«عن مَعْدَانَ بن أبي طَلحةَ اليَعْمَرِي، قال: لقِيتُ ثَوْبَانَ مولى رسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-، فقلتُ: أخبرني بعملٍ أعملُه يُدخِلُني اللهُ به الجنَّةَ؟ أو قال: قلتُ: بأحبِّ الأعمالِ إلى اللهِ، فسَكَتَ، ثم سألتُه فَسَكتَ، ثم سألتُه الثالثة، فقال: سألتُ عن ذلك رسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-، فقال: عليكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ للهِ، فإنَّك لا تسجُدُ للهِ سجْدَةً، إلا رَفَعَكَ اللهُ بها درجةً، وحَطَّ عنكَ بها خَطِيْئَةً».
رواه مسلم برقم: (488)، من حديث ثوبان -رضي الله عنه-.
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«عليك»:
إغراء بمعنى: الأمر، تقول: عليك زيدًا، أي: الزم زيدًا. النظم المستعذب، للركبي (1/ 209).
«خَطِيئة»:
الخطيئة: الذنب على عمد. تهذيب اللغة، للأزهري (7/ 207).
وقال الحريري -رحمه الله-:
من خَطِئ فهو خَاطِئ، والاسم منه الخَطِيئَة، والمصدر: الخِطْءُ بكسر الخاء وإسكان الطاء...، والخَطِيئَة تقع على الصغيرة. درة الغواص (ص: 134).
شرح الحديث
قوله: «قال: لقِيتُ ثَوْبَانَ مولى رسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فقلتُ: أخبرني بعَمَلٍ أعملُه يُدخلني اللهُ به الجنَّةَ»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«فقلتُ: أخبرني بعملٍ أعملُه» بالرفع على صفة للعمل، وكذلك «يدخلُني الله به الجنة». مرقاة المفاتيح (2/ 724).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «أعمَلُه» يجوز أنْ يكون مجزومًا جوابًا للأمر، و«يدخلني» بدلًا منه؛ وذلك لأن مَعْدَان لما كان معتقدًا لكون الإخبار سببًا لعمله صح ذلك، وأنْ يكون مرفوعًا صفةً للعمل. الكاشف عن حقائق السنن (3/ 1028).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «أعملُه» روي بالرفع والجزم، فعلى الأول: صفة لـ«عَمَلٍ» أو استئناف، وعلى الثاني: جواب للأمر، وكذا «يدخلني» فبالرفع استئناف، وبالجزم بدل من «أعمله». لمعات التنقيح (3/ 32).
وقال البيضاوي -رحمه الله-:
«يُدخِلُني» مرفوع واقع في حيز الصفة، وإنْ صح الجزم فيه كان جزاء الشرط محذوفًا، تقديره: أخبرني بعمل إنْ عملته يدخلني الجنة، والجملة الشرطية بأسرها صفة لـ«عمل» أو جوابًا للأمر. تحفة الأبرار (1/ 67).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
«أخبرني بعمل أعملُه» بالجزم جوابًا للأمر وما بعده بدل منه، وبالرفع: صفة وما بعده الجواب، وهذا هو الأوضح. فتح الإله (4/37).
قوله: «أو قال: قلتُ: بأحبِّ الأعمالِ إلى اللهِ»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«أو قال» معدان، والشك من الوليد بن هشام: «بأحبِّ الأعمالِ إلى اللهِ» أي: عند الله سبحانه. الكوكب الوهاج (7/ 388).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«بأحبِّ الأعمالِ إلى اللهِ» أي: أكثرها ثوابًا. التيسير (1/ 37).
وقال الشيخ علوي السقاف -حفظه الله-:
أهل السنة والجماعة يثبتون صفة الحب والمحبة لله -عز وجل-، ويقولون: هي صفة حقيقية لله -عز وجل-، على ما يليق به، وليس هي إرادة الثواب؛ كما يقول الْمُؤَوِّلَةُ، كما يثبت أهل السُّنة لازم المحبة وأثرها، وهو إرادة الثواب وإكرام مَن يحبه سبحانه. صفات الله -عز وجل- الواردة في الكتاب والسنة (ص:122).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
المحبة لا تستلزم نقصًا، بل هي صفة كمال، بل هي أصل الإرادة، فكل إرادة فلا بد أنْ تستلزم محبة؛ فإن الشيء إنما يُراد لأنه محبوب، أو لأنه وسيلة إلى المحبوب، ولو قدر عدم المحبة لامتنعت الإرادة. منهاج السنة (5/ 400).
قوله: «فَسَكتَ»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فسكتَ» ثوبان عني، ولم يجبني سؤالي. الكوكب الوهاج (7/ 389).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«فسكت» كأنه يستبين رغبته؛ لخطر هذا المسؤول. مرقاة المفاتيح (2/ 724).
قوله: «ثم سَأَلتُه، فَسَكَتَ»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«ثم سألتُه» أي: سألتُ ثوبان الثانية «فسكتَ» عني. الكوكب الوهاج (7/ 389).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
إنما كرَّر عليه؛ لكون المسؤول عنه مما لا ينبغي تركه، والظاهر: أنَّ سكوته لكونه مشغولًا بأمر آخر. البحر المحيط الثجاج (11/ 221).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
«ثم سألته، فسكت» لعل سكوت ثوبان -رضي الله عنه- مرتين لامتحان حال القائل في الجد في السؤال والطلب، أو أنه نسي، ثم تذكر. لمعات التنقيح (3/ 32).
وقال محمد الأُبي -رحمه الله-:
قوله: «فسكت» يحتمل أنَّ سكوته تفكُّر أو تنشيط أو تغبيط لسماع ما يلقى. إكمال إكمال المعلم (2/ 379).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
يحتمل أن يكون في زمان آخر، وأن تكون «ثم» لمجرد العطف. مرقاة المفاتيح (2/ 724).
قوله: «ثم سألتُه الثالثة، فقال: سألتُ عن ذلك رسول الله-صلى الله عليه وسلم-»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
قال ثوبان بعد الثالثة: «سألتُ عن ذلك» الذي سألتني عنه «رسول الله -صلى الله عليه وسلم-». الكوكب الوهاج (7/ 389).
قوله: «فقال: عليك بكثرةِ السجودِ»:
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«عليك بكثرة السجود»، أي: الزم كثرته لله تعالى. مرقاة المفاتيح (2/ 724).
قال المناوي -رحمه الله-:
«عليك بكثرة السجود» أي: بإطالته في الصلاة، أو أراد به الصلاة. التيسير (2/ 138).
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«فقال» أي: رسول الله -صلى الله عليه وسلم- «عليك بكثرة السجود لله» أي: الزم السجود له. البحر المحيط الثجاج (11/ 221).
وقال المناوي -رحمه الله- أيضًا:
«عليك بكثرة السجود» في الصلاة، أي: الزمها بأنْ تطيل السجود أكثر من بقية الأركان؛ لما فيه من إظهار الافتقار، والتزام الخضوع والذلة بين يدي ملك الملوك. فيض القدير (4/ 334).
وقال محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«عليك» أي: الزم «بكثرة السجود لله» يعني: الأعداد لا الإطالة، أي: بكثرة الصلاة من النوافل من إطلاق الجزء، وإرادة الكل، والمراد به: السجود في الصلاة. الكوكب الوهاج (7/ 389).
وقال المظهري -رحمه الله-:
«عليك بكثرة سجود» أراد بـ«السجود» أن يسجد في الصلاة، أو سجدة التلاوة أو الشكر، وأما السجود في غير الصلاة وغير سجود السهو والتلاوة والشكر -كما هو عادة بعض الناس- فالأصح: أنه لا يجوز. المفاتيح (2/ 153).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«عليك» أي: المخاطب السائل عن عمل يدخلك الجنة، «بكثرة السجود» أي: في الصلاة، بأنْ يطيله أكثر من غيره من الأركان، أو بكثرة الصلاة فأطلقه عليها، أو السجود نفسه مجردًا عن الصلاة، إلا أنه صحح الرافعي أنَّ التقرب بسجدة فردة بلا سبب حرام، وتعقبه المحب الطبري: بأنَّ جواز ذلك أولى، بل لا يبعد ندبه، فإنه عبادة مشروعة استقلالًا مطلقًا، قال: والحديث يقتضي كل سجود، وحمله على السجود في الصلاة خلاف الظاهر. التنوير (7/ 280).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
إنَّما قال في حديث ربيعة: «أَعِنِّيْ على نفسك بكثرة السجود»، وقال هنا: «عليك بكثرة السجود» لأن السائل هناك سأل مرافقته في الجنة، وهو الدخول والصعود إلى أعلى المراتب...، فقال: «أعني على نفسك بكثرة السجود»، وهنا استُخْبِرَ عن عمل يدخله الجنة، فأحال عليه، وقال: «عليك بكثرة السجود» أي: الزمه ولا تنقطع. الأزهار، مخطوط، لوح (149).
قوله: «فإنَّك لا تسجدُ للهِ سجدةً إلا رفعك اللهُ بها درجةً»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«فإنك» الفاء للتعليل، أي: إنما أمرتك بكثرة السجود؛ لأنك «لا تسجد لله سجدة» مفعول مطلق، أريد به بيان الوحدة، أي: سجدة واحدة «إلا رفعك الله بها درجة» «إلا» أداة استثناء ملغاة، والجملة في محل نصب على الحال، و«درجة» منصوب على التمييز.
والمعنى: إنك لا تسجد سجدة واحدة لله تعالى، إلا في حال كون الله تعالى رافعًا إياك بسببها درجة؛ وذلك أنه لما تواضع لله تعالى غاية التواضع بوضع أشرف أعضائه وهو الوجه على الأرض، وباعد نفسه عن الكبر جازاه الله تعالى بأنْ رفع درجته. البحر المحيط الثجاج (11/ 222).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فإنك لا تسجد» خالصًا مخلصًا لله «سجدة إلا رفعك الله» أي: زادك الله سبحانه «بها» أي: بتلك السجدة «درجة» أي: منزلة وقربًا عنده تعالى. الكوكب الوهاج (7/ 389).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«إلا رفعك اللهُ بها درجةً» أي: منزلة عالية في الآخرة، فلا يزال العبد يترقَّى بالمداومة على السجود درجة فدرجة، حتى يفوز بالقَدَحِ الْمُعَلَّى من القُرْب الإلهي. فيض القدير (4/ 334).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
فإنْ كان سأله عن أحب الأعمال فهو صريح في أنَّ السجود أحب إلى الله من غيره، وإن كان سأله عما يدخله الله به الجنة، فقد دله على السجود دون القيام، فدل على أنه أقرب إلى حصول المقصود، وهذا الحديث يحتج به مَن يرى أنَّ كثرة السجود أفضل من تطويله؛ لقوله: «فإنك لا تسجدُ للهِ سجدةً إلا رفعك اللهُ بها درجةً، وحط عنك بها خطيئةً» ولا حجة فيه؛ لأن كل سجدة يستحق بها ذلك، لكن السجدة أنواع، فإذا كانت إحدى السجدتين أفضل من الأخرى كان ما يرفع به من الدرجة أعظم، وما يحط به عنه من الخطايا أعظم، كما أنَّ السجدة التي يكون فيها أعظم خشوعًا وحضورًا هي أفضل. مجموع الفتاوى (23/ 77).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
ولأن السجود غايته التواضع لله، والعبودية له، وتمكين أعز عضو في الإنسان وأرفعه وهو وجهه من أدنى الأشياء وأخسها وهو التراب، والأرض المدوسة بالأرجل والنعال. إكمال المعلم (2/ 403).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
يعني: منزلة عنده، وفي قلوب الناس، وكذلك في عملك الصالح؛ يرفعك الله به درجة. شرح رياض الصالحين (2/ 106).
قوله: «وحَطَّ عنك بها خطيئةً»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«وحط» أي: أقال عنك بها «خطيئةً» أي: معصية. الكوكب الوهاج (7/ 389).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله- أيضًا:
«وحطَّ» أي: محا «بها» أي: بتلك السجدة «عنك خطيئة» أي: صغيرة من الصغائر؛ لأن الكبيرة لا تكفر إلا بالتوبة. مرشد ذوي الحجا والحاجة (8/ 456).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«وحَط عنك» أي: أزال عنك، يقال: حطَّ الرحل وغيره حطًّا، من باب نصر: أنزله من علو إلى سفل، وحططتُ من الدين: أسقطتُ منه، والمناسب هنا المعنى الثاني، أي: أزال عنك، «بها» أي: بسبب تلك السجدة «خطيئة» مفعول «حطَّ» أي: ذنبًا. البحر المحيط الثجاج (11/ 223).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
«يحط عنك بها خطيئة» والإنسان يحصل له الكمال بزوال ما يكره، وحصول ما يحب، فرفع الدرجات مما يحبه الإنسان، والخطايا مما يكره الإنسان، فإذا رفع له درجة، وحَطَّ عنه بها خطيئة؛ فقد حصل على مطلوبه، ونجا من مرهوبه. شرح رياض الصالحين (2/ 106).
وقال الفيومي -رحمه الله-:
الحديث فيه: الحث على كثرة السجود، والترغيب فيه، والمراد به: السجود في الصلاة، وسواء في ذلك الفرض والنفل. فتح القريب المجيب (3/ 267).
قال النووي -رحمه الله-:
وسببُ الحثِّ عليه...(حديث): «أقربُ ما يكونُ العبدُ من ربِّه وهو ساجدٌ»، وهو موافقٌ لقولِ اللهِ تعالى: {وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ}، ولأنَّ السجود غاية التواضعِ والعبوديةِ للهِ تعالى، وفيه تمكينُ أعزِّ أعضاءِ الإنسانِ وأَعلاها -وهو وجهُه- من الترابِ الذي يُداسُ ويُمهَنُ، واللهُ أعلم. شرح صحيح مسلم(4/٢٠٦).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
وفيه: عظيم فضل السجود، والحث على إكثاره، والمداومة عليه رجاء للفوز بغاياته، والظفر بثمراته. فتح الإله (4/37).
وقال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
في الحديث: دليل على أنَّ السجود من أعظم القُرَب التي تكون بسببها ارتفاع الدرجات عند الله تعالى إلى حد لا يناله إلا المقربون. مرعاة المفاتيح (3/ 215).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
وهو يدل على أنَّ كثرة السجود مرَغَّب فيها، والمراد به: السجود في الصلاة...، وفيه دليل لمن يقول: إنَّ السجود أفضل من القيام، وسائر أركان الصلاة، وفي هذه المسألة مذاهب:
أحدها: أنَّ تطويل السجود، وتكثير الركوع والسجود أفضل؛ حكاه الترمذي والبغوي عن جماعة، وممن قال بذلك ابن عمر.
والمذهب الثاني: أنَّ تطويل القيام أفضل؛ لحديث جابر الآتي، وإلى ذلك ذهب الشافعي وجماعة وهو الحق -كما سيأتي-.
والمذهب الثالث: أنهما سواء، وتوقف أحمد بن حنبل في المسألة، ولم يقض فيها بشيء، وقال إسحاق بن راهويه: أما في النهار فتكثير الركوع والسجود أفضل، وأما في الليل فتطويل القيام إلا أنْ يكون للرجل جزء بالليل يأتي عليه، فتكثير الركوع والسجود أفضل؛ لأنه يقرأ جزأه ويربح كثرة الركوع والسجود، قال ابن عدي: إنما قال إسحاق هذا؛ لأنهم وصفوا صلاة النبي -صلى الله عليه وسلم- بالليل بطول القيام، ولم يوصف من تطويله بالنهار ما وصف من تطويله بالليل. نيل الأوطار (3/ 91).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
الحديث دليل على أنَّ السجود أفضل من طول القيام، وهي مسألة اختلف العلماء فيها؛ فذهبت طائفة إلى ظاهر هذا الحديث، وذهبت طائفة أخرى إلى أنَّ طول القيام أفضل؛ متمسكين بقوله -عليه الصلاة والسلام-: «أفضل الصلاة القنوت»، وفَسَّروا القنوت بالقيام، كما قال تعالى: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} البقرة:238، ذكر هذه المسألة والخلاف فيها الترمذي، والصحيح من فعل النبي -صلى الله عليه وسلم-: أنه كان يطوِّل في قيام صلاة الليل، وداوم على ذلك إلى حين موته، فدل على أنَّ طول القيام أفضل، ويحتمل أنْ يُقال: إنَّ ذلك يرجع إلى حال المصلي؛ فرب مُصَلٍّ يحصل له في حال القيام من الحضور والتدبر والخشوع ما لا يحصل له في السجود، ورب مُصَلٍّ يحصل له في السجود من ذلك ما لا يحصل له في القيام، فيكون الأفضل في حقه: الحال التي حصل له فيها ذلك المعنى؛ الذي هو روح الصلاة. المفهم (2/ 93).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
الأرجح قول مَن قال: إنَّ تطويل القيام أفضل من كثرة السجود؛ لأن صيغة (أفعل) الدالة على التفضيل إنما جاء في فضل القيام، لا في السجود، فقد قال -صلى الله عليه وسلم-: «أفضل الصلاة طول القنوت» أي: القيام، وهذا نص صريح في تفضيل طول القيام على كثرة السجود. البحر المحيط الثجاج (11/ 225).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
وهذا (الحديث) أدل على أنَّ كثرة السجود أفضل، لكن يقال: المكثر من السجود قد يكثر من سجود طويل، وقد يكثر من سجود قصير، وذاك أفضل، وأيضًا فالإكثار من السجود لا بد، فإذا صلى إحدى عشرة ركعة طويلة كما كان النبي -صلى الله عليه وسلم- فإذا صلى المصلي في مثل زمانهن عشرين ركعة، فقد أكثر السجود، لكن سجود ذاك أفضل وأتم. مجموع الفتاوى (23/ 78).
وقال ابن رجب الحنبلي -رحمه الله-:
فيه دليل على أنَّ الأعمال سبب لدخول الجنة، كما قال تعالى: {وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} الزخرف:72، وأما قوله -صلى الله عليه وسلم-: «لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله» فالمراد -والله أعلم-: أنَّ العمل بنفسه لا يستحق به أحد الجنة لولا أنَّ الله جعله -بفضله ورحمته- سببًا لذلك، والعمل نفسه من رحمة الله وفضله على عبده، فالجنة وأسبابها كلٌّ من فضل الله ورحمته. جامع العلوم والحكم (ص:604).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
في فوائده (أي: هذا الحديث):
1. منها: بيان فضل السجود، وأنه من أفضل الأعمال التي يتقرب بها إلى الله -عز وجل-، تُمحَى بها الذنوب، وتُرفَع بها الدرجات.
2. ومنها: الحث على كثرة السجود، والترغيب فيه، والمراد به: السجود في الصلاة.
3. ومنها: أنَّ فيه دليلًا لمن يقول: تكثير السجود أفضل من إطالة القيام، وقد تقدمت المسألة...
4. ومنها: بيان ما كان عليه السلف من الحرص على السؤال عن أفضل الأعمال التي يتقربون بها إلى الله تعالى، ويستوجبون بها رضاه ومحبته، والدار الآخرة؛ إذ هي المهم للعاقل؛ لأنها الدار الباقية، وهي الحياة الأبدية الدائمة، قال الله تعالى: {وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} العنكبوت: 64.
5. ومنها: أنَّ كثرة نوافل الأعمال، ولا سيما السجود، مما يوجب محبة الرب -عز وجل-. البحر المحيط الثجاج (11/ 225-226).