الإثنين 21 شعبان 1447 | 2026-02-09

A a

«يا رسولَ اللَّهِ، ما شأنُ النَّاسِ حَلُّوا بعمرةٍ، ولم تَحْلِلْ أنتَ مِن عُمْرَتِكَ؟ قال: إنِّي لَبَّدْتُ رأسي، وقَلَّدْتُ هدْيِي، فلا أحلُّ حتَّى أَنْحَرَ».


رواه البخاري برقم: (1566)، واللفظ له، ومسلم برقم: (1229)، من حديث حفصة -رضي الله عنها-.
وفي لفظ للبخاري برقم: (1697) ومسلم برقم: (1229): «فلا أَحِلُّ حتَّى أَحِلَّ مِن الحَجِّ».


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«لَبَّدْتُ»:
أي: جعلتُ فيه شيئًا نحو الصمغ؛ ليجتمع شعره؛ لئلا يَشْعَثَ في الإِحرام. المهيأ، للكماخي (2/ 301).
وقال الفيومي -رحمه الله-:
ولبِدَ الشَّيْءُ مِنْ بابِ تَعِبَ بمعنى لصِقَ، ويَتَعَدَّى بالتَّضعيفِ فيقال: لَبَّدْتُ الشَّيْءَ تَلبِيدًا، أَلْزَقْتُ بعضه ببعضٍ حتى صار كاللِّبَدِ، وَلَبَّدَ الحاج شعرهُ بِخَطْمِيٍّ ونحوه كذلك حتى لا ‌يتشعَّثَ. المصباح المنير (2/ 548).

«قَلَّدْتُ»:
أي: علَّقتُ في عنقِهِ شيئًا؛ ليُعلَم أنَّه هدي. إرشاد الساري (8/ 470).


شرح الحديث


قولها: «يا رسولَ اللَّه، ما شأنُ النَّاسِ حَلُّوا بعمرةٍ»:
قال القسطلاني -رحمه الله-:
«قالت» في حجة الوداع. إرشاد الساري(8/ 470).
قال القسطلاني -رحمه الله-:
«يا رسول الله، ما شأن الناس حلوا» من الحج «بعمرة» أي: بعملها؛ لأنهم فسخوا الحج إلى العمرة، فكان إحرامهم بالعمرة سببًا لسرعة حِلِّهم. إرشاد الساري (3/ 132).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
ولم يقع في رواية مسلم قوله: «بعمرة»، وذكر ابن عبد البرّ أن أصحاب مالك ذكرها بعضهم، وحذفها بعضهم.
واستُشكل كيف حلّوا بعمرة مع قولها: «ولم تحلّ من عمرتك؟»
والجواب أن المراد بقولها: «بعمرة» أي: أن إحرامهم بعمرة كان سببًا لسرعة حلّهم. فتح الباري (3/ 427).
وقال ابن دقيق العيد -رحمه الله-:
هذا الإحلال: هو الذي وقع للصحابة في فسخهم الحج إلى العمرة، وقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- أمرهم بذلك، ليحلُّوا بالتحلل من العمرة، ولم يحل هو -صلى الله عليه وسلم-؛ لأنه كان قد ساق الهدي. إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام (2/ 79).
وقال الشيخ حمزة محمد قاسم -رحمه الله-:
سبب سؤالها هذا: أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- لما قدم مكة أمر من لم يسق الهدي أنْ يفسخ الحج، ويجعلها عمرةً، يتحلَّل منها بالطواف والسعي، ففعلوا ذلك، أما هو -صلى الله عليه وسلم- ومَن ساق الهدي، فبقوا على إحرامهم، فسألته زوجته حفصة: لِمَ حلّ الناس ولَمْ تحلل؟ منار القاري (3/ 90).

قوله: «ولم تَحْلِلْ أنتَ مِن عُمْرَتِكَ؟»:
قال البرماوي -رحمه الله-:
«ولم يَحلِلْ» أي: لأنه كان قارنًا أو مفردًا أو معَه هَدْيٌ، فلا يحلُّ حتى يَبلغَ الهَدْيُ محلَّه، أي: يَنحرَه. اللامع الصبيح بشرح الجامع الصحيح (14/ 496).
وقال السيوطي -رحمه الله-:
قوله: «مِن عمرتك» أي: من حجِّك بعمرة، كما أمرتهم، فـ«مِن» بمعنى: الباء، أي: بعمرةٍ من إحرامك، هذا على القول بأنَّه -صلى الله عليه وسلم- كان مفرِدًا، فإنْ قلنا: إنَّه كان قارئًا كما دلّ عليه أكثر الأحاديث الصحيحة فلا إشكال. التوشيح (3/ 1248).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
تسميتها إياها عمرة يَحتج به من قال: إن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان قارنًا بحج وعمرة، وقد قيل: بل ظنَّت أنه كان ممن فسخ الحج في العمرة، كما أمر به من لا هدي معه وهم كانوا الجمهور، وقيل: معناه: ما شأنك لم تحلل من إحرامك كما أحل الناس من إحرامهم الذين أحرموا معك، وجعلوه عمرةً؟ فسُميت الجميع بمآل حال الأكثر، وقيل: معنى «من عمرتك»: بعمرتك، أي لم تفسخ بالعمرة كما فسخوا، كما قال الله تعالى: {أَمْرِ اللَّه} أي: بأمر الله، وقيل: معنى «من عمرتك»: من حجك؛ لأن معناهما معًا القصد.
وقال محمد بن أبي صفرة: مالك يقول في هذا الحديث: «من عمرتك»، وغيره يقول: ولم تحلل أنت من حجِّك. إكمال المعلم (4/ 304 - 305)
وقال ابن دقيق العيد -رحمه الله-:
وقولها: «من عمرتك» يستدل به على أنه كان -صلى الله عليه وسلم- قارنًا.
ويكون المراد من قولها: «من عمرتك»، أي: من عمرتك التي مع حجَّتك، وقيل: "من" بمعنى الباء، أي: لم تحل بعمرتك، أي: العمرة التي تحلل بها الناس وهو ضعيف لوجهين:
أحدهما: كون "من" بمعنى الباء.
والثاني: أن قولها: «عمرتك» تقتضي الإضافة فيه تقرر عمرة له تضاف إليه، والعمرة التي يقع بها التحلل لم تكن متقررة ولا موجودة.
وقيل: يراد بالعمرة الحج بناء على النظر إلى الوضع اللغوي، وهو أن العمرة الزيارة، والزيارة موجودة في الحج، أي: موجودة المعنى فيه، وهو ضعيف أيضًا؛ لأن الاسم إذا انتقل إلى حقيقة عرفية كانت اللغوية مهجورة في الاستعمال. إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام (2/ 79).
وقال العراقي -رحمه الله-:
إنْ قلتَ: ما معنى قوله في رواية البخاري وغيره: «بعمرةٍ» وكيف يلتئم هذا مع قوله بعده: «من عمرتك» كيف يهل بعمرة ويحل منها؟
قلتُ: الصحابة -رضي الله عنهم- حلوا بعمرة، فإنهم فسخوا الحج إليها، فأتوا بأعمالها، وتحللوا منها، ولولا ذلك لاستمروا على الإحرام حتى يأتوا بأعمال الحج، فكان إحرامهم بعمرة سببًا لسرعة حلهم.
وأما هو -عليه الصلاة والسلام- فإنَّه أدخل العمرة على الحج، فلم يفده الإحرام بالعمرة سرعة الإخلال؛ لبقائه على الحج، فشارك الصحابة في الإحرام بالعمرة، وفارقهم ببقائه على الحج، وفسخهم له، وهذا الذي ذكرته من إدخاله العمرة على الحج هو المعتمد.
وعكس الخطابي ذلك فقال في الكلام على هذا الحديث: هذا يُبيِّن لك أنَّه كانت هناك عمرة، ولكنه أدخل عليها الحج، فصار قارنًا، ثم حكى الاتفاق على جواز إدخال الحج على العمرة قبل الطواف، والخلاف في إدخالها على الحج منعه مالك والشافعي، وأجازه أصحاب الرأي، هذا كلامه.
ومَن يمنع إدخال العمرة على الحج يجيب عن هذا الحديث على ما قررته أولًا: بأنَّ هذا من خصوصيات هذه الحجة، فقد وقعت فيها أمور غريبة، والله أعلم. طرح التثريب (5/ 38).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله- مُعلِّقًا:
منع إدخال العمرة على الحجّ بعد صحته منه -صلى الله عليه وسلم- لا وجه له، فتبصّر. البحر المحيط الثجاج (23/ 241).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
هذا يُبيِّن لك: أنَّه قد كانت هناك عُمرة، ولكنه قد أدخل عليها حجةً، وصار بذلك قارنًا، وهذه الأخبار كلها مؤتلفة غير مختلفة على الوجه الذي ذكرناه، ورتبناها.
ولم يختلف الناس في أنَّ إدخال الحج على العمرة جائز، ما لم يفتتح الطواف بالبيت للعمرة.
واختلفوا في إدخال العمرة على الحج، فقال مالك والشافعي: لا يدخل عمرة على الحج، وقال أصحاب الرأي: إذا أدخل العمرة على الحج صار قارنًا. معالم السنن (2/ 169-170).
وقال العراقي -رحمه الله-:
تمسَّك به (أي: هذا الحديث) مَن ذهب إلى أنَّه -عليه الصلاة والسلام- كان في حجة الوادع متمتعًا؛ لكونه أقر على أنَّه محرم بعمرة، والتمتع هو الإحرام بالعمرة في أشهر الحج، وطعْنُ مَن طَعَنَ في قوله: «مِن عمرتك» غير مُلتفَت إليه، لكن هذا التمسُّك ضعيف، فإنَّه لو لم يكن إلا هذا اللفظ لاحتمل التمتع والقران، فتعيَّن بقوله -عليه الصلاة والسلام- في رواية عبيد الله بن عمر: «حتى أحل من الحج» أنَّه كان قارنًا، وهو في الصحيحين. طرح التثريب (5/ 37).
وقال العراقي -رحمه الله- أيضًا:
تمسَّك به مَن ذهب إلى أنه -عليه الصلاة والسلام- كان قارنًا، وهو تمسُّك قوي، وما أدري ما يقول مَن ذهب إلى التمتع، هل يقول: استمر على العمرة خاصة، ولم يحرم بالحج أصلًا، فيكون لم يحج في تلك السَّنة؟ وهذا لا يقوله أحد، أو أدخل عليها الحج فصار قارنًا وصح ما قاله هؤلاء، فإنَّ للقران حالتين:
إحداهما: أنْ يحرم بالنسكين ابتداءً.
الثاني: أنْ يحرم بالعمرة، ثم يدخل عليها الحج، وقوله في رواية عبيد الله بن عمر: «حتى أحل من الحج» صريح في أنَّه كان قارنًا، وقولها: «من عمرتك» أي: العمرة المضمومة إلى الحج. طرح التثريب (5/ 37).
وقال العراقي -رحمه الله- أيضًا:
الذاهبون إلى الإفراد (أي: أنَّ حج النبي كان إفرادًا) أجابوا عن هذا الحديث بأجوبة:
أحدها: أنَّها أرادت بالعمرة مطلق الإحرام، روى البيهقي بإسناده عن الشافعي أنَّه قال: فإنْ قيل: فما قول حفصة للنبي -صلى الله عليه وسلم-: «ما شأن الناس حلوا، ولم تحلل من عمرتك»؟ قيل: أكثر الناس مع النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يكن معه هدي، وكانت حفصة معهم، فأُمِروا أنْ يجعلوا إحرامهم عمرة، ويحلوا، فقالت: «لِمَ تحلَّل الناس، ولم تحلل من عمرتك؟» يعني: إحرامك الذي ابتدأته، وهم بنيَّة واحدة، والله أعلم «فقال: لبدتُ رأسي، وقلدتُ هديي، فلا أحل حتى أنحر بدني» يعني -والله أعلم- حتى يحل الحاج؛ لأن القضاء نزل عليه أنْ يجعل مَن كان معه هدي إحرامه حجًّا، وهذا من سعة لسان العرب الذي يكاد يعرف بالجواب فيه، انتهى كلامه.
ثانيها: أنَّها أرادت بالعمرة الحج؛ لأنهما يشتركان في كونهما قصدًا.
ثالثها: أنَّها ظنَّت أنَّه مُعتمِر.
رابعها: أنَّ معنى قولها: «مِن عمرتك» أي: لعمرتك، بأنْ تفسخ حجك إلى عُمرة، كما فعل غيرك. طرح التثريب (5/ 38-39).
وقال ابن القيم -رحمه الله- بعد أنْ ذَكَرَ أوجهًا:
فالوجه الأخير أقربها إلى الصواب: وهو أنَّه ليس فيه إلا الإخبار عن كونه في عُمرة، وهذا لا ينفي أنْ يكون في حجة.
وأجود منه: أنْ يُقال: المراد بالعُمرة: المتعة، وقد تقدَّم أنَّ التمتع يُراد به القِران، والعمرة تُطلق على التمتع، فيكون المراد لم تحل من قرانك، وسمَّته عمرة كما يُسمَّى تمتعًا، وهذه لغة الصحابة كما تقدَّم، والله أعلم. تهذيب سنن أبي داود (1/ 221-222).
وقال ابن القيم -رحمه الله- أيضًا:
فإنَّه (-صلى الله عليه وسلم-) كان قارنًا؛ لبضعة عشر دليلًا (وذكرها، ومنها حديث حفصة هذا). زاد المعاد (2/ 87).
وقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي -رحمه الله-:
لا شكَّ عند مَن جَمَعَ بين العِلْمِ والإنصاف أنَّ أحاديثَ القِرانِ أرجَحُ من جهاتٍ متعدِّدة، منها: كثرةُ مَن رواها من الصَّحابة...
ومنها: أن من رُوِيَ عنهم الإفراد رُوِيَ عنهم القِران أيضًا، ويكفي في أرجَحِيَّة أحاديثِ القِران أنَّ الذين قالوا بأفضَلِيَّة الإفرادِ مُعترفونَ بأنَّ مَن رَوَوُا القِرانَ صادقون في ذلك، وأنَّه -صلَّى الله عليه وسَلَّم- كان قارنًا باتِّفاق الطائفتين، إلَّا أنَّ بعضهم يقولون: إنَّه لم يكنْ قارنًا في أوَّلِ الأمر، وإنما صار قارنًا في آخِرِه، وقد ذكر ابنُ القَيِّمِ -رحمه الله- في زاد المعاد أنَّ أحاديثَ القِران أرجَحُ من خَمسَةَ عشَرَ وَجْهًا، فلْيَنْظُرْه من أراد الوقوفَ عليها. أضواء البيان (4/372).
قال النووي -رحمه الله-:
والصواب الذي نعتقده أنه -صلى الله عليه وسلم- أحرم أولًا بالحج مفردًا، ثم أدخل عليه العمرة، فصار قارنًا، وإدخال العمرة على الحج جائز على أحد القولين عندنا، وعلى الأصح لا يجوز لنا، وجاز للنبي -صلى الله عليه وسلم- تلك السَّنة، وأمر به في قوله: «لبيك عمرة في حجة»، فإذا عرفت ما قلناه سهل الجمع بين الأحاديث، فمن روى أنه -صلى الله عليه وسلم- كان مفردًا ... أراد أنه اعتمر في أول الإحرام، ومن روى أنه كان قارنًا أراد أنه اعتمر آخره وما بعد إحرامه، ومن روى أنه كان متمتعًا، أراد التمتع اللغوي، وهو الانتفاع والالتذاذ، وقد انتفع بأنْ كفاه عن النسكين فعل واحد، ولم يحتج إلى إفراد كل واحد بعمل. ويؤيد هذا الذي ذكرته أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يعتمر تلك السنة عمرة مفردة لا قبل الحج ولا بعده. المجموع (7/159-160).
وقال النووي -رحمه الله-:
قولها: «مِن عمرتك» هذا دليل للمذهب الصحيح المختار الذي قدمناه واضحًا بدلائله في الأبواب السابقة مرات: أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- كان قارنًا في حجة الوداع، فقولها: «من عمرتك» إلى العمرة المضمومة إلى الحج. شرح صحيح مسلم (8/ 211-212).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله- مُعلِّقًا:
ما قاله النووي -رحمه الله تعالى- حسنٌ جدًّا، والله تعالى أعلم بالصواب. ذخيرة العقبى (24/ 85).
وقال العراقي -رحمه الله-:
إنْ قلتَ: إذا كان الراجح أنَّه -عليه الصلاة والسلام- كان قارنًا، فلِمَ رجَّح المالكية والشافعية (أفضلية) الإفراد على القران وغيره؟
قلتُ: أجاب عن ذلك النووي في شرح المهذب (ثم ذَكَرَ قول النووي التالي). طرح التثريب (5/ 39).
وقال النووي -رحمه الله-:
حاصله: ترجيح الإفراد؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- اختاره أولًا، وإنَّما أدخل عليه العُمرة لتلك المصلحة السابقة، وهي بيان جواز الاعتمار في أشهر الحج، وكانت العرب تعتقد أنَّ ذلك من أفجر الفجور، فأراد بيانه في تلك السَّنة التي جمعت من الخَلْق ما لم يجتمع قبلها مثلها؛ ليظهر فيهم ذلك، ويشتهر جوازه وصحته عند جمعهم، وإنْ كان -صلى الله عليه وسلم- قد اعتمر قبل ذلك مرات في أشهر الحج، إلا أنَّها لم تشتهر اشتهار هذه في حجة الوداع، ولا قريبًا منها، وكل هذا لا يخرج الإفراد عن كونه الأفضل، وتأول جماعة من أصحابنا الأحاديث التي جاءت أنَّه -صلى الله عليه وسلم- كان متمتعًا أو قارنًا: أنَّه أمر بذلك كما قالوا: رجم ماعزًا، أي: أمر برجمه، وهذا ضعيف، يرده صريح الروايات الصحيحة السابقة، بل الصواب ما قدمته قريبًا، والله أعلم. المجموع (7/ 160).
وقال العمراني -رحمه الله-:
وأما معنى قول حفصة: «ما بال الناس قد حلوا من عمرتهم ولم تحل أنت من عمرتك» فمعناه: لم يحل بعمرة، كما حل الناس من حجهم بعمرة؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان قد فسخ الحج على من لم يكن معه هدي من الصحابة؛ لأنهم كانوا يعتقدون أن الاعتمار في أشهر الحج لا يجوز، فأمرهم بالفسخ؛ ليبين لهم الجواز. البيان في مذهب الإمام الشافعي (4/ 88).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
أمَّا حجُّ النبي -صلى الله عليه وسلم- فالصحيح أنَّه كان قارنًا، قَرَنَ بين الحَجِّ والعُمْرَةِ، وساق الهديَ، ولم يَطُفْ بالبيتِ وبين الصَّفا والمروة إلَّا طوافًا واحدًا حين قَدِمَ، لكنَّه طاف طوافَ الإفاضَةِ مع هذين الطَّوافينِ، وهذا الذي ذكرناه هو الصوابُ المحَقَّق عند أهل المعرفة بالأحاديثِ الذين جمعوا طُرُقَها، وعرفوا مَقْصِدَها، وقد جمع أبو محمد بن حزم في حَجَّة الوداع كتابًا جيدًا في هذا الباب. مجموع الفتاوى (26/80).
قال الشوكاني -رحمه الله-:
اعلمْ أنَّ حَجَّه -صلى الله عليه وسلم- وإن اختلفتِ الأحاديثُ في بيانِ نَوْعِه فقد تواتر أنَّه حَجَّ قِرانًا، وبلغت الأحاديث في ذلك زيادةً على عشرينَ حديثًا من طريقِ سَبعةَ عَشرَ صحابيًّا. السيل الجرار (ص: 346).

قوله: «قال: إنِّي لَبَّدْتُ رأسي»:
قال العراقي -رحمه الله-:
قوله: «إني لبَّدتُ رأسي» بتشديد الباء الموحدة، وبالدال المهملة، أي: شَعْرَ رأسي، وتلبيد الشعر: أنْ يُجعل فيه شيء من صمغ أو نحوه عند الإحرام؛ لينضم الشعر، ويلتصق بعضه ببعض؛ احترازًا عن تمَعُّطِه (تمزُّقه وسقوطه) وتقمُّله، وإنَّما يفعل ذلك مَن يطول مكثه في الإحرام.
وفي هذا الحديث: استحبابه، والمعنى فيه: الإبقاء على الشَّعر، وقد نصَّ عليه الشافعي وأصحابه. طرح التثريب (5/ 39).
وقال ابن العطار -رحمه الله-:
قولُه -صلى الله عليه وسلم-: «إني لَبَّدْتُ رَأْسِي» التلبيد: أنْ يُجعل في الشَّعر ما يُسَكِّنه، ويمنعه من الانتفاش؛ كالصبر أو الصمغ أو ما أشبههما، وفِعلُ ذلك سُنَّة بالاتفاق. العدة في شرح العمدة (2/ 1027).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
فإنْ قلتَ: ما دخل التلبيد في الإحلال وعدمه؟
قلتُ: الغرض بيان أني مستعدٌّ من أول الأمر، بأنْ يدوم إحرامي إلى أنْ يبلغ الهدي محله؛ إذ التلبيد إنما يحتاج إليه من طال أمد إحرامه، ويمكث كثيرًا في قضاء أعماله، أو المقصود التقليد، وذكر التلبيد لبيان الواقع، أو لتأكيد الأمر. الكواكب الدراري (8/ 94).
وقال الشيخ عبد العزيز الراجحي -حفظه الله-:
المانع من الإحلال: سَوقُ الهدي، وتلبيد الرأس تبعٌ لسَوق الهدي. تعليقاته على كتاب الحج من صحيح البخاري (ص: 36).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
جمهور العلماء على أنَّ مَن لبَّد رأسه فقد وجب عليه الحَلْق، كما فعل النبي -عليه السلام-؛ وبذلك أمر الناس عمر بن الخطاب وابن عمر، وهو قول مالك والثوري والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور، وكذلك لو ضَفَّرَ شَعره أو عَقَصَه كان حكمه حكم التلبيد...، وقال أبو حنيفة: مَن لبَّد رأسه أو ضَفَّره فإن قصَّر ولم يحلق أجزأه.
وروي عن ابن عباس أنه كان يقول: «مَن لبَّد أو عَقَص أو ضَفَّر؛ فإنْ كان نوى الحلق فلْيَحْلُق، وإنْ لم ينوه فإن شاء حلق، وإن شاء قصَّر»، وفِعْلُ النبي -عليه السلام- أولى (لأنه لبد رأسه وحلق، ولكن مجرد الفعل لا يدل على الوجوب). شرح صحيح البخاري (4/ 400-401).
وقال العيني -رحمه الله-:
فإنْ قلتَ: روى ابن عُدي من حديث عبد الله بن رافع عن أبيه عن ابن عمر: أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «مَن لبَّد رأسه للإحرام فقد وجب عليه الحَلْق»، قلتُ: عبد الله بن رافع ضعيف، وقال الدارقطني: ليس بالقوي، والله أعلم. عمدة القاري (9/ 159).
وقال النووي -رحمه الله-:
إذا فرغ من النحر حلق رأسه أو قصَّر، وأيهما فعل أجزأ، والحَلْقُ أفضل، هذا فيمن لم ينذر الحلق، أما مَن نذر الحلق في وقته فيلزمه حلق الجميع، ولا يجزئه التقصير، ولو لبَّد رأسه عند الإحرام لم يكن ملتزمًا للحلق على المذهب الصحيح، وللشافعي قول قديم أنَّ التلبيد كنذر الحلق. الإيضاح (ص: 346-347).
وقال الدسوقي المالكي -رحمه الله-:
(التقصير مجزٍ) أي: إنْ لم يكن لبَّد شَعره، وإلا تعيَّن الحَلْق، ونص المدونة: ومَن ضَفَّرَ أو عَقَصَ أو لبَّد فعليه الحِلَاق، ومثله في الموطأ، وعلَّله ابن الحاجب تبعًا لابن شاس: بعدم إمكان التقصير، ورده في التوضيح: بأنَّه يمكن أنْ يغسله، ثم يقصِّر، وإنَّما علل علماؤنا تعين الحلق في حق هؤلاء بالسُّنة. حاشيته على الشرح الكبير (2/ 46).
وقال الحصفكي الحنفي -رحمه الله-:
فلو لبَّده بصمغٍ، بحيث تعذَّر التقصير تعيَّن الحَلْق. الدر المختار (2/ 516).

قوله: «وقَلَّدْتُ هدْيِي»:
قال ابن رسلان -رحمه الله-:
«وقلَّدتُ هديي» أي: علَّقتُ النعل ونحوه في عنق النَّعَم؛ ليُعْلَم أنه هدي. شرح سنن أبي داود (8/ 374).
وقال ابن العطار -رحمه الله-:
التقليد: أنْ تُقلَّد الهدي قلادة في عنقه من خيوط ونحوها، وتعلَّق فيها نعل أو قِربة أو جلد، ونحو ذلك بِعُرَاها؛ ليكون ذلك علامة على أنه هدي لله تعالى، فيُجتنب عما يُجتنب غيره من الأذى وغيره، وإن ضلَّ رُدَّ، وإن اختلط بغيره تميزه؛ ولما فيه من إظهار الشعار، وتنبيه الغير على فعل مثل هذا جميعه.
وهو سُنة بالاتفاق في الإبل، وأما في الغنم، فاستحبه جمهور العلماء، ومنعه مالك، وأما في البقر فهو عند الشافعي والعلماء جميعهم مستحب، والله أعلم. العدة في شرح العمدة (2/ 1027).

قوله: «فلا أحلُّ حتَّى أَنْحَرَ» وفي رواية: «فلا أَحِلُّ حتَّى أَحِلَّ مِن الحَجِّ»:
قال زكريا الأنصاري -رحمه الله-:
«فلا أحلُّ» في نسخة: «ولا أحلُّ» بالواو. منحة الباري (4/ 177).
وقال العيني -رحمه الله-:
قوله: «حتى أنحر» أي: الهدي. عمدة القاري (9/ 201).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
«فلا أحل حتى أنحر» ولا يكون إلا بعد الوقوف (يوم النحر). الكوثر الجاري (7/ 364).
وقال ابن العطار -رحمه الله-:
قوله: «فلا أحِلُّ حتَّى أَنْحَرَ» هو اتِّباع لقوله: {وَلَا تَحْلِقُوا رُؤوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} البقرة: 196، فمَن ساق الهديَ لا يحل له التحلل من عمرته حتى ينحر يوم النحر بمنى. العدة في شرح العمدة (2/ 1027).
وقال السفاريني -رحمه الله-:
«فلا أَحِلُّ» من إحرامي «حتّى أنحرَ» الهديَ، وهذا قول إمامنا (أحمد) كأبي حنيفة -رضي اللَّه عنهما-؛ فإنَّه -عليه السلام- جعل العلة في بقائه على إحرامه الهديَ، وأخبرَ أنه لا يحلُّ حتّى ينحر.
وقالت المالكية والشافعية: ليس العلةُ في ذلك سَوقَ الهدي، بل السببُ إدخال العمرة على الحجّ، واستدلوا بقوله في رواية عبيد اللَّه بن عمرَ بنِ حفصِ بنِ عاصمِ بنِ الخطاب العمريِّ المدنيِّ، قال: أخبرني نافع مولى ابن عمرَ عن ابن عمرَ عن حفصةَ، وفيه: «فلا أَحِلُّ حتّى أَحِلَّ من الحجّ» فلم يجعل العِّلة في ذلك سَوقَ الهدي وتقليدَه، بل إدخال الحجّ على العمرة.
قلتُ: ورواية: «حتّى أنحرَ» أصحُّ وأثبتُ؛ لأنها من رواية مالكٍ عن نافع عن ابن عمر عن حفصة، ومالك أثبتُ من عبيد اللَّه بلا خلاف، فما ذهبَ إليه إمامنا (أحمد) كأبي حنيفة، أصحُّ وأثبتُ، كما لا يخفى. كشف اللثام (4/ 306-307).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
استُدل به على أنَّ مَن ساق الهدي لا يتحلل من عمل العمرة حتى يحلَّ بالحج، ويفرغ منه؛ لأنه جعل العِلة في بقائه على إحرامه كونه أهدى، وكذا وقع في حديث جابر سابع أحاديث الباب، وأخبر أنه لا يحل حتى ينحر الهدي، وهو قول أبي حنيفة وأحمد ومن وافقهما، ويؤيده قوله في حديث عائشة أول حديث الباب: «فأمر مَن لم يكن ساق الهدي أنْ يحل» والأحاديث بذلك متضافرة.
وأجاب بعض المالكية والشافعية عن ذلك بأنَّ السبب في عدم تحلُّله من العمرة كونه أدخلها على الحج، وهو مُشكل عليه؛ لأنه يقول: إنَّ حجَّه كان مفردًا، وقال بعض العلماء: ليس لمن قال: كان مفردًا عن هذا الحديث انفصال؛ لأنه إنْ قال به استشكل عليه كونه علل عدم التحلل بسوق الهدي؛ لأن عدم التحلل لا يمتنع على من كان قارنًا عنده، وجنح الأصيلي وغيره إلى توهيم مالك في قوله: «ولم تحلَّ أنتَ من عمرتك»، وأنه لم يقله أحد في حديث حفصة غيره، وتعقبه ابن عبد البر على تقدير تسليم انفراده بأنها زيادة حافظ، فيجب قبولها على أنه لم ينفرد، فقد تابعه أيوب وعبيد الله بن عمر، وهما مع ذلك حفاظ أصحاب نافع، انتهى.
ورواية عبيد الله بن عمر عند مسلم، وقد أخرجه مسلم من رواية ابن جريجٍ والبخاري من رواية موسى بن عقبة، والبيهقيّ من رواية شعيب بن أبي حمزة ثلاثتهم عن نافع بدونها.
ووقع في رواية عبيد الله بن عمر عند الشّيخين: «فلا أحلّ حتّى أحل من الحجّ».
ولا تنافي هذه ورواية مالك؛ لأنّ القارن لا يحلّ من العمرة ولا من الحجّ حتّى ينحر، فلا حجّة فيه لمن تمسَّك بأنّه -صلى الله عليه وسلم- كان متمتّعًا...؛ لأن قول حفصة: «ولَم تحلّ من عمرتك» وقوله هو: «حتّى أحلّ من الحجّ» ظاهر في أنّه كان قارنًا.
وأجاب مَن قال: كان مفردًا عن قوله: «ولَم تحلّ من عمرتك» بأجوبةٍ:
الجواب الأول: قاله الشّافعي معناه: ولَم تحل أنت من إحرامك الذي ابتدأته معهم بنيّةٍ واحدة، بدليل قوله: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سُقت الهدي ولجعلتها عمرة».
الجواب الثاني: معناه: ولَم تحلّ من حجّك بعمرةٍ كما أمرتَ أصحابك، قالوا: وقد تأتي "مِن" بمعنى الباء كقوله -عز وجل-: {يحفظونه من أمر الله} أي: بأمر الله، والتّقدير ولَم تحلّ أنت بعمرةٍ من إحرامك.
الجواب الثالث: ظنّت أنّه فسخَ حجّه بعمرةٍ كما فعل أصحابه بأمره فقالت: لِمَ لَمْ تحلّ أنت أيضاً من عمرتك؟
ولا يخفى ما في بعض هذه التّأويلات من التّعسّف.
والذي تجتمع به الروايات أنه -صلى الله عليه وسلم- كان قارنًا، بمعنى: أنه أدخل العمرة على الحج بعد أن أهلَّ به مفردًا، لا أنه أول ما أهلَّ أحرم بالحج والعمرة معًا. فتح الباري (3/ 427).
وقال ابن حجر -رحمه الله- أيضًا:
وهذا الجمع هو المعتقد، وقد سبق إليه قديمًا ابن المنذر، وبيَّنه ابن حزم في حجة العدل بيانًا شافيًا، ومهَّده المحبُّ الطبري تمهيدًا بالغًا يطول ذكره، ومحصِّله أن كل مَن روى عنه الإفراد حمل على ما أهلَّ به في أول الحال، وكل من روى عنه التمتع أراد ما أمر به أصحابه، وكل من روى عنه القِران أراد ما استقر عليه أمره، ويترجَّح رواية من روى القِرآن بأمور منها: أن معه زيادة علم على من روى الإفراد وغيره، وبأن من روى الإفراد والتمتع اختلف عليه في ذلك...
ومقتضى ذلك: أن يكون القِران أفضل من الإفراد والتمتع، وهو قول جماعة من الصحابة والتابعين، وبه قال الثوري وأبو حنيفة وابن راهويه، واختاره من الشافعية المزني وابن المنذر، وأبو إسحاق المروزي، ومن المتأخرين تقي الدين السبكي، وذهب جماعة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم إلى أن التمتع أفضل؛ لكونه -صلى الله عليه وسلم- تمنَّاه، فقال: «لولا أني سُقت الهدي لأحللتُ»، ولا يتمنى إلا الأفضل، وهو قول أحمد في المشهور عنه، وأجيب بأنه إنما تمنَّاه تطييبًا لقلوب أصحابه؛ لحزنهم على فوات موافقته، وإلا فالأفضل ما اختاره الله له واستمرَّ عليه.
وقال ابن قدامة: يترجَّح التمتع بأن الذي يفرد إن اعتمر بعدها فهي عمرة مختلف في إجزائها عن حجَّة الإسلام، بخلاف عمرة التمتع فهي مجزئة بلا خلاف، فيترجح التمتع على الإفراد ويليه القران، وقال من رجَّح القِران: هو أشق من التمتع وعمرته مجزئة بلا خلاف، فيكون أفضل منهما، وحكى عياض عن بعض العلماء أن الصور الثلاث في الفضل سواء، وهو مقتضى تصرُّف ابن خزيمة في صحيحه، وعن أبي يوسف: القران والتمتع في الفضل سواء، وهما أفضل من الإفراد، وعن أحمد: مَن ساق الهدي فالقِران أفضل له؛ ليوافق فعل النبي -صلى الله عليه وسلم-، ومَن لم يسُق الهدي فالتمتع أفضل له؛ ليوافق ما تمناه، وأمر به أصحابه، زاد بعض أتباعه: ومن أراد أن ينشئ لعمرته من بلده سفرًا فالإفراد أفضل له، قال: وهذا أعدل المذاهب وأشبهها بموافقة الأحاديث الصحيحة، فمن قال: الإفراد أفضل، فعلى هذا يتنزل؛ لأن إعمال سَفَرَين للنسكين أكثر مَشَقة، فيكون أعظم أجرًا، ولتجزئ عنه عمرته من غير نقص ولا اختلاف. فتح الباري (3/ 428-430).
وقال ابن دقيق العيد -رحمه الله-:
فيه: دليل على استحباب التلبيد لشعر الرأس عند الإحرام...
وفيه: دليل على أن للتلبيد أثرًا في تأخير الإحلال إلى النحر. إحكام الأحكام (2/ 78).
وقال العيني -رحمه الله-:
ذكر ما يُستفاد منه:
فيه: أنَّ مَن ساق الهدي لا يتحلل من عمل العمرة حتى يهل بالحج، ويفرغ منه.
وفيه: أنَّه لا يحل حتى ينحر هديه، وهو قول أبي حنيفة وأحمد...
وفيه: دليل أنَّه -صلى الله عليه وسلم- كان قارنًا؛ لأن ثمة عمرة. عمدة القاري (9/ 202).
وقال النووي -رحمه الله-:
فيه: استحباب التلبيد، وتقليد الهدي، وهما سُنَّتان بالاتفاق. المنهاج شرح مسلم (8/ 212).
وقال النووي -رحمه الله-:
فيه: أنَّ القارن لا يتحلل بالطواف والسعي، ولا بد له في تحلُّله من الوقوف بعرفات والرمي والحلق والطواف، كما في الحاج المفرد. شرح صحيح مسلم (8/ 211-212).
وقال ابن العطار -رحمه الله-:
في هذا الحديث أحكام:
منها: جواز سؤال المرأة زوجها الكبير المقتدَى به عما وقع من مخالفة الناس له فيما فعله.
ومنها: الجواب بذكر السبب في مخالفتهم له.
ومنها: جواز تسمية القارن معتمرًا، وإنْ لم يحلّ من عمرته.
ومنها: أنَّ مَن لبَّد رأسه لم يكفِه إلا الحلقُ يوم النحر.
ومنها: أنَّ مَن ساق الهدي لم يحل حتى يحلق يوم النحر.
ومنها: أنَّ القارن لا يتحلَّل بالطواف والسعي، بل لا بد في تحلُّله من الوقوف بعرفات، والرمي والحلق والطواف، كما في الحاج المفرد.
ومنها: أنَّ سَوق الهدي سُنة مؤكدة، وكذا تقليده، والله أعلم. العدة في شرح العمدة (2/ 1027-1028).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
في فوائده (أي: هذا الحديث):...
منها: مشروعية سؤال الرعية رئيسهم عن فعله إذا خفي عليهم وجهه...
ومنها: أنَّه تمسَّك به مَن ذهب إلى أنَّه -صلى الله عليه وسلم- كان في حجة الوداع متمتعًا؛ لكونه أقرَّ على أنه محرم بعمرة، والتمتع هو الإحرام بالعمرة في أشهر الحج...
ومنها: أنَّه تمسَّك به مَن ذهب إلى أنَّه -صلى الله عليه وسلم- كان قارنًا، وهو متمسكٌ قويٌّ. ذخيرة العقبى (24/ 84).
وقال الشيخ أحمد النجمي -رحمه الله-:
فقه الحديث:
أولًا: يُؤخَذ من هذا الحديث: مشروعية السؤال عما اشتبه حتى يتبين الحكم.
ثانيًا: يُؤخَذ من هذا الحديث: أنَّه إذا تعارض القول والفعل فإنه ينبغي السؤال؛ لعل هناك شيء لا يفهمه هذا المستشْكِل.
ثالثًا: أجاب النبي -صلى الله عليه وسلم- بما يزيل اللبس، ويرفع الإشكال، ويُبيِّن الحقيقة ظاهرة لمن أرادها، وهو أنَّ مَن ساق الهدي وجاء به من خارج الحرم فإنه يحرم عليه التحلل حتى ينحر الهدي، وهذا هو الذي منع النبي -صلى الله عليه وسلم-.
رابعًا: استدل بقول حفصة -رضي الله عنها-: «ولم تحلَّ أنت من عمرتك» على أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- كان قارنًا، ويكون المراد من قولها: «ولم تحل من عمرتك» أي: من عمرتك التي أهْلَلْتَ بها مع حجَّتك، وهذا هو الصواب، أما قول ابن عمر: «إنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- كان متمتعًا» فالمراد به القِران؛ لأنَّ القِران يسمى تمتعًا، وكذلك ما ورد عن ابن عمر -رضي الله عنه- في صحيح مسلم، بأنَّه سمع النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: «لبيك حجًّا» فالمراد به إهلاله أوَّل الأمر، ويعارضه حديث أنس -رضي الله عنه- أنه سمع النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: «لبيك عمرة وحجًّا» فهذا محمول على آخر الأمر، والجمع بينهما: أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- بدأ فأحرم بحجة، ثم بعد ذلك أدخل عليها العمرة، فصار بذلك قارنًا، والأدلة على أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- حج قارنًا أدلة كثيرة، لا تَقبل التأويل، وما عارضها فهو قليل ومتأوَّل. تأسيس الأحكام (3/306- 307).

وللاستفادة من الرواية الأخرى ينظر (هنا)


أحاديث ذات صلة

إبلاغ عن خطأ