الخميس 24 شعبان 1447 | 2026-02-12

A a

كان المشركون يقولون: لَبَّيْكَ لا شرِيكَ لك. قال: فيقولُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «‌وَيْلَكُمْ! ‌قَدْ. ‌قَدْ» فيقولون: إلا شريكًا هو لك، تملِكُهُ وما مَلَكَ، يقولون هذا وهُم يطوفون بالبيت.


رواه مسلم برقم: (1185)، من حديث ابن عباس -رضي الله عنه-.


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«لَبَّيْكَ»:
التلبية: الاستجابة. غريب الحديث، أبو عبيد (3/ 15).
وقال ابن الأنباري -رحمه الله-:
معنى قولهم: لبيك: أنا مقيم على طاعتك وإجابتك. الزاهر(1/ 99).

«‌وَيْلَكُمْ»:
الويل: الشِّدة من العذاب. الزاهر في معاني كلمات الناس (1/ 137).
وعن ابن عباس: الويل: المشقة من العذاب.الغريبين في القرآن والحديث، أبو عبيد (6/ 2042).

«‌قَدْ»:
‌قَدْ: مثل قَط في معنى: حَسب. المحيط في اللغة، الصاحب بن عباد (5/ 196).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
«‌قد ‌قد» أي: كَفى كَفى. مشارق الأنوار(2/ 172).


شرح الحديث


قوله: «كان المشركون يقولون: لبَّيكَ لا شرِيكَ لك»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«كان المشركون» أهل مكة وغيرهم «يقولون» في طوافهم، قال الأبي (منصور بن الحسين الرازي): الأصل في الأقوال الباطلة -ولا سيما التي هي كفر- أن لا تنقل ولا تُحكى، ولكن نُقلت هذه هنا لبيان أنَّ من رأى منكرًا ولم يقدر على تغييره باليد فإنه يغيره بالقول؛ لأن قوله -صلى الله عليه وسلم-: «قَدْ قَدْ» إنكار. الكوكب الوهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج (13/ 285).

قوله: «فيقولُ رسول الله صلى الله عليه وسلم: «‌وَيْلَكُمْ! ‌قَدْ ‌قَدْ»:
قال القاضي عياض -رحمه الله-:
«ويلكم قَدْ قَدْ» أي: كفى لا تزيدوا على هذا من قولكم الكفر واستثنائكم، فيتمُّون هم تلبيتهم بالإشراك.مشارق الأنوار (2/ 325).
وقال القاضي عياض -رحمه الله- أيضًا:
وقوله: «فيقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: قد قد» أي: كفاكم هذا الكلام الصحيح المستقيم الحق، إنكارًا لما كانوا يُذَيِّلُون به قولهم هذا من قولهم: «إلا شريكًا هو لك، تملكه وما ملك»، فعند قوله: «قد قد» تم كلام النبي -صلى الله عليه وسلم-، ثم رجع في الحديث إلى حكاية كلام الكفار الذى حكيناه... ومعنى «قد قد»: كفى كفى، مثل قط قط، تقال بكسر الدال فيهما وسكونها. إكمال المعلم (4/ 183).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
قول: «قَدْ قَدْ» أي: حسبكم؛ لأنه قد علم أنهم يقولون بعد هذا: إلا شريكًا هو لك. الإفصاح (3/ 250).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
وقوله -صلى الله عليه وسلم- للمشركين عند تلبيتهم بالتوحيد: «قد، قد» أي: حسبكم التوحيد، ينهاهم عن الشريك. ويقال: قَط، قَط، وقَد، قَد بالسكون، وهي: اسم من أسماء الأفعال، بمعنى: حسب. المفهم (3/ 269).
وقال النووي -رحمه الله-:
فيقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «ويلكم قد قد»... معناه أنهم كانوا يقولون هذه الجملة وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: اقتصروا على قولكم: لبيك لا شريك لك، والله أعلم. شرح صحيح مسلم (8/ 90).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «قد قد» هو بإسكان الدال وكسرها مع التنوين، ومعناه كفاكم هذا الكلام فاقتصروا عليه، يعني كان المشركون يقولون: لبيك لا شريك لك، إلا شريكًا هو لك ‌تملكه ‌وما ‌ملك، فإذا انتهى كلامهم إلى لا شريك لك، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «قد قد» أي: اقتصروا عليه، ولا تجاوزوا عنه إلى ما بعده. الكاشف عن حقائق السنن (6/ 1957).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
قوله «قَدْ قَدْ» بمعنى حسْبُ، وتكرارها لتأكيد الأمر. التحبير لإيضاح معاني التيسير (3/ 258).
وقال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
«قوله: «ويلكم قد قد»... ومعناه: كفاكم هذا الكلام فاقتصروا عليه ولا تزيدوا، فلا تقولوا ما بعده من الاستثناء.
وفيه: بيان أن من رأى منكرًا ولم يقدر على تغييره باليد فإنه يغيره بالقول؛ لأن «قد قد» إنكار...
وقوله: «فيقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد قد» جملة معترضة للتنبيه على أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول لهم ذلك بين الاستثناء وما قبله قبل أن يتكلموا الاستثناء. مرعاة المفاتيح (8/ 478).

قوله: «فيقولون: إلا شريكًا هو لك تملِكُهُ وما مَلَكَ، يقولون هذا وهم يطوفون بالبيت»:
قال الطيبي -رحمه الله-:
وقوله: «إلا شريكًّا» الظاهر فيه الرفع على البدلية من المحل، كما في كلمة التوحيد، فاختير في الكلمة السفلى اللغة السافلة، كما اختير في الكلمة العليا اللغة العالية. الكاشف عن حقائق السنن (6/ 1957).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
وهو (أي: عمرو بن لحي) الذي زاد في التلبية: «إلا شريكًا هو لك، تملكه وما ملك» وذلك أن الشيطان تمثَّل في صورة شيخ يلبي معه، فقال عمرو: لبيك لا شريك لك، فقال الشيخ: إلا شريكًا هو لك فأنكر ذلك عمرو بن لحي فقال: ما هذا؟ فقال الشيخ: تملكه وما ملك؛ فإنه لا بأس به، فقالها عمرو فدانت بها العرب، قال ابن إسحاق: فيوحدون بالتلبية ثم يدخلون معه أصنامهم ويجعلون ملكها بيده. التوضيح لشرح الجامع الصحيح (20/ 79).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
«إلا شريكًا هو لك ‌تملكه ‌وما ‌ملك» يعنون الأصنام. لمعات التنقيح (5/ 302).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
ويعنون «بِالشَّرِيكِ» الصنم «وَما مَلَكْ» الآيات التي عنده وحوله.
قوله في حديث ابن عباس: «إلا شريك هو لك ‌تملكه ‌وما ‌ملك» لقد أعمى الكفر بصائرهم، كيف يكون المملوك شريكًا لمالكه، فإنَّ هذا ليس شأن الشريك، بل قولهم: «‌تملكه ‌وما ‌ملك» مناقض لقولهم: «إلا شريك هو لك» جعلوه شريكًا أولًا ومملوكًا ثانيًا لمن جعلوه شريكًا له. التحبير لإيضاح معاني التيسير (3/ 258).
وقال صفي الرحمن المباركفوري -رحمه الله-:
«تملكه ‌وما ‌ملك» أي: أنت تملك هذا الشريك وما في ملكه. ومعناه أن المشركين لم يكونوا يعتقدون أن شركاءهم تتصرف في هذا الكون بالاستقلال، بل كان اعتقادهم أنهم يتصرفون بأقدار الله لهم على ذلك وإعطائه إياهم قدرة التصرف فيه، وأنهم هم وتصرفهم دائمًا يكون تحت قدرة الله وملكه. وهذا عين ما يقوله الخرافيون من هذه الأمة فيمن يتخذونه وسيلة بينهم وبين الله، فما أشبه الليلة بالبارحة! وما أشبه شركهم بشرك أولئك الأولين الذين بُعث فيهم الرسول -صلى الله عليه وسلم- ليخرجهم منه إلى التوحيد! فالله المستعان، وهو الهادي إلى سواء السبيل. منة المنعم في شرح صحيح مسلم (2/ 220).
وقال الشيخ محمد بن علي الأثيوبي -رحمه الله-:
المعنى: إنك تملك ذلك الشريك، ولا يملك هو شيئًا، فهم يعترفون بأنه لا يستحق شيئًا من العبادة؛ لأنه لا يملك شيئًا لنفسه، ولا لغيره، وإنما المالك هو الله -سبحانه وتعالى-، ومع ذلك يشركونه في العبادة معه -سبحانه وتعالى-؛ جهلًا وغباوة، وحماقة، بل وعنادًا وعتوًا واستكبارًا، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وهذا التقرير الذي ذكرته هو الموافق لمعنى قوله تعالى: {أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ * وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ} الأعراف: 191 -192. وقوله تعالى: {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا} الفرقان: 3. البحر المحيط الثجاج (22/ 161- 162).


إبلاغ عن خطأ