السبت 15 جمادى الآخرة 1447 | 2025-12-06

A a

«سمعتُ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- يقولُ بينَ ‌الرُّكن ‌اليماني ‌والحَجَر: {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} البقرة: 201».


رواه أحمد برقم: (15399) وأبو داود برقم: (1892) والنسائي في الكبرى برقم: (3920) وابن خزيمة برقم: (2721)، من حديث عبد الله بن السائب -رضي الله عنه-.
صحيح سنن أبي داود برقم: (1653) والتعليقات الحسان برقم: (3815).


مختصر شرح الحديث


.


شرح الحديث


قوله: ««سمعتُ رسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- يقولُ بينَ ‌الرُّكن ‌اليماني ‌والحَجَر»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
قوله: «سمعتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول ما بين الركنين» أي: يدعو ويقرأ. مرقاة المفاتيح (5/ 1792).
وقال الشافعي -رحمه الله-:
القول في الطواف...، فيما بين ركن بني جُمَح والركن الأسود: {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} البقرة: 201 وهذا مِن أحبّ ما يقال في الطواف إليَّ، وأحبّ أنْ يُقال في كله». الأم (2/ 188).
وقال ولي الله الدهلوي -رحمه الله-:
لأنه دعاء جامعٌ نزل به القرآن، وهو قصير اللفظ، يناسب تلك الفُرصة القليلة. حجة الله البالغة (2/ 97).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
هذا الدعاء مِن أجمع الأدعية، بل هو أجمعها؛ لأنه شامل...، ينبغي للإنسان أنْ يدعو به؛ ولهذا كان الرسول -صلى الله عليه وسلم- يختم به أشواط الطواف، يقول بين الركن اليماني والحجر الأسود: {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} البقرة: 201، في آخر كل شوط، والله أعلم. شرح رياض الصالحين (6/ 16 - 17).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
صح في أبي داود والنسائي والحاكم وابن حبان في صحيحيهما أنه -عليه الصلاة والسلام- قال بين الركنين اليمانيَّين: {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} البقرة: 201، قال ابن المنذر: لا نعلم خبرًا ثابتًا عنه -عليه الصلاة والسلام- يُقال في الطواف غيره. [إرشاد الساري (7/210 - 211).
وقال النووي -رحمه الله-:
يُستحب أنْ يقول... بين الركنين اليمانيَّين: «اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار» ويدعو في جميع طوافه بما شاء، وقراءة القرآن في الطواف أفضل من الدعاء غير المأثور، وأما المأثور فهو أفضل منها على الصحيح. روضة الطالبين (3/ 85).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
يُستحب له في الطواف أنْ يذكر الله تعالى، ويدعوه بما يُشرع، وإن قرأ القرآن سرًّا فلا بأس، وليس فيه ذكر محدود عن النبي -صلى الله عليه وسلم- لا بأمره ولا بقوله ولا بتعليمه، بل يدعو فيه بسائر الأدعية الشرعية، وما يذكره كثير من الناس من دعاء معين تحت المِيزاب، ونحو ذلك فلا أصل له، وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يختم طوافه بين الركنين بقوله: {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} البقرة: 201، كما كان يختم سائر دعائه بذلك، وليس في ذلك ذِكرٌ واجبٌ باتفاق الأئمة. مجموع الفتاوى (26/ 122).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- معلقًا:
في كلام شيخ الإسلام -رحمه الله- في مَنسكه ما يفيد أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- يختم به الدعاء، حيث علّل بكون الطائف يقول بين الركن اليماني والحجر الأسود: {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً...} البقرة: 201، قال: لأنَّ هذا هو ختام الشوط، وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يختم دعاءه بـ{رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} البقرة: 201، لكن لم أطّلع حتى الآن على أنَّ الرسول -صلى الله عليه وسلم- يختم بذلك الدعاء، لكنه يُكثُر منه؛ ولهذا نحتاج إلى البحث عن هذه المسألة. فتح ذي الجلال والإكرام (6/ 504 - 505).

قوله: «{رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً} البقرة: 201»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«ربنا» منصوب بحذف حرف النداء «آتنا»: أي: أعطنا «في الدنيا حسنة»: أي: العلم والعمل أو العفو والعافية والرزق الحسن أو حياة طيبة أو القناعة أو ذرية صالحة. مرقاة المفاتيح (5/ 1792).
وقال الواحدي -رحمه الله-:
الإيتاء منقول من الأَتْي الذي هو المجيء...، ثم يفسّر الإيتاء بالإعطاء. التفسير البسيط (4/ 63).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
{رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً...} البقرة: 201، قيل: لم يصح عن رسول اللَّه -صلى الله عليه وسلم- دعاء في الطواف إلا هذا، واللَّه أعلم. لمعات التنقيح (5/ 349).
قال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
«ربنا آتِنا» يعني: نداء، وقوله: «آتِ» بالمد بمعنى: أعطِ، وهو ينصب مفعولين: الأول: «نا» والثاني: «حسنة»... يقول: «ربنا آتنا في هذه الدنيا حسنة» الدنيا: هي هذه الدار التي نحن الآن نعيش فيها، والدنيا اسم تفضيل مُذكَّرُه (أَدنى) كعُليا مذكَّرُها (أعلى)، قُصوى مُذكَّرها (أقصى)، إذَنْ دنيا اسم تفضيل، فما معنى الدنوّ الذي هو اسم تفضيل؟ نقول: له معنيان:
المعنى الأول: التقدم؛ لأنها أدنى من الآخرة من حيث الزمن.
المعنى الثاني: من الدناءة؛ لقوله -تبارك وتعالى-: {وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى} الضحى: 4؛ ولقوله تعالى: {بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا* وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى} الأعلى: 16-17، فهذه الدنيا وصفت بهذا الوصف لهذين السببين؛ أولًا: لقُربها، والثاني: لدُنوّها؛ أي: تنقصها، فهي ناقصة عن الدار الآخرة...
(و) «حسنة» كلمة مطلقة غير مبيّنة، ما هي حسنة الدنيا؟ المال الكثير، المراكب الفخمة، القصور المشيدة، البنون الكُثُر، الزوجات الحسان، كل شيء؛ ولهذا إذا وجدتم مثالًا على حسنة الدنيا، فهذا على سبيل التمثيل، وليس على سبيل الحصر، كل ما يُستحسن في الدنيا فهو داخل في قوله: «في الدنيا حَسَنة»... لا حرج على الإنسان أنْ يدعو الله تعالى بحسنة الدنيا، والذي يضر الإنسان أنْ يُؤْثِر الدنيا على الآخرة. فتح ذي الجلال والإكرام (6/ 504 - 506).
وقال الشيخ عبد الله الفوزان -حفظه الله-:
معنى «آتنا» أعطنا، والجار والمجرور «في الدنيا» متعلق بـ«آتنا» أو بمحذوف حال من «حسنة»؛ لأنه كان في الأصل صفة لها، فلما قُدِّم عليها صار حالًا.
وقد اختلف العلماء من سلف هذه الأمة في تفسير حسنة الدنيا على أقوال كثيرة، فقيل: العافية والصحة وكفاف المال، قاله قتادة، وقال الحسن بن أبي الحسن: العلم والعبادة، وقيل: المرأة الحسناء.
والصحيح: الحمل على العموم؛ لأنَّ النكرة في سياق الدعاء عامَّة؛ فكأنه يقول: أعطني كل حالة حسنة في الدنيا والآخرة، أو يُقال: إنَّ الحسنة وإنْ كانت نكرة في سياق الإثبات وهي لا تَعُمُّ، إلا أنَّها مُطلقة، فتنصرف إلى الفرد الكامل، والحسنة الكاملة في الدنيا ما يشمل جميع حسناتها، فتشمل كل مطلوب دنيوي من عافية، ودار رَحبة، وزوجة حسناء، ورزق واسع، وعلم نافع، وعمل صالح، ومركب هنيء، وثناء جميل، إلى غير ذلك مما اشتملت عليه عبارات المفسرين، وبيانها بشيء مخصوص -كما تقدم- ليس من باب تعيين المراد؛ إذ لا دلالة للمطلق على المقيد أصلًا، وإنما هو من باب التمثيل. منحة العلام (10/ 464).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
الحسَنة: الشيء الحسَن، وقد اختلف المفسرون في حسنة الدنيا على سبعة أقوال:
أحدها: أنَّها المرأة الصالحة، قاله عليٌّ -رضي الله عنه-.
والثاني: العبادة، رواه سفيان بن حسين عن الحسن.
والثالث: العلم والعبادة، رواه هشام عن الحسن.
والرابع: المال، قاله أبو وائل.
والخامس: العافية، قاله قتادة.
والسادس: الرزق الواسع، قاله مقاتل.
والسابع: النعمة، قاله ابن قتيبة. كشف المشكل (3/ 267 - 268).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
اختلف العلماء في تفسير حسنة الدنيا، فمنهم مَن ضيَّقها اعتمادًا على بعض الأحاديث، ومنهم مَن وسَّع دائرتها شيئًا ما، ومنهم مَن وسَّعها لدرجة تشمل كل خير الدنيا، فمنهم مَن قال: هي المال قاله السدي، ومنهم مَن قال: هي العلم والعمل به، قاله عطية، وعن عبد الله بن عمر هي المنى، وعن قتادة هي: العافية في الدنيا، وعن محمد بن كعب القرظي: الزوجة الصالحة، ونقله الثعلبي عن علي -رضي الله عنه- وعن ابن الزبير: العمل في الدنيا للدنيا والآخرة، وعن سفيان الثوري: الرزق الطيب والعلم، وعن السدي ومقاتل: حسنة الدنيا الرزق الحلال الواسع والعمل الصالح، وعن عوف: مَن آتاه الله الإسلام والقرآن والأهل والمال والولد، فقد آتاه في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وعن بعض سلف الصوفية: السلامة في الدنيا. فتح المنعم (10/ 246).
وقال ابن كثير -رحمه الله-:
فجَمَعَت هذه الدعوة كلَّ خير في الدنيا، وصرفت كل شر؛ فإن الحسنة في الدنيا تشمل كل مطلوب دنيوي من عافية، ودار رحبة، وزوجة حسنة، ورزق واسع، وعلم نافع، وعمل صالح، ومركب هني، وثناء جميل إلى غير ذلك مما اشتملت عليه عبارات المفسرين، ولا منافاة بينها، فإنها كلها مندرجة في الحسنة في الدنيا. تفسير القرآن العظيم (2/ 122).
وقال الشيخ عبد الله البسام -رحمه الله-:
هذا الدعاء من أجمع الأدعية وأشملها وأكملها، ومن أنفع الأدعية وأجلها وأحسنها؛ ذلك أنه جمع خيري الدنيا والآخرة، والوقاية من الشر وأسبابه، فشمل من حسنة الدنيا سؤال كل مطلوب ومرغوب: من حصول العلوم النافعة، والأعمال الصالحة، والعافية من الأمراض والأسقام والسلامة من المشاكل والأزمات والنكبات، والتوفيق بالزوجة الصالحة التي تعجبه إنْ نظر إليها، وترضيه إنْ حضر عندها، وتحفظه في نفسها وولدها وماله إن غاب عنها، وحصول الأولاد البررة الصلحاء، الذين بهم تقرُّ العين، وترضى النفس، ويُسرُّ القلب، وحصول الأمن في الأوطان، والاستقرار في البيوت والدُّور، وحصول الرضا والقناعة بما قسم الله تعالى وأعطى من الحياة السعيدة، والمعيشة الهنية الرغيدة. توضيح الأحكام (7/ 578 - 579).

قوله: «{وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً} البقرة: 201»:
قال القسطلاني -رحمه الله-:
الواو في قوله: {وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً} البقرة: 201، عاطفة شيئين على شيئين متقدمين، فـ{فِي الآخِرَةِ} عطف على {فِي الدُّنْيَا} بإعادة العامل، و{حَسَنَةً} عطف على {حَسَنَةً}، والواو تعطف شيئين فأكثر، على شيئين فأكثر، تقول: أعلم الله زيدًا عمرًا فاضلًا، وبكرًا خالدًا صالحًا، اللهم إلا أنْ ينوب عن عاملين، ففيها خلاف، وتفصيل مذكور في محله. إرشاد الساري (18/ 128).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«وفي الآخرة حسنة» أي: المغفرة والجنة، والدرجة العالية، أو مرافقة الأنبياء أو الرضا أو الرؤية أو اللقاء. مرقاة المفاتيح (5/ 1792).
وقال أبو عبد الله القرطبي -رحمه الله-:
وحسنة الآخرة: الجنة بإجماع. الجامع لأحكام القرآن (2/ 432).
قال الشيخ عبد الله بن صالح الفوزان -حفظه الله-:
قوله: «وفي الآخرة حسنة» الواو عطفت شيئين على شيئين متقدمين، فـ«في الآخرة» عطف على «في الدنيا» باعتبار العامل، وهو حرف الجر، وحسنة عطف على «حسنة»، وحسنة الآخرة: دخول الجنة، وأحسنها النظر إلى وجه الله الكريم -جعلنا الله من الناظرين إلى وجهه الكريم-، وتوابع ذلك من الأمن من الفزع الأكبر في العرصات، وتيسير الحساب، أو العفو من الله، وغير ذلك من أمور الآخرة، فتكون كالتي قبلها، نكرة مراد بها الإطلاق، فتنصرف إلى الفرد الكامل، المراد به الرحمة والإحسان. منحة العلام (10/ 464 - 465).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
«في الآخرة» سُميت آخرة؛ لأنها متأخرة الزمن؛ ولأنها آخر مرحلة للخلق ليس بعدها مرحلة؛ ولهذا يُعبر الله عنها باليوم الآخر؛ لأنها آخر مرحلة.
وقوله: «في الآخرة حسنة» ما هي حسنة الآخرة؟ الجنة، وبدخول الجنة ينجو الإنسان من النار، قال الله تعالى: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} يونس: 26. فتح ذي الجلال والإكرام (6/ 505).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
الحسنة: الشيء الحسن، وقد اختلف المفسرون في... حسنة الآخرة ثلاثة أقوال:
أحدها: الحور العين، قاله علي -رضي الله عنه-.
والثاني: الجنة، قاله الحسن.
والثالث: العفو والمغفرة، قاله الثوري. كشف المشكل (3/ 268)
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
«وفي الآخرة حسنة» كذلك يشمل حسنة الآخرة كلها من الحساب اليسير، وإعطاء الكتاب باليمين، والمرور على الصراط بسهولة، والشُّرب من حوض الرسول -صلى الله عليه وسلم-، ودخول الجنة، إلى غير ذلك من حسنات الآخرة. شرح رياض الصالحين (6/ 17).
وقال ابن كثير -رحمه الله-:
أما الحسنة في الآخرة، فأعلى ذلك دخول الجنة، وتوابعه من الأمن من الفزع الأكبر في العرصات، وتيسير الحساب، وغير ذلك من أمور الآخرة الصالحة. تفسير القرآن العظيم (2/ 122).
وقال ابن حجر -رحمه الله- مُعلِّقًا:
مراده بقوله: وتوابعه، ما يلتحق به في الذِّكر، لا ما يتبعه حقيقة. فتح الباري (11/ 192).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
وأما «حسنة» الثانية فهي معطوفة على الأولى... وأما حسنة الآخرة فقيل: إنها الجنة؛ لقوله تعالى: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} يونس: 26، ولا شك أنَّ الحسنة العظمى في الآخرة هي الجنة؛ لكن في الآخرة حسنات يَستحسن المرء وقوعها غير الجنة، مثل أنْ يُبَيَّضَ وجهُه، وأن تُثقل موازينه، وأنْ يُعطى كتابه بيمينه؛ فإنه إذا أُعطي الكتاب بيمينه، يقول: {هَاؤُمُ اقْرَؤوا كِتَابِيَهْ} الحاقة: 19، فرِحًا مسرورًا. تفسير الفاتحة والبقرة (2/ 434).
وقال الشيخ عبد الله البسام -رحمه الله-:
أما حسنة الآخرة فهي النعمة الكبرى، والسعادة العظمى، والحياة الباقية، والنعيم المقيم، وأعلاها رضا الرب، ودخول جنته التي فيها النظر إلى وجهه الكريم، والحَظوة بيوم المزيد، وما في الجنة من نعيم لا يفنى، وشباب لا يبلى، وحياة سعيدة لا تنتهي، وتمتع دائم بملاذ لا تنقطع، مما لا يدور في الخيال، ولا يحيط به البال {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} السجدة: 17، مما لم تره عين، ولم تسمع به أذن، ولم يخطر على بال بشر. توضيح الأحكام (7/ 579).
وقال النووي -رحمه الله-:
وأظهر الأقوال في تفسير الحسنة في الدنيا أنها العبادة والعافية، وفي الآخرة الجنة والمغفرة، وقيل: الحسنة تعم الدنيا والآخرة. شرح النووي على مسلم (17/ 13 - 14).

قوله: «{وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} البقرة: 201»:
قال القسطلاني -رحمه الله-:
«وقِنَا عذاب النار» «قِنا» مما حُذفت منه فاؤه ولامه؛ لأنَّه من "وقى يقي وقاية"، أما حذف فائه فبالحمل على المضارع؛ لوقوع الواو بين ياء وكسرة، وأما حذف لامه؛ فلأن الأمر جارٍ مجرى الفعل المضارع المجزوم، وجزمه بحذف حرف العلة، فكذلك الأمر منه، فوَزْنُ قِنَا (عِنَا) والأصل: أَوْقِنَا، فلما حُذفت الفاء استغنى عن همزة الوصل فحذفت، والمعنى: احفظنا من عذاب جهنم، أو عذاب النار. إرشاد الساري (18/ 129).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: {وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} البقرة: 201 تتمة، أي: إنْ صدر منا ما يوجبها من التقصير والعصيان، فاعف عنا، وقنا عذاب النار، فحقُّ لذلك أن يكثر من هذا الدعاء. الكاشف عن حقائق السنن (6/ 1925).
وقال السندي -رحمه الله-:
قوله: {وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} البقرة: 201؛ لأن الحسنة قد تكون مسبوقة بالنار، فزيد الوقاية من النار لتخلص الحسنة عن سبق النار. فتح الودود (2/ 164)
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«وقِنَا عذاب النار» عن علي: هي المرأة السوء، وفيه بُعدٌ؛ لأن النار حقيقة في النار المحرقة، وفي المرأة السوء مجاز، والحقيقة مقدّمة على المَجاز، وهذا من جوامع الدعوات التي عمَّت الدنيا والآخرة. شرح سنن أبي داود (8/ 529).
وقال ابن كثير -رحمه الله-:
أما النجاة من النار فهو يقتضي تيسير أسبابه في الدنيا من اجتناب المحارم والآثام، وترك الشبهات والحرام. تفسير القرآن العظيم (2/ 122).
وقال ابن حجر -رحمه الله- مُعلِّقًا:
قلتُ: أو العفو محضًا. فتح الباري (11/ 192).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
ولما كان من الجائز أنْ ينالَ حسنة الآخرة بعد مَسِيس شيء من عذاب النار، فقال بعدَ السؤالين: «وقنا عذاب النار» فتمَّ له الدعاء وشمله الاحتياط. الإفصاح (5/ 249).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
قوله: «وقِنَا عذاب النار» هذا من باب التبسيط في الدعاء، وإلا فمن المعلوم أننا إذا فسرنا حسنة الآخرة بالجنة، فإنَّ مَن كان من أهل الجنة فقد وقاه الله عذاب النار، وقد يقال: إنَّ الإنسان قد يكون من أهل الجنة، ولكن يعذَّب في النار بقدر ذنوبه، فيكون قوله: «وقِنَا عذاب النار» دعاءً مستقلًا ليس من لوازم الحسنة في الآخرة، والمعنى: آتنا في الآخرة حسنة، ليس فيها سيئة؛ ولهذا قال: «وقِنَا عذاب النار»... رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نفسه لا يملك أنْ ينجي نفسه من النار؛ لقوله: «وقِنَا عذاب النار» وهذا أمر لا يحتاج إلى تعمُّق أو تأمل؛ لوضوحه، حتى إنَّ الله تعالى أمره أنْ يقول معلنًا على الملأ: {إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا* قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ} الجن:21-22، يعني: لو أرادني بسوء لن يجيرني أحد {وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا} الجن:22، أي: لا أجد أحدًا ألجأ إليه دون الله. فتح ذي الجلال (6/ 504 - 506).
وقال أبو عبد الله القرطبي -رحمه الله-:
المراد... الدعاء في ألا يكون المرء ممن يدخلها بمعاصيه، وتخرجه الشفاعة، ويحتمل أنْ يكون دعاء مؤكدًا لطلب دخول الجنة؛ لتكون الرغبة في معنى النجاة والفوز من الطرفين، كما قال أحد الصحابة للنبي -صلى الله عليه وسلم-: «أنا إنما أقول في دعائي: اللهم أدخلني الجنة، وعافني من النار، ولا أدري ما دَندنتك ولا دَندنة معاذ، فقال له رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: حولها نُدندِن» خرجه أبو داود في سننه وابن ماجه. الجامع لأحكام القرآن (2/ 433).
وقال الشيخ عبد الله بن صالح الفوزان -حفظه الله-:
قوله: «وقنا عذاب النار» هذا تخصيص بعد تعميم؛ لأنه هو الفوز؛ أي: واحفظنا وأجِرنا من عذاب النار؛ وذلك بتيسير أسباب النجاة منها في الدنيا، من اجتناب المحارم والآثام، وترك الشبهات والحرام. منحة العلام (10/ 466).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
يُستحب الدعاء في الطواف بأي نوعه من أنواع الأدعية، ولا يصح تخصيص دعاء بعينه في كل شوط من أشواط الطواف، وقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول بين الركنين: {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} البقرة: 201. شرح سنن أبي داود (222/ 1).
وقال ابن قدامة -رحمه الله-:
يُستحب الدعاء في الطواف، والإكثار من ذكر الله تعالى؛ لأن ذلك مستحب في جميع الأحوال، ففي حال تلبُّسه بهذه العبادة أولى. المغني (5/ 224).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
بعض الناس يخصص كل شوط بدعاء معين، وهذا من البدع التي لم ترد عن الرسول -صلى الله عليه وسلم-، ولا عن أصحابه -رضي الله عنهم-، فلم يكن النبي-صلى الله عليه وسلم- يخص كل شوط بدعاء، ولا أصحابه أيضًا، وغاية ما في ذلك أنه -صلى الله عليه وسلم- كان يقول بين الركن اليماني والحجر الأسود {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} البقرة: 201، وقال -عليه الصلاة والسلام-: «إنما جُعل الطواف بالبيت، وبالصفا والمروة، ورمي الجمار، لإقامة ذكر الله»، وتزداد هذه البدعة خطأ إذا حمل الطائف كتيِّبًا كُتِبَ فيه لكل شوط دعاء، وهو يقرأ هذا الكُتَيِّب، ولا يدري ماذا يقول؛ إما لكونه جاهلًا باللغة العربية، ولا يدري ما المعنى، وإما لكونه عربيًا ينطق باللغة العربية ولكنه لا يدري ما يقول، حتى إننا نسمع بعضهم يدعو بأدعية هي في الواقع محرفة تحريفًا بيِّنًا، من ذلك: أننان سمعنا من يقول: اللهم أغنني بجلالك عن جرامك، والصواب: بحلالك عن حرامك.
ومن ذلك: أننا نشاهد بعض الناس يقرأ هذا الكتيب، فإذا انتهى دعاء الشوط وقف، ولم يدعُ في بقية شوطه، وإذا كان المطاف خفيفًا، وانتهى الشوط قبل انتهاء الدعاء قطع الدعاء.
ودواء ذلك: أنْ يُبيَّن للحاج بأنَّ الإنسان في الطواف يدعو بما يشاء وبما أحبَّ، ويذكر الله تعالى بما شاء، فإذا بُيِّن للناس هذا زال الإشكال. مجموع فتاوى ورسائل العثيمين (22/ 400 - 401).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
استحب الشافعي وأصحاب مذهبه والحنابلة أنْ يقول عند ابتداء الطواف واستلام الحجر: بسم الله، والله أكبر، اللهم إيمانًا بك، وتصديقًا بكتابك، ووفاءً بعهدك، واتباعًا لسنة نبيك محمد -صلى الله عليه وسلم-، وروى الشافعي عن أبي نجيح قال: أُخبرتُ أنَّ بعض أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: يا رسول الله، كيف نقول إذا استلمنا؟ قال: «قولوا: بسم الله، والله أكبر، إيمانًا بالله، وتصديقًا لإجابة محمد -صلى الله عليه وسلم-» ولم يثبت ذلك كما قاله ابن جماعة. إرشاد الساري (7/210 - 211).


إبلاغ عن خطأ