السبت 15 جمادى الآخرة 1447 | 2025-12-06

A a

«أنّ رسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: دخلَ مكة عامَ الفتحِ وعلى رأسِهِ المِغْفَرُ، فلمَّا نزَعهُ جاء رجلٌ فقال: إنَّ ابنَ خَطَلٍ مُتَعَلِّقٌ بأستارِ الكعبةِ، فقال: اقتلوه»


رواه البخاري برقم: (1846)، ومسلم برقم: (1357)، من حديث أنس -رضي الله عنه-. 


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«المِغْفَرُ»:
‌المِغْفَرُ والغِفَارة، وهما وقاية للرأس يتَقَنَّعُ به المتسلح. الغريبين، لأبي عبيد الهروي (4/ 1379).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
هو ما يلبسه الدَّارِع على رأسه من الزَّرَد (حِلَقٌ يُتَّخذُ منها المِغْفَر)، ونحوه. النهاية (3/ 374).


شرح الحديث


قوله: «أنّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم-: دخل عامَ الفتحِ»:
قال السهارنفوري -رحمه الله-:
«دخل مكة عام الفتح» أي: غير مُحْرِم. بذل المجهود (9/ 321).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
قوله: «دخل مكة» يعني: في غزوة الفتح، وكان ذلك في رمضان في السَّنة الثامنة من الهجرة، وروي أهل التاريخ أنه في يوم الجمعة العشرين من شهر رمضان، فيكون النبي -صلى الله عليه وسلم- أدرك تسعة أيام من رمضان في مكة، ومع ذلك فقد ورد في البخاري أنه لم يصم هذه الأيام التسعة؛ لأنه مسافر ومشغول بتدبير شؤون الفتح، وما يتعلق به. فتح ذي الجلال والإكرام (5/ 481- 482).

قوله: «وعلى رأسِهِ المِغْفَرُ»:
قال ابن عبد البر -رحمه الله-:
«المغفَر» ما غَطَّى الرأس من السلاح، كالبيضة وشبهها، من حديد كان ذلك أو من غيره. التمهيد (4/ 144).
وقال ابن العطار -رحمه الله-:
أما الْمِغْفَر: فهو ما يلبسه الدارع على رأسه من الزَّرَد ونحوه، وقد رأيتُه، وهو شيء يشبه التحنُّك للنساء، يغطي الرأس، وبعض الوجه والقفا من الزَّرَد، والله أعلم. العدة في شرح العمدة (2/ 990).
وقال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «وعلى رأسه الْمِغْفَر» الْمِغْفَرُ: شبه قلنسوة من الدرع، وهذا يدل على جواز دخول مكة لرسول الله -عليه السلام- بغير إحرام؛ لأنه لو كان محرمًا لكان رأسه مكشوفًا، ولا خلاف في الساعة الأُولى من يوم فتح مكة جاز له دخول مكة بغير إحرام، وأما بعد ذلك فلا يجوز عند أبي حنيفة، وفي أحد قولي الشافعي، ويجوز عند مالك، وفي القول الثاني للشافعي. المفاتيح في شرح المصابيح (3/ 360- 361).
وقال أبو الوليد الباجي -رحمه الله-:
«دخل مكة عام الفتح وعلى رأسه الْمِغْفَر» يقتضي أحد أمرين: إما أن يكون غير محرم فلذلك غطى رأسه بالمغفر وهو الأظهر؛ لأنه لم يروِ أحد أنه تحلل من إحرام.
وقد روي عنه -صلى الله عليه وسلم- أنّه قال: «وإنما أُحلَّت لي ساعة من نهار» فعلى أن دخول مكة على غير إحرام خاصّ بالنبي -صلى الله عليه وسلم-؛ ولهذا قال مالك: ولم يكن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يومئذٍ محرمًا، وقد كان يحتمل أن يكون غطى رأسه لأذى اضطره إلى ذلك وافتدى، لو ثبت أنه دخل مكة محرمًا، ودخول مكة على ثلاثة أضرب: أن يريد دخولها للنسك في حج أو عمرة فهذا لا يجوز أن يدخلها إلا محرمًا، فإن تجاوز الميقات غير محرم ثم أحرم فعليه دم، والضرب الثاني: أن يدخلها غير مريد للنسك وإنما يدخلها لحاجة تتكرر كالحطَّابين وأصحاب الفواكه؛ فهؤلاء يجوز لهم دخولها غير مُحْرِمين؛ لأنّ الضرورة كانت تلحقهم بالإحرام متى احتاجوا إلى دخولها لتكرُّر ذلك، والضرب الثالث: أن يدخلها لحاجته وهي مما لا تتكرر؛ فهذا لا يجوز له أن يدخلها إلا مُحْرِمًا؛ لأنه لا ضرر عليه في إحرامه، وإن دخلها غير محرم فهل عليه دم أو لا؟ الظاهر من المذهب (المالكي) أنه لا شيء عليه وقد أساء. المنتقى شرح الموطأ (3/ 80).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
المراد من هذا الحديث: أنه دخل غير مُحْرِم، واعلم أنّ مَن أراد دخول مكة لا للنسك بل لحاجة، فلا تخلو هذه الحاجة من أمرين: إما أن تكون متكررة كالاحتطاب والاحتشاش فهذا لا يلزمه الإحرام، وإما أن تكون غير متكررة كالتجارة، فهل يلزمه الإحرام أم لا؟ فيه روايتان عن أحمد، وقولان للشافعي، وقال أبو حنيفة: مَن كان من أهل الميقات إلى مكة لا يلزمه، ومَن كان خارج الميقات لزمه الإحرام، فإذا قلنا: لا يلزم الداخل لحاجة غير متكررة الإحرام فلا كلام، وإن قلنا: يلزم، كان دخول الرسول -صلى الله عليه وسلم- إلى مكة غير مُحْرم خاصًّا له، بدليل قوله: «وإنما أُحلَّت لي ساعة من نهار». كشف المشكل (3/ 99).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
وفيها: جواز دخول مكة للقتال المباح بغير إحرام، كما دخل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والمسلمون، وهذا لا خلاف فيه، ولا خلاف أنه لا يدخلها مَن أراد الحج أو العمرة إلا بإحرام، واختلف فيما سوى ذلك إذا لم يكن الدخول لحاجة متكررة كالحشَّاش والحطَّاب على ثلاثة أقوال:
أحدها: لا يجوز دخولها إلا بإحرام، وهذا مذهب ابن عباس وأحمد في ظاهر مذهبه والشافعي في أحد قوليه.
والثاني: أنه كالحشاش والحطاب فيدخلها بغير إحرام، وهذا القول الآخر للشافعي ورواية عن أحمد.
والثالث: إن كان داخل المواقيت جاز دخوله بغير إحرام، وإن كان خارج المواقيت لم يدخل إلا بإحرام، وهذا مذهب أبي حنيفة.
وهدي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- معلوم في المجاهد ومريد النُّسك، وأما مَن عداهما فلا واجب إلا ما أوجبه الله ورسوله، أو أجمعت عليه الأمَّة. زاد المعاد (3/ 524- 525).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
ليس هذا عندي (يعني حديث: «دخل مكة وعلى رأسه عمامة سوداء») بمعارض لحديث ابن شهاب (يعني حديث: «دخل مكة وعلى رأسه المغفر») لأنه قد يمكن أن يكون على رأسه عمامة سوداء وعليها المغفر، فلا يتعارض الحديثان. التمهيد (4/ 157).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قول جابر: إنّه -صلى الله عليه وسلم- ‌دخل مكة يوم الفتح وعليه ‌عمامة سوداء ليس مناقضًا لقوله: إنّه دخل ذلك اليوم وعليه المغفر؛ لإمكان أن تكون العمامة تحت المغفر؛ وقاية من صدأ الحديد وشعثه، أو يكون نَزَعَ المغفر عند انقياد أهل مكة ولبس العمامة، والله تعالى أعلم. المفهم (3/ 478- 479).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
لا مانع أنه حال الدخول كان بهما، ثم قَلَعَ المغفر، وأبقى العمامة. مرقاة المفاتيح (5/ 1866).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
«وعلى رأسه المغفر» فإن هذه والله أعلم حال خصوص؛ لأنه أُحِلَّت له مكة بعض ذلك اليوم فلم يكن لإحرامه وجه؛ لأنها كانت حلالًا له ساعة، وإنما يستحب ألا يدخلها إلا محرمًا من أجل أنها حَرم. التمهيد (6/ 163).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله- أيضًا:
قد اختلف العلماء فيمن دخل مكة بغير إحرام، فقال مالك والليث: لا يدخل أحد مكة من أهل الآفاق إلا مُحرمًا، فإن لم يفعل أساء ولا شيء عليه، وهو قول الشافعي وأبي ثور، وقال الشافعي: من دخل مكة غير مُحرم فقد أساء ولا شيء عليه؛ لأن الحج والعمرة لا يجبان إلا على من نواهما، وأحرم بهما، قال الشافعي: وسُنة الله في عباده ألا يدخلوا الحَرَمَ إلا حُرمًا، قال: ومكة مباينة لسائر البلاد فلا يدخلها أحد إلا بإحرام، إلا أن مِن أصحابنا (المالكية) من رخص للحطابين وشبههم ممن يدخل لمنافع أهله ونفسه، قال أبو ثور: ليس على العراقي يدخل مكة بغير إحرام لحاجة شيء، وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا يدخل أحد مكة بغير إحرام فإن دخلها أحد غير محرم فعليه حجة، أو عمرة، وهو قول الثوري إلا أنه قال: فإن لم يحج ولم يعتمر قيل له: استغفر الله، وهو قول عطاء والحسن بن حي.
قال أبو عمر: لا أعلم خلافًا بين فقهاء الأمصار في الحطَّابين ومن يدمن الاختلاف إلى مكة ويكثره في اليوم والليلة أنهم لا يؤمرون بذلك؛ لما عليهم فيه من المشقة، ولو أُلزموا الإحرام لكان عليهم في اليوم الواحد ربما عُمَرٌ كثيرة، وقد دخل عبدالله بن عمر مكة بغير إحرام، وذلك أنه خرج عنها ثم خوف فانصرف بغير إحرام فمثل هذا وشبهه رخص له. التمهيد (6/ 163-164).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
قال ابن القصار: اختلف قول مالك والشافعي في جواز دخول مكة بغير إحرام لمن لم يُرِدْ الحج والعمرة فقالا مرَّةً: لا يجوز دخولها إلا بإحرام؛ لاختصاصها ومباينتها جميع البلدان إلا الحطَّابين ومَن قَرُب منها مثل جدة والطائف وعسفان؛ لكثرة ترددهم عليها، وبه قال أبو حنيفة والليث، وقالا مَرَّةً أخرى: دخولها بإحرام استحباب لا واجب.
(قلتُ): وإلى هذا القول ذهب البخاري، وله احتج بقوله -عليه السلام-: «ولكل آتٍ أتى عليهنّ ممن أراد الحج والعمرة» فدلّ هذا أنّ مَن لم يرد الحج والعمرة فليست ميقاتًا له، واستدل أيضًا بدخوله -عليه السلام- عام الفتح وعلى رأسه المغفر وهو غير محرم، وبهذا احتجّ ابن شهاب، ولم يره خصوصًا للرسول -صلى الله عليه وسلم-، وأجاز دخول مكة بغير إحرام، وهو قول أهل الظاهر. شرح صحيح البخاري (4/ 517).
وقال العراقي -رحمه الله-:
استُدلّ به على جواز دخول مكة بغير إحرام؛ وذلك من كونه -عليه الصلاة والسلام- كان مستور الرأس بالمغفر، والْمُحْرِم يجب عليه كشف رأسه، ومن تصريح جابر -رضي الله عنه- والزهري ومالك بأنه لم يكن مُحْرمًا، وأبدى الشيخ تقي الدين في شرح العمدة (ابن دقيق العيد) في ستر الرأس احتمالًا فقال: يحتمل أن يكون لعذر، انتهى، ويردّه تصريح جابر وغيره، وهذا الاستدلال في غير موضع الخلاف المشهور من وجهين:
أحدهما: أنّه -عليه الصلاة والسلام- كان خائفًا من القتل متأهبًا له، ومَن كان كذلك فله الدخول بلا إحرام بلا خلاف عندنا (الشافعية) ولا عند أحد نعلمه...
ثانيهما: أنّ أصحابنا عدُّوا من خصائصه -عليه الصلاة والسلام-: جواز دخول مكة بغير إحرام مطلقًا، ذكره ابن القاصّ وغيره، فأما غيره إذا لم يكن خائفًا فقال أصحابنا: إن لم يكن يتكرر دخوله ففي وجوب الإحرام عليه قولان؛ أصحهما عند أكثرهم: أنه لا يجب، وقطع به بعضهم، فإنْ تكرر دخوله كالحطابين ونحوهم ففيه خلاف مرتب وهو أولى بعدم الوجوب وهو المذهب...، وقد تحرر من ذلك: أنّ المشهور من مذهب الشافعي عدم الوجوب مطلقًا، ومن مذاهب الأئمة الثلاثة الوجوب إلا فيما يستثنى، وحكاه ابن عبد البر والقاضي عياض عن أكثر العلماء، وعدم الوجوب محكي عن عبد الله بن عمر، وبه قال الزهري والحسن البصري، وزعم ابن عبد البر انفرادهما بذلك من بين السلف، وأن المشهور عن الشافعي الوجوب وليس كما قال، وذهب إلى عدم الوجوب أيضًا داود وابن حزم وسائر أهل الظاهر. طرح التثريب(5/ 84- 86)
وقال ابن حجر -رحمه الله- معلقًا:
أما مَن قال من الشافعية كابن القاص: دخول مكة بغير إحرام من خصائص النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ ففيه نظر؛ لأنّ الخصوصية لا تثبت إلا بدليل. فتح الباري (4/ 62).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
قلتُ: في كون المغفَر على رأسه دليل على جواز ترك الإحرام للخائف على نفسه إذا دخل مكة، وعلى أنّ صاحب الحاجة إذا أراد دخول الحرم لم يلزمه الإحرام إذا لم يرد حجًّا أو عمرة. معالم السنن (2/ 288).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
في هذا الحديث من الفقه: دخول مكة بغير إحرام، وبالسلاح، وإظهار السلاح فيها، ولكن هذا عند جميع العلماء منسوخ ومخصوص بقوله -صلى الله عليه وسلم-: «إنّ الله حرَّم مكة يوم خلق السماوات والأرض، لم تحل لأحد قبلي، ولا تحل لأحد بعدي، وإنما أُحِلَّت لي ساعة من نهار» يعني: يوم الفتح. التمهيد (4/ 147).
وقال المازري -رحمه الله-:
قال بعض أصحابنا: لا يدخل مكة إلا بإحرام إلا لمثل إمام في جيشه للضرورة، وقائل هذا اتبع هذا الحديث على وجهه، واختلف قول مالك: هل دخول مكة بإحرام واجب أو مستحب؟ وأسقط ذلك مالك عمَّن يكثر تردده إليها كالحطابين وأصحاب الفواكه. المعلم بفوائد مسلم (2/ 116).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله- بعد نقله لأقوال العلماء:
الحق أن دخول الحرم بغير إحرام لمن لم يرد الحج أو العمرة جائز؛ لحديث الباب، فقد دخل -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه غير محرمين؛ ولصريح قوله -صلى الله عليه وسلم- عند تحديده المواقيت: «هنّ لهنّ، ولمن أتى عليهنّ، من غير أهلهنّ، ممن كان يريد الحج، والعمرة» متفق عليه، فقد صرح بأن وجوب الإحرام من المواقيت المحددة لمن أراد الحج أو العمرة، فدل على أن مَن لم يردهما أو أحدهما لا يجب عليه الإحرام منها، وأيضًا فقد كان المسلمون في عهده -صلى الله عليه وسلم- يتردَّدُون إلى مكة في حوائجهم، فلم يُنقل عنه أنه أَمَر أحدًا بأن يدخل محرمًا، والله تعالى أعلم بالصواب. البحر المحيط الثجاج (24/ 486- 487)

قوله: «فلمَّا نزعَهُ جاءَ رجلٌ فقال: إنَّ ابنَ خَطَلٍ مُتَعَلِّقٌ بأستارِ الكعبةِ»:
قال السهارنفوري -رحمه الله-:
«فلما نزعه» أي: وضَعَه عن الرأس «جاءه رجل» لم أقف على تسميته، «فقال» أي الرجل: «‌ابن ‌خَطَلٍ» الذي أهدرتَ دمه «متعلق بأستار الكعبة» أي: مستعيذ بها. بذل المجهود (9/ 321).
وقال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «فلما نزعه» أي: فلما رفع المغفر عن رأسه وجلس «فجاءه رجل وقال: إنَّ ابن خطل متعلق بأستار الكعبة» يعني: تعلق بلباس الكعبة؛ كي لا يقتله أحد. المفاتيح في شرح المصابيح (3/ 361).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
«فلمّا نزعه» يعني: انتهى الحرب ونزعه «جاءه رجل وقال: ابن خطل متعلق بأستار الكعبة...» إلخ، ابن خطل اسمه عبد الله، قال: «متعلق بأستار الكعبة» متعلق بها تأمينًا على نفسه؛ لأن هذا البيت مَن دخله كان آمنًا، فالمتعلق بأستار الكعبة يكون أشدّ أمنًا، فهذا الرجل متعلق بأستار الكعبة. فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام (5/ 482).
وقال أبو الوليد الباجي -رحمه الله-:
قوله: «فلما نزع المغفر جاءه رجل فقال: يا رسول الله ابن خطل متعلق بأستار الكعبة» ابن خطل هو عبد الله بن خطل، فيحتمل أن يكون عرفه حينئذٍ لَمَّا أزال المغفر عن رأسه، ويحتمل أن يكون وافق نزعه المغفر مجيء الرجل وإخباره، وكان تعلق ابن خطل بأستار الكعبة استجارة بها، فإنه كان ممن يؤذي النبي -صلى الله عليه وسلم-، وأن النبي -صلى الله عليه وسلم- أمّن كل مَن ألقى السلاح، ودخل دار أبي سفيان إلا عبد الله بن خطل. المنتقى شرح الموطأ (3/ 80).
وقال التوربشتي -رحمه الله-:
فيه: «فلما نزعه جاءه رجل، فقال: إنّ ‌ابن ‌خطل ‌متعلق بأستار الكعبة» الرجل: هو فضلة بن عبيد أبو برزة الأسلمي، وهو الذي قتل ‌ابن ‌خطل، واسم ‌ابن ‌خطل: عبد العزيز، وقد أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم-: «أنّ ذلك لم يحلّ لأحد قبله، ولا يحلّ لأحد بعده، ولم تحلّ له إلا ساعة من نهار» و كان ‌ابن ‌خطل قد ارتدّ بعد أن أظهر الإسلام، وقتل نفسًا. الميسر في شرح مصابيح السنة (2/ 641).

قوله: «فقالَ: اقتلوه»:
قال أبو الوليد الباجي -رحمه الله-:
قوله -صلى الله عليه وسلم-: «اقتلوه» دليل على أنه لم تنفعه استجارته بالبيت والحرم؛ لما أوجب الله تعالى عليه من سفك دمه، وهكذا كل مَن وجب عليه سفك دمه لقصاص أو غيره يقتل في الحرم. المنتقى شرح الموطأ (3/ 80).
وقال النووي -رحمه الله-:
«فقال: اقتلوه» قال العلماء: إنما قتله لأنّه كان قد ارتدّ عن الإسلام وقتل مسلمًا كان يخدمه، وكان يهجو النبي -صلى الله عليه وسلم- ويسبّه، وكانت له قينتان تغنيان بهجاء النبي -صلى الله عليه وسلم- والمسلمين، فإن قيل: ففي الحديث الآخر: «مَن دخل المسجد فهو آمن» فكيف قتله وهو متعلق بالأستار؟ فالجواب: أنّه لم يدخل في الأمان بل استثناه هو وابن أبي سرح والقَيْنَتين، وأمر بقتله وإن وُجِد متعلقًا بأستار الكعبة كما جاء مصرحًا به في أحاديث أُخر، وقيل: لأنه ممن لم يفِ بالشرط بل قاتل بعد ذلك. شرح صحيح مسلم (9/ 131- 132).
وقال المظهري -رحمه الله-:
وهذا يدل على أن مَن قال: إنّ مَن عليه حق آدمي من القصاص أو المال، والتجأ بالحرم لا يفيده دخول الحرم، بل يُقتل بالقصاص ثَمّ، وهذا قول الشافعي، وقال أبو حنيفة: لا يقتل في الحرم، بل لا يباع منه القوت، ولا يُترك أن يشرب الماء حتى يضطر ويخرج من الحرم، فيقتصّ منه خارج الحرم. المفاتيح في شرح المصابيح (3/ 361).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
ومنهم مَن سمَّى قاتله سعيد بن ذؤيب...، وروى الحاكم من طريق أبي معشر عن يوسف بن يعقوب عن السائب بن يزيد قال: فأُخذ عبد الله بن خطل من تحت أستار الكعبة، فقُتل بين المقام وزمزم. فتح الباري (4/ 61).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
كان ‌ابن ‌خطل بعثه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في وجه مع رجل من الأنصار، وأمّر الأنصاري عليه، فلما كان ببعض الطريق وثب على الأنصاري فقتله وذهب بماله، فلم ينفذ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- له الأمان وقتله بحق ما جناه في الإسلام.
وفيه: دليل على أنّ الحرم لا يعصم من إقامة حكم واجب، ولا يؤخره عن وقته. معالم السنن (2/ 288).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
في قتل النبي -صلى الله عليه وسلم- لابن خطل في الفتح حُجة لمن قال: إنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- دخل مكة عنوة، وهو قول مالك وأبي حنيفة وجماعة المتقدمين والمتأخرين، وقال الشافعي وحده: فُتحت صلحًا، وفائدة الخلاف في هذه المسألة: ما ذهب إليه مالك والكوفيون: أنّ الغانمين لا يملكون الغنائم ملكًا مستقرًّا بنفس الغنيمة، وأنه يجوز للإمام أن يمنَّ ويعفو عن جملة الغنائم كما منَّ على الأسرى وهم من جملة الغنائم، ولا خلاف بينهم أنّ الرسول -صلى الله عليه وسلم- مَنَّ على أهل مكة وعفا عن أموالهم كلها، قال أبو عبد الله بن أبي صفرة: إنما قتل ابن خطل لأنه كان يسبّ النبي -صلى الله عليه وسلم-، وقد عفا عن غيره ذلك اليوم ممن كان يسبه، فلم ينتفع ابن خطل باستعاذته بالبيت، ولا بالتعلق بأستار الكعبة، فدلّ ذلك على العنوة، وعلى أنّ الحدود تقام بمكة على مَن وجبت عليهم، فإن قيل: فإن قوله يوم الفتح: «مَن دخل البيت فهو آمن، ومَن دخل دار أبي سفيان فهو آمن» يعارض قتله لابن خطل يوم الفتح، فالجواب: أنه لا معارضة بينهما؛ لما رواه ابن أبي شيبة قال: ... عن سعد، عن أبيه قال: «لما كان يوم فتح مكة أَمَّنَ النبي -عليه السلام- الناس إلا أربعة نفر وامرأتين وقال: اقتلوهم إن وجدتموهم متعلقين بأستار الكعبة: عكرمة بن أبي جهل، وعبد الله بن خطل، ومقيس بن صبابة، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح»...
واستدل المالكيون من حديث ابن خطل أنّ مَن سبّ النبي -صلى الله عليه وسلم- يُقتل، ولا يستتاب كما فعل الرسول -صلى الله عليه وسلم- بابن خطل. شرح صحيح البخاري (4/ 519- 520).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
زعم أصحابنا أنّ هذا أصل في قتل الذمي إذا سبّ النبي -عليه السلام-، وهذا غلط؛ لأنّ ابن ‌خطل كان حربيًّا في دار الحرب لم يُدْخِله رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في أمان أهل مكة، بل استثناه من ذلك الأمان، ومعلوم أنهم كانوا كلهم أو أكثرهم على سبّ النبي -عليه السلام-، ولم يجعل لابن خطل أمانًا؛ لأنّ أمره -عليه السلام- بقتل ابن ‌خطل خرج من الأمان لأهل مكة مخرجًا واحدًا في وقت واحد، بذلك وردت الآثار وهو معروف عند أهل السير، والوجه في قتل ‌ابن ‌خطل أن الله تعالى أمر بقتل المشركين حيث وجدوا، وقال: {فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ} الأنفال: 57، وجعل لهم مع ذلك إذا قدر عليهم المنّ إن شاء وإن شاء الفداء، وليس هذا موضع ذكر وجوه ذلك؛ ولما كان لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- في حكم الله ذلك صنع ما أذن الله له فيه. الاستذكار (4/ 403- 404).
وقال النووي -رحمه الله-:
في هذا الحديث حُجة لمالك والشافعي وموافقيهما في جواز إقامة الحدود والقصاص في حرم مكة، وقال أبو حنيفة: لا يجوز، وتأولوا هذا الحديث على أنه قتله في الساعة التي أبيحت له، وأجاب أصحابنا: بأنها إنما أبيحت ساعة الدخول حتى استولى عليها، وأذعن له أهلها، وإنما قتل ابن خطل بعد ذلك، والله أعلم. شرح صحيح مسلم (9/ 132).
وقال ابن العطار -رحمه الله-:
منها (أي: فوائد الحديث): إباحة قتل الملتجئ إلى الحرم، وتقدم اختلاف العلماء فيه، وفي التمسك من الحديث لذلك نظر؛ فإن جواز قتل ابن خطل وغيره محمول على الخصوصية التي دل عليها قوله -صلى الله عليه وسلم-: «ولم تحل لأحد قبلي، ولا تحل لأحد بعدي، وإنما أحلت لي ساعة من نهار»، مع أن أصحاب الشافعي -رحمه الله- تأولوا قتل ابن خطل بعد الساعة التي أبيحت له، لا في الساعة التي أبيحت له.
ومنها: جواز إقامة الحدود في الحرم، وهو قول مالك والشافعي، وموافقيهما، وقال أبو حنيفة: لا يجوز، وتأول هذا الحديث في قتله على الساعة التي أبيحت له، وقيل: إنما قتله؛ لأنه لم يترك القتال، ولم يفِ بالشرط، بل قاتل بعد ذلك، والله أعلم.
ومنها: استحباب لبس المغفر ونحوه من السلاح حال الخوف من العدو، أو لإرهابهم.
ومنها: شرعية ستر الكعبة بالأستار؛ فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- أقرها على الستر، وسترها بكسوة بعد ذلك.
ومنها: رفع أخبار المرتدين والمنافقين إلى ولاة الأمور، وليس ذلك من الرفع المنهي عنه.
ومنها: تحتيم قتل مَن سبّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، من غير قبول توبته واستعاذته وتعلقه بأستار الكعبة ونحوها، أو غيرها من المخلوقين، والله أعلم. العدة في شرح العمدة (2/ 992- 993).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
قد اختلف الناس في هذا، فذهب مالك والشافعي إلى أنه يستوفى الحدود والقصاص بكل مكان وزمان؛ لعموم الأدلة ولهذه القصة، وذهب الجمهور من السلف والخلف وهو قول الهادوية إلى أنه لا يستوفى فيها حدٌّ؛ لقوله تعالى: {وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا} آل عمران: 97؛ ولقوله -صلى الله عليه وسلم-: «لا يسفك بها دم» وأجابوا عما احتج به الأولون بأنه لا عموم للأدلة في الزمان والمكان، بل هي مطلقات مقيدة بما ذكرناه من الحديث، وهو متأخر؛ فإنه في يوم الفتح بعد شرعية الحدود، وأما قتل ابن خطل ومَن ذُكر معه فإنه كان في الساعة التي أحلت فيها مكة لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-، واستمرت من صبيحة يوم الفتح إلى العصر، وقد قتل ابن خطل وقت الضحى بين زمزم والمقام، وهذا الكلام فيمَن ارتكب حدًّا في غير الحرم، ثم التجأ إليه، وأما إذا ارتكب إنسان في الحرم ما يوجب الحد فاختلف القائلون بأنه لا يقام فيه حد، فذهب بعض الهادوية أنه يخرج من الحرم ولا يقام عليه الحد وهو فيه، وخالف ابن عباس فقال: "مَن سرق أو قتل في الحرم أقيم عليه في الحرم"، رواه أحمد عن طاوس عن ابن عباس وذكر الأثرم عن ابن عباس أيضًا: "مَن أحدث حدثًا في الحرم أقيم عليه الحد ما أحدث فيه من شيء"، والله تعالى يقول: {وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ} البقرة:191، ودلّ كلام ابن عباس -رضي الله عنهما- أنه يقام، وفرقوا بينه وبين الملتجئ إليه: بأن الجاني فيه هاتك لحرمته، والملتجئ معظِّم لها، ولأنه لو لم يقم الحد على مَن جنى فيه من أهله لعظم الفساد في الحرم، وأدى إلى أن مَن أراد الفساد قصد إلى الحرم ليسكنه، وفعل فيه ما تتقاضاه شهوته، وأما الحد بغير القتل فيما دون النفس من القصاص ففيه خلاف أيضًا؛ فذهب أحمد في رواية أنه يستوفى؛ لأن الأدلة إنما وردت فيمَن سفك الدم وإنما ينصرف إلى القتل ولا يلزم من تحريمه في الحرم تحريم ما دونه؛ لأن حرمة النفس أعظم والانتهاك بالقتل أشد؛ ولأن الحد فيما دون النفس جارٍ مجرى تأديب السيد عبده فلم يمنع منه، وعنه رواية بعدم الاستيفاء لشيء؛ عملًا بعموم الأدلة.
ولا يخفى أن الحكم للأخص حيث صح أن سفك الدم لا ينصرف إلا إلى القتل، قلتُ: ولا يخفى أن الدليل خاصّ بالقتل، والكلام من أوله في الحدود فلا بدّ من حملها على القتل؛ إذ حد الزنا غير الرجم، وحد الشرب والقذف يقام عليه. سبل السلام (2/ 479).
وقال الشيخ عبد الله الفوزان -حفظه الله-:
في الحديث: دليل على عِظَم الكعبة وحرمتها في النفوس؛ لكون ابن خطل تعلق بأستارها مستجيرًا بها مع أنه كان كافرًا، والله تعالى أعلم. منحة العلام (9/ 80).

وللاستفادة من الرواية الأخرى ينظر (هنا)


إبلاغ عن خطأ