لم يمتنع من الصلاة خلفهم، ولا امتثال أوامرهم، ولا غير ذلك مما يدل على أنه يعتقد فيهم حقيقته -والله المستعان-. فتح الباري (13/ 27).
وقال النووي -رحمه الله-:
...، والرابع: أنه فعل كفعل الكفار...، أظهر الأقوال: الرابع، وهو اختيار القاضي عياض -رحمه الله-. شرح صحيح مسلم (2/ 55).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
الظاهر من هذه الأوجه: العود إلى الكفر بعده، كما ارتدَّت أكثر الأعراب والقبائل، ولفظ: «بعدي» مؤيد له. الكوثر الجاري (1/ 250).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
«لا ترجعوا بعدي كفارًا» لتحريم الدماء، وحقوق الإسلام، وحرمة المؤمنين، وليس يريد الكفر الذي هو ضد الإيمان لما تقدم من إجماع أهل السنة أن المعاصي غير مخرجة من الإيمان. شرح صحيح البخاري (8/ 497).
وقال الشيخ محمد الهرري -رحمه الله-:
ومفهوم هذا النهي: الأمر بملازمة الإيمان، والاعتصام بشرائع الإسلام، والمباعدة عن صنوف الشرك والضلال، والمعنى: لازموا عقيدة أهل الإيمان، واعملوا بشرائع الإسلام، ولا ترجعوا بعد وفاتي على أعقابكم وتصيروا كفارًا مستحلين ضرب بعضكم رقاب بعض، فتنقلبوا خاسرين مرتدين عن الإسلام. الكوكب الوهاج (2/ 527).
وقال السندي -رحمه الله-:
المقصود ها هنا: أنه -صلى الله عليه وسلم- سماهم كفارًا بالقتال بينهم، والكافر فاقد الإيمان، فعُلِمَ أن ترك المنهيات من جملة الإيمان، فلا بد أن يزيد وينقص. فتح الودود في شرح سنن أبي داود (4/ 468).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
وهذا الحديث أورده المصنف (يعني: أبا داود) في هذا الباب من أجل أن ضرب المؤمنين رقاب بعضهم يُعَدُّ كفرًا، والمقصود بذلك: أنه كفر دون كفر، وهو يدل على أن في ذلك نقصًا للإيمان، وإن أريد به أنه كفر مخرج من الملة، فيكون المقصود: أنهم لا يرتدون بعده، فيحصل مع ارتدادهم وكفرهم أن بعضهم يضرب رقاب بعض، ويكون المقصود بذلك: ما حصل من بعض الذين ارتدُّوا بعد وفاة النبي -صلى الله عليه وسلم- وقاتلهم الصديق، وكان ذلك من أجل أعماله -رضي الله تعالى عنه وأرضاه-، فقد بذل جهده في أن يرجع الناس إلى ما كانوا عليه في زمن النبي -صلى الله عليه وسلم-، فسعى في إصلاح الخلل الداخلي، ثم بعد ذلك انتقل إلى جهاد الكفار وغزوهم في بلادهم بعد أن قاتل المرتدين، فرجع من رجع منهم إلى الإسلام، وقتل من قتل منهم على الردة. شرح سنن أبي داود (525/ 19).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
وأما قتل أسامة الرجل (أي: قتل أسامة بن زيد الرجل نطق الشهادة لما رأى السيف فوق رأسه) فإنه ظنَّه كافرًا، وجعل ما سمع منه من الشهادة تَعَوُّذًا من القتل، وأقل أحوال أسامة في ذلك أن يكون قد أخطأ في فعله؛ لأنه إنما قصد إلى قتل كافر عنده، ولم يكن عرف حكم النبي -صلى الله عليه وسلم- فيمن أظهر الشهادة بلسانه أنها تَحْقِن دمه، فسقط عنه القَوَد (يعني: القصاص)؛ لأنه معذور بتأويله، وكذلك حكم كل من تأوله فأخطأ في تأويله معذور في ذلك، وهو في حكم من رمى من يجب له دمه، فأصاب من لا يجب له قتله، أنه لا قود عليه، وما لقي أسامة من النبي -صلى الله عليه وسلم- في قتله هذا الرجل الذي ظنه كافرًا من اللوم والتوبيخ، حتى تمنَّى أنه لم يسلم قبل ذلك اليوم آلى (يعني: حلف) على نفسه ألا يقاتل مسلمًا أبدًا؛ ولذلك قعد عن علي بن أبي طالب يوم الجمل وصفين، وقد تقدم في كتاب الإيمان معنى قوله: «القاتل والمقتول في النار» وإنما خرج على الترهيب والتغليظ في قتل المؤمن فجعلهما في النار؛ لأنهما فعلا في تقاتلهما ما يؤول بهما إلى النار، إن أنفذ الله -سبحانه- عليهما الوعيد، والله تعالى في وعيده بالخيار عند أهل السنة. شرح صحيح البخاري (8/ 498).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
بهذا (يعني: الحديث) وأشباهه كفَّر الخوارج عليًا ومعاوية وأصحابهما، وهذا إنما صدر عنهم لأنهم سمعوا الأحاديث ولم تُحِط بها فُهُومهم، كما قرؤوا القرآن ولم يجاوز تَرَاقِيْهِم، فكأنهم ما قرؤوا قول الله -عزَّ وجلَّ-: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا} الحجرات:9 إلى قوله: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ} الحجرات:10، فأبقى عليهم اسم الإيمان وأُخُوَّتَه، مع أنهم قد تقاتلوا، وبغت إحداهما على الأخرى، وقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} النساء:48، والقتل ليس بشرك بالاتفاق والضرورة، وكأنهم لم يسمعوا قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «تبايعوني على ألا تشركوا بالله شيئًا، ولا تزنوا، ولا تسرقوا، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، فمن وفَّى منكم فأجره على الله، ومن أصاب شيئًا من ذلك فعُوقب به فهو كفارة له»، وقد تقدم هذا المعنى في كتاب الإيمان.
وإنما يحمل الحديث على التشبيه تغليظًا؛ وذلك أن المسلمين إذا تحاجزوا وتقاتلوا فقد ضلت الطائفة الباغية منهما، أو كلاهما إن كانتا باغيتين عن الحق، وكفرت حق الأخرى وحرمتها، وقد تشبهوا بالكفار، وكأنه -صلى الله عليه وسلم- اطلع على ما يكون في أمته من المحن والفتن، فحذَّر من ذلك، وغلَّظه بَذْلًا للنصيحة، ومبالغة في الشفقة -صلى الله عليه وسلم-. المفهم (5/ 48-49).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
وأما قوله -عليه السلام-: «لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض» فإنه قد تقدم منه -عليه السلام- إلى أمته بالثبوت على الإسلام، وتحريم بعضهم من بعض على نفسه سفك دمه، ما أقاموا على الإسلام، فإن ظن ظانٌّ أن ذلك حكم من النبي -صلى الله عليه وسلم- لضارب رقبة أخيه المسلم بالكفر، فقد أعظم الغفلة وأفحش الخطأ، وذلك أنه لا ذنب يوجب لصاحبه الكفر مع الإقرار بالتوحيد والنبوة إلا بذنب يَرْكَبُه صاحبه على وجه الاستحلال مع العلم بتحريمه، فأما إذا رَكِبَه معتقدًا تحريمه، فإن ذلك معصية لله، إن شاء عذبه وإن شاء غفر له، فهو بذلك الذنب آثم، ومن ملة المسلمين غير خارج؛ لقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} النساء:48. شرح صحيح البخاري (4/ 412-413).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
يتأوله الخوارج ومن يذهب مذهبهم على الكفر الذي هو الخروج من الملة، ويكفرون بالكبيرة كالقتل والزنا ونحوهما من المعاصي.
وتأويله عند العلماء على معنى الزجر عن هذا الفعل والتغليظ فيه، يقول: لا تشَبَّهوا بالكفار في قتل بعضهم بعضًا، ولا تكونوا مثلهم في هذا الصنيع. أعلام الحديث (3/ 1781).
وقال المازري -رحمه الله-:
تعلق بهذا من أنكر حُجة الإجماع من أهل البدع، قال: لأنه نهى الأمة بأسرها عن الكفر، ولولا جواز اجتماعها عليه لما نهاها عنه، وإذا جاز اجتماعها على الكفر فغيره من الضلالات أولى، وإذا كان ممنوعًا اجتماعها عليه لم يصح النهي عنه، وهذا الذي قاله خطأ؛ لأنا إنما نشترط في التكليف أن يكون مُمْكِنًا متأتِّيًا من المكلف، هذا أيضًا على رأي من منع تكليف ما لا يُطاق، واجتماع الأمة على الكفر وإن كان مُمْتَنِعًا فإنه لم يمتنع من جهة أنه لا يمكن ولا يتأتى، ولكن من جهة خبر الصادق عنه أنه لا يقع، وقد قال الله تعالى: {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} الزمر:65، والشرك قد عُصِمَ منه النبي -صلى الله عليه وسلم- وبعد هذا أنزل عليه مثل هذا على أن المراد بهذا الخطاب كل واحد في عينه أو جمهور الناس، وهذا لا يُنْكِر أحد أن يكون مما يصح حمل هذا الخطاب عليه، فأما أن يكون ظاهرًا فيه أو محتملًا له فتسقط بهذا حجته. المعلم بفوائد مسلم (1/ 297-298).
وقوله: «يضرب بعضكم رقاب بعض»:
قال القاضي عياض -رحمه الله-:
رواه من لم يضبط «يضربْ» بالإسكان، وهو إحالة المعنى، والصواب: ضم الباء، نهاهم عن التشبيه بالكفار في حالة قتل بعضهم بعضًا، ومحاربة بعضهم لبعض.
وهذا أولى مما يتأول عليه الحديث. إكمال المعلم (1/ 324).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «يضرب بعضكم رقاب بعض» تخصيص للاهتمام. لمعات التنقيح (5/ 408).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
قوله: «رقاب بعض»، فإن قلتَ: ليس لكل شخص إلا رقبة واحدة، ولا شك أن ضرب الرقبة الواحدة منهي عنها.
قلتُ: البعض وإن كان مفردًا لكنه في معنى الجمع، كأنه قال: لا تضرب فرقة منكم رقاب فرقة أخرى، والجمع أو ما في معناه يفيد التوزيع. الكواكب الدراري (2/ 139).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
المراد: النهي عن الأسباب المؤدية إلى التقاطع والتقاتل من التحاسد والتَّنَاجُش، والتباغض والتدابُر، وقد قدر الله وقوعهم فيما نهوا عنه، ولا معقب لما أراده سبحانه. دليل الفالحين (5/ 168).
وقال التوربشتي -رحمه الله-:
ومعنى الحديث: أن استباحة دم المسلم وماله وانتهاك حرمته في عرضه حرام عليكم، وإنما شبهها في الحرمة بهذه الأشياء؛ لأنهم كانوا لا يرون استباحة تلك الأشياء وانتهاك حرمتها بحال، وإن تعرضوا لشيء منها باستباحة تعرضوا له متسترين بالتأويل، وإن كان فاسدًا. الميسر في شرح مصابيح السنة (2/ 627).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
اشتمل الحديث على تعظيم البلد الحرام، ويوم النحر، وشهر ذي الحجة، والنهي عن الدماء والأموال، والنهي عن رجوعهم كفارًا، وعن قتالهم بعضهم بعضًا، والأمر بالإبلاغ عنه، وهذه من مقاصد الخطب، ويدل على شرعية خطبة ثاني يوم النحر. سبل السلام (1/ 654).
قوله: «وقف النبي -صلى الله عليه وسلم- يوم النحر بين الجمرات»:
قال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «بين الجَمَرَات» بفتح الجيم والميم، فيه تعيين البقعة التي وقف فيها، كما أن في الرواية التي قبلها تعيين المكان، كما أن في حديثي ابن عباس وأبي بكرة تعيين اليوم، ووقع تعيين الوقت من اليوم في رواية رافع بن عمر، والمزني عند أبي داود، والنسائي ولفظه: «رأيت النبي -صلى الله عليه وسلم- يخطب الناس بمنى حين ارتفع الضحى» الحديث. فتح الباري (3/ 576).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
قوله: «الجمار» واحد الجمرات، وهي ثلاث جمرات، يُرمَيْن بالجمار، والجمرة الحصاة. الكواكب الدراري (8/ 205).
قوله: «في الحجة التي حج بهذا»:
قال الكرماني -رحمه الله-:
قوله: «بهذا» أي: وقف متلبِّسًا بهذا الكلام المذكور. الكواكب الدراري (8/ 204).
قوله: «وقال: هذا يوم الحج الأكبر»:
ينظر خلاف العلماء في تقرير يوم الحج الأكبر (هنا)
قوله: «فطفق النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: اللهم اشهد»:
قال القسطلاني -رحمه الله-:
«فطفق» أي: جعل أو شرع «النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: اللهم اشهد». إرشاد الساري (3/ 244).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«اللهم اشهد» لي على تبليغي إليهم، وعلى شهادتهم لي، وجملة القول خبر لطفق. مرشد ذوي الحجا (18/ 59).
قوله: «وودع الناس»:
قال ابن حجر -رحمه الله-:
وقع في طريق ضعيفة عند البيهقي من حديث ابن عمر سبب ذلك، ولفظه: «أُنزِلتْ: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} النصر:1، على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في وسط أيام التشريق، وعرف أنه الوداع، فأمر براحلته القصواء فرحلت له، فركب فوقف بالعقبة، واجتمع الناس إليه، فقال: يا أيها الناس...» فذكر الحديث. فتح الباري (3/ 577).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«ثم ودع الناس» من التوديع عند الرحيل، أي: ودَّعهم بأمرهم بالمأمورات، ونهيهم عن المنكرات. مرشد ذوي الحجا (18/ 59).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
«وودَّع الناس» إنما ودَّعهم بتلك الخطبة التي قال فيها: «لا ترجعوا بعدي كفارًا»، وفي بعض الروايات: «لعلي لا أحج بعد عامي هذا». الكوثر الجاري (4/ 153).
قوله: «فقالوا: هذه حجة الوداع»:
قال القسطلاني -رحمه الله-:
«فقالوا»: أي: الصحابة «هذه» الحجة «حجة الوداع». إرشاد الساري (3/ 244).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
سميت بها لأن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ودع الناس فيها، ولم يتفق له بعدها وقفة أخرى، ولا اجتماع آخر مثل ذلك. الكواكب الدراري (8/ 204).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
سميت حجة الوداع؛ لأنه -صلى الله عليه وسلم- ودَّع الناس فيها، وقال: «لعلِّي لا ألقاكم بعد عامي هذا». التوضيح لشرح الجامع الصحيح (11/ 565).
وقال النووي -رحمه الله-:
سميت بذلك؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- ودع الناس فيها، وعلَّمهم في خطبته فيها أمر دينهم، وأوصاهم بتبليغ الشرع فيها إلى من غاب عنها، فقال -صلى الله عليه وسلم-: «ليبلغ الشاهد منكم الغائب». شرح صحيح مسلم (2/ 56).
وقال النووي -رحمه الله- أيضًا:
ولم يحج بعد الهجرة غيرها، وكانت سنة عشر من الهجرة. شرح صحيح مسلم (8/ 134).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
وغلط من كره تسميتها بذلك...، وتسمى البلاغ أيضًا؛ لأنه قال فيها: «هل بلغت؟»، وحجة الإسلام؛ لأنها التي حج فيها بأهل الإسلام، ليس فيها مشرك. التوضيح لشرح الجامع الصحيح (11/ 565).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
فيه: شرعية الخطبة يوم النحر وليست خطبة العيد، فإنه -صلى الله عليه وسلم- لم يُصَلِّ العيد في حجته ولا خطب خطبته. سبل السلام (1/ 654).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
أخذ العلماء من هذا الحديث فائدة، وهي: استحباب خطبة الناس يوم النحر، ولكن لأي شيء؟
أولًا: ليقرروا ما قرره النبي -صلى الله عليه وسلم- من هذا التحريم، أي: تحريم الدماء والأموال والأعراض؛ لأن أحسن ما نتكلم به ما تكلم به الرسول -صلى الله عليه وسلم-.
ثانيًا: أن نذكرهم بما يفعل هذا اليوم من الأنساك وأحكامها؛ لأن الناس محتاجون إلى بيان ذلك؛ هذه خطبة، وهناك خطبة قبلها وهي خطبة عرفة. فتح ذي الجلال والإكرام (3/ 431).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
وفيه: ما يدل على أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يعلم ما يكون بعده في أمته من الفتن والتقاتل، ويدل أيضًا: على قرب وقوع ذلك من زمانه؛ فإنه خاطب بذلك أصحابه، وظاهره أنه أرادهم؛ لأنه بهم أعنى، وعليهم أحنى، ويحتمل غير ذلك. المفهم (1/ 256).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله- أيضًا:
(وفيه): حجة على جواز أخذ العلم والحديث عمن لا يفقه ما ينقل؛ إذا أداه كما سمعه، وهذا كما قال -صلى الله عليه وسلم- فيما خرجه الترمذي: «نضَّر الله امرأ سمع منا حديثًا فبلغه غيره كما سمعه، فربَّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه، وربَّ حامل فقه ليس بفقيه».
فأما نقل الحديث بالمعنى: فمن جوَّزه إنما جوَّزه من الفقيه العالم بمواقع الألفاظ، ومن أهل العلم من منع ذلك مطلقًا...
وفيه حجة: على أن المتأخر قد يفهم من الكتاب والسنة ما لم يخطر للمتقدم، فإن الفهم فضل الله يؤتيه من يشاء، لكن هذا يندر ويَقِلُّ، فأين البحر من الوَشَل (يعني: الماء القليل يتحلب من جبل)، والعل من العلل، ليس التكحُّل في العينين كالكَحَل (يعني: الشَّكل في العينين ليس كالكحل). المفهم (5/ 49).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
وفي هذا الحديث من الفوائد غير ما تقدم: الحث على تبليغ العلم، وجواز التحمل قبل كمال الأهلية، وأن الفهم ليس شرطًا في الأداء، وأنه قد يأتي في الآخر من يكون أفهم ممن تقدمه لكن بقِلَّة، واستنبط ابن المنير من تعليل كون المتأخر أرجح نظرًا من المتقدم أن تفسير الراوي أرجح من تفسير غيره. فتح الباري (1/ 159).
وقال ابن حجر -رحمه الله- أيضًا:
وفي الحديث: دلالة على جواز تحمل الحديث لمن لم يفهم معناه ولا فقهه، إذا ضبط ما يحدث به، ويجوز وصفه بكونه من أهل العلم بذلك.
وفي الحديث من الفوائد أيضًا: وجوب تبليغ العلم على الكفاية، وقد يَتَعَيَّن في حق بعض الناس.
وفيه: تأكيد التحريم وتغليظه بأبلغ ممكن من تكرار ونحوه.
وفيه: مشروعية ضرب المثل وإلحاق النظير بالنظير؛ ليكون أوضح للسامع. فتح الباري (3/ 576).
وقال النووي -رحمه الله-:
لا حجة فيه (يعني: الحديث) لمن يقول بالتكفير بالمعاصي؛ بل المراد به: كفران النعم أو هو محمول على من استحل قتال المسلمين بلا شبهة...
فيه: وجوب تبليغ العلم وهو فرض كفاية؛ فيجب تبليغه بحيث ينتشر. شرح صحيح مسلم (11/ 169).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
وفيه أيضًا: تحذير الأمة من وقوع ما يحذر فيه. التوضيح لشرح الجامع الصحيح (3/ 613).
وقال ابن الملقن -رحمه الله- أيضًا:
وفيه: حرمة الدماء والأعراض والأموال، وإنما وجه الخطاب لهم إذ كانوا أهل ملة واحدة، ونظيره: {لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} النساء: 129، فالأُخُوَّةُ واحدة.
وفيه: أن مستحل المال كمستحل الدم، ومستحل العرض كمستحل المال، وفي الخبر: «حرمة مال المسلم كحرمة دمه»، ولا يَرِدُ قُطَّاع الطريق والخوارج، ومن يجب قتله بحدٍّ لَزِمَه، فإن دمه يحل دون ماله؛ لأن ذلك عقوبة لجرمه دون ماله، كما أمر بعقوبة آخر في ماله دون بدنه، وهذا بحق. التوضيح لشرح الجامع الصحيح (12/ 154).