سمع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو واقفٌ بالحَزْوَرَةِ من مكة يقول لمكة: «والله إنَّكِ لأخْيَرُ أرضِ الله وأحبُّ أرضِ الله إلى الله -عزّ وجلّ-، ولولا أنِّي أُخْرِجْتُ منكِ ما خَرَجْتُ».
رواه أحمد برقم: (18716)، والترمذي برقم: (3925)، والنسائي برقم: (4239)، وابن ماجة برقم: (3108)، من حديث عبد الله بن عدي بن الحمراء -رضي الله عنه-.
وفي رواية للترمذي من حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- برقم: (3926) «ما أطيبك من بلد، وأَحبك إلي، ولولا أن قومي أخرجوني منك ما سكنت غيرك».
صحيح الجامع برقم: (5536)، مشكاة المصابيح، برقم: (2724).
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«الحَزْوَرَةِ»:
«الحَزْوَرَة»: تل صغير. مقاييس اللغة، ابن فارس (2/ 147).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
هو موضع بها عند باب الخياطين، وهو بوزن قسورة. النهاية (1/ 380).
شرح الحديث
قوله: «سمع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو واقف بالحَزْوَرَةِ من مكة»:
قال ابن الأثير -رحمه الله-:
قال الشافعي: الناس يشدِّدون الحَزْوَرَة والحديبية، وهما مخففتان. النهاية (1/ 380).
وقال السيوطي -رحمه الله-:
«واقف بالحَزْوَرَةِ» بالحاء المهملة والزاي المعجمة ثم واو ثم راء مهملة... موضع بمكة أصلها الرابية الصغيرة. شرح سنن ابن ماجه (ص: 224).
قوله: «يقول لمكة: والله إنَّكِ لأخْيَرُ أرضِ الله وأحبُّ أرض الله إلى الله -عز وجل-»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«لمكة» أي: خطابًا لها حين وداعها مما يدل على فهمها وسماعها، وذلك يوم فتح مكة. مرقاة المفاتيح (5/ 1867).
وقال عبد الرحمن المباركفوري -رحمه الله-:
أي: مخاطبًا للكعبة وما حولها مِن حَرَمِهَا. تحفة الأحوذي (10/ 294).
وقال ابن تيمية -رحمه الله- في التفضيل بين مكة والمدينة:
مكة أفضل؛ لما ثبت عن عبد الله بن عدي بن الحمراء «عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال لمكة وهو واقف بالحَزْوَرَة: والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أن قومي أخرجوني منك ما خرجت» قال الترمذي حديث صحيح. وفي رواية: «إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلى الله»، فقد ثبت أنها خير أرض الله وأحب أرض الله إلى الله وإلى رسوله. وهذا صريح في فضلها. وأما الحديث الذي يروى: «أَخْرَجْتَنِي من أحب البقاع إليَّ فأَسْكِنِّي أحبَّ البقاع إليك» فهذا حديث موضوع كذب لم يروه أحد من أهل العلم. والله أعلم. مجموع الفتاوى (27/ 36).
قوله: «ولولا أنِّي أُخْرِجْتُ منكِ ما خرجتُ»:
قال عبد الرحمن المباركفوري -رحمه الله-:
«ولولا أني أُخْرجْتُ منكِ» أي: بأمرٍ من الله «ما خرجتُ» فيه دلالة على أنه لا ينبغي للمؤمن أن يخرج من مكة إلا أن يخرج منها حقيقة أو حكمًا وهو الضرورة الدينية أو الدنيوية. تحفة الأحوذي (10/ 294).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«والله» أي: أقسمتُ لك بالإله الذي لا إله غيره «لولا أني أُخْرِجْتُ» أي: أُمرت بالخروج «منك» بأمر من الله تعالى، «ما خرجتُ» منك أبدًا؛ لأنك أشرف بقاع الأرض وأكرمها عند الله تعالى؛ حيث جعلك حَرَمًا آمنًا ومشاعر النسك. مرشد ذوي الحجا والحاجة (18/ 264- 265).
وقال المظهري -رحمه الله-:
خاطَب رسول الله -عليه السلام- عام الفتح مكة وقال لها هذا الحديث، وإنما قاله -عليه السلام- لغلبة حبِّ الكعبة وحرَم الله، ومسكن آبائه إبراهيم وإسماعيل -عليهما السلام- على قلبه.
يعني: لولا أخرجني من مكة كفار قريش ما ينبغي لي أن أسكن بلدًا غيرها؛ لأنه ليس في الأرض بلد أشرف منها، والبلد إذا كان أشرف يكون توطّنه أفضل، وترك الأفضل بالاختيار غير مرضي. المفاتيح في شرح المصابيح (3/ 364).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
وذكر فيه أيضًا (يعني: الأزرقي): أن هذا القول من النبي -صلى الله عليه وسلم- المذكور في هذا الحديث عند خروجه من مكة في عمرة القضية؛ لأن قريشًا سأل النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يخرج من مكة بعد الثلاثة الأيام، وظن بعضهم أنه قال ذلك حين خرج من مكة للهجرة إلى المدينة، وليس كذلك؛ لأن في بعض طرق هذا الحديث: أنه قال ذلك وهو على راحلته بالحزورة، ولم يكن -صلى الله عليه وسلم- بهذه الصفة حين هاجر إلى المدينة، لأنه خرج منها مستخفيًا، وفي (تاريخ الأزرقي): أنه -صلى الله عليه وسلم- قال ذلك عام الفتح على الحَجُون، ولا منافاة؛ لأنه يمكن أنه قال في كليهما، انتهى.
ولا يخفى عليك أن هذا القول منه -صلى الله عليه وسلم-: «ولولا أني أُخرجت منكِ لما خرجتُ» لا يلائم عام الفتح، اللهم إلا أن يقال ذلك من جهة تذكُّر إخراجهم وإيذائهم سابقًا في قضية الهجرة، فافهم. لمعات التنقيح (5/ 457- 458).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
وقد استدل أصحابنا على أن المدينة أفضل من مكة بهذا الحديث («ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة»)، وركَّبوا عليه قوله -صلى الله عليه وسلم-: «موضع سوطٍ في الجنة خير من الدنيا وما فيها».
وهذا لا دليل فيه على شيء مما ذهبوا إليه؛ لأن قوله هذا إنما أراد به ذم الدنيا والزهد فيها، والترغيب في الآخرة، فأخبر أن اليسير من الجنة خير من الدنيا كلها، وأراد بذكر السوط -والله أعلم- التقليل، لا أنه أراد موضع السوط بعينه، بل موضع نصف سوط وربع سوط من الجنة الباقية خير من الدنيا الفانية، وهذا مثل قول الله -عز وجل-: {مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ} آل عمران: 75، لم يرد القنطار بعينه، وإنما أراد الكثير، وقوله: {وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ} آل عمران: 75، لم يرد به الدينار بعينه، وإنما أراد القليل؛ أي: أنَّ مِنهم من يؤتمن على بيت مال فلا يخون، ومنهم من يؤتمن على فلس أو نحوه فيخون.
على أن قوله -صلى الله عليه وسلم-: «روضة من رياض الجنة» محتمل ما قال العلماء فيه مما قد ذكرناه، فلا حجَّة لهم في شيء مما ذهبوا إليه، والمواضع كلها والبقاع أرض الله، فلا يجوز أن يفضل منها شيء على شيء إلا بخبر يجب التسليم له، وإني لأعجب ممن يترك قول رسول الله -صلي الله عليه وسلم- إذ وقف بمكة على الحزورة (موضع بمكة يلي البيت بفناء دار أم هانئ بنت أبي طالب)، وقيل: على الحَجُون (جبل بمكة)، فقال: «والله إني لأعلم أنك خير أرض الله وأحبها إلى الله، ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت» وهذا حديث صحيح رواه أبو سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، وعن عبد الله بن عدي بن الحمراء جميعًا عن النبي -صلي الله عليه وسلم-، فكيف يُترك مثل هذا النص الثابت، ويُمَال إلى تأويل لا يجامع متأوله عليه؟!...
وقد روى مالك ما يدل على أن مكة أفضل الأرض كلها، ولكن المشهور عن أصحابه في مذهبه تفضيل المدينة...
وكان مالك -رضي الله عنه- يقول: مِن فضل المدينة على مكة أني لا أعلم بقعة فيها قبر نبي معروف غيرها. وهذا -والله أعلم- وجهه عندي من قول مالك، فإنه يريد ما لا يُشكُّ فيه وما يقطع العذر خبره، وإلا فإن الناس يزعم منهم الكثير أن قبر إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- ببيت المقدس، وأن قبر موسى -صلى الله عليه وسلم- هناك أيضًا...
إنما يحتج بقبر رسول الله -صلي الله عليه وسلم- وبفضائل المدينة بما جاء فيها عن النبي -صلي الله عليه وسلم- وعن أصحابه على من أنكر فضلها، وجعلها كسائر بقاع الأرض؛ لأن تلك الآثار بيَّنت فضلها، وأوضحت موضعها وكرامتها. وأما مَن أقر بفضلها، وعرف لها موضعها، وأقر أنه ليس على وجه الأرض أفضل بعد مكة منها، فقد أنزلها منزلتها، وعرف لها حقها، واستعمل القول بما جاء عن النبي -صلي الله عليه وسلم- في مكة وفيها؛ لأن فضائل البلدان لا تُدرك بالقياس والاستنباط، وإنما سبيلها التوقيف، فكل يقول بما بلغه وصح عنده غير حرج، والآثار في فضل مكة عن السلف أكثر، وفيها بيت الله الذي رضي من عباده على الحطِّ لأوزارهم بقصده مرة في العمر. وقد زدنا هذا المعنى بيانًا في باب زيد بن رباح، وذكرنا هنالك اختلاف العلماء في ذلك، وبالله التوفيق. التمهيد (2/ 320- 324).
وقال ابن حزم -رحمه الله-:
ومكة أفضل بلاد الله -تعالى-، نعني الحرم وحده وما وقع عليه اسم عرفات فقط.
وبعدها مدينة النبي -عليه السلام-، نعني حرمها وحده.
ثم بيت المقدس، نعني المسجد وحده هذا قول جمهور العلماء.
وقال مالك: المدينة أفضل من مكة، واحتج مقلِّدوه بأخبار ثابتة.
منها: قوله -عليه السلام-: «إن إبراهيم حرَّم مكة ودعا لها، وإني حرَّمت المدينة كما حرَّم إبراهيم مكة، وإني دعوت في صاعها ومُدِّها بمثل ما دعا به إبراهيم لأهل مكة»، هذا لا حجة لهم فيه؛ لأنه لا دليل فيه على فضل المدينة على مكة أصلًا، وإنما فيه: أنه -عليه السلام- حرَّمها كما حرَّم إبراهيم مكة ودعا لها كما دعا إبراهيم لمكة فقط وهذا حق، وقد دعا -عليه السلام- للمسلمين كلهم كما دعا لأبي بكر، وعمر، ولأصحابه -رضي الله عنهم-، فهل في ذلك دليل على فضلنا عليهم أو على مساواتنا في الفضل؟ هذا ما لا يقوله ذو عقل.
وقد حرم -عليه السلام- الدماء، والأعراض، والأموال، وليس في ذلك دليل على فضل؛ واحتجوا بخبر آخر صحيح: أنه -عليه السلام- كان يقول: «اللهم بارك لنا في تمرنا، وبارك لنا في مدينتنا، وبارك لنا في صاعنا ومُدِّنا، اللهم إن إبراهيم عبدك وخليلك ونبيك وإنه دعا لمكة، وإني أدعوك للمدينة بمثل ما دعاك به لمكة ومثله معه»، وبخبر صحيح فيه: «اللهم اجعل بالمدينة ضِعْفَي ما جعلت بمكة من البركة»، وهذا لا حجة فيه في فضل المدينة على مكة وإنما فيه الدعاء للمدينة بالبركة، ونعم هي والله مباركة، وإنما دعا إبراهيم لمكة بما أخبر به -تعالى- إذ يقول: {فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ} إبراهيم: 37، ولا شك في أن الثمار بالمدينة أكثر مما بمكة.
ولا شك في أن النبي -عليه السلام- لم يدعُ للمدينة بأن تهوي أفئدة الناس إليها أكثر من هويها إلى مكة؛ لأن الحج إلى مكة لا إلى المدينة.
فصحَّ أن دعاءه -عليه السلام- للمدينة بمثل ما دعا به إبراهيم لمكة ومثله معه إنما هو في الرزق من الثمرات، وليس هذا من باب الفضل في شيء.
ومنها قوله -عليه السلام-: «المدينة كالكِير تنفي خبثها، وينصع طِيبها، وإنما تنفي الناس كما ينفي الكير خبث الحديد»، ولا حجة فيه في فضلها على مكة؛ لأن هذا الخبر إنما هو في وقتٍ دون وقت، وفي قوم دون قوم، وفي خاص لا في عام.
برهان ذلك أنه -عليه السلام- لا يقول إلا الحق، ومَن أجاز على النبي -عليه السلام- الكذب فهو كافر؛ وقال الله -تعالى-: {وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ} التوبة: 101...
فصح أن المنافقين أخبث الخلق بلا خلاف من أحد من المسلمين وكانوا بالمدينة، وكذلك قد خرج: علي، وطلحة، والزبير، وأبو عبيدة بن الجراح، ومعاذ، وابن مسعود، عن المدينة، وهم من أطيب الخلق -رضي الله عنهم- بلا خلاف من مسلم حاشا الخوارج في بغضهم.
فصح يقينًا لا يمتري فيه إلا مستخفٌّ بالنبي -عليه السلام- أنه -عليه السلام- لم يعنِ بالمدينة تنفي الخبث إلا في خاص من الناس، وفي خاص من الزمان لا عام.
وقد جاء كلامنا هذا نصًا كما روينا من طريق مسلم... عن أبي هريرة أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال في حديث: «ألا إن المدينة كالكير يُخرج الخبث، لا تقوم الساعة حتى تنفي المدينة شرارها كما ينفي الكير خبث الحديد».
ومن طريق أحمد بن شعيب... عن أنس بن مالك أن رسول الله - عليه السلام - قال: «ليس بلد إلا سيَطَؤُه الدجال، إلا المدينة ومكة، على كل نَقْبٍ من أنقاب المدينة الملائكة صافِّين يحرسونها، فينزل بالسّبْخَةِ فترجُف المدينة ثلاث رجفات يخرج إليه منها كل منافق وكافر»، وهذا نفس قولنا، وليس في هذا كله أنها أفضل من مكة لا بنص، ولا بدليل.
ومعنى قوله - عليه السلام -: «ما من بلد إلا سيطؤه الدجال إلا مكة والمدينة» إنما هو سيطؤه أمره وبُعوثه لا يمكن غير هذا، وسُكَّان المدينة اليوم أخبث الخبث، وإنا لله وإنا إليه راجعون على مصيبتنا في ذلك؛ فبطل تمويههم بهذا الخبر.
ومنها: قوله -عليه السلام-: «يُفتح اليمن فيأتي قوم يُبَسُّون بأهليهم ومن أطاعهم، والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون» وذكر مثل هذا حرفًا حرفًا في فتح الشام، وفتح العراق.
وقوله -عليه السلام-: «يأتي على الناس زمان يدعو الرجل ابن عمه وقريبه: هلمَّ إلى الرخاء، هلم إلى الرخاء، والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون، والذي نفسي بيده لا يخرج أحد منهم رغبة عنها إلا أخلف الله فيها خيرًا منه».
إنما أخبر -عليه السلام- بأن المدينة خير لهم من اليمن، والشام، والعراق، وبلاد الرخاء، وهذا لا شك فيه، وليس فيه فضلها على مكة، ولا ذكر لمكة أصلًا.
وأما إخباره -عليه السلام- أيضا بأن المدينة خير من هذه البلاد لهم فإنما هو أيضًا في خاص لا عام، وهو مَن خرج عنها طلب رخاء، أو لعَرَض دنيا؛ وأما من خرج عنها لجهاد، أو لحُكْمٍ بالعدل، أو لتعليم الناس دينهم فلا، بل الذي خرجوا له أفضل من مقامهم بالمدينة.
برهان ذلك: خروجه -عليه السلام- عنها للجهاد، وأمره الناس بالخروج معه والوعيد على من تخلَّف بالمدينة لغير عذر هذا ما لا شك فيه، وكذلك بِعْثَتُه -عليه السلام- أصحابه إلى اليمن، والبحرين، وعُمَان للدعاء إلى الإسلام، وتعليم القرآن، والسنن، وهو -عليه السلام- يقول: «الدين النصيحة» فبلا شك أنه قد نصحهم في إخراجهم لذلك، فصح قولنا، وبطل أن يكون لهم متعلق في هذا في دعواهم فضل المدينة على مكة. المحلى (5/ 325- 328).
وقال ابن تيميه -رحمه الله-:
وأما المجاورة فليست واجبة باتفاق المسلمين، بل العلماء متنازعون هل هي مستحبة أم مكروهة؟ فاستحبها طائفة من العلماء من أصحاب مالك والشافعي، وكرهها آخرون كأبي حنيفة وغيره، قالوا: لأن المقام بها يفضي إلى الملك لها، وأنه لا يأمن مِن مواقعة المحظور؛ فيتضاعف عليه العذاب. ولأنه يضيق على أهل البلد.
قالوا: وكان عمر يقول عقب المواسم: يا أهل الشام شامكم، يا أهل اليمن يمنكم، يا أهل العراق عراقكم؛ ولأن المقيم بها يفوته الحج التام والعمرة التامة؛ فإن العلماء متفقون على أنه إن أنشأ سفر العمرة من دُويرة أهله كان هذا أفضل أنواع الحج والعمرة. وهم متفقون على أنه أفضل من التمتع والقران ومن الإفراد الذي يعتمر عقب الحج....
والمقصود هنا: أن من العلماء مَن كره المجاورة بمكة لما ذكر من الأسباب وغيرها، ولكن الجمهور يستحبونها في الجملة إذا وقعت على الوجه المشروع الخالي عن المفسدة المكافئة للمصلحة أو الراجحة عليها.
قال الإمام أحمد وقد سئل عن الجوار بمكة، فقال: وكيف لنا به وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «إنك لأحب البقاع إلى الله، وإنك لأحب إلي»؟! وجابر جاور مكة، وابن عمر كان يقيم بمكة.
وقال أيضًا: ما أسهل العبادة بمكة، النظر إلى البيت عبادة.
واحتج هؤلاء بما رواه عبد الله بن عدي بن الحمراء الزهري أنه سمع النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول وهو واقف بالحزورة في سوق مكة: «والله إنك لخير أرض الله، وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أني أُخرجتُ منك ما خرجت» رواه الإمام أحمد وهذا لفظه، والنسائي وابن ماجه والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح...
قالوا: فإذا كانت أحب البلاد إلى الله ورسوله، ولولا ما وجب عليه من الهجرة لما كان يسكن إلا إياها، عُلم أن المقام بها أفضل إذا لم يُعارض ذلك مصلحة راجحة، كما كان في حق النبي -صلى الله عليه وسلم- والمهاجرين؛ فإن مقامهم بالمدينة كان أفضل من مقامهم بمكة؛ لأجل الهجرة والجهاد، بل ذلك كان الواجب عليهم، وكان مقامهم بمكة حرامًا حتى بعد الفتح، وإنما رخّص للمهاجر أن يقيم فيها ثلاثًا. كما في الصحيحين عن العلاء بن الحضرمي «أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أرخص للمهاجر أن يقيم بمكة بعد قضاء نسكه ثلاثًا»، وكان المهاجرون يكرهون أن يكونوا بها؛ لكونهم هاجروا عنها وتركوها لله، حتى قال النبي -صلى الله عليه وسلم- في الحديث المتفق عليه لَمَّا عاد سعد بن أبي وقاص، وكان قد مرض بمكة في حجة الوداع فقال: يا رسول (الله)! أُخَلَّفُ عن هجرتي؟ فقال: «لعلك أنْ تُخَلَّفَ حتى ينتفع بك أقوام، ويُضَرَّ بك آخرون، لكن البائس سعد بن خولة» يرثي له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن مات بمكة.
ولهذا لما مات عبد الله بن عمر بمكة أوصى أن لا يدفن في الحرم، بل يُخرج إلى الحل لأجل ذلك، لكنه كان يومًا شديد الحر، فخالفوا وصيته. جامع المسائل (5/ 340- 344).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
فيه دليل على أن مكة خير أرض الله على الإطلاق، وأحبها إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وبذلك استدل من قال: إنها أفضل من المدينة. نيل الأوطار(5/ 35).