أنَّ صفيَّةَ بنتَ حُيَيٍّ زوجَ النبي -صلى الله عليه وسلم- حاضَتْ في حَجَّةِ الوداعِ، فقال النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: «أَحَابِسَتُنَا هي؟» فقلتُ: إنَّها قدْ أَفاضَتْ يا رسولَ اللَّه، وطافتْ بالبيتِ، فقال النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: «فَلْتَنْفِرْ».
رواه البخاري برقم: (4401) واللفظ له، ومسلم برقم: (1211)، من حديث عائشة -رضي الله عنها-.
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«حَجَّة الوَدَاع»:
هي في السنة العاشرة من الهجرة، وسُميت: حَجَّة الوداع؛ لأنه ودَّعهم فيها، وتُسمَّى أيضًا: البلاغ؛ لأنه قال: «هل بلَّغْتُ؟»، وحَجَّة الإسلام؛ لأنها الحجة التي تتامّ فيها حج أهل الإسلام ليس فيها مشرك. التوضيح، لابن الملقن (9/ 543).
«أَحَابِسَتُنَا هي؟»
أي: مانِعَتُنا من السفر لأجل طواف الإفاضة بسبب الحيض؛ ظنًا منه -عليه الصلاة والسلام- أنها لم تَطُفْهُ. إرشاد الساري، للقسطلاني (3/ 253).
«أَفَاضَت»:
أي: طافت طواف الإفاضة. التوشيح، للسيوطي (3/ 1341).
«فَلْتَنْفِرْ»:
بكسر الفاء، أي: فلترحَلْ معنا إلى المدينة. إرشاد الساري، للقسطلاني (6/ 445).
شرح الحديث
قوله: «أنَّ صفيَّةَ بنتَ حُيَيٍّ زوجَ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- حاضتْ في حَجَّةِ الوَدَاعِ»:
قال القسطلاني -رحمه الله-:
قوله: «حاضت في حجة الوداع» ليلة النَّفْر، بعدما أفاضت. إرشاد الساري (6/ 445).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
«حاضت صفية» أي: في أيام منى، وسيأتي في أبواب الإدلاج من المحصَّب أنَّ حيضها كان ليلة النَّفْر، زاد الحاكم عن إبراهيم عند مسلم: «لما أراد النبي -صلى الله عليه وسلم- أنْ ينفر إذا صفية على باب خبائها كئيبةً حزينة، فقال: عَقْرَى...» الحديث.
وهذا يُشعر بأنَّ الوقت الذي أراد منها ما يريد الرجل من أهله كان بالقُرْب من وقت النَّفْر من منى. فتح الباري (3/ 589).
وقال محمد الخضر الشنقيطي -رحمه الله-:
قوله: «حاضت» أي: بعد أنْ أفاضت يوم النحر، كما تقدَّم في باب الزيارة يوم النحر. كوثر المعاني الدراري (13/ 482).
قوله: «فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: أَحابِسَتُنَا هي؟»:
قال القسطلاني -رحمه الله-:
«فقال النبي -صلَّى اللَّه عليه وسلَّم-» مستفهمًا من عائشة: «أحابستنا هي؟» عن الرجوع إلى المدينة؛ لأنه ظنَّ أنَّها لم تطُف طواف الإفاضة. إرشاد الساري (6/ 445).
وقال السفاريني -رحمه الله-:
قوله: «هيَ؟» يعني: صفيةَ، بسببِ حيضِها، عن السفر، حتى تطوف طواف الإفاضة. كشف اللثام (4/ 427).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
قال: «أحَابِسَتُنَا؟» فقدَّم الحبس على ضميرها؛ لأن غرضه السؤال عن الحبس نفسه، لا عن سببه، فلذلك قدَّمه: أهي حابستنا؟ فأَوْلَى حرف الاستفهام ما هو به أعنى؛ ولذلك جاء في بعض طرقه: «أحَابِسَتُنَا؟» ولم يقل: «هي»؛ اكتفاءً بفهم المعنى. الشافي (3/ 505).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
وهمزة الاستفهام ثابتةٌ للكشميهني. إرشاد الساري (3/ 253).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
فقال: «أحَابِسَتُنَا؟» استفهام تقرير؛ ولذلك لما أُخبر أنها طافت، قال: «فلا إذًا». الكوثر الجاري (4/ 161).
وقال اليفرني -رحمه الله-:
قوله: «أحَابِسَتُنَا هي؟» الهمزة هنا ليست للاستفهام المحض، ولكنها على معنى الإنكار والإشفاق من شيءٍ يُتوقَّع، ويدل عليه قوله في الحديث الآخر: «لعلها تَحْبِسُنَا؟» فهذا توقُّع بيِّن وإشفاق.
وقلنا: إنَّه بمعنى الإنكار؛ لأنه خرج مخرج التبرُّم والغضب، وتوضيحه: أنَّ بعضهم روى هذا الحديث فقال: «عَقْرَى حَلْقَى (أي: عقرهَا الله وحلقها إذا أَصَابَهَا الوجع في حلقها)، ما أراها إلا حابستنا»...، وهذا من الدعاء الذي لا يُراد به وقوع المكروه؛ وإنَّما هو كلامٌ تستعمله العرب على معنيين: أحدهما: عند التبرُّم والضجر، ومنه الحديث، وتقدم في قوله: «أفٍّ لك».
والآخر: في معنى استعظام الشيء، والإفراط في إحسانه، كما يقال: أخزاه الله ما أشعره! وقاتله الله ما أفصحه! الاقتضاب (1/ 457-458).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله- مُقارِنًا بين قول النبي لعائشة وصفية:
قوله -صلى الله عليه وسلم-: «هذا شيء كتبه الله على بنات آدم» يعني: الحيض، وكتبه عليهن أي: جَبَلَهُنَّ عليه، وثبَّته عليهن، وهو تأنيس لها وتسلية، وهو دليل على ميله لها، وحُنُوهِ عليها، وكم بين مَن يؤنَّس ويُستَرضَى وبين مَن يُقال له: «عَقْرَى حَلْقَى»؟! المفهم (3/ 305).
وقال ابن حجر -رحمه الله- مُتعقِّبًا:
قال القرطبي وغيره: شتان بين قوله -صلى الله عليه وسلم- هذا لصفية، وبين قوله لعائشة لما حاضت معه في الحج: «هذا شيء كتبه الله على بنات آدم»؛ لما يُشعر به من الميل لها، والحنو عليها، بخلاف صفية.
قلتُ: وليس فيه دليل على اتِّضَاع قدر صفية عنده، لكن اختلف الكلام باختلاف المقام، فعائشة دخل عليها وهي تبكي أسفًا على ما فاتها من النُّسُك، فسلَّاها بذلك، وصفية أراد منها ما يريد الرَّجُل من أهله، فأبدت المانع، فناسب كلًّا منهما ما خاطبها به في تلك الحالة. فتح الباري (3/ 589-590).
وقال ابن جماعة -رحمه الله-:
استنبط (أي: البخاري) اعتبار قولها (أي: المرأة) في الحيض والحمل بقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «أَحَابِسَتُنَا هي؟» فرتَّب حبْس الحاج على مجرد قولها، فدلَّ على أنَّه مُعتبَر في العِدَّة والحمل والحيض. مناسبات تراجم البخاري (ص: 104).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
قوله: «أحَابِسَتُنَا هي؟» أي: أَمَانِعَتُنَا عن التوجُّه من مكة في الوقت الذي أردنا التوجه فيه ظنًا منه -صلى الله عليه وسلم- بأنها ما طافت طواف الإفاضة، وإنما قال ذلك؛ لأنه كان لا يتركها ويتوجَّه، ولا يأمرها بالتوجه معه، وهي باقية على إحرامها، فيحتاج إلى أنْ يُقيم حتى تطهر وتطوف، وتحل الحِلَّ الثاني. التحبير (3/ 341).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
في قوله: «أحَابِسَتُنَا هي؟» دليل أنَّ طواف الإفاضة يَحبس الحائض بمكة، لا تبرح حتى تطوف للإفاضة؛ لأنه الطواف المفترض على كل من حج، وعلى هذا أئمة أهل العلم. شرح صحيح البخاري (4/ 427).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
وأمَّا الذي لا أعلم فيه نزاعًا أنه ليس لها أن تطوف مع الحيض إذا كانت قادرة على الطواف مع الطُّهر فما أعلم مُنازعًا أنّ ذلك يحرم عليها، وتأثم به. مجموع الفتاوى(26/٢٠٥ ـ 206).
وقال العراقي -رحمه الله-:
مقتضى قوله -عليه الصلاة والسلام-: «أَحَابِسَتُنَا هي؟» أنَّها لو لم تكن طافت للإفاضة لم يرحل حتى تطهر من الحيض، وتغتسل وتطوف، ثم يحتمل أنَّ ذلك على سبيل اللزوم، وهو ظاهر التعبير بلفظ: الحبس.
ويحتمل أنه غير لازم، وإنما كان يفعله لكونها لزمه وزوجه؛ ولهذا احتبس على طلب عقد عائشة -رضي الله عنها-، فعلى الأول يطَّرد ذلك في حق كل امرأة بهذه الصفة، ويستنبط منه أنَّ على أمير الحج أنْ يَكفَّ عن الرحيل من مكة لأجل المرأة الحائض إذا لم تطف للإفاضة، ولم تُرِد الإقامة بمكة، ويدل له ما رويناه في الجزء الثامن من فوائد الثقفي شيخ السلفي من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «أميران وليسا بأميرين، من تَبِعَ جنازة فليس له أن ينصرف حتى تُدفن، أو يأذن صاحبها، والمرأة حجَّت أو اعتمرت، فكانت مع قوم فحاضت، ولم تقضِ الطواف الواجب، فليس لهم أن ينصرفوا حتى تطْهُر أو تأذن لهم». طرح التثريب (5/ 125).
وقال النووي -رحمه الله-:
إذا حاضت المرأة قبل طواف الإفاضة، وأراد الحُجَّاج النَّفْر بعد قضاء مناسكهم، فالأَولى للمرأة أنْ تُقيم حتى تطهُر فتطوف إلا أن يكون عليها ضرر ظاهر في هذا، فإن أرادت النَّفْر مع الناس قبل طواف الإفاضة جاز، وتبقى مُحْرِمَة حتى تعود إلى مكة، فتطوف متى ما كان، ولو طال سنين...، وأما قول الماوردي في الحاوي: ليس لها أن تنفر حتى تطوف بعد أن تطهر، فشاذٌّ ضعيف جدًّا، والظاهر: أنه أراد أنه مكروه نفرها قبل طواف الإفاضة، وقد سبق أنه يكره تأخيره، ولا يكون مراده التحريم، ويصح أن يقال: إن المكروه ليس بجائز، ويفسَّر الجائز بمستوى الطرفين، والله أعلم.
قال أصحابنا: إذا حاضت الحاجة قبل طواف الإفاضة، ونَفَرَ الحُجَّاج بعد قضاء مناسكهم وقبل طُهرها، وأرادت أن تُقيم إلى أن تطهر، وكانت مستأجرة جملًا لم يلزم الجمَّال انتظارها، بل له النَّفْر بجَمَله مع الناس، ولها أن تُركِبَ في موضعها مثلها هذا مذهبنا، لا خلاف فيه بين أصحابنا، وممن صرح به الماوردي والشيخ أبو نصر (البندنيجي) وصاحب البيان (العمراني) وآخرون.
وحكى أصحابنا عن مالك: أنه يلزم أن ينتظرها أكثر مدة الحيض، وزيادة ثلاثة أيام. المجموع (8/ 257-258).
وقال الإمام مالك -رحمه الله-:
المرأة تحيض بمنى، تُقيم حتى تطوف بالبيت، لا بد لها من ذلك، وإن كانت قد أفاضت فحاضت بعد الإفاضة، فلتنصرف إلى بلدها، فإنه قد بلَغَنا في ذلك رخصة من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- للحائض.
وإنْ حاضت المرأة بمنى قبل أنْ تفيضَ، فإنَّ كَرِيَّها يُحبس عليها، أكثر مما يحبس النساء الدم. الموطأ (1/ 413).
وقال الباجي -رحمه الله- مُعلِّقًا:
سَمَّى ذلك رخصة على عُرْف الفقهاء فيما أُبيح لضرورة من جملة ممنوعة، فلما وردَ الأمر في الحاجِّ والمعتمر أنْ يكون آخر عهدهما الطواف بالبيت، واستثنى من ذلك الحائض سُمِّي رخصة.
وقوله: «فإنَّ كَرِيَّهَا يُحبس عليها» هذا مذهب مالك، وسواء علم بحملها (أي: النفساء) أو لم يعلم، وليس عليها أن تخبره بذلك...، وإذا ثبت أنَّ الكَرْيَ يُحبس عليها، فقد قال مالك في العتبية: ولا أدري هل تُعيْنُه النفساء في العلف؟ (أي: علف جَمَلِهِ).
إذا ثبت ذلك فقد قال أبو بكر بن محمد (ابن اللباد فقيه مالكي): وقد قيل: إنها إنما يحبس عليها كريها إذا كان الأمن، وأما في هذا الوقت حيث لا يأمن في طريقه، فهي ضرورة، ويفسخ الكراء.
ووجه ذلك عندي: أنَّ وقت الأمن يجد الرفاق، ويمكنه إذا طهرت أنْ يدخل الطريق ويسافر، وإذا كان الخوف لم يمكنه ذلك، ويحتاج أنْ ينتظر القوافل والصحبة فتلحقه المشقة.
ومثل هذا عندي في المرأة التي لا مَحْرم لها، وإنما يخرج في الرفقة العظيمة المأمونة، والرفقة التي فيها النساء، فهذا أيضًا مما لا يمكن وجود ذلك في كل وقت، فتحتاج إلى الانتظار، وأما ذات المحرم مع الطريق المأمون، فلا يحتاج إلى شيء من ذلك، ولا يحبسها شيء غير حيضتها. المنتقى شرح الموطأ (3/ 63).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
ذكر ابن عبد الحكم عن مالك قال: إذا حاضت المرأة أو نَفِسَت قبل الإفاضة فلا تبرح حتى تَطْهُر وتطوف بالبيت، ويُحبس عليها الكري ما يُحبس على الحائض خمسة عشر يومًا، ويُحبس على النفساء حتى تطهر بأقصى ما يحبس النساء الدم، ولا حُجة للكري أن يقول: لم أعلم أنها حامل، وليس عليها أن تعينه في العلف. التمهيد (17/ 268).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
فلو كان الدم ينوبُ منابَ طوافها (أي: الحائض) بغير طهارة؛ لكان -عليه السلام- لا يحتاج أن يقيم هو وأصحابه إلى أن تَطْهُر ثم تَطُوفه، فإن قيل: إنَّ الطواف ركن لا يصحُّ الحجُّ إلا به، فلا يحتاج إلى طهارة كالوقوف بعرفة.
قيل: لما كان يعْقُب كل أُسْبُوع من الطواف ركعتان، لا فصل بينه وبينهما، وجب أن يكون الطائف متوضئًا؛ لتتصل صلاته بطوافه، والوقوف بعرفة لا صلاة بأثره، فافترقا. شرح صحيح البخاري (4/ 321).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
ويُستفاد من قوله: «أحَابِسَتُنَا هي؟» أنَّ الكَرِي (أي: المكاري فعيل بِمَعْنى مفاعل أَو فعيل بِمَعْنى مفعل كاليتيم ووجيع) تُحبس عليها إذا لم تَطُف طواف الإفاضة، كما قال مالك، حتى تَطْهُر أو يمضي أيامها، أو أقصى ما يمسك النساء الدم والاستطهار، على اختلاف قوله في هذا الأصل.
وقال الشافعي: لا حَبْسَ عليها كَرْي؛ ولْتكْرِ جملها، أو يحمل مكانها غيرها، وهذا كله في الأمن، ووجود المحرم، وأما مع خوف الطُّرق، أو عدم المَحْرم، فلا يحتبس باتفاق؛ إذ لا يمكن أن يسير بها وحده، ويفسخ الكِرَاء، ولا تُحبس عليها الرُّفقة، إلا أنْ يبقى لطُهرها اليوم واليومان، قاله مالك. إكمال المعلم (4/ 417-418).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
الحائض تقضي المناسك كلها إلا الطواف بالبيت، فإنها تجتهد ألا تطوف بالبيت إلا طاهرة، فإن عجزت عن ذلك ولم يمكنها التخلُّف عن الرَّكب حتى تطهر وتطوف، فإنها إذا طافت طواف الزيارة وهي حائض أجزأها في أحد قولي العلماء، ثم قال أبو حنيفة وغيره: يجزئها لو لم يكن لها عذر، لكن أوجب عليها بَدَنة، وأما أحمد فأوجب على من ترك الطهارة ناسيًا دمًا، وهي شاة، وأما هذه العاجزة عن الطواف وهي طاهرة، فإن أخرجت دمًا فهو أحوط، وإلا فلا يتبين أن عليها شيئًا؛ فإن الله لا يكلف نفسًا إلا وسعها. مجموع الفتاوى (26/ 244).
وقال الشيخ ابن باز -رحمه الله-:
وهو قول قوي، لا سيما لأهل أمريكا وأندونيسيا. الحلل الإبريزية (2/ 76).
وقال الشيخ أحمد النجمي -رحمه الله-:
بعض الفضلاء من علماء السُّنة وهو ابن تيمية -رحمه الله- أفتى بأن الحائض تستثفر (تشد فرجها بخرقة عريضة، وتوثق طرفيها في شيء تشده على وسطها، فتمنع بذلك سيل الدم) وتطوف، وأخذ بمذهب أبي حنيفة، وإن كان هو مخالف للنَّص؛ نظرًا لأن الزمن الذي كان فيه كان الرَّجُل إذا انفرد عن الحملة اجتاحه قُطَّاع الطُّرق، فقتلوه، وأخذوا ماله، واستعبدوا امرأته، فأفتى بهذه الفتوى نظرًا للحاجة التي كانت سائدة في زمنه.
أما الآن فليس هناك من هذا الخطر -والحمد لله- شيئًا؛ لذلك فإنه ينبغي أنَّ مَن جاء في حملة وحاضت امرأته قبل طواف الإفاضة، يجب عليه أن يتريث حتى تطهر وتطوف، ولا يقال فيه ما قيل في الفتوى التي سبقت؛ لأن الخطورة الآن غير موجودة والحمد لله، ومعظم الناس من أهل البقاع البعيدين إما أن يكون قادمًا في طائرة، أو في مَرْكَب وسيعود في مثل ذلك، هذا رأي، وأرجو أنه الصواب، والواجب على المطوَّف أن يتعاون معه في تعديل ميقات سفره لهذه الضرورة، والله الموفق. تأسيس الأحكام (3/ 341).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
في رواية الأعرج عن أبي سلمة عن عائشة التي مضت في باب الزيارة يوم النحر: «حَجَجْنَا فأَفَضْنَا يوم النَّحر، فحاضت صفية، فأراد النبي -صلى الله عليه وسلم- منها ما يريد الرَّجل من أهله، فقلتُ: يا رسول الله، إنها حائض...» الحديث.
وهذا مشكلٌ؛ لأنه -صلى الله عليه وسلم- إنْ كان عَلِمَ أنها طافت طواف الإفاضة، فكيف يقول: «أَحَابِسَتُنا هي؟» وإن كان ما عَلِمَ فكيف يريد وقاعها قبل التحلل الثاني؟!
ويُجاب عنه: بأنه -صلى الله عليه وسلم- ما أراد ذلك منها إلا بعد أن استأذنه نساؤه في طواف الإفاضة، فأَذِنَ لهنَّ، فكان بانيًا على أنها قد حلَّت، فلما قيل له: إنها حائض، جوَّز أن يكون وقع لها قبل ذلك حتى منعها من طواف الإفاضة، فاستفْهَم عن ذلك، فأَعْلَمَتْهُ عائشة أنها طافت معهن، فزال عنه ما خشيه من ذلك، والله أعلم. فتح الباري (3/ 587).
وقال العراقي -رحمه الله-:
على أنَّ قوله في الرواية الثانية: «حين أراد أن ينفر» تُنافي بظاهرها إرادة وقاعها، فإن تلك الحالة، وهي وقت النفر لا يتهيأ فيها هذا، ويوافق ذلك رواية الأسْوَد عن عائشة قالت: «لما أراد النبي -صلى الله عليه وسلم- أن ينفر إذا صفية على باب خبائها كئيبة حزينة، فقال: عَقْرَى حَلْقَى، إنك لحابستنا» الحديث وهو في الصحيح، فلعل الرواية التي فيها إرادة الوقاع وهمٌ، ولم أقف عليها في صحيح البخاري، ففي ذكر عبد الغني المقدسي لها في العمدة نظر، والله أعلم. طرح التثريب (5/ 128-129).
قوله: «فقلتُ: إنَّها قدْ أَفَاضَتْ يا رسولَ اللَّهِ، وطافتْ بالبيتِ»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«فقلتُ: يا رسول الله، إنها قد كانت أفاضت» أي: طافت طواف الإفاضة، فقولها: «وطافت بالبيت» عطف تفسير. البحر المحيط الثجاج (24/ 139).
وقال صفي الرحمن المباركفوري -رحمه الله-:
«إنَّها قد كانت أفاضت» من منى إلى مكة يوم النحر، «وطافت بالبيت» طواف الإفاضة الذي هو طواف الحجِّ والفرض. منة المنعم (2/ 324).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
قوله: «حاضَت بعد ما أفاضت» تريد طواف الإفاضة، وهو الطواف الواجب الذي هو أحد أركان الحج، و«حاضت بعد ما أفاضت» من أحسن الكلام وأرشقه، حيث اجتمع في الكلمتين الضاد والتاء بعد الألف. الشافي (3/ 505).
وقال العراقي -رحمه الله-:
قوله: «أفاضت» أي: طافت طواف الإفاضة، وهو الذي يُسمَّى طواف الزيادة، وهو طواف الركن، وسمي بذلك لأن الغالب أنه يفعل يوم النحر، يفيض الحاج من منى إلى مكة، فيطوف، ثم يرجع، والإفاضة الزحف والدفع في السَّيْرِ بكثرة، ومنه الإفاضة من عرفة، ولا تكون إلا عن تفرُّق وجمع، وأصل الإفاضة: الصَّبُّ، فاستُعيرت للدفع في السَّيْرِ، وأصله أفاض نفسه، أو راحلته، فرفضوا ذكر المفعول حتى أشبه غير المتعدي. طرح التثريب (5/ 128).
وقال محمد الأُبي -رحمه الله-:
قول عائشة -رضي الله عنها-: «إنها قد أفاضت» من فقهها وعلمها أنَّ مَن أفاض لا توديع عليه، فلذلك ذكرت ذلك. إكمال إكمال المعلم (3/417).
قوله: «فقال النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: فَلْتَنْفِرْ»:
قال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «فلا بأس انفري» هو بيان لقوله في الرواية الماضية أول الباب: «فلا إذًا»، وفي رواية أبي سلمة قال: «اخرجوا» وفي رواية عمرة قال: «اخرجي» وفي رواية الزهري عن عروة عن عائشة في المغازي: «فلتنفر» ومعانيها متقاربة، والمراد بها كلها: الرَّحِيل من منى إلى جهة المدينة. فتح الباري (3/ 590).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
قوله: «فلتنفر» أي: فلتُسْرع الخروج من مكة راجعة إلى المدينة؛ لتمام حجِّها، وعدم بقاء شيء عليها. البحر المحيط الثجاج (24/ 139).
وقال صفي الرحمن المباركفوري -رحمه الله-:
«فلتنفِر» بكسر الفاء، ويجوز ضمها، أي: فلتخرج إلى المدينة من غير طواف الوداع، فإنه سقط لعذر الحيض. منة المنعم (2/ 324).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
أي: إذا فاضت فلا مانع لنا من التوجُّه؛ لأنَّ الذي يجب عليها قد فَعَلَتْهُ. التحبير (3/ 341).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
إنْ كانت الحائض قد طافَت قبل أنْ تحيض، جاز لها بالسُّنة أن تخرج ولا تودِّع البيت، ورخص ذلك للحائض وحدها دون غيرها، وهذا كله أمر مجتمع عليه من فقهاء الأمصار، وجمهور العلماء عليه لا خلاف بينهم فيه، وقد كان ابن عمر -رضي الله عنه- يفتي بأن الحائض لا تنفِر حتى تودِّع البيت، ثم رجع عنه. الاستذكار (4/ 371).
وقال الترمذي -رحمه الله-:
والعمل على هذا عند أهل العلم: أنَّ المرأة إذا طافت طواف الزيارة، ثم حاضت، فإنها تنفِر، وليس عليها شيء، وهو قول الثوري والشافعي وأحمد وإسحاق. سنن الترمذي (3/ 271).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
معنى هذا الباب: أنَّ طواف الوداع ساقط عن الحائض؛ لأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- لما أُخبر عن صفية أنها حاضت قال: «أحابستنا هي؟» فلما أُخبر أنها قد أفاضت قبل أن تحيض قال: «فلا إذًا»، وهو قول عوام أهل العلم.
وخالف ذلك طائفة فقالوا: لا يحل لأحد أنْ ينفر حتى يطوف طواف الوداع، ولم يعذروا في ذلك حائضًا بحيضها، ذكره الطحاوي...، ومن هذا الحديث قال مالك: لا شيء على مَن ترك طواف الوداع حتى يرجع إلى بلاده؛ لسقوطه عن الحائض، وفيه ردٌّ لقول عطاء والكوفيين والشافعي ومن وافقهم: أنَّ مَن لم يُودِّع البيت فعليه دم، وقولهم خلاف حديث صفية. شرح صحيح البخاري (4/ 426-427).
وقال النووي -رحمه الله-:
في هذا الحديث: دليل على أنَّ طواف الوداع لا يجب على الحائض، ولا يلزمها الصبر إلى طُهرها؛ لتأتي به، ولا دم عليها في تركه، وهذا مذهبنا ومذهب العلماء كافة، إلا ما حكاه القاضي (عياض) عن بعض السلف، وهو شاذ مردود. شرح مسلم (8/ 154).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قال ابن المنذر: قال عامة الفقهاء بالأمصار: ليس على الحائض التي قد أفاضت طواف وداع، وروينا عن عمر بن الخطاب وابن عمر وزيد بن ثابت أنهم أمروها بالمقام إذا كانت حائضًا لطواف الوداع، وكأنهم أوجبوه عليها كما يجب عليها طواف الإفاضة؛ إذ لو حاضت قبله لم يسقط عنها.
ثم أسند عن عمر بإسناد صحيح إلى نافع عن ابن عمر قال: «طافت امرأة بالبيت يوم النحر ثم حاضت، فأمر عمر بحبسها بمكة بعد أن ينفر الناس حتى تطهر وتطوف بالبيت»، قال: وقد ثبت رجوع ابن عمر وزيد بن ثابت عن ذلك، وبقي عمر فخالفناه؛ لثبوت حديث عائشة يشير بذلك إلى ما تضمَّنته أحاديث هذا الباب. فتح الباري (3/ 587).
وقال ابن قدامة -رحمه الله-:
وقد روي عن عمر وابنه أنهما أمرا الحائض بالمقام لطواف الوداع، وكان زيد بن ثابت يقول به، ثم رجع، فروى مسلم أن زيد بن ثابت خالف ابن عباس في هذا، قال طاوس: كنتُ مع ابن عباس إذ قال زيد بن ثابت يفتي: أنْ لا تصدُر الحائض قبل أنْ يكون آخر عهدها بالبيت، فقال له ابن عباس: إما لا، تسأل فلانة الأنصارية هل أخرها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بذلك؟ قال: فرجع زيد إلى ابن عباس يضحك، وهو يقول: ما أراك إلا قد صَدَقْتَ.
وروي عن ابن عمر أنه رجع إلى قول الجماعة أيضًا، وقد ثبت التخفيف عن الحائض بحديث صفية حين قالوا: «يا رسول الله، إنها حائض، فقال: أحابستنا هي؟ قالوا: يا رسول الله، إنه قد أفاضت يوم النحر، قال: فلتنفر إذًا» ولا أمرها بفدية ولا غيرها، وفي حديث ابن عباس: «إلا أنَّه خُفِّف عن المرأة الحائض»، والحكم في النفساء كالحكم في الحائض. المغني (3/ 489).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله- مُعلِّقًا:
قد تبيَّن بما ذُكِرَ من بيان أقوال أهل العلم في هذه المسألة أنَّ الحق هو ما عليه الجمهور من أنَّ الحائض ومثلها النفساء لا يجب عليها طواف الوداع، ويُعتذر عن عمر -رضي الله عنه- بأنه لم يبلغه حديث الرخصة، وإلا لكان أولى الناس عملًا به، ورجوعًا إليه، كما فعل ابنه عبد الله، وكما فعل زيد بن ثابت -رضي الله عنهم-، فتبصر، والله تعالى أعلم بالصواب. البحر المحيط الثجاج (24/ 133).
وقال ابن العطار -رحمه الله-:
في هذا الحديث أحكام:
منها: أنَّ طواف الإفاضة لا بد منه...
ومنها: أنَّ الحائض لا تدخل المسجد.
ومنها: سقوط طواف الوداع عن الحائض.
ومنها: عدم سقوط طواف الإفاضة عنها؛ حيث قال -صلى الله عليه وسلم-: «أحابستنا هي؟ فقيل: إنها أفاضت» إلى آخره.
ومنها: عدم وجوب الدم بترك طواف الوداع من الحائض؛ حيث قال النبي -صلى الله عليه وسلم- لما أُخبر بأنها طافت للإفاضة، قال: «فانفري» من غير ذِكْر دمٍ ولا غيره. وهذا قول كافة العلماء، وحكى القاضي عياض عن بعض السلف وجوب دم، وهو شاذ مردود، والله أعلم. العدة في شرح العمدة (2/ 1066-1067).
وقال الرافعي -رحمه الله-:
في الحديث: دلالة على أنَّ الحائض لها أنْ تنفر وتترك طواف الوداع، ولا يلزمها بذلك شيء، وبه قال عامَّة العلماء.
وعلى أنَّ طواف الإفاضة واجب لا سبيل إلى تركه؛ لأنه جعلها حابسة إلى أن تطوف حتى أُخبر بأنها قد أفاضت.
وعلى أنه يجوز تأخيره؛ لأنه كان على أن يتوقف لو لم تطف إلى أن تطهر فتطوف.
وفيه: ما يوضح حُسن فعله -صلى الله عليه وسلم-؛ فإنه كان على أنْ يتوقف، ويمكث هناك لو لم تطف.
وفيه: فضيلة صفية.
وفيه: استفتاء بعض أزواج النبي -صلى الله عليه وسلم- لبعض، واطلاع بعضهن بعضًا على أحوالها؛ وذلك من حسن المعاشرة. شرح مسند الشافعي (2/ 358).
وقال الشيخ عبد الله البسام -رحمه الله-:
يُؤخَذ من الحديث:
أنَّ على أمير الحج، ورئيس الرفقة ونحوهما انتظار من حاضت، حتى ينتهي حيضها، وتطوف طواف الحج. تيسير العلام (ص: 433).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قال المهلب: فيه شاهدٌ لتصديق النساء فيما يدَّعينه من الحيض؛ لكون النبي -صلى الله عليه وسلم- أراد أنْ يُؤخِّر السفر، ويُحبس من معه لأجل حيض صفية، ولم يمتحنها في ذلك، ولا أكْذَبها.
وقال ابن المنير: لما رتَّب النبي -صلى الله عليه وسلم- على مجرد قول صفية: إنها حائض تأخيره السفر، أخذ منه (البخاري) تعدي الحكم إلى الزوج، فتُصدَّق المرأة في الحيض والحمل باعتبار رجعة الزوج، وسقوطها، وإلحاق الحمل به في العِدَّة، وكيف يراجع المرأة إذا طلقها واحدة أو ثنتين؟ فتح الباري (9/ 482-483).
وللاستفادة من الروايات الأخرى ينظر (هنا) و (هنا) و (هنا) و (هنا)
وينظر رأي الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- فيما لو كانت الحائض من بلاد بعيدة (هنا)