الخميس 24 شعبان 1447 | 2026-02-12

A a

«مَن طافَ بالبيتِ، وصلَّى ركعتينِ، فهو كعِتقِ رقَبةٍ»


رواه ابن ماجه برقم: (2956) واللفظ له، والنسائي في الكبرى برقم: (3951)، من حديث ابن عمر -رضي الله عنهما- ولفظه: «مَن طافَ سبعًا فهو كعِدلِ رقبةٍ».
ووراه الترمذي برقم: (959) وزاد: «فأَحْصَاهُ».
ولفظ أحمد: «مَن طاف أسبوعًا يُحصيه..»
سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم: (2725)، صحيح الجامع برقم: (6379)، صحيح الترغيب والترهيب برقم: (1142). 


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«كَعِتْق»:
أعتَقتُ العبدَ أُعتقُه عِتقًا وعَتاقةً، فهو مُعتَق... أي: حرّرتهُ فصار حُرًّا. النهاية، لابن الأثير (3/ 179).
وقال أبو حفص النسفي -رحمه الله-:
العِتق والعَتاق والعَتاقة زوال الرقِّ...، وحقيقة العِتق القوة، وحقيقة الرقِّ الضعف...، والإعتاق إزالة الرِّقِّ. طلبة الطلبة (ص: 63).
وقال الزبيدي -رحمه الله-:
العِتق: خلاف الرِّق، وهو الحريَّة. تاج العروس (26/ 116).

«كَعِدلِ»:
العِدلُ والعَدلُ بالكسر والفتح في الحديث، وهما بمعنى المِثل، وقيل: هو بالفتح ما عادلهُ من جِنسه، وبالكسر ما ليس من جِنسه، وقيل بالعكس. النهاية، لابن الأثير (3/ 191).
قال الأزهري -رحمه الله-:
قال الفراء: العَدلُ: ما عادلَ الشيءَ من غير جِنسه، والعِدلُ: المِثلُ،... وقال الزجاج: العَدلُ والعِدلُ واحد في معنى المِثل، قال: والمعنى واحد، كان المِثل من الجِنس أو من غير الجِنس. تهذيب اللغة (2/ 123).


شرح الحديث


«مَن طافَ بالبيتِ» وفي رواية «مَن طافَ سبعًا»:
قال الفيومي -رحمه الله-:
قوله: «مَن طاف...» الطواف: هو الدوران حول البيت...، فالطواف يكون حول البيت في المسجد في أرضه، والمراد بالمسجد ما كان في زمنه -صلى الله عليه وسلم-، وما استجد فيه من بعده، وقد زِيْدَ فيه زيادات، فيجوز الطواف فيها كلها، ولو وسِّع المسجد جاز الطواف في جميعه داخله. فتح القريب المجيب(6/ 79 - 83).
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«مَن طاف سبعًا» أي: دارَ بالبيت سبع مرات، أو سبعة أشواط، زاد في رواية الترمذي: «فأحصاه»... قيل: أي: حافظ على واجباته وسننه وآدابه... ولأحمد: «مَن طاف أسبوعًا يُحصيه، وصلى ركعتين، كان كعِدل رقبة» والمعنى: أن مَن طاف، وصلى ركعتين بعد الطواف بالشروط المعتبرة...، وزاد في رواية الترمذي: وسمعته يقول: «لا يضعُ قَدمًا ولا يرفع أخرى إلا حطّ الله عنه بها خطيئة، وكتب له بها حسنة»، وفي رواية أحمد: وسمعته يقول: «ما رفع رجلٌ قَدَمًا ولا وضعها، إلا كُتبت له عشر حسنات، وحُطَّ عنه عشر سيئات، ورُفع له عشر درجات». ذخيرة العقبى (25/ 191).
وقال الشيخ الألباني -رحمه الله-:
أي: يَحْصُر عدده فيجعله سبعًا لا زيادة ولا نقص، وفيه إشارة إلى أن فضائل العبادات المقيدة بعدد مسمّى، لا بدّ فيها من التمسُّك بالعدد، لا يزيد ولا ينقص، فتنبه. صحيح الترغيب والترهيب (2/ 26).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«مَن طاف بالبيت سبعًا» بالكعبة سبعة أشواط، متطهِّرًا على الصفة المشروعة. التنوير (10/ 302).
وقال السندي -رحمه الله-:
«وصلى ركعتين»؛ إذ صلاة ركعتين من روادف السبع. كفاية الحاجة(2/ 224).
وقال السيوطي -رحمه الله-:
«فأحصاه» أي: لم يسْهُ فيه بزيادة أو نقص. قوت المغتذي (1/ 302).

وقوله: «مَن طاف أسبوعًا يُحصيه»:
قال نشوان الحِمْيَري -رحمه الله-:
يُقال: طاف بالبيت أُسْبوعًا، أي: سبع مرّات. شمس العلوم (5/2943).
وقال ابن منظور -رحمه الله-:
وفي الحديث: «أنّه طاف بالبيت أُسْبوعًا»، أي: سَبعَ مرّاتٍ؛ قال اللَّيث: الأُسبوعُ من الطّواف ونحوه سبعة أَطواف. لسان العرب (8/146).
وقال أبو سهل الهَروي -رحمه الله-:
والأُسبوع في هذا أَفْعُول من السَّبعة، أي: طُفت سَبعةَ أشواط، ويبتدئ الطائفُ بالبيت في كل شوطٍ من رُكنه من عند الحَجَر الأسود، فيطوفُ حوالي الكعبة، أي: يدور، وهي على شِمالِه، حتى ينتهي إلى الحجر أيضًا، فلا يزال كذلك حتى يطوف سَبعةَ أشواط، فهذا هو الأُسبوع. [إسفار الفصيح (2/701)
.
وقال الصَّنعاني -رحمه الله-:
«الأُسبوع»: سَبع مرّات، ومنه أُسبوع الأيام لاشتماله على سَبعة أيام. التحبير لإيضاح معاني التيسير(3/318).
وقال الملا علي القارِي -رحمه الله-:
«من طاف هذا البيت أُسبوعًا»: أي سَبعة أشواط، كما في رواية: «فأحصاه»؛ بأن يُكمِّلَه، ويُراعي ما يُعتبر في الطواف من الشروط والآداب.
وفي المصابيح: "يَحصيه" أي: يَعدّه. وقال المَظهَر: أي سَبعة أيام متوالية، بحيث يعدّها ولا يترك بين الأيام السبعة يومًا. اهـ.
وهو غيرُ مفهومٍ من الحديث، كما لا يخفى. مرقاة المفاتيح (5/1791).

قوله: «وصلَّى ركعتين»:
قال الصنعاني -رحمه الله-:
قوله: «وصلى ركعتين» هما ركعتا الطواف، يصلَّيانِ خلف مقام إبراهيم. التنوير (10/ 302).
وقال الساعاتي -رحمه الله-:
«وصلى ركعتين» هما ركعتا الطواف يصليهما عَقِبَ فراغه من الطواف، خلف مقام إبراهيم، وقد جاء مصرحًا به في حديث جابر الطويل. الفتح الرباني (12/ 24).
وقال ابن المنذر -رحمه الله-:
فإذا فرغ صلى ركعتين خلف المقام، ويجزئه حيث صلاهما. الإقناع (1/ 220).
وقال الروياني الشافعي -رحمه الله-:
إذا فرغ من الطواف صلّى ركعتين خلف مقام إبراهيم -عليه السلام-؛ لما روى جابر، قال: «لَمَّا قدم النبي -صلى الله عليه وسلم- مكّة دخل المسجد فاستلم الحجر، ثم مضى على يمينه...، ثم أتى المقام، فقال: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} البقرة : 125» فصلّى ركعتين والمقام بينه وبين البيت...، السنّة أن يقرأ في الأولى منهما بعد الفاتحة: {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} الكافرون : 1، وفي الثانية: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} الإخلاص : 1؛ لما روي جابر أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قرأ في ركعتي الطواف بسورتي الإخلاص: {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} و{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}. بحر المذهب (3/ 492).
وقال البغوي -رحمه الله-:
ويجوز أن يصلي ركعتي الطواف خارج المسجد، وخارج الحرم، صلى عمر خارجًا من الحرم، وروي أنه طاف بعد الصبح، فركب حتى صلى الركعتين بذي طوى. شرح السنة (7/ 132).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
ثبتت الآثار عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه لما طاف بالبيت صلى عند المقام ركعتين، وأجمعوا على قول ذلك، وأجمعوا أيضًا على أن الطائف يصلي الركعتين حيث شاء من المسجد، وحيث أمكنه، وأنه إن لم يصلِّ عند المقام أو خلف المقام فلا شيء عليه. الاستذكار (4/ 204).
وقال البغوي -رحمه الله-:
قال إسماعيل بن أمية: قلتُ للزهري: إن عطاء يقول: يجزئه المكتوبة من ركعتي الطواف، فقال: السُّنة أفضل، لم يطف النبي -صلى الله عليه وسلم- سُبُوعًا قط إلا صلى ركعتين...
وسُئل سفيان الثوري عن الرجل يطوف بالبيت سُبُوعًا، أيصلي أربع ركعات؟ قال: نعم، وإن شئت فعشرًا. شرح السنة (7/ 132).
وقال الفيومي -رحمه الله-:
يندب عقيب كل أسبوع ركعتان، فلو طاف أسبوعين أو أكثر بلا صلاة، ثم صلى لكل أسبوع ركعتين جاز، لكن كان تاركًا للأفضل. فتح القريب المجيب (6/ 94).

قوله: «فهو كعِتقِ رقبة» وفي رواية «كعِدل رقبة»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«فهو» أي: الطواف «كعِدل رقبة» بكسر العين المهملة وفتحها: بمعنى المِثل، وقيل: بالفتح ما عادَله من جنسه، وبالكسر ما ليس من جنسه...، والمعنى هنا: مِثل ثواب إعتاق رقبة، والكاف هنا زائدة؛ لأن العِدل معناه المِثل، كما سبق آنفًا، وللترمذي: «كان كعتق رقبة» ولأحمد: «مَن طاف أسبوعًا يُحصيه وصلى ركعتين، كان كعِدل رقبة» والمعنى: أن مَن طاف، وصلى ركعتين بعد الطواف بالشروط المعتبرة، كان له مثل إعتاق رقبة في الثواب. ذخيرة العقبى(25/ 191).
وقال الساعاتي -رحمه الله-:
قوله: «كعِدل رقبة» المعنى: أنَّ مَن طاف وصلى ركعتين بعد الطواف بالشروط المتقدمة، كان له مثل إعتاق رقبة في الثواب، والكاف زائدة في قوله «كَعِدْلِ». الفتح الرباني (12/ 24 - 25).
وقال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «كان كعِتْقِ رقبة» قال مجاهد وسعيد بن جبير: الطواف بالبيت أفضل من الصلاة النافلة. المفاتيح (3/ 295).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«كان كعِتق رقبة» وفي رواية أبي نعيم بدله «كعِدل رقبة يعتقها». فيض القدير (6/ 175).
وقال السندي -رحمه الله-:
المراد: ما يساوي إعتاق رقبة، وقد جاء في إعتاق الرقبة أنَّ جزاءه العتق من النار، وهو يتوقف على مغفرة الذنوب كلها صغيرها وكبيرها، بل سابقها ولاحقها، والله تعالى أعلم. حاشيته على مسند أحمد (2/9).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«كان» له من الأجر «كعتق رقبة» وفيه: فضيلة ما ذُكر. التنوير (10/ 302).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«كان كعتق رقبة»... هذا الأجر والثواب إنما يحصل لمَن قام بالآداب، وأما ما يفعله العوام من الزحام المشتمل على أذى الأنام كالمدافعة والمسابقة في هذه الأيام، فهو موجب لزيادة الآثام. مرقاة المفاتيح (5/ 1791).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
«فهو كعِدْل رَقَبة» وهذه الأحاديث عامّة في كلِّ الأوقات، لم يأتِ ما يُخَصّصها ويخرجُها عن عمومها. تهذيب سنن أبي داود (1/ 374 - 375).
وقال الشيخ محمد بن إبراهيم بن التويجري -حفظه الله-:
حكمة مشروعية الطواف:
بيت الله الحرام أطهر مكان في الأرض، وأشرف بقعة خُلقت، شرَّفه الله وعظَّمه، وجعله حَرَمًا آمنًا لخلقه، جعله الله مكانًا للطائفين والعاكفين والركع السجود، فالطائف بالطواف يلزم المكان المنسوب إلى ربه، ويلتجئ إلى حمى مولاه، فيُكَبِّر ربه ويعظِّمه، ويقرع باب إحسانه وإنعامه، يلتمس العفو عن السيئات، والصفح عن الزلات، ويسأل ربه الجنة والنجاة من النار، فهو كمثل عبدٍ معتكفٍ بباب مولاه، لائذٍ بحِماه، طالب لإحسانه ورضاه، لا يقضي حاجته سواه. موسوعة الفقه الإسلامي (3/ 286 - 287).
وقال ابن قدامة -رحمه الله-:
فأما الطواف بالبيت فيستحب الإكثار منه، والتطوع به؛ لأنه يُروى عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «من طاف بالبيت وصلى ركعتين فهو كعتق رقبة» رواه ابن ماجه. الكافي (1/ 518).
وقال الحليمي -رحمه الله-:
مَن ورد مكة إنْ كان مقيمًا بها فليُكْثِر من الطواف بالبيت؛ وليصلِّ كلما طاف سبعًا ركعتين خلف المقام...، روى طاوس عن عائشة -رضي الله عنها- أنها كانت لا ترى بأسًا أن يطوف الرجل ثلاثة أسباع أو خمسة ثم يصلي، وعن عطاء عن عائشة -رضي الله عنها- أنها كانت تقرن بين الأسابيع، وفعل ذلك المسور بن محزمة إذا أقرن بين الأسابيع، ثم صلى ركعتين فبناه؛ لأن عطاء روى عن عائشة أنها قالت: «لا بأس أن يطوف الرجل ثلاثة أسباع، ثم صلى ست ركعات، وإذا عني في طوافه جلس واستراح، ثم قام فبنى». المنهاج في شعب الإيمان (2/ 450 - 451).
وقال الحليمي -رحمه الله- أيضًا:
اختُلف في الصلاة بمكة والطواف أيهما أفضل؟ فكان ابن عباس يقول: أما أهل مكة فالصلاة لهم أفضل، وأما أهل الأمصار فالطواف، وتابعه على ذلك سعيد بن جبير وعطاء ومجاهد. المنهاج في شعب الإيمان (2/ 451).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
هل الأفضل أن نكثر من الطواف في أوقات المواسم أو لا؟
الصواب: أنه ليس من السُّنة، ولا من الأفضل أن نكثر؛ وذلك لأن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في حجة الوداع لم يطف إلا طواف النسك فقط، فطاف طواف القدوم، وطاف طواف الإفاضة، وطاف طواف الوداع، مع أنه بقي أربعة أيام قبل الطلوع، ولم ينزل إلى مكة ليطوف، فدل هذا على أنه ليس من السُّنة، ولا من الأفضل أن تكثر الطواف في أيام المواسم؛ لأن في البيت مَن هو أحق منك ممَّن حجَّ أو اعتمر...، أما إذا كان الإنسان في مكة أو كان قادمًا إليها، ولم يكن هناك مواسم فلا بأس. تعليقاته على الكافي (4/ 9).


إبلاغ عن خطأ