«حَرَّمَ رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- ما بينَ لابَتَيِ المدينةِ»، قال أبو هريرةَ: "فلو وجَدْتُ الظِّبَاءَ ما بينَ لابَتَيْهَا ما ذَعَرْتُهَا"، «وجعلَ اثنيْ عَشَرَ مِيلًا حولَ المدينةِ حِمًى».
رواه البخاري برقم: (1873)، ومسلم برقم: (1372) واللفظ له، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.
ورواه البخاري برقم: (1869) بلفظ: «حُرِّمَ ما بينَ لابَتَيِ المدينةِ على لسانِي...».
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«لابَتَيِ المدينةِ»:
أي: جانِبَيْهَا، واللَّابة الحَرَّة: وهي حِجَارة سُود، قد أحاطت بالمدينة. تفسير غريب ما في الصحيحين، للحميدي (ص: 50).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
لابَتَي المدينة: أي: جانباها؛ (سُميت بذلك) لكثرة حَرِّها، وما يصيب فيها من العطش، وأصل اللَّابة: الحَرَّة، وهى أرض أُلبست حجارة سود، زاد المطرزي: إذا كانت بين جبلين. إكمال المعلم (7/ 267).
«الظِّبَاءَ»:
(بكسر الظاء المعجمة، والمد) جمْع ظَبي، بفتح الظاء، وهو الغزال. فتح الباري، لابن حجر (1/ 151).
«ذَعَرْتُهَا»:
أي: أَفْزَعْتُها، وقيل: نَفَّرتها. شرح مسلم، للنووي (9/ 145).
«حِمًى»:
أي: حَرَمًا (ممنوعًا) لا يُقطَع شجرُهُ، ولا يُصاد صيدُهُ. التعيين، للطوفي (1/ 101).
والْحِمى: أَصله مَا مُنع رعيه من الأَرْض، وَالْمعْنَى فِيهِ كُله: الْمَنْع. مشارق الأنوار على صحاح الآثار للقاضي عياض (1/201).
شرح الحديث
قوله: «حَرَّمَ رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-» وفي رواية: «حُرِّمَ ما بينَ لابَتَيِ المدينةِ على لسانِي»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«حَرَّمَ» بتشديد الراء. الكوكب الوهاج (15/ 120).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
المحرِّم أيضًا للمدينة الله تعالى...، وإضافته إلى الرسول -صلى الله عليه وسلم- إما لأنه مُبَلِّغ، ويؤيده ما جاء عند أحمد عن ابن عمر أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «إنَّ الله -عز وجل- حرَّم على لساني ما بين لابتي المدينة»، وإما لأنه السبب، دعا ربه فأجابه، وهذا هو وجه الشَّبَه، والمحرَّم في المدينة قطع الشجر، وتنفير الصيد، واللقطة، وتغليظ عقوبة المسيء فيها. فتح المنعم (5/ 446).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«حُرِّمَ» بالبناء للمجهول، قيل: أو بفتحتين، خبر مقدَّم... «على لساني» إعلامٌ بأنَّها لم تُحرَّم إلا في زمنه -صلى الله عليه وسلم-. التنوير (5/ 342).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
قوله: «على لساني» إشارة إلى أنَّ الأنبياء وسائط، ولا حَكَمَ إلا الله العلي الكبير. الكوثر الجاري (4/ 233).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«على لساني» أي: لم تكن مُحرَّمة كما كانت مكَّة، بل حدث تَحْرِيمهَا على لساني. التيسير (1/ 496).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
قال المهلب: وقوله -عليه السلام-: «على لساني» يريد أنَّ تحريمها كان من طريق الوحي، فوجب تحريم صيدها، وقطع شجرها. شرح صحيح البخاري (4/ 539).
وقال الكشميري -رحمه الله-:
في كتب الحنفية كما في «الدر المختار»: أنْ لا حَرَمَ للمدينة، مع ثبوته في الحديث ثبوتًا لا مردَّ له.
وعندي هو قصورٌ في التعبير فقط، والأَولى أنْ يُقال: إنَّ لها حرمًا، ولكن لا كحَرَم مكة، فإنَّ له أحكامًا ليست لحرم المدينة.
ومن ادّعى اتحاد الأحكام بين الحرمين يُحتَجُّ عليه بالتعامل، فيا أسفي على تعبيراتهم تلك، ولو أصلحوها لم يَرِدْ عليهم ما أوردَ عليهم الخصوم؛ فإنَّ الحق قد يعتريه سُوءُ تعبير، فإنَّ التعاملَ لم يجر إيجابَ الجزاء على مَن قطع أشجار الحرم، كيف وقد أمر النبيُّ -صلى الله عليه وسلّم- بقطعِ الأشجار عند بناء مسجده المبارك بنفسه؟! وإنَّما نهى عن قطعِ الأشجار التي منها بَهَاء الحرم وخضرته وزهرته، وما عند مسلم: أنَّ سعد بن أبي وقاص أخذ ثياب غلامٍ رآه يقطعُ شجر الحرم، وأبى أنْ يردَّها على مولاه، وقال: إنَّها طعمةٌ من رسول الله -صلى الله عليه وسلّم-، فليس من باب إيجاب قيمته أصلًا، بل هو تعزيزٌ مالي فقط، ألا ترى أنَّه لم يذهب أحد في حرم مكة إلى أنَّ مَن قطعَ شجرةً تُسلب عنه ثيابه، فكيف بحرمِ المدينة؟! وإنَّما الواجبُ عليه قيمته لا غير، فهذا باب آخر. فيض الباري (3/ 313).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
(ويحرم صيد المدينة) صيد حَرَم المدينة حرام، لكن حرمته دون حرمة حرَم مكة؛ وذلك لأنَّ تحريم صيد مكة ثابت بالنص والإجماع، وأما حرم المدينة فمختلَف فيه، ولكن القول الصحيح أنَّ المدينة لها حرَم، وأنَّه لا يجوز الصيد في حرم المدينة، ولكن هل فيه جزاء؟
يقول المؤلف -رحمه الله-: (ولا جزاء فيه)؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يجعل فيه جزاء، وإذا لم يجعل فيه الجزاء فالأصل براءة الذمة وعدم الوجوب.
وقال بعض أهل العلم -وهو رواية عن أحمد-: إنَّ فيه الجزاء، وهو سَلَب القاتل، يعني: أخذ سلبه من ثوبه وغترته، وما أشبه ذلك؛ لحديثٍ ورد في ذلك أخرجه مسلم.
والقائلون بعدم وجوب الجزاء يجيبون عن هذا الحديث بأنَّه من باب التعزير، لا من باب الضمان؛ ولهذا لا يختلف هذا التعزير بين الصغير والكبير، ولا يختلف فيما إذا كان السَّلَب جديدًا أو مستعملًا.
والصواب: أنَّه ليس فيه جزاء، لكن إنْ رأى الحاكم أنْ يعزِّر مَن تعدَّى على صيد في المدينة بأخذ سلَبه، أو بتضمينه مالًا، فلا بأس. الممتع شرح زاد المستنقع(1/ 3871).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- أيضًا:
المدينة محرمة، ولها حرم، لكن حرمها دون حرم مكة بكثير:
حرم مكة لا يمكن أن يأتيه أحد من المسلمين، لم يأته أول مرة إلا مُحْرمًا، يجب عليه أنْ يُحرم، والمدينة ليست كذلك.
حرم مكة يَحْرُم حشيشه وشجره مطلقًا، وأما حرم المدينة فرخص في بعض شجره للحرث ونحوه.
صيد مكة حرام وفيه الجزاء، وصيد المدينة ليس فيه جزاء. لقاء الباب المفتوح (103/ 2).
قوله: «ما بينَ لابَتَيِ المدينةِ»:
قال الصنعاني -رحمه الله-:
«ما بين لابتي المدينة» أي: جبليها. التنوير (4/ 220).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
«ما بين لابتي المدينة»، و(تقع) المدينة ما بين حرَّتين عظيمتين: إحداهما شرقية، والأخرى غربية. إرشاد الساري (3/ 330).
وقال النووي -رحمه الله-:
معناه: اللابتان وما بينهما، والمراد: تحريم المدينة ولابتيها. المنهاج شرح مسلم (9/ 136).
وقال ابن حبيب -رحمه الله-:
واللابتان اللتان حُرِّم الصيد فيما بينهما هما: الحرتان: الغربية: التي ينزل فيها حاج المدينة، فمن دونها إلى المغرب، والشرقية: مقابلها التي ينزلها حاج العراق.
وللمدينة حرَّتان أيضًا؛ حَرَّة في القِبلة منها، وحَرَّة في الجنوب...، وحِرَار المدينة الأربع التي وصفت لك ترجع إلى حرتين: غربية وشرقية؛ لأن القِبْلِية والجنوبية متَّصلتان بهما؛ ولذلك قال النبي -عليه السلام-: «ما بين لابتي المدينة حرام» فجميع دُورها كلها في اللابتين، وقد ردَّها حسان بن ثابت في شعره إلى حَرَّة واحدة؛ لاتصال بعضها ببعض، فقال:
لنا حَرَّةٌ مأطورة بجبالها *** بنى العز فيها بيته فتأثَّلا
فجعلها حَرَّة واحدة، ثم قال: "مأطورة بجبالها" يعني: معطوفة بجبالها لاستدارة الجبال بها، وإنَّما جبالها تلك الحجارة السود التي تُسمَّى الحِرَار. شرح غريب الموطأ (ص: 232).
وقال الباجي -رحمه الله-:
قال ابن نافع: والحَرَّتان إحداهما التي ينزل بها الحاج، والأخرى تقابلها من ناحية شرقي المدينة، وهو أيضًا في أقصى العُمران خارجة عنه. وقال: وحَرَّتان أخريان أيضًا من ناحية القبلة والجنوب من المدينة، وهما أيضًا في طرف العمران من جانبي المدينة جميعًا على مثل الآخرين، قال ابن نافع: فما بين هذه الحَرَّات في الدور كله مُحرَّم أنْ يُصاد فيه صيد، ومَن عصى فاستحل فقد استحل ما قد نُهي عنه، وليس عليه فيه جزاء، وحرم قطع الشجر منها على بريد من كل شقٍّ حولها كلها. المنتقى شرح الموطأ (7/ 193).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
«ما بين لابتيها» ما بين الحرتين هذا الحرم، حرم المدينة من الشرق على الغرب ما بين الحرتين، ومن الشمال إلى الجنوب ما بين عَيْر وثور، وهما معروفان، قال العلماء: والمسافة بريد في بريد، يعني: من الشرق إلى الغرب بريد، والشمال إلى الجنوب بريد، والبريد كم فرسخ؟ أربعة فراسخ، والفرسخ ثلاثة أميال. شرح كتاب الحج من صحيح البخاري (ص: 44).
قوله: «قال أبو هريرةَ: فلو وجَدْتُ الظِّبَاءَ ما بينَ لابَتَيْهَا ما ذَعَرْتُهَا»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«قال أبو هريرة: فلو وجدتُ الظباء» ورأيتها ترعى «ما بين لابتيها» أي: فيما بين طرفيها «ما ذَعَرْتُها» أي: ما أَزْعَجْتُها، ولا نَفَّرْتُها. الكوكب الوهاج (15/ 120).
وقال الكنكوهي -رحمه الله-:
قوله: «لو رأيتُ الظباء...» إلخ، هذا ليس نصًّا في وجوب الجزاء، وهو الذي فيه النزاع، والرواية التي استدل بها أبو هريرة كذلك، فإنَّ الحُرمة ليست من لوازمها وجوب الجزء، بل المراد بذلك تعظيمه وبيان شرفه وغايته. الكوكب الدري (4/ 461).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
«لو رأيتُ الظباء ترتع في المدينة ما ذعرتها»؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- حرَّم ما بين لابتيها؛ فلا يزعج الصيد ولا يُنَفَّر، ومن باب أولى لا يُقتل، وكذلك لا يُقطع الشجر الذي ينبته الله، أما الشجر الذي ينبته الناس، ويزرعه الناس، فإنهم يحصدون زروعهم، ويقطعون نباتهم الذي ينبتونه، ويحتاجون إليه. شرح سنن أبي داود (ص: 2).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
«ما ذَعَرْتُها» أي: ما قصدتُ أخذها، فأَخَفْتُها بذلك، وكنَّى بذلك عن عدم صيدها. فتح الباري (4/ 89).
وقال الباجي -رحمه الله-:
يقتضي أنَّ ذُعْرَ الصيد مما يتناوله تحريم النبي -صلى الله عليه وسلم-. المنتقى شرح الموطأ (7/ 193).
وقال الزرقاني -رحمه الله-:
فيه: أنَّه لا يجوز ترويع الصيد في الحرم المدني كالمكي. شرحه على الموطأ (4/ 359).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
هذا الحرم أيضًا لا يُصاد صيده ولا يُقطع شَجَرُه إلا لحاجة كآلة الركوب والحرث، ويؤخذ من حشيشه ما يحتاج إليه للْعَلْفِ؛ فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- رخَّص لأهل المدينة في هذا لحاجتهم إلى ذلك؛ إذ ليس حولهم ما يستغنون به عنه بخلاف الحرم المكي. مجموع الفتاوى(26/١١٧).
قوله: «وجعل اثنيْ عَشَرَ مِيلًا حولَ المدينةِ حِمًى»:
قال الشوكاني -رحمه الله-:
الضمير في قوله «وجَعل» راجع إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-كما يدل على ذلك اللفظ الذي ذكرهُ المصنف، ويدل عليه أيضًا ما عند أبي داود من حديث عدي بن زيد الجذامي قال: «حَمى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كل ناحية من المدينة بريدًا بريدًا بريدًا»، فهذا مثل ما في الصحيحين؛ لأن البريد أربعة فراسخ والفرسخ ثلاثة أميال، وهذان الحديثان فيهما التصريح بمقدار حرم المدينة. نيل الأوطار(5/٤٠).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
قوله: «حِمًى» والمعنى: أنَّه -صلَّى الله عليه وسلَّم- جعل هذا المقدار من المدينة ممنوع الكلأ من عامَّة الناس؛ لأجل إبل الصدقة، ونَعَم الجزية، والحديث متّفقٌ عليه، إلَّا قوله: «وجعَلَ اثني عشر ميلًا حول المدينة حِمًى» فإنه مِن أفراد المصنِّف -رحمه الله- (مسلم) والله تعالى أعلم بالصواب. البحر المحيط الثجاج (24/ 565-566).
وقال التوربشتي -رحمه الله-:
قوله: «حِمىً» يُؤيد ما قررنا من قول العلماء في تحريم صيدها، وقطع شجرها؛ لأن ما كان على سبيل الحِمَى لا يقع المنع عنه على التأبيد، بل يمنع منه تارة، ويرخص فيه أخرى، والحِمَى: الماء والكلأ يُحْمَى فيمنع. الميسر (2/ 647-648).
وقال صفي الرحمن المباركفوري -رحمه الله-:
ومعنى جَعْله «اثني عشر ميلًا حِمىً» أنَّه جعل الحِمَى بريدًا في بريد -والبريد اثنا عشر ميلًا- أي ستة أميال من جهة قبلتها، وستة أميال من جهة شاميها، وكذلك في المشرق والمغرب، فصار من القبلة إلى الشمال بريدًا، ومن المشرق إلى المغرب بريدًا، قال مالك: هذا حرم الشجر، أما حرم الصيد فهو ما بين لابتيها.
والظاهر: أنَّه لا فرق بينهما؛ فإنَّ ما بين عَيْر وثور بريدًا، وما بين نقطة أُحُد الغربية ونقطته الشرقية بريدًا، والخطَّان اللذان يخرجان من هاتين النقطتين يحددان ما بين اللابتين، وهذه حدود حرم المدينة، ومعناه: أنَّ حد حرم الشجر وحرم الصيد واحدٌ، لا فرق بينهما، وإنَّما اختلف التعبير فقط. منة المنعم (2/ 354).
وقال السمهودي -رحمه الله-:
اعلم أنَّ قوله في حديث مسلم: «وجَعَلَ اثني عشر ميلًا حول المدينة حِمىً» ظاهر في التحريم لذلك القَدْر؛ إذ حول المدينة إنَّما هو حرمها، وحِمَى النبي -صلّى الله عليه وسلّم- الذي ليس بحرم لم يكن حول المدينة، ولأنَّ التَّقِي السبكي قال: إنَّ في سنن أبي داود تحديد حرم المدينة ببريد من كل ناحية، قال: وإسناده ليس بالقوي. وفاء الوفاء (1/ 80).
وقال العظيم أبادي -رحمه الله-:
فهذا الحديث مِثْل ما في الصحيحين (أي: حديث: «من عَيْر إلى ثور»)؛ لأنَّ البريد أربعة فراسخ، والفرسخ ثلاثة أميال، وهذان الحديثان فيهما التصريح بمقدار حَرَم المدينة. عون المعبود (6/ 16).
وقال العيني -رحمه الله-:
وقال الثوري وعبد الله بن المبارك وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد: ليس للمدينة حرم كما كان لمكة، فلا يمنع أحد مِن أخذ صيدها وقطع شجرها، وأجابوا عن الحديث (حديث أنس: «المدينة حرم من كذا إلى كذا، لا يقطع شجرها، ولا يحدث فيها حدث») المذكور بأنه -صلى الله عليه وسلم- إنما قال ذلك لا لأنه لما ذكروه من تحريم صيد المدينة وشجرها، بل إنما أراد بذلك بقاء زينة المدينة؛ ليستطيبوها ويألفوها. عمدة القاري (10/ 229).
وقال السهارنفوري -رحمه الله-:
واختلفت الروايات في تحديد الحَرم، ففي رواية: «اللهم إني أُحَرِّم ما بين جَبَلَيْهَا»، وفي رواية: «ما بين لابتيها»، واللابة هي الحَرَّة، وهي الحجارة السود، وفي حديث جابر عند أحمد: «ما بين حَرَّتيها»، وفي رواية: «بين مَأْزِمَيْهَا»، والمأزِم بكسر الزاي: المضيق بين الجبلين، وفي حديث أبي داود: «كل ناحية من المدينة بريد بريدًا»، فادعى بعض الحنفية لأجل اختلاف الروايات فيه أن الحديث مضطرب. بذل المجهود(7/٥٦٢).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
فادعى بعض الحنفية أن الحديث مضطرب (بناء على الروايات المتقدمة التي ذكرها السهارنفوري) ، وتُعقِّب بأنَّ الجمْع بينهما واضح، وبمثل هذا لا تُرد الأحاديث الصحيحة، فإنَّ الجمْع لو تعذَّر أمكن الترجيح، ولا شك أنَّ رواية: «ما بين لابتيها» أرجح؛ لتوارد الرواة عليها، ورواية: «جبليها» لا تُنافيها، فيكون عند كل لابة جبل، أو لابتيها من جهة الجنوب والشمال، وجبليها من جهة الشرق والغرب، وتسمية الجبلين (عَيْر وثور) في رواية أخرى لا تضر، وأما رواية: «مَأْزِمَيها» فهي في بعض طرق حديث أبي سعيد، والمأْزِم: بكسر الزاي: المضيق بين الجبلين، وقد يُطلق على الجبل نفسه. فتح الباري (4/ 83).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
وليس في الدُّنيا حَرم لا بيت المقدس ولا غيره إلا هذان الحرمان، ولا يُسمى غيرهما حرمًا كما يسمي الجهال. فيقولون: حرم المقدس وحرم الخليل. فإن هذين وغيرهما ليسا بحرم باتفاق المسلمين، والحرم المجمع عليه حرم مكة. وأما المدينة فلها حرم أيضًا عند الجمهور كما استفاضت بذلك الأحاديث عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، ولم يتنازع المسلمون في حرم ثالث إلا في "وج" وهو وادٍ بالطائف وهو عند بعضهم حرم، وعند الجمهور ليس بحرم. مجموع الفتاوى (26/١١7 ـ 118).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
قد اختلف الناس في صيد المدينة وشجرها، فقال مالك والشافعي وأكثر الفقهاء: لا جزاء على من اصطاد في المدينة صيدًا، واحتجوا بحديث أنس، وبقوله -صلى الله عليه وسلم-: «يا أبا عمير، ما فعل النغير؟» والنغير: صيد، فلو كان صيد المدينة حرامًا لم يجز اصطياده، ولا إمساكه في المدينة، كهو بمكة، وكان ابن أبي ذئب يرى الجزاء على من قتل صيدًا من صيد المدينة، أو قطع شجرة من شجرها.
وروي أن سعدًا وزيد بن ثابت وأبا هريرة كانوا يرون صيد المدينة حرامًا، فأما إيجاب الجزاء فلا يصح عن أحد منهم.
وكان الشافعي يذهب في القديم إلى أنَّ مَن اصطاد في المدينة صيدًا أخذ سَلَبَه، وروى فيه أثرًا عن سعد ابن أبي وقاص «مَن وجدتموه يصيد في حدود المدينة، أو يقطع من شجرها، فخذوا سلَبَهُ») وقال في الجديد بخلافه.
وقال ابن نافع: سُئل مالك عن قطع السدر، وما جاء فيه من النهي فقال: إنما نهى عن قطع سدر المدينة؛ لئلا توحش؛ وليبقى فيها شجرها، فيُستأنس بذلك، ويستظل بها من هاجر إليها. معالم السنن (2/ 223).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
قال المهلب: جمهور العلماء على أنَّه لا جزاء في حرم المدينة، لكنه آثم عندهم مَن استحل حرم رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فإنْ قال الكوفيون (الأحناف): لما أجمعوا على سقوط الجزاء في حرم المدينة دلَّ أنَّه غير محرم، قيل: لا حجة في هذا؛ لأنَّ صيد مكة قد كان محرَّمًا على غير أمة محمد، ولم يكن عليهم فيه جزاء، وإنَّما الجزاء فيه على أمة محمد، فليس إيجاب الجزاء فيه علة للتحريم، وشذ ابن أبي ذئب ونافع صاحب مالك والشافعي في أحد قوليه فأوجبوا فيه الجزاء.
قال ابن القصار: والدليل على سقوط الجزاء: أنَّ الرسول -صلى الله عليه وسلم- لما حرم المدينة، وذكر ما ذكر لم يذكر جزاءً على مَن قتل الصيد بها، وما كان من جهته -عليه السلام- لم يكن تبيان لما في القرآن، فليس محرَّم تحريم القرآن، وإنَّما هو مكروه حتى يكونَ بَيْنَ تحريمه وتحريم القرآن فرق.
فإنْ احتجوا بحديث سعد أنَّ الرسول -صلى الله عليه وسلم- قال: «مَن وجدتموه يصيد في حرم المدينة، ويقطع شجرها؛ فخذوا سَلَبَهُ» فلم يصح عند مالك، ولا رأى العمل عليه بالمدينة، ولو صح الحديث عن الرسول -صلى الله عليه وسلم- لأوجب الجزاء على من لا سَلَب له، ولو لم يكن على القاتل إلا ما سَتر به عورته، لم يجز أخذه، وكشف عورته، فثبت أنَّ الصيد ليس بمضمون أصلًا، ألا ترى أنَّ صيد مكة لما كان مضمونًا لم يفترق حكم الغني والفقير، ومَن له سَلَب، ومَن لا سَلَب له في أنه مضمون عليه في أي وقت قدر.
وقد قال مالك: لم أسمع أنَّ في صيد المدينة جزاءً، ومَن مضى أعلم ممن بقى، فقيل له: فهل يُؤكَل؟ فقال: ليس كالذي يُصاد بمكة، وإني لأكرهه. شرح صحيح البخاري (4/ 539-540).
وقال ابن العربي -رحمه الله-:
أجمع الفقهاءُ من أئمة الفتوى بالأمصار وأَتْبَاعُهُم: أنَّ لا جزاءَ في صيد المدينة، وشذَّت فرقةٌ، فقالت: فيه الجزاء؛ لأنّه حرمُ نَبِيٍّ قياسًا على مكَّة؛ لأنَّها حَرَمُ إبراهيم.
واتَّفق مالكٌ والشّافعيُّ وأصحابُهُما وابنُ حنبل وجمهورُ العلماء: أنَّ الصَّيد في حَرَم المدينة لا يجوز، وعلى ذلك كان أصحاب رسول الله -صلّى الله عليه وسلم-.
وشذَّ أبو حنيفة وأصحابه فقالوا: صيدُ المدينةِ غير محرَّمٍ، وكذلك قطع شجرها، واحتجّ الطّحاوي لهم بحديث أنسٍ أنَّ رسول الله -صلّى الله عليه وسلم- دخل حارتَهُم، فقال: «أبا عمير ما فعل النُّغَير؟» وأبو عُمَير كان أخًا صغيرًا لأنسٍ، وكان له نُغَير يلعبُ به، وهذا لا حُجَّةَ فيه؛ لأنَّه يمكن أنّ يكون النُّغَير في حرم المدينة، أو في غيره. المسالك (7/ 186).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
في هذا الحديث من الفقه: تحريم المدينة، وإذا كانت حرامًا لم يجز فيها الاصطياد، ولا قطع الشجر، كهيئة مكة، إلا أنَّه لا جزاء فيه عند العلماء، كذلك قال مالك والشافعي وأصحابهما.
وقال أبو حنيفة: صيد المدينة غير محرَّم، وكذلك قطع شجرها، وهذا الحديث حُجة عليه، مع سائر ما في تحريم المدينة من الآثار، واحْتَجَّ لأبي حنيفة بعض مَن ذهب مذهبه بحديث سعد بن أبي وقاص عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «مَن وجدتموه يصيد في حدود المدينة، أو يقطع من شجرها، فخذوا سلَبَهُ» وأخذ سعد سَلَب مَن فعل ذلك، قال: وقد اتفق الفقهاء على أنَّه لا يُؤخَذ سَلَب مَن صاد في المدينة، فدل ذلك على أنَّه منسوخ، قال: وقد يحتمل أنْ يكون معنى النهي عن صيد المدينة، وقطع شجرها؛ لأن الهجرة كانت إليها، فكان بقاء الصيد والشجر مما يزيد في زينتها، ويدعو إلى أُلْفَتِهَا، كما روي عن نافع عن ابن عمر أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- «نهى عن هدم آطام المدينة (أبنيتها وحصونها المرتفعة)؛ فإنَّها من زينة المدينة».
قال أبو عمر (ابن عبد البر): ليس في هذا كله حُجة؛ لأنَّ حديث سعد ليس بالقوي، ولو صح لم يكن في نسخ أخذ السَّلَب ما يسقط ما صح من تحريم المدينة، وما تأوَّله في زينة المدينة فليس بشيء؛ لأن الصحابة تلقوا تحريم المدينة بغير هذا التأويل، وسعد قد عمل بما روى، فأي نسخ ها هنا؟!
وفي قول أبي هريرة: «ما ذَعَرْتُها» دليل على أنَّه لا يجوز ترويع الصيد في حرم المدينة، كما لا يجوز ترويعه في الحرم، والله أعلم. التمهيد (6/309- 311).
وللاستفادة من الروايات الأخرى ينظر (هنا) و (هنا)