الخميس 24 شعبان 1447 | 2026-02-12

A a

«ما تركتُ استِلامَ هذين الركنين -اليمانيَ والحَجَر- مذ رأيتُ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- يستلمُهما في شدَّةٍ ولا رخَاءٍ».


رواه البخاري برقم: (1606) ومسلم برقم: (1268) واللفظ له، من حديث ابن عمر -رضي الله عنهما-.
وفي رواية لمسلم برقم: (1268): «رأيتُ ابن عمرَ يستلِمُ الحَجرَ بيدِهِ، ثم قبَّلَ يدَهُ، وقال: ما ترَكْتُهُ منذُ رأيتُ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- يفعلُهُ».


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«اسْتِلَام»:
هو افتعل من السَّلام: التحيَّة، وأهل اليمن يسمُّون الركن الأسود المحيَّا: أي أن الناس يحيُّونه بالسَّلام، وقيل: هو افتعل من السِّلام وهي الحجارة، واحدتها سلِمة بكسر اللام، يقال: استلم الحجرَ إذا لمسه وتناوله. النهاية لابن الأثير(2/ 395).
وقال الصُّحاري -رحمه الله-:
استلم الحَجَر أخذه ومسَّه بيده...، واستلام الحَجَر: تناولُه بالكفِّ، وباليدِ، والقُبلة، ومسحه أيضًا بالكف: استلام. الإبانة في اللغة العربية (3/ 256 - 257).


شرح الحديث


قوله: «ما تركتُ استلامَ هذين الرُّكنين اليمانيَ والحَجر»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
عن ابن عمر قال: «ما تركنا استلام هذين الركنين: اليمانيَ» بتخفيف الياء، وتشديدها مجرورًا «والحَجَر»: أي: الأسود. مرقاة المفاتيح (5/ 1794).
وقال الفيومي -رحمه الله-:
اليمن: إقليم معروف، سمِّي بذلك لأنه عن يمين الشمس عند طلوعها، وقيل: لأنه عن يمين الكعبة، والنسبة إليه يمنيٌّ على القياس، ويمانٍ بالألف على غير قياس، وعلى هذا ففي الياء مذهبان:
أحدهما: وهو الأشهر تخفيفها، واقتصر عليه كثيرون، وبعضهم ينكر التثقيل، ووجهه: أنَّ الألف دخلت قبل الياء لتكون عوضًا عن التثقيل، فلا يثقَّل؛ لئلا يجمع بين العوض والمعوض عنه.
والثاني: التثقيل؛ لأن الألف زيدت بعد النِّسبة، فيبقى التثقيل الدال على النِّسبة تنبيهًا على جواز حذفها. المصباح المنير (2/ 682).
وقال النووي -رحمه الله-:
اليمانيَ هو -بتخفيف الياء-، وكذا الركنان اليمانيَان بتخفيف الياء، قال الجمهور: لا يجوز تشديدها؛ لأنها نسبة إلى اليمن، فجُعلت الألف عوضًا من إحدى ياءي النَّسب، فلا يجوز الجمع بين العوض والمعوّض، وحكى سيبويه والجوهري وغيرهما تشديدها في لغة قليلة، وتكون الألف زائدةً كما زيدت الألف والنون في رقباني منسوب إلى الرقبة، ونظائره. المجموع (8/ 38).
وقال ابن قدامة -رحمه الله-:
الركن اليماني قِبلة أهل اليمن، ويلي الركن الذي فيه الحجر الأسود، وهو آخر ما يمرّ عليه من الأركان في طوافه. المغني (5/ 225).

قوله: «مذْ رأيتُ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- يستلمُهما»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
قال ابن عمر «مذ رأيتُ» أي: من بعدِ ما رأيتُ «رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يستلمهما». الكوكب الوهاج (14/ 212).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
لا خلاف بين العلماء أن الركنين جميعًا يُستلمان الأسود واليمانيَ، وإنما الفرق بينهما أن الأسود يقبَّل واليماني لا يقبَّل. الاستذكار (4/ 198).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله- أيضًا:
لا يختلفون أنَّ تقبيل الحجر الأسود في الطواف من سنن الحج لمَن قدر على ذلك، ومَن لم يقدر على تقبيله، وضع يده عليه ورفعها إلى فيه، فإن لم يقدر على ذلك أيضًا للزحام كبَّر إذا قابله، فمَن لم يفعل فلا حرج عليه، ولا ينبغي لمَن قدَر على ذلك أن يتركه تأسيًا برسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه بعده. التمهيد (14/ 254).
وقال النووي -رحمه الله-:
اعلم أنَّ للبيت أربعة أركان: الركن الأسود والركن اليماني ويقال لهما: اليمانيان...، وأما الركنان الآخران، فيقال لهما: الشاميّان، فالركن الأسود فيه فضيلتان، إحداهما: كونه على قواعد إبراهيم -عليه السلام-، والثانية: كونه فيه الحَجَر الأسود، وأما اليماني ففيه فضيلة واحدة، وهي كونه على قواعد إبراهيم، وأما الركنان الآخران فليس فيهما شيء من هاتين الفضيلتين، فلهذا خُصّ الحجر الأسود بشيئين، الاستلام والتقبيل؛ للفضيلتين، وأما اليمانيّ فيستلمه ولا يقبِّله؛ لأن فيه فضيلة واحدة، وأما الركنان الآخران فلا يقبَّلان ولا يستلمان، والله أعلم.
وقد أجمعت الأمَّة على استحباب استلام الركنين اليمانيين، واتفق الجماهير على أنه لا يمسح الركنين الآخرين، واستحبَّه بعض السلف، وممَّن كان يقول باستلامهما: الحسن والحسين ابنا علي، وابن الزبير وجابر بن عبد الله وأنس بن مالك وعروة بن الزبير، وأبو الشعثاء جابر بن زيد -رضي الله عنهم-، قال القاضي أبو الطيب: أجمعت أئمة الأمصار والفقهاء على أنهما لا يُستلمان، قال: وإنما كان فيه خلاف لبعض الصحابة والتابعين وانقرض الخلاف، وأجمعوا على أنهما لا يُستلمان، والله أعلم. المنهاج شرح صحيح مسلم (9/ 14).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
لا يستلم من الأركان إلا الركنين اليمانيين دون الشاميين، فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- إنما استلمهما خاصة؛ لأنهما على قواعد إبراهيم، والآخران هما في داخل البيت، فالركن الأسود يُستلم ويُقبَّل، واليماني يستلم ولا يُقبَّل، والآخران لا يُستلمان ولا يُقبَّلان، والاستلام هو مسحه باليد، وأما سائر جوانب البيت، ومقام إبراهيم، وسائر ما في الأرض من المساجد وحيطانها، ومقابر الأنبياء والصالحين كحُجْرة نبينا -صلى الله عليه وسلم- ومغارة إبراهيم، ومقام نبينا -صلى الله عليه وسلم- الذي كان يصلي فيه، وغير ذلك من مقابر الأنبياء والصالحين وصخرة بيت المقدس، فلا تُستلم ولا تُقبَّل باتفاق الأئمة، وأما الطواف بذلك فهو من أعظم البدع المحرمة، ومَن اتخذه دِينًا يُستتاب فإن تاب وإلا قُتل. مجموع الفتاوى (26/ 121).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
جائز عند أهل العلم لا نكير فيه... أنْ يُستلم الركن اليمانيَ والركن الأسود، لا يختلفون في شيء من ذلك، وإنما الذي فرَّقوا بينهما فيه: التقبيل لا غير، فرأوا تقبيل الركن الأسود والحَجَر، ولم يروا تقبيل اليماني، وأما استلامهما جميعًا فأمرٌ مجتمعٌ عليه، وإنما اختلفوا في استلام الركنين الآخرين. التمهيد (14/ 257).

قوله: «في شدةٍ ولا رخاءٍ».
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
قوله: «في شدة، ولا رخاء» متعلق بـ«تركتُ» أو بـ«استلام» وأراد بالشدة: الزحام، أو المرض، وبالرخاء: خلافَه. البحر المحيط الثجاج (23/ 470).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «في شدة ولا رخاء» أي: ازدحام وخلوة. لمعات التنقيح (5/ 351).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
الظاهر: أنَّ ابن عمر لم ير الزحام عذرًا في ترك الاستلام، وقد روى سعيد بن منصور من طريق القاسم بن محمد قال: «رأيتُ ابن عمر يزاحم على الركن حتى يُدمى»، ومن طريق أخرى أنه قيل له في ذلك، فقال: «هَوَت الأفئدة إليه، فأريد أن يكون فؤادي معهم»، وروى الفاكهي من طرق عن ابن عباس كراهة المزاحمة وقال: «لا يؤذِي ولا يؤذَى». فتح الباري (3/ 476).
وقال الماوردي -رحمه الله-:
حكي عن طائفة أنَّ الزحام عليه أفضل، فروي عن سالم بن عبد الله قال: «كنا نزاحم ابن عمر على الركن، وكان عبد الله لو زاحم الإبل لزحمها»، وروي عن طلحة بن يحيى بن طلحة، قال: سألتُ القاسم بن محمد عن استلام الركن فقال: «استلمه يا ابن أخي، وزاحم عليه؛ فإني رأيتُ ابن عمر يزاحم عليه حتى يُدمَى».
والدلالة على أن الزحام مكروه: رواية سعيد بن المسيب عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إنك رجل قوي لا تؤذي الضعيف، فإذا أردتَ أن تستلم الحَجَر فإن كان خاليًا فاستلمه، وإلا فاستقبله وكبر»، وروي عن ابن عباس أنه قال: «لا تزاحم على الحجر لا تؤذِي ولا تؤذَى، لوددتُ أنَّ الذي زاحم على الحجر نجا منه كفافًا». الحاوي الكبير (4/ 136).
وقال الماوردي -رحمه الله-:
فإن كانت زحمة لا يقدر معها على الاستلام والتقبيل إلا بزحام الناس نظر، فإن كان إن صبر يسيرًا خفَّ الزحام، وأمكنه الاستلام صبر، وإن علم أن الزحام لا يخفّ ترك الاستلام ولم يزحم الناس، وأشار إليه رافعًا ليده ثم يقبلها. الحاوي الكبير(4/١٣٦)
وقال النووي -رحمه الله-:
فإن آذى أو تأذى لم يدخل، وهذا مما يغلط فيه كثير من الناس فيتزاحمون زحمة شديدة، بحيث يؤذي بعضهم بعضًا، وربما انكشفت عورة بعضهم أو كثير منهم، وربما زاحم المرأة وهي مكشوفة الوجه واليد، وهذا كله خطأ يفعله جهلة الناس، ويغتر بعضهم ببعض، وكيف ينبغي لعاقل أن يرتكب الأذى المحرَّم ليًحصِّل أمرًا لو سلِم من الأذى لكان سُنة، وأما مع الأذى فليس بسنَّة، بل حرام، والله المستعان. الإيضاح (ص: 395).
وقال ابن الحاج -رحمه الله-:
وليُزاحِم على ‌تقبيل ‌الحجر ما لم يكن أذًى؛ فإن كان كذلك، كبَّر حين يقابله ومضى.
وليحذر مما يفعله بعضهم؛ من أن الرجال والنساء يتزاحمون على ‌الحجر ‌الأسود، فيقع الانضغاط بينهم، فقد يأتي فم الرجل على فم المرأة، وبالعكس.. المدخل (4/ 223).
وقال الشيخ عبد العزيز الراجحي -حفظه الله-:
قوله: «في شدة، ولا رخاء» هذا اجتهاد من ابن عمر -رضي الله عنهما- حيث كان يزاحم على استلام الحَجَر، والركن اليماني، والصواب ألا يزاحم عليهما، وإنما يستلمهما إذا كان في رخاء، أما في الشدة فلا. توفيق الرب المنعم (3/ 527).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
فإن لم يتيسر له استلامه بيده فلا يزاحم؛ لأن الزحام يؤذيه، ويؤذي غيره، وربما حصل به الضرر، ويذهب الخشوع، ويخرج بالطواف عمَّا شرع من أجله من التعبد لله، وربما حصل به لغو وجدال، ومقاتلة، ويكفي أن يشير إليه بيده ولو من بعيد. مجموع فتاوى ورسائل (24/ 287).
وقال الشيخ ابن باز -رحمه الله-:
إذا تيسر (تقبيل المرأة للحجر الأسود واستلام الركن اليماني) بدون مزاحمة للرجال، إذا تيسر في وقت خلوة فلا بأس، وإلا فإنها تطوف من وراء الناس بعيدًا عن الفتنة. فتاوى نور على الدرب (17/ 481).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
قوله «في شدة» أي: في زَحمة «ولا رخاء» أي: ولا في سَعة، وهو ضد الزحمة، ظرف لقوله: «ما تركت» أي: في زحام ولا في خلاء. الكوكب الوهاج (14/ 212).
وقال الماوردي -رحمه الله-:
أما النساء فلا يُختار لهن الاستلام ولا التقبيل، إذا حاذين الحجر أشَّرن إليه، قد روى عطاء «أن امرأة طافت مع عائشة، فلما جاءت الركن قالت المرأة: يا أم المؤمنين، ألا تستلمين؟ فقالت عائشة: وما للنساء واستلام الركن؟ امضِ عنك»، وأنكرت عائشة ذلك على مولاة لها، فإن أرادت المرأة تقبيل الحجر فعلت ذلك في الليل عند خلو الطواف. الحاوي الكبير (4/ 136).
وقال النووي -رحمه الله-:
قال الدارمي: لو محي الحجر الاسود -العياذ بالله- مِن موضعه استَلَم الركن الذي كان فيه، وقبَّله، وسجد عليه. المجموع (8/ 36).

وفي رواية لمسلم: «رأيتُ ابنَ عمرَ يَستلمُ الحَجَر بيده، ثم قبَّل يدَهُ»:
قال ابن حجر -رحمه الله-:
«رأيتُ ابن عمر استلم الحجر وقبَّل يده، وقال: ما تركتُه منذ رأيتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يفعله» ويُستفاد منه استحباب الجمع بين التسليم والتقبيل بخلاف الركن اليماني، فيستلمه فقط، والاستلام: المسح باليد، والتقبيل بالفم. فتح الباري (3/ 475).
وقال الشافعي -رحمه الله-:
أخبرنا سعيد، عن ابن جريج قال: قلتُ لعطاء: هل رأيتَ أحدًا من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا استلموا قبَّلوا أيديهم؟ فقال: «نعم، رأيتُ جابر بن عبد الله، وابن عمر، وأبا سعيد الخدري، وأبا هريرة -رضي الله عنهم-، إذا استلموا قبلوا أيديهم، قلتُ: وابن عباس؟ قال: نعم، وحسبت كثيرًا، قلتُ: هل تدع أنت إذا استلمتَ أن تقبِّل يدك؟ قال: فلِمَ أستلمُه إذًا؟». مسند الشافعي (ص: 126).

قوله: «وقال: ما تركتُهُ منذُ رأيتُ رسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- يفعلُهُ»:
قال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «ما تركته» الظاهر أنَّ الضمير للاستلام مطلقًا، ويجوز أنْ يكون للاستلام على الوجه المخصوص المذكور، وهو أنه استلم الحجر بيده، ثم قبَّل يده، والأول هو الوجه، فافهم. لمعات التنقيح (5/ 352).
وقال البغوي -رحمه الله-:
العمل على هذا عند أهل العلم، يستحبون تقبيل الحجر الأسود، فإن لم يمكنه استلمه بيده، وقبَّل يده، ويفعله في كل طَوفة، فإن لم يمكن ففي كل وتر، فإن لم تصل يده إليه استقبله إذا حاذاه وكبَّر، وهو قول الشافعي. شرح السنة (7/ 113).
وقال النووي -رحمه الله- أيضًا:
إذا منعَتْه الزحمة ونحوها من التقبيل، والسجود عليه، وأمكنه الاستلام استلم، فإن لم يمكنه أشار باليد إلى الاستلام، ولا يشير بالفم إلى التقبيل...، ثم يقبِّل اليد بعد الاستلام إذا اقتصر عليه؛ لزحمة ونحوها، هكذا قطع به الأصحاب، وذكر إمام الحرمين: أنه يتخيّر بين أن يستلم ثم يقبِّل اليد، وبين أن يقبل اليد، ثم يستلم بها، والمذهب القطع باستحباب تقديم الاستلام، ثم يقبلها، فإن لم يتمكن من الاستلام باليد استُحب أن يستلم بعصا ونحوها للأحاديث...، ومما يستدل به لما ذكرته... قوله -صلى الله عليه وسلم-: «وإذا أمرتكم بأمر، فأتوا منه ما استطعتم» رواه البخاري ومسلم من رواية أبي هريرة، وعن نافع قال: «رأيتُ ابن عمر يستلم الحجر بيده ثم قبَّل يده، وقال: ما تركته منذ رأيتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يفعله» رواه مسلم في صحيحه، وهذا محمول على تعذُّر تقبيل الحجر. المجموع (8/ 33).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
إذا كان هناك مزاحمة شديدة، فالإشارة أفضل من الاستلام؛ لأنه هو العمل الذي فعله الرسول -عليه الصلاة والسلام- عند الزحام؛ ولأن الإنسان يتقي به أذى يكون منه لغيره ويكون من غيره له. مجموع فتاوى ورسائل العثيمين (22/ 397-398).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- أيضًا:
الاستلام قال العلماء -رحمهم الله-: أن يمسحه بيده، وليس أن يضع يده عليه؛ لأن الوضع ليس فيه استلام، بل لا بدّ من المسح، والمسح يكون باليد اليمنى؛ لأن اليد اليمنى تقدم للإكرام والتعظيم.
وهل يقبِّله؟ نقول: نعم؛ لأنه ثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه كان يُقبِّله، لكن يقبّله محبةً لله -عز وجل-، وتعظيمًا له، لا محبة للحَجَر لكونه حجَرًا، ولا يتبرك به أيضًا، كما يصنعه بعض الجُهَّال، فيمسح يده بالحجر الأسود، ثم يمسح بها بدنه، أو يمسح صبيانه الصغار تبركًا به؛ فإن هذا من البدع ...
فإنْ شقَّ الاستلام والتقبيل فإنه يستلمه بيده ويقبِّل يده، وهذا بعد استلامه ومسحه، لا أنه يقبِّل يده بدون مسح، وبدون استلام، فإنْ شقَّ اللمس أشار إليه، وإذا أشار إليه فإنه لا يقبِّل يده، كل هذه الصفات وردت عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، وهي مرتبة حسب الأسهل، فأعلاها: استلام اليد وتقبيل الحَجَر، ثم استلام باليد مع تقبيلها، ثم استلام بعصا ونحوه مع تقبيله إن لم يكن فيه أذيَّة، والسنة إنما وردت في هذا للراكب فيما نعلم، ثم إشارة، فالمراتب صارت أربعًا تفعل أولًا فأول، بلا أذيَّة ولا مشقة. شرح حديث جابر في صفة حجة النبي (ص:26 - 28).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- أيضًا:
بعض الناس يظنون أنَّ الطواف لا يصح بدون استقبال الحَجَر وتقبيله، وأنَّ تقبيل الحَجَر شرط لصحة الطواف؛ ولصحة الحج أو العمرة أيضًا، وهذا ظن خطأ، وتقبيل الحجر سُنة، وليس سُنة مستقلة أيضًا، بل هي سنة للطائف، ولا أعلم أنَّ تقبيل الحجر يسن في غير الطواف. مجموع فتاوى ورسائل العثيمين (22/ 397-398).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- أيضًا:
لكن هل تشير وأنت ماشٍ والحَجَر على يسارك، أم تستقبله؟
الجواب: روي عن عمر -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال له: «إنك رجل قوي، فلا تزاحم فتؤذي الضعيف، إن وجدت فرجة فاستلم، وإلا فاستقبله وهلِّل وكبر»، قال: «وإلا فاستقبله» فالظاهر: أنه عند الإشارة يستقبله؛ ولأن هذه الإشارة تقوم مقام الاستلام والتقبيل، والاستلام والتقبيل يكون الإنسان مستقبلًا له بالضرورة، لكن إنْ شق أيضًا مع كثرة الزحام، فلا حرج أن يشير وهو ماشٍ.. شرح حديث جابر في صفة حجة النبي (ص: 28).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
يُستفاد منه: استحباب الجمع بين التسليم والتقبيل، بخلاف الركن اليماني فيستلمه فقط، والاستلام المسح باليد، والتقبيل بالفم. فتح الباري (3/ 475 - 476).


إبلاغ عن خطأ