الخميس 24 شعبان 1447 | 2026-02-12

A a

«أنَّ النُّفَسَاءَ والحائضَ تغتسلُ، وتُحْرِمُ، وتَقْضِي المناسكَ كلَّها، غيرَ أنْ لا تطوفَ بالبيتِ حتَّى تَطْهُر».


رواه أحمد برقم: (3435)، والترمذي برقم: (945) واللفظ لهما، وأبو داود برقم: (1744)، من حديث ابن عباس -رضي الله عنهما-.
صحيح الجامع برقم: (3166)، سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم: (‌‌1818).


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«تُحْرِمُ»:
الإحرام: مصدر أَحْرَمَ الرجل يُحرم إحرامًا، إذا أهلَّ بالحج أو العمرة، وباشر أسبابهما وشروطهما مِن خلع المخيط، وأن يجتنب الأشياء التي منعه الشرع منها: كالطيب، والنكاح، والصيد، وغير ذلك. جامع الأصول لابن الأثير(3/١١).
وقال الفيومي -رحمه الله-:
أحرم الشخص: نوى الدخول في حج أو عمرة، ومعناه: أدخل نفسه في شيء حَرُمَ عليه به ما كان حلالًا له، وهذا كما يقال: أَنْجَدَ إذا أتى نَجْدًا وأَتْهَمَ إذا أتى تِهَامَة. المصباح المنير (1/ 132).

«تَقْضِي»:
القضاء هنا بمعنى: الأداء، كما في قوله تعالى: {فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ} النساء: 103، أي: أدَّيتموها. المصباح المنير، للفيومي (2/ 507).

«المنَاسِك»:
جمع مَنْسَكٍ، بفتح السين وكسرها، وهو المتعبَّد، ويقع على المصدر والزمان والمكان، ثم سميت أمور الحج كلها مناسك. النهاية، لابن الأثير (5/ 48).

«تَطْهُر»:
الطُّهر: نقيض الحيض، والمرأة طاهر من الحيض وطاهرة من النجاسة ومن العيوب. لسان العرب، لابن منظور(4/ 504).
وقال ابن سيده -رحمه الله-:
طَهَرت المرأة، وطَهُرَت وطَهِرَت: اغتسلت من الحيض وغيره...، وطَهرت المرأة، وهي طاهر: انقطع عنها الدم. المحكم (4/ 245).
وقال ابن منظور -رحمه الله-:
فإذا اغتسلت قِيْلَ: تَطَهَّرت واطَّهَرت؛ قال الله -عز وجل-: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} المائدة: 6. لسان العرب (4/ 505).


شرح الحديث


قوله: «أنَّ النفساء والحائضَ تغتسلُ»:
قال الساعاتي -رحمه الله-:
أي: لأجل الإحرام، وإنْ كان عليهما الدم، وهذا الغسل مستحب عند الجمهور؛ لأجل النظافة، وكذلك عند دخول مكة. الفتح الرباني (12/ 11).
قال النووي -رحمه الله-:
قال أصحابنا( الشافعية): ويغتسلان (الحائض والنفساء) بنية غسل الإحرام كما ينوي غيرهما، ولإمام الحرمين في نيتهما احتمال. المجموع(7/٢١٣)
وقال الخطابي -رحمه الله-:
معلوم أنَّ اغتسال الحائض والنفساء قبل أوان الطُّهر لا يُطَهِّرهما، ولا يخرجهما عن حكم الحدث، وإنما هو لفضيلة المكان والوقت...
وفي أمره -صلى الله عليه وسلم- الحائض والنفساء بالاغتسال دليل على أن الطاهر أولى بذلك. معالم السنن (2/ 150).
وقال الزيلعي الحنفي -رحمه الله-:
المراد بهذا الغسل (غسل الإحرام): تحصيل النظافة، وإزالة الرائحة، لا الطهارة، حتى تُؤمَر به الحائض والنفساء، وروي أنه -عليه الصلاة والسلام- «أمر أبا بكر أن تغتسل وتهلَّ امرأته حين نفست بابنه محمد» رواه مسلم، وعن ابن عباس أنه -عليه الصلاة والسلام- قال: «إن النفساء والحائض تغتسل وتُحرم وتقضي المناسك كلها غير أنها لا تطوف بالبيت» رواه أبو داود والترمذي. تبيين الحقائق (2/ 8).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
غسل الإحرام حال الحيض والنفاس تشبُّهًا بالمتعبدين بذلك، ونيل الثواب، وإلا فإنه لا يحل لهما بالغسل شيءٌ. التنوير (5/ 395).
وقال ابن الهمام -رحمه الله-:
وهو (أي: حديث أمْر أسماء بالغسل وهي نفساء) شاهد لمطلوبية الغسل للحائض بالدلالة؛ إذ لا فرق بين الحائض والنفساء، أو النفاس أقوى من الحيض لامتداده، وكثرة دمه، ففي الحيض أولى. فتح القدير (5/ 60).
وقال ابن قدامة -رحمه الله-:
وجملة ذلك أن الاغتسال مشروع للنساء عند الإحرام، كما يشرع للرجال؛ لأنه نسك، وهو في حق الحائض والنفساء آكد؛ لورود الخبر فيهما. المغني (3/ 274).
وقال النووي -رحمه الله-:
استحباب اغتسالهما (الحائض والنفساء) للإحرام هو مجمع على الأمر به، لكن مذهبنا ومذهب مالك وأبي حنيفة والجمهور أنه مستحب، وقال الحسن وأهل الظاهر: هو واجب. شرح صحيح مسلم(8/ 133).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
في أمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الحائض والنفساء بالغسل عند الإهلال دليل على تأكيد الإحرام بالغسل بالحج أو العمرة، إلا أن جمهور العلماء يستحبونه ولا يوجبونه، وما أعلم أحدًا من المتقدمين أوجبه إلا الحسن البصري، فإنه قال في الحائض والنفساء: إذا لم تغتسل عند الإهلال اغتسلت إذا ذكرت، وبه قال أهل الظاهر، قالوا: الغسل واجب عند الإهلال على كل من أراد أن يهلَّ، وعلى كل من أراد الحج طاهرًا كان أو غير طاهر، وقد روي عن عطاء إيجابه، وروي عنه أن الوضوء يكفي منه.
قال أبو عمر (يعني: نفسه): الغسل عند الإهلال بالحج أو العمرة سُنة مؤكدة عند مالك وأصحابه، لا يرخِّصون في تركها إلا من عذر، ولا يجوز عندهم ترك السنن اختيارًا...
وقال أحمد بن المعذل (مالكي) عن عبد الملك بن الماجشون (مالكي): الغسل عند الإحرام لازم إلا أنه ليس في تركه ناسيًا ولا عامدًا دم ولا فدية.
قال: وإن ذكره بعد الإهلال فلا أرى عليه غسلًا.
قال: ولم أسمع أحدًا قاله يعني: أوجبه بعد الإهلال...
وقال ابن خُوَيْزِ مِنْدَاد: الغسل عند الإهلال عند مالك أوكد من غسل الجمعة.
وقال أبو حنيفة والأوزاعي والثوري: يجزئه الوضوء، وهو قول إبراهيم (يعني: النخعي).
وقال الشافعي: لا أحب لأحد أن يدع الاغتسال عند الإهلال، فإن لم يفعل فقد أساء إن تعمد ذلك وأجزأه. الاستذكار (4/ 5-6).
وقال محمود السبكي -رحمه الله-:
الغسل للإحرام مأمور به إجماعًا، والجمهور على أنه مستحب، ولم يقل بوجوبه إلا الحسن البصري والظاهرية. المنهل العذب المورود (10/ 291).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
وإذا عجز المحرم عن الغسل؛ لعدم الماء أو لخوف من استعماله تيمم، وإن وجد ما لا يكفيه توضأ واستعمل ما وجده ثم تيمم عن الباقي. شرح سنن أبي داود (8/ 235-623).
وقال الزيلعي الحنفي -رحمه الله-:
ولا يتصور حصول الطهارة لها (الحائض)؛ ولهذا لا يعتبر التيمم عند العجز عن الماء بخلاف الجمعة والعيدين. تبيين الحقائق (2/ 8).

قوله: «وتُحْرِم»:
قال ابن رسلان -رحمه الله-:
بضم التاء، والإحرام يُطلق على نية الدخول في الحج أو العمرة أو فيهما زمن الإحرام، ويطلق أيضًا على الدخول فيما ذكرناه، ولعله المراد هنا، ويحصل الدخول في ذلك بالنية، وسمي بذلك إما لاقتضائه دخول الحرم، من قولهم: أَحْرَم إذا دخل الحرم، كأَنْجَد إذا دخل نجدًا، أو لاقتضائه تحريم محرمات الإحرام عليه. شرح سنن أبي داود (8/ 237).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
هذا قول جماعة أهل العلم، لا يُعلم بينهم اختلاف فيه: أنَّ الحائض يجوز أن تحرم بالحج والعمرة، وتفعل ما يفعله الطاهر، سوى الطواف بالبيت...، ولكن منهم من كره لها أن تبتدئ الإحرام من غير حاجة إليه، فكره الضحاك وإبراهيم النخعي وسفيان الثوري أن تحرم في حال دمها قبل الميقات؛ لأنه لا حاجة لها إلى ذلك، فإذا وصلت إلى الميقات، ولم تطهر فإحرامها حينئذٍ ضرورة.
وكره عطاء لمن كانت بمكة وهي حائض أن تخرج إلى الميقات، فتهلّ بعمرة، وقال: لا تخرج حتى تطهر، وهو محمول على المقيمة بمكة التي يمكنها تأخير الإحرام إلى حال طهرها. فتح الباري (2/ 120).

قوله: «وتَقْضِي المنَاسِكَ كُلَّها»:
قال ابن رسلان -رحمه الله-:
أي: تؤديان «المناسك» من أعمال الحج «كلها» في حال الحيض والنفاس، يقال: قَضَيْتُ الدَّين وأَدَّيْتُه بمعنى واحد، قال الله تعالى: {فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ} البقرة: 200، أي: أديتم.
واستعمل النبي -صلى الله عليه وسلم- القضاء بمعنى الأداء؛ تأسيًا بكتاب الله، واستنبط الفقهاء من هذا أنَّ الصلاة إذا كانت أداءً ونوى بها القضاء، وهو حاصل بالوقت لغيم ونحوه، فإنها تصح على الأصح. شرح سنن أبي داود (8/ 237).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
القضاء هنا بمعنى الأداء، فالقضاء يأتي بمعنى الأداء، ويأتي بمعنى قضاء الفائت، وهنا لم يفت شيء، وإنما تؤدي المناسك، فهذا من المواضع التي جاء فيها القضاء بمعنى الأداء، وقد جاء في الحديث المشهور: «فما فاتكم فأتموا» وهذا في أكثر الروايات...، وهنا كذلك القضاء بمعنى الأداء. شرح سنن أبي داود (208/ 22).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
قوله: «تقضي المناسك كلها» أي: تفعل المناسك كلها. نيل الأوطار (5/ 55).
وقال محمود السبكي -رحمه الله-:
«وتقضي المناسك كلها» إلخ، أي: تؤدي أفعال الحج إلا الطواف بالكعبة، فإنه يكون بالمسجد وهما ممنوعتان من دخوله، وشرط صحته الطهارة عند غير الحنفية. المنهل العذب المورود (10/ 290).
وقال ابن العربي -رحمه الله-:
يقتضي (يعني: الحديث) أنها تفعلها (أي: المناسك) غير ما استُثني منها، فتقف بعرفة والمزدلفة، وترمي الجمار، وتبيت بمنى؛ لأن الطهارة ليست بشرط في شيء من ذلك. المسالك (4/ 329).

قوله: «غيرَ أنْ لا تطوفَ بالبيتِ»:
قال ابن رسلان -رحمه الله-:
أي: إلا الطواف بالبيت...، سواء كان الطواف فرضًا أو واجبًا أو تطوعًا، ولا ركعتي الطواف، وركعتي الإحرام؛ فإن ذلك لا يصح مع الحيض والنفاس، وهذا مما لا خلاف فيه عندنا (الشافعية) إلا وجهًا شاذًّا حكاه إمام الحرمين وغيره عن أبي يعقوب الأبيوردي من أصحابنا أنه يصح طواف الوداع بلا طهارة، ويجبر ما فاته بالدم. شرح سنن أبي داود (8/ 237).
وقال السندي -رحمه الله-:
قوله: «غير أنْ لا تطوف بالبيت» كلمة «لا» زائدة، أي: تقضي المناسك غير الطواف، وما يتبعه من السعي، لا لأن الحيض يمنع منه؛ بل لأنه تابع فلا بد أن يكون بعد الطواف، ويمكن أن يكون استثناء مما يفهم من الكلام، أي: فلا فرق بينهما وبين سائر الحجاج، غير أن لا تطوف، فتكون كلمة «لا» في محلها، والله تعالى أعلم. حاشيته على مسند أحمد (1/575).
وقال السهارنفوري -رحمه الله-:
«غير الطواف بالبيت» فإن الطواف بالبيت يكون في المسجد، وهما ممنوعتان عن دخوله. بذل المجهود (7/ 49).
وقال ابن العربي -رحمه الله-:
قوله: «لا تطوف بالبيت..» يريد أنها وإن أحرمت بالحج، أو طرأ عليها الحيض بعد إحرامها فإنها لا تطوف؛ لأن الطواف ينافيه؛ ولذلك يفسده الحيض والنفاس؛ لأن من شرطه الطهارة. المسالك (4/ 329).
وقال الساعاتي -رحمه الله-:
إنَّما مُنِعَتا من الطواف لأن الطهارة شرط في صحته عند الجمهور. الفتح الرباني (12/ 11).
وقال السندي -رحمه الله-:
وأما السعي فيتأخر تبعًا للطواف؛ إذ لا يجوز تقديمه؛ لا أنَّ الحيض والنفاس يمنعان عنه أصالة. فتح الودود (2/ 295-296).
وقال ابن قدامة -رحمه الله-:
السعي تبعٌ للطواف، لا يصح إلا أن يتقدمه طواف، فإن سعى قبله لم يصح، وبذلك قال مالك والشافعي وأصحاب الرأي، وقال عطاء: يجزئه، وعن أحمد: يجزئه إن كان ناسيًا، وإن كان عمدًا لم يجزئه سعيه؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- لما سُئل عن التقديم والتأخير في حال الجهل والنسيان، قال: «لا حرج».
ووجه الأول (يعني: الطواف أولًا، ثم السعي): أن النبي -صلى الله عليه وسلم- إنما سعى بعد طوافه، وقد قال: «لتأخذوا عني مناسككم» فعلى هذا إن سعى بعد طوافه، ثم علم أنه طاف بغير طهارة لم يُعْتَدَّ بسعيه ذلك، ومتى سعى المفرد والقارن بعد طواف القدوم لم يلزمهما بعد ذلك سعي، وإن لم يسعيا معه سعيا مع طواف الزيارة. المغني (3/ 352).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
حكى ابن المنذر عن عطاء قولين فيمن بدأ بالسعي قبل الطواف بالبيت وبالإجزاء، قال بعض أهل الحديث: واحتج بحديث أسامة بن شريك أن رجلًا سأل النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: «سعيتُ قبل أن أطوف، قال: طف، ولا حرج»، وقال الجمهور: لا يجزئه، وأولوا حديث أسامة على من سعى بعد طواف القدوم وقبل طواف الإفاضة. فتح الباري (3/ 505).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
الذي ذهب إليه القائلون بجوز تقديم السعي على الطواف هو الأرجح عندي؛ لحديث أسامة -رضي الله عنه- المذكور، وما أول به الجمهور فيه نظر؛ إذ لو كان كذلك لاستفصله النبي -صلى الله عليه وسلم- هل سعى بعد طواف القدوم أم لا؟ فلما لم يستفصله عُلم أنه على عمومه، والله تعالى أعلم. ذخيرة العقبى (24/ 249).

قوله: «حتى تَطْهُر»:
قال ابن رسلان -رحمه الله-:
«حتى» متعلقة بما فيه معنى الفعل، وهو الطواف بالبيت، لا بقوله: «يقضيان»، ويدل على هذا رواية الصحيحين: «افعلي كما يفعل الحاج غير أنْ لا تطوفي بالبيت حتى تطهري». شرح سنن أبي داود (8/ 239).
وقال الساعاتي -رحمه الله-:
قوله: «تَطَّهر» بفتح التاء والطاء المهملة المشددة، ويجوز فتح الطاء مع تشديد الهاء، وهو على حذف إحدى التاءين، وأصله تتطهر. الفتح الرباني (12/ 11).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«تَطَّهر» بفتح التاء المثناة، والطاء المهملة المشددة، وتشديد الهاء، وأيضًا أصله تتطهري، فحذفت إحدى التاءين، أي: تغتسلي، ويوضحه رواية مسلم: «حتى تغتسلي» والتطهير بالتشديد هو الاغتسال، كما في قوله تعالى: {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ} البقرة: 222، أي: اغتسلن {فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ} البقرة: 222. شرح سنن أبي داود (8/ 239-240).
وقال العراقي -رحمه الله-:
اشتراط الطهارة في صحة الطواف يقتضي أنه يشترط فيه أيضًا الطهارة عن النجس في البدن والثوب والمكان الذي يطؤه في الطواف، وبهذا قال أصحابنا الشافعية والمالكية والحنابلة وغيرهم، لكن اغتفر المالكية ذلك مع النسيان. طرح التثريب (5/ 121-122).
وقال النووي -رحمه الله-:
يُشترط لصحة الطواف: الطهارة من الحدث والنجس في الثوب والبدن والمكان الذي يطؤه في طوافه، فإن كان محدِثًا، أو مباشرًا لنجاسة غير معفو عنها لم يصح طوافه.
قال الرافعي: ولم أرَ للأئمة تشبيه مكان الطواف بالطريق في حق المتنفل، وهو تشبيه لا بأس به، هذا كلامه.
قلتُ: والذي أطلقه الأصحاب أنه لو لاقى النجاسة ببدنه أو ثوبه أو مشى عليها عمدًا أو سهوًا لم يصح طوافه، ومما عمَّت به البلوى غلبة النجاسة في موضع الطواف من جهة الطير وغيره، وقد اختار جماعة من أصحابنا المتأخرين المحققين المطلعين العفو عنها، وينبغي أن يقال: يعفى عما يشق الاحتراز عنه من ذلك، كما عفي عن دم القمل والبراغيث. المجموع (8/ 15).
وقال العراقي -رحمه الله-:
فيه: أنه لا تشترط الطهارة في شيء من أركان الحج وأفعاله سوى ما تقدم وهو كذلك بالإجماع. طرح التثريب (5/ 123).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قد رُوي عن ابن عمر أيضًا قال: «تقضي الحائض المناسك كلها إلا الطواف بالبيت، وبين الصفا والمروة» أخرجه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح، قال: وحدثنا ابن فضيل عن عاصم قلتُ لأبي العالية: تقرأ الحائض؟ قال: لا، ولا تطوف بالبيت، ولا بين الصفا والمروة، ولم يذكر ابن المنذر عن أحد من السلف اشتراط الطهارة للسعي، إلا عن الحسن البصري، وقد حكى المجد ابن تيمية من الحنابلة رواية عندهم مثله. فتح الباري (3/ 505).
وقال السهارنفوري -رحمه الله- متعقبًا:
قلتُ: السعي بين الصفا والمروة ليس مشروطًا بالطهارة، بل شرطه أن يكون بعد طواف على الطهارة عن الجنابة والحيض والنفاس، فإن لم تكن طاهرًا عنها وقت الطواف لم يجز السعي أصلًا، فإذا حاضت المرأة قبل الطواف فهي ممنوعة عن الطواف وعن السعي بعدها؛ لأنَّ تقدم الطواف الكامل شرط له، وأما إذا حاضت بعد الطواف قبل السعي فلها أن تسعى بين الصفا والمروة، فالزيادة التي صححها الحافظ، وهو استثناء السعي أيضًا باستثناء الطواف لا يخالف الجمهور. بذل المجهود (7/ 50).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
أما السعي بين الصفا والمروة فلا أعلم أحدًا اشترط فيه الطهارة إلا الحسن البصري، فإنه قال: من سعى بين الصفا والمروة على غير طهارة فإنْ ذَكَرَ ذلك قبل أن يُحِل فليُعِد، وإن ذكر بعد ما حلَّ فلا شيء عليه. الاستذكار (4/ 369).
وقال العراقي -رحمه الله- متعقبًا ابن عبد البر بعد نقل كلامه:
فيه نظر، من وجهين:
أحدهما: أنه كلام متهافت؛ فإن اشتراط الطهارة ينافي الإجزاء مع فقدها، وما علمتُ أحدًا نُقل عنه الاشتراط، ولعله يقول بالوجوب فقط، بل في مصنف ابن أبي شيبة عن الحسن وابن سيرين أنهما لم يريا بأسًا أن يطوف الرجل بين الصفا والمروة على غير وضوء، وكان الوضوء أحب إليهما، وهذا يقتضي أنَّ الحسن إنما يقول باستحباب الطهارة له كما يقوله غيره من العلماء.
ثانيهما: أن الحسن لم ينفرد بذلك، ففي مصنف ابن أبي شيبة عن أبي العالية أنه قال: "لا تَقرأ الحائض القرآن، ولا تصلي، ولا تطوف بالبيت، ولا بين الصفا والمروة"، وقال: "الطواف بين الصفا والمروة عِدْلُ الطواف بالبيت"، وعن ابن عمر -رضي الله عنهما-: "تقضي الحائض المناسك كلها إلا الطواف بالبيت وبين الصفا والمروة"، وهو في الموطأ عن ابن عمر أيضًا: "لا تطوف بالبيت، ولا تسعى بين الصفا والمروة، ولا تقرب المسجد حتى تطهر"، وهو رواية عن أحمد بن حنبل أنه تجب له الطهارة كالطواف، حكاها عنه ابن تيمية (يعني: المجد) في المحرر. طرح التثريب (5/ 122-123).
وقال محمود السبكي -رحمه الله-:
فيه: دليل على أنَّ الحائض والنفساء يُطلب منهما الإتيان بجميع أعمال الحج إلا الطواف، وكذا ركعتاه، وعلى أنه لا تُشترط الطهارة في السعي، فيجوز للحائض والنفساء السعي بين الصفا والمروة إذا طرأ عليهما الحدث بعد الطواف، وقبل السعي، وإليه ذهب الجمهور، ولم ينقل القول بوجوب الطهارة فيه إلا عن الحسن البصري وبعض الحنابلة، فإنهم شبهوه بالطواف. المنهل العذب المورود (10/ 291).
وقال النووي -رحمه الله-:
فيه (المراد حديث عائشة في شأن أسماء حين حاضت وأمره لها بأن تغتسل وتهل): صحة إحرام النفساء والحائض، واستحباب اغتسالهما للإحرام، وهو مجمع على الأمر به، لكن مذهبنا ومذهب مالك وأبي حنيفة والجمهور أنه مستحب.
وقال الحسن وأهل الظاهر: هو واجب، والحائض والنفساء يصح منهما جميع أفعال الحج إلا الطواف وركعتيه؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «اصنعي ما يصنع الحاج غير أن لا تطوفي». شرح صحيح مسلم (8/ 133).
وقال النووي -رحمه الله- أيضًا:
في هذا دليل ‌على ‌أن ‌الحائض ‌والنفساء ‌والمحدِث والجنب يصح منهم جميع أفعال الحج وأقواله وهيئاته إلا الطواف وركعتيه فيصح الوقوف بعرفات وغيره كما ذكرنا، وكذلك الأغسال المشروعة في الحج تشرع للحائض وغيرها ممن ذكرنا. شرح صحيح مسلم(8/١٤٦).
وقال محمود السبكي -رحمه الله-:
دل الحديث على صحة إحرام الحائض والنفساء، واستحباب غسلهما للإحرام، وهذا الغسل للنظافة لا للطهارة. المنهل العذب المورود (10/ 290).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
وقد استدل المصنف (يعني: المجد ابن تيمية) بهذا الحديث على أنه يُشرع للمحرم الاغتسال عند ابتداء الإحرام، وهو محتمل؛ لإمكان أن يكون الغسل لأجل قذر الحيض، ولكن في الباب أحاديث تدل على مشروعية الغسل للإحرام. نيل الأوطار (4/ 359).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
إذا أُمِرَت الحائض والنفساء مع النجاسة المتصلة بهما فالطاهر أولى باستحباب الغسل منهما، وقد يستحب العبادة لمن لا تصح منه تلك العبادة للتشبه بالمتعبدين؛ رجاء لمشاركتهم في نيل المثوبة. شرح سنن أبي داود (8/ 236).
وقال الرافعي -رحمه الله-:
دلالة الحديث على أن الحائض لا يجوز لها أن تطوف بالبيت، وأن لها أن تأتي بما سواه من أعمال الحج ظاهرة، وبموجبه قال عامة أهل العلم. شرح مسند الشافعي (4/ 68).
وقال النووي -رحمه الله-:
وفيه: دليل على أن الطواف لا يصح من الحائض، وهذا مجمع عليه، لكن اختلفوا في علته على حسب اختلافهم في اشتراط الطهارة للطواف، فقال مالك والشافعي وأحمد: هي شرط، وقال أبو حنيفة: ليست بشرط، وبه قال داود، فمَن شَرَط الطهارة قال: العلة في بطلان طواف الحائض عدم الطهارة، ومن لم يشترطها قال: العلة فيه كونها ممنوعة من اللبث في المسجد. شرح صحيح مسلم(8/١٤٦)
قال العراقي -رحمه الله- متعقبا النووي:
فيه نظر؛ فإن أبا حنيفة يصحح الطواف كما هو معروف عنه، وكما حكاه (يعني: النووي) هو عنه في شرح المهذب، ولا يلزم من ارتكاب المحرم في اللبث في المسجد بطلان الطواف، وفي مذهب الشافعي وجه ضعيف غريب مردود محكي عن أبي يعقوب الأبيوردي أنه يصح طواف الوداع بلا طهارة، وتجبر الطهارة بالدم.
قال إمام الحرمين: هذا غلط؛ لأن الدم إنما وجب جبرًا للطواف لا للطهارة. طرح التثريب (5/121).
وقال محمود السبكي -رحمه الله-:
دل الحديث على أن الحائض والنفساء ممنوعتان من الطواف، وكذا الجنب والمحدِث حدثًا أصغر؛ لحديث ابن عباس مرفوعًا: «الطواف صلاة إلا أن الله تعالى أحل فيه الكلام، فمن تكلم فلا يتكلم إلا بخير» رواه الحاكم، وقال: صحيح الإسناد، وروى الترمذي: «الطواف بالبيت صلاة إلا أنكم تتكلمون فيه» والمحدِث مطلقًا ممنوع من الصلاة، وهذا متفق عليه، فلو طاف مُحدِثًا لا يصح طوافه؛ أخذًا بالأحاديث المذكورة؛ ولأنه يشترط فيه ما يشترط في الصلاة من الطهارة، وستر العورة، فإنْ ترك شيئًا منهما لا يصح عند الجمهور، وتلزمه إعادته، ويصح عند الحنفية، ويلزمه دم إن لم يعده.
وعن بعض الحنفية يلزمه صدقة تجزئ في الفطرة؛ بناء على أن الطهارة في الطواف سنة.
وروي عن أحمد صحة الطواف بدون طهارة ولا شيء عليه.
وقال أبو ثور: إذا طاف على غير وضوء أجزأه طوافه إن كان لا يعلم، ولا يجزئه إن كان يعلم.
واستدل من أجاز الطواف بغير طهارة بقياسه على الوقوف والسعي وبقية أعمال الحج، فإنه لا يشترط فيها الطهارة، لكن يردُّ عليهم حديث الباب، وما ذكر من الأحاديث الدالة على اشتراط الطهارة فيه. المنهل العذب المورود (10/ 291).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
الذي يترجح عندي قول الجمهور من أن الطهارة واجبة للطواف؛ لظاهر قوله -صلى الله عليه وسلم-: «حتى تطهري» فعلَّق حلَّ الطواف بالطهارة، فلولا أنها شرْطٌ فيه لما علق حله بها؛ ولحديث: «الطواف بالبيت صلاة...» الحديث، فإنه وإن قيل بوقفه، إلا أن له حكم الرفع...، فيفيد وجوب الطهارة مثل الصلاة، وبأنه -صلى الله عليه وسلم- توضأ، ثم طاف بالبيت، وقد قال: «خذوا عني مناسككم» فهذه الأدلة يستفاد منها وجوب الطهارة للطواف، والله تعالى أعلم. ذخيرة العقبى (24/ 247-248).

وللاستفادة من الروايات الأخرى ينظر  (هنا) و (هنا) و (هنا) و (هنا)


إبلاغ عن خطأ