الخميس 24 شعبان 1447 | 2026-02-12

A a

«سألتُ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- عن الجَدْرِ، أَمِنَ البيتِ هو؟ قال: نعم، قلتُ: فما لهم لم يدخلوه في البيتِ؟ قال: إنَّ قومَكِ قَصَّرَتْ بهم النفقةُ، قلتُ: فما شأنُ بابهِ مرتفعًا؟ قال: فعلَ ذلك قومُكِ ليُدخِلوا مَن شاءوا، ويمنعوا مَن شاءوا، ولولا أنَّ قومَكِ حديثٌ عهدُهم ‌بالجاهليّةِ، ‌فأخافُ ‌أن ‌تُنْكِرَ ‌قلوبُهم أنْ أُدْخِلَ الجَدْرَ في البيتِ، وأنْ أُلْصِقَ بابَهُ بالأرضِ».


رواه البخاري برقم: (1584) واللفظ له، ومسلم برقم: (1333)، من حديث عائشة -رضي الله عنها-.
وفي لفظ لمسلم (1333): «فقلتُ: فما شأنُ بابِه مرتفعًا لا يُصعدُ إليه إلا بسلَّمٍ؟ وقال: مخافةَ أن تنفِرَ قلوبُهم»


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«الجَدْر»:
يريد الحِجْر؛ لما فيه من أصول حائط البيت. النهاية، لابن الأثير (1/ 246).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
«الجَدر» بفتح الجيم، وسكون المهملة كذا للأكثر...، قال الخليل: الجَدر لغة في الجدار انتهى، ووهِمَ مَن ضبطه بضمِّها؛ لأنّ المراد الحِجْر. فتح الباري(3/443).

«قَصَّرَتْ»:
أي: نَقَصَتهم. مشارق الأنوار، للقاضي عياض (2/ 187).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
«قصُرت» بفتح القاف وضم الصاد، والذي في اليونينية بفتح الصاد المشددة. إرشاد الساري (10/ 285)


شرح الحديث


قوله: «سألتُ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- عن الجَدْرِ، أَمِنَ البيتِ هُوَ؟ قالَ: نعم»:
قال الدماميني -رحمه الله-:
«عن الجَدْر» بجيم مفتوحة، ودال ساكنة، ورُوي: «الجدار» والمراد: جدار الحِجْر؛ لما فيه من أصول حائط البيت. مصابيح الجامع (4/ 102).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
«والجدر» المراد به هنا: أصل الجدار الذي أخرَجَته قريش عن بناء الجدار الذي بنوه، وهو المعبَّر عنه بالشاذروان، وقد يكون الجدر أيضًا: ما يُرفع من جوانب الشرفات في أصول النخل، وهي كالحيطان لها. المفهم (3/ 440).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
«والجدر» ويقال له: الحطيم أيضًا، أهو من الكعبة أم لا؟ وهو مطلق ليس مخصوصًا بستة أذرع ونحوها. الكواكب الدراري (25/ 12).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
ولأبي داود الطيالسي في مسنده عن أبي الأحوص شيخ مسَدَّد فيه: «الجدر أو الحِجْر» بالشك، ولأبي عوانة من طريق شيبان عن الأشعث: «الحِجْر» بغير شكّ.
قولها: «‌أَمِنَ ‌البيت ‌هو؟ قال: نعم» هذا ظاهره أنَّ الحِجْر كله من البيت، وكذا قوله في الطريق الثانية: «أنْ أُدْخِلَ الجدر في البيت» وبذلك كان يفتي ابن عباس كما رواه عبد الرزاق عن أبيه عن مرثد بن شرحبيل قال: سمعتُ ابن عباس يقول: "لو وُلِّيتُ من البيت ما ولي ابن الزبير لأدخلتُ الحِجْر كله في البيت"، فلِمَ يُطاف به إن لم يكن من البيت؟ فتح الباري (3/ 443).
وقال العيني -رحمه الله-:
قولها: «‌أَمِنَ ‌البيت ‌هو؟» الهمزة فيه للاستفهام، قولها: «هو» أي: الجدر، قوله: «قال: نعم» أي: قال -عليه الصلاة والسلام-: «نعم الجَدر من البيت» هذا يدل على أنَّ الحِجْر كله من البيت. عمدة القاري (9/ 218).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«‌أمن ‌البيت ‌هو؟» أي: الجدر، بتقديم همزة الاستفهام التقريري؛ لأنه مما يلزم الصدارة؛ أي: هل الجدر والشاذروان من البيت فلا يجوز الطواف فوقه أم لا؟ «قال» رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «نعم» هو من البيت، فلا يجوز الطواف فوقه، ولا يجوز جعل اليد مثلًا فوقه عند الطواف. الكوكب الوهاج (14/ 433).
وقال السيوطي -رحمه الله-:
«أمن البيت هو؟ قال: نعم» لمسلم: «إنَّ ستة أذرع منه من البيت» وفي رواية: «قريبًا من سبعة أذرع» وفي جامع سفيان بن عيينة: «ستّ أذرع وشبر» والحاصل: أنه فوق الستة ودون السبعة. التوشيح (3/ 1257).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
الحِجْر جميعه ليس من البيت، وإنَّما الداخل في حدود البيت ستة أذرع وشيء، فمن استقبل ما زاد على ذلك لم تصح صلاته ألبتة. الاختيارات الفقهية (ص: 49)
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
الْحِجْر ليس كله من الكعبة، فليس من الكعبة إلا مقدار ستة أذرع وشيء، وقرَّبَه بعضهم فقال: إذا ابتدأ الانحناء من الْحِجْر يكون خارج الكعبة، ومن المستوي يكون داخل الكعبة. الشرح الممتع (7/ ٢٥٧).

قولها: «قلتُ: فما لهم لم يدخلوه في البيتِ؟ قال: إنَّ قومَكِ قَصَّرَتْ بهم النفقةُ»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«قلتُ» له -صلى الله عليه وسلم-: «فلِمَ لَمْ» أي: فلأجل ما لم «يدخلوه» أي: لم يدخل قريش بناء الشاذروان «في» جدار «البيت» بل تركوه خارجًا عنه كالدكة والمزلة؟ «قال» رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إنّ قومكِ» قريشًا «قصَّرت» بتشديد الصاد، أي: ضاقت «بهم النفقة» أي: نفقة بناء البيت، وقلّت مؤنته في أيديهم، ورجعوا الجدار عن مقابل الأساس إلى جهة الداخل. الكوكب الوهاج (14/ 433).
وقال الرافعي -رحمه الله-:
فقوله: «إنَّ قومك» يريد قريشًا، ونسب القوم إليها لأنها منهم، وكما أن الواحد من القبيلة ينسب إليها، فقد تنسب القبيلة إلى الواحد، فيقال: هم قبيلته ورهطه. شرح مسند الشافعي (2/ 347).
وقال الدماميني -رحمه الله-:
«قصَّرت بهم النفقة» بتشديد الصاد، أي: لم يتسعوا لإتمام البيت لقصور النفقة، وقلة ذات يدهم. مصابيح الجامع (4/ 102).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «قصَّرت بهم النفقة» بتشديد الصاد، أي: النفقة الطيبة التي أخرجوها لذلك، كما جزم به الأزرقي وغيره، ويوضحه ما ذكر ابن إسحاق في السيرة عن عبد الله بن أبي نجيح أنه أخبر عن عبد الله بن صفوان بن أمية أنّ أبا وهب بن عابد بن عمران بن مخزوم وهو جد جعدة بن هبيرة بن أبي وهب المخزومي قال لقريش: لا تُدخِلُوا فيه مِن كَسْبِكُم إلا الطيَّب، ولا تُدخلوا فيه مهر بغي، ولا بيع ربا، ولا مظلمة أحد من الناس، وروى سفيان بن عيينة في جامعه عن عبيد الله بن أبي يزيد عن أبيه أنه شهد عمر بن الخطاب أرسل إلى شيخ من بني زهرة أدرك ذلك، فسأله عمر عن بناء الكعبة، فقال: إنّ قريشًا تقرَّبت لبناء الكعبة، أي: بالنفقة الطيَّبة، فعجَزت، فتركوا بعض البيت في الحِجْر، فقال عمر: صدقت. فتح الباري (3/ 444).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
«والنفقة» آلات العمارة من الحَجَر وغيره، ولم يريدوا أن يضيفوا إليها من خارج ما كان في زمان إبراهيم -عليه السلام- فيه. الكواكب الدراري (25/ 12).

قولها: «قلتُ: فما شأنُ بابِهِ مرتفعًا؟ قال: فعلَ ذلك قومُكِ لِيُدخِلوا مَن شاءوا، ويمنعوا مَن شاءوا»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«قالت» عائشة: «قلتُ» له -صلى الله عليه وسلم- أيضًا: «فما شأن بابه» أي: باب البيت حالة كونه «مرتفعًا» عن الأرض لا لاصقًا بها؟ «قال» رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «فعل ذلك» الارتفاع «قومكِ» قريش؛ «ليدخلوا» البيت «مَن شاءوا» إدخاله «ويمنعوا مَن شاءوا» من دخوله. الكوكب الوهاج (14/ 434).
وقال الدماميني -رحمه الله-:
«فعل ذلكِ قومكِ» بكسر الكاف فيهما (الأكثر على الفتح)؛ لأنه خطاب لعائشة -رضي الله عنها-، «ليُدخلوا مَن شاءوا، ويمنعوا مَن شاءوا» يريد بني عبد الدار حَجَبَة البيت الذين يلون أمره وسِدَانَتَه. مصابيح الجامع (4/ 102).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «ليُدخلوا» في رواية المستملي «يُدخلوا» بغير لام، زاد مسلم من طريق الحارث بن عبد الله عن عائشة: «فكان الرجل إذا هو أراد أن يَدخلها يدعونه يرتقي حتى إذا كاد أن يدخل دفعوهُ فسقط». فتح الباري (3/ 444).

وفي رواية لمسلم: «لا يصعدُ إليه إلا بسلَّمٍ؟»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«لا يُصعد إليه» بالبناء للمفعول؛ أي: لا يقدر الصعود والطلوع إليه «إلا بسُلَّم؟». مرشد ذوي الحجا والحاجة (17/ 233).
وقال السندي -رحمه الله-:
«إلا بسُلَّم» بضم السين، وتشديد اللام المفتوحة، أي: بمصعد يُرتقى عليه. كفاية الحاجة شرح سنن ابن ماجة(2/ 224).

قوله: «ولولا أنَّ قومَكِ حديثٌ عهدُهم ‌بالجاهليّةِ»:
قال زكريا الأنصاري -رحمه الله-:
«لولا أنّ قومكِ» «لو» لامتناع الشيء لامتناع غيره، فإذا دخَلَت على «لا» أفادت إثباتًا، وهو امتناع الشيء لثبوت غيره، والاسم الواقع بعدها عند سيبويه مبتدأ خبره واجب الحذف؛ لدلالة الكلام عليه، وعند الكوفيين: فاعل فعل محذوف. منحة الباري (4/ 78).
وقال العيني -رحمه الله-:
قوله: «حديثٌ عهدهم» بتنوين «حديثٌ»، والعهد مرفوع لأنه فاعله، ويُروى بإضافة «حديث» إلى «عهدهم»، قوله: «بالجاهلية» بالألف واللام في رواية الكشميهني، وفي رواية غيره: «بجاهلية» بدون الألف واللام، فإنْ قلتَ: أين جواب: لولا؟ قلتُ: محذوف تقديره: لأدخلتُ الجدر في البيت. عمدة القاري (9/ 219).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
أي: قُرْب زمنهم بالجاهلية موجود. الكوكب الوهاج (14/ 434).

قوله: «‌فأخافُ ‌أن ‌تُنْكِرَ ‌قلوبُهم أنْ أُدْخِلَ الجَدْرَ في البيتِ، وأنْ أُلْصِقَ بابَهُ بالأرضِ»:
قال العيني -رحمه الله-:
قوله: «فأخاف أن تُنْكِر قلوبهم» وفي رواية شيبان عن أشعث: «تَنْفُر» بالفاء بدل الكاف... قوله: «أن أُدْخِلَ الجدر» كلمة «أنْ» مصدرية، تقديره: أخاف إنكار قلوبهم بإدخال الجدر في البيت، قوله: «وأنْ أُلْصِقَ» عطف على ما قبله، أي: وبأنْ أُلصق، أي: وبإلصاق بابه بالأرض. عمدة القاري (9/ 219).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فأخاف أن تُنْكِر قلوبهم» عليَّ... «أن أُدخل الجَدْر في البيت» بفتح الجيم، وسكون الدال، وهو بقايا حائط البيت الذي لم يتم عليه البناء، وهو المسمى بالشاذروان. الكوكب الوهاج (14/ 434).
وقال العيني -رحمه الله- أيضًا:
قوله: «أن أُدخل» بضم الهمزة، وهو فعل المتكلم من المضارع، وكذا قوله: «أن أُلصق» من الإلصاق. عمدة القاري (25/ 11).
وقال البرماوي -رحمه الله-:
«أُلصق» أي: يكون على وجه الأرض غير مرتفع. اللامع الصبيح(6/ 47).
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
أي: ليتمكّن كلُّ من أراد دخول البيت من الدخول فيه دون أن يلحقه مشقّة، مع أنه الموافق لما فعله إبراهيم عليه السلام. البحر المحيط الثجاج(24/٢٤٠)
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
قال أبو الزناد: إنما خَشي أن تُنكره قلوبُ الناس؛ لقُرْبِ عهدهم بالكفر، ويظنون أنَّما يفعل ذلك لينفرد ‌بالفخر دونهم. شرح صحيح البخاري (1/ 205).
وقال ابن بطال -رحمه الله- أيضًا:
فامتنع -صلى الله عليه وسلم- من هدم البيت وبنيانه على قواعد إبراهيم من أجل الإنكار الحاصل لذلك. شرح صحيح البخاري (10/ 294).

وفي رواية لمسلم: «وقال: مخافةَ أن تنفِرَ قلوبُهم»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
قوله: «مخافة» بالنصب معطوف بعاطف مقدر على اسم أنّ، وجملة «‌أن ‌تنفر ‌قلوبهم» في تأويل مصدر مجرور بإضافة «مخافة» إليه. مرشد ذوي الحجا(17/ 233).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
ونقل ابن بطال عن بعض علمائهم أنّ ‌النَّفرة ‌التي ‌خشيها -صلى الله عليه وسلم- أن ينسبوه إلى الانفراد بالفخر دونهم. فتح الباري(3/٤٤٤).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
واختلف العلماء فيمَن سلك الحِجْر في طوافه، فكان عطاء ومالك والشافعي وأحمد وأبو ثور يقولون: يقضي ما طاف قبل أن يسلك فيه، ولا يعتدّ بما طاف في الحِجْر، وقال أبو حنيفة: إن كان بمكة قضى ما بقي عليه، وإن رجع إلى بلده فعليه دم، واحتجّ المهلب وأخوه (أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي صفرة) لهذا القول فقالا: إنما عليه أن يطوف بما بُنِيَ من البيت؛ لأنّ الحكم للبنيان لا للبقعة؛ لقوله تعالى: {وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} الحج: 29، أشار إلى البناء، والبقعة دون البناء لا تسمى بيتًا، والنبي -عليه السلام- إنما طاف بالبيت، ولم يكن على الحِجْر علامة، وإنما علَّمها عمر إرادة استكمال البيت، ذكر ذلك عبيد الله بن أبي يزيد وعمرو بن دينار في باب بنيان الكعبة في آخر مناقب الصحابة في هذا الديوان، قالا: "لم يكن حول البيت حائط، إنما كانوا يصلون حول البيت، حتى كان عمر فبنى حوله حائطًا جَدْرُهُ قصير، فبناه ابن الزبير"، وكذلك كان الطواف قبل تحجير عمر حول البيت الذي قصَّرته قريش عن القواعد، كما قال تعالى: {وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ} الحج: 26، والطواف فرضه البيت المبني ولو كان ذراعًا منه، وقد حجّ الناس من زمن النبي -عليه السلام- إلى زمن عمر فلم يُؤمر أحد بالرجوع من بلده إلى استكمال، وقد قال مالك: مَن حلف لا يدخل دار فلان، فهدمت فدخلها أنه لا يحنث، فهذا يدل أنّ الدار والبيت إنما يُخصُّ بالبنيان لا بالبقعة، قال المهلب: ومعنى قول عبيد الله بن أبي يزيد وعمرو (ابن دينار): "ولم يكن حول البيت حائط" أي: حائط يحجر الحِجْر من سائر المسجد حتى حجَّره عمر بالبنيان، ولم يبنه على الجَدْر الذي كان علامة أساس إبراهيم -عليه السلام-، بل زاد ووسع؛ قطعًا للشك أن الجَدْر هو آخر قواعد إبراهيم، فلما لم يكن عند عمر أن ذلك الجدر هو آخر قواعد البيت التي رفعها إبراهيم وإسماعيل -عليهما السلام- على يقين، ونقلِ كافة، مع معرفته أن قريشًا كانت قد هدمت البيت وبنته على غير القواعد، خشي أن يكون الجدر من بنيان قريش القديم، فزاد في الفسحة؛ استبراء للشك، ووسع الحجر حتى صار الجدر في داخل التحجير، وقد بان هذا في حديث جرير وهو قوله: "فحزرتُ من الحِجر ستة أذرع أو نحوها" والحائط الذي بناه عمر حول الحِجْر ليس بحائط مرتفع، وهو من ناحية الحِجْر نحو ذراعين، ومن الجرف خارجه نحو أربعة أذرع إلى صدر الواقف مِن خارجه، ولم يكن الجدر الذي ظهر من أساس إبراهيم مرتفعًا، إنما كان علامة كالنجم والهدف لا بنيانًا، قال ابن القصار: والحجة لقول مالك: إخبار الرسول -صلى الله عليه وسلم- أن البيت قصر به عن قواعد إبراهيم ولم يتم عليها، فمَن طاف في الحِجْر حصل طائفًا ببعضه؛ لأنَّ البيت ما خطَّه آدم وبناه إبراهيم، وقد قال عمر وابنه عبد الله: "لولا أنّ الحِجْر من البيت ما طِيف به"، قال ابن عباس: الحِجْر من البيت، قال تعالى: {وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} الحج: 29، ورأيتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- طاف مِن وراء الحِجْر، فدلّ أنه إجماع، ومَن لم يستوفِ الطواف بالبيت وجبَ ألا يجزئه، كما لو فتح ‌‌بابًا في البيت فطاف وخرج منه، والباء عند سيبويه في قوله تعالى: {بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} للامتزاج والاختلاط لا للتبعيض. شرح صحيح البخاري (4/ 264- 267).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
لكن العلماء متَّفقون على أنه لا بد أن يكون الحِجْر داخلًا في طوافه، وأن الإنسان لو دخل من الفتحتين اللتين بين الحِجر والبناء القائم، فإن طوافه لا يصح. تعليقاته على الكافي (3/ 476).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
في حديث عائشة: معرفة بنيان قريش الكعبة، وقد بناها إبراهيم -عليه السلام- قبل ذلك، وقيل: إنَّ آدم خط البيت قبل إبراهيم، وقد نقل فيه النبي -عليه السلام- الحجارة مع عمه العباس وقريش في الجاهلية...، وقد ذكر الرسول -صلى الله عليه وسلم- أنه إنما امتنع من ردّه على قواعد إبراهيم خشية إنكار قريش لذلك.
وفي هذا من الفقه: أنه يجب اجتناب ما يُسْرِعُ الناس إلى إنكاره وإن كان صوابًا، وقد روي أن هارون الرشيد ذكر لمالك بن أنس أنه يريد هدم ما بناه الحَجَّاج من الكعبة، وأن يردّه إلى بنيان ابن الزبير، فقال له: ناشدتك الله يا أمير المؤمنين ألَّا تجعل هذا البيت ملعبة للملوك، لا يشاء أحد منهم إلا نقض البيت وبناه، فتذهب هيبته من صدور الناس.
وفي الحديث: دليل أنَّ الحِجْر من البيت، وإذا كان ذلك فإدخاله واجب في الطواف. شرح صحيح البخاري (4/ 264- 267).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
قوله: «وأن أُلصق بابه بالأرض» بيان أنَّ الناس غير محجوبين في حقّ الدِّين من دخول البيت، أيّ وقت شاءوا، ولكنه -صلى الله عليه وسلم- إذ لم يفعل ذلك، وترك أمره على ما كان عليه في قديم الدهر، وسلَّم مفتاحه إلى بني عبد الدار، وقال: «خذوها خالدة تالدة» ثم قال في خطبته: «ألا إنّ كل دمٍ ومأثرة تحت قدمي إلا سقاية الحاجّ، وسدانة البيت، فإنَّه لا يجوز لأحد أنْ ينزعهما من أيديهم، أو يحول بينهم وبين ذلك، ولكم عليهم أن يحفظوه حفظ صيانة، وأنْ لا يحبسوا الناس عنه حبس منع وحماية»، وإذا كان الحِجْر هو جزء من البيت لا يحلّ لأحد أن يحجب الناس عنه، كان داخل البيت بمثابته، لا فرق بينهما، وقد قال تعالى: {سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ} الحج: 25. أعلام الحديث (2/ 866).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
في الحديث: دليل على أنّ بعض الواجبات قد يجوز تركها ما لم تكن فريضة لازمة إذا كان يخاف عند فعله أن يتولد منه فساد، ورُجي في تركه نفع أو صلاح. أعلام الحديث (2/ 865).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
وفي الحديث: معنى ما ترجم له؛ لأن قريشًا كانت تعظِّم أمر الكعبة جدا، فخشي -صلى الله عليه وسلم- أن يظنوا لأجل قُرب عهدهم بالإسلام أنه غيَّر بناءها لينفرد بالفخر عليهم في ذلك.
ويستفاد منه: ‌ترك ‌المصلحة ‌لأمن ‌الوقوع ‌في ‌المفسدة.
ومنه: ترك إنكار المنكر خشية الوقوع في أنكر منه.
وأن الإمام يسوس رعيته بما فيه إصلاحهم ولو كان مفضولًا ما لم يكن محرمًا. فتح الباري(1/٢٢٥).

وللاستفادة من الرواية الأخرى ينظر (هنا)


إبلاغ عن خطأ