السبت 15 جمادى الآخرة 1447 | 2025-12-06

A a

«حَمَلَنِي أهلي على الجَفَاءِ بعدَ ما عَلِمْتُ مِن السُّنَّةِ، كانَ أهلُ البيتِ يُضَحُّونَ بالشَّاةِ والشَّاتَيْنِ، والآنَ يُبَخِّلُنَا جِيرَانُنَا».


رواه ابن ماجه برقم: (3148)، والحاكم برقم: (7550)، والطبراني في الكبير برقم: (3056)، والبيهقي في الكبرى برقم: (19035)، وعبد الرزاق الصنعاني برقم: (8150)، من حديث أبي سَرِيَحة -رضي الله عنه-.
صحيح ابن ماجه برقم: (3139).


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«الجَفَاءِ»:
تَركُ الصِّلَة والبِرِّ، وأَجْفاه: أَبعدَه وأَقْصاه، وجَفوتُه جِفوةً بالكَسْر، والجَفْوة: الْمَرَّة. المجموع المغيث، للمديني (1/ 337).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
الجفاء: البُعْد عَن الشَّيْءِ، يُقَالُ: جَفَاهُ إِذَا بَعُدَ عَنْه، وأَجْفَاه إِذَا أبْعَدَهُ. النهاية (1/ 280).

«يُبَخِّلُنَا»:
أي: يَنسِبُونَنَا إلى البُخل والشُّح إنْ اكتفينا بالواحدة وبالاثنين. كفاية الحاجة، للسندي (2/ 278).


شرح الحديث


قوله: «حملني أهلي على الجفَاءِ بعدَ ما علِمتُ مِن السُّنَّةِ»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«حَمَلَني» أي: حثَّني وحضَّني «أهلي على الجفاء» والبخل، وأمروني بتخصيص الشاة الواحدة بنفسي، وبترك قصد الإشراك لأهلي معي في الشاة الواحدة «بعدما علمت من السُّنة» المأثورة عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مِن قصد إشراك الأهل في الشاة الواحدة؛ حيث قال في تضحيته بكبشٍ واحدٍ: «اللهم تقبَّل من محمد وآل محمد، ومن أُمَّة محمد» كما في صحيح مسلم، ‌وقوله: «‌كان ‌أهل ‌البيت...» ‌إلى ‌آخره ‌بيان ‌للسُّنة، ‌و«‌مِن» الجارة فيه مؤخَّرة، والتقدير: حَمَلوني على الجفاء والبخل بعدما علِمت السُّنة المطهرة من أنَّه «كان أهل البيت...». مرشد ذوي الحجا والحاجة (18/ 379 ، 380).

قوله: «كان أهلُ البيتِ يضحون بالشاةِ والشاتينِ»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«كان أهلُ البيت» الواحد «يُضحُّون» أي: يقصدون التضحية «بالشاة» الواحدة «والشاتين» مثلًا، فيجزئ ذلك عن كُلهم. مرشد ذوي الحجا والحاجة (18/ 380).

قوله: «والآن ‌يُبخِّلُنا جيرانُنا»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«والآن» بعد عهد الرسول -صلى الله عليه وسلم- «‌يُبَخِّلُنَا» أي: ينسبوننا إلى البخل والشح إنْ اكتفينا بالواحدة وبالاثنتين «جيرانُنا» فيقولون: لا تكفي الشاة الواحدة، ولا تجزئ إلا عن الرجل الواحد الذي ذبحها، والسُّنة المطهرة وردت بترك البُخل، وقصد الإشراك. مرشد ذوي الحجا والحاجة (18/ 380).
وقال ابن المنذر -رحمه الله-:
اختلفوا في الرجل يضحي بالشاة ‌عنه ‌وعن ‌أهل ‌بيته، فكان مالك والليث بن سعد والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور يجيزون ذلك.
وقد روي هذا المعنى عن أبي هريرة وابن عمر، واحتج أحمد بفعل أبي هريرة، وبذبح النبي -صلى الله عليه وسلم- عن أُمته.
قال أبو بكر (ابن المنذر): وكره ذلك الثوري والنعمان (أبو حنيفة).
وبالقول الأول أقول؛ للثابت عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الدَّال على ذلك. الإشراف (3/ 406).
وقال الطحاوي -رحمه الله-:
فذهب قوم إلى أنَّ الشاة لا بأس أنْ يُضحى بها عن الجماعة، وإنْ كثروا، وافترق أهل هذه المقالة على فرقتين: فقالت فرقة: لا تجزئ إلا أنْ يكون الذين يضحَّى بها عنهم من أهل بيتٍ واحدٍ، وقالت فرقة: إنَّ ذلك تجزئ، كان المضحى بها عنهم من أهل بيت واحد، أو من أهل أبيات شتى؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- ضحى بالكبش الذي ضحَّى به عن جميع أُمّته، وهُم أهل أبيات شتَّى، فإنْ كان ذلك ثابتًا لمن بعد النبي -صلى الله عليه وسلم-، فهو يجزئ عمن أجزأه ‌بذبح ‌النبي -صلى الله عليه وسلم-، فثبت بهذا قول الذين قالوا: يضحَّى بها عن أهل البيت وعن غيرهم.
ثم كان الكلام بين أهل هذا القول وبين الفِرقة التي تُخالف هؤلاء جميعًا، وتقول: إنَّ الشاة لا تجزئ عن أكثر من واحد، وتذهب إلى أنَّ ما كان من النبي -صلى الله عليه وسلم- مما احتجت به الفرقتان الأوليان لقولهما منسوخ أو مخصوص، فمما دلَّ على ذلك: أنَّ الكبش لما كان يجزئ عن غير واحد، لا وقت في ذلك ولا عدد، كانت البقرة والبدنة أحرى أنْ تكونا كذلك، وأنْ تكونا تجزيان عن غير واحد، لا وقت في ذلك ولا عدد، ثم قد روينا عن النبي -صلى الله عليه وسلم- ما قد دل على خلاف ذلك، مما قد ذكرناه في الباب الذي قَبل هذا، مِن نَحْرِ أصحابه معه الجزور عن سبعة، والبقرة عن سبعة، وكان ذلك عند أصحابه على التوقيف منه لهم، على أنَّ البقرة والبدنة لا تجزئ واحدة منهما عن أكثر مما ذُبحت عنه يومئذٍ، وتواترت عنهم الروايات بذلك. شرح معاني الآثار (4/ 178).
وقال الكاساني الحنفي -رحمه الله-:
لا تجوز الشاة والمعز إلا عن واحدٍ وإنْ كانت عظيمة سمينة تساوي شاتين مما يجوز أنْ يُضحَى بهما؛ لأنَّ القياس في الإبل والبقر أنْ لا يجوز فيهما الاشتراك؛ لأن القُرْبة في هذا الباب إراقة الدم، وأنَّها لا تحتمل التجزئة؛ لأنها ذبح واحد، وإنَّما عرفنا جواز ذلك بالخبر، فبقي الأمر في الغنم على أصل القياس.
فإن قيل: أليس أنَّه روي أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ضحَّى بكبشين أملحين أحدهما عن نفسه، والآخر عمن لا يذبح من أمَّته، فكيف ضحَّى بشاة واحدة عن أمَّته -عليه الصلاة والسلام-؟
فالجواب: أنَّه -عليه الصلاة والسلام- إنَّما فعل ذلك لأجل الثواب؛ وهو أنَّه جعل ثواب تضحيته بشاة واحدة لأمَّته، لا للإجزاء، وسقوط التعبد عنهم.
ولا يجوز بعيرٌ واحدٌ ولا بقرةٌ واحدةٌ عن أكثر من سبعة، ويجوز ذلك عن سبعة، أو أقل من ذلك، وهذا قول عامة العلماء.
وقال مالك -رحمه الله-: يجزئ ذلك عن أهل بيتٍ واحدٍ وإن زادوا على سبعة، ولا يجزئ عن أهل بيتين، وإن كانوا أقل من سبعة، والصحيح: قول العامة؛ لما رُوي عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «البدنة تجزئ عن سبعة، والبقرة تجزئ عن سبعة»، وعن جابر -رضي الله عنه- قال: «نَحَرْنَا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة» من غير فصل بين أهل بيت وبيتين؛ ولأن القياس يأبى جوازها عن أكثر من واحد؛ لما ذكرنا أن القُرْبة في الذبح، وأنه فعلٌ واحدٌ لا يتجزأ؛ لكنا تركنا القياس بالخبر المقتضي للجواز عن سبعة مطلقًا، فيُعمل بالقياس فيما وراءه؛ لأن البقرة بمنزلة سبع شياه، ثم جازت التضحية بسبع شياه عن سبعة سواء كانوا من أهل بيت، أو بيتين، فكذا البقرة.
ومنهم من فصَّل بين البعير والبقرة، فقال: البقرة لا تجوز عن أكثر من سبعة، فأما البعير فإنه يجوز عن عشرة، ورَوَوْا عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «البدنة تجزئ عن عشرة» ونوعٌ من القياس يؤيده؛ وهو أنَّ الإبل أكثر قيمة من البقر؛ ولهذا فضِّلت الإبل على البقر في باب الزكاة والديات، فتفضل في الأضحية أيضًا. بدائع الصنائع (5/ 70-71).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
اختلف الفقهاء في الاشتراك في الهدي والضحايا، فقال مالك: يجوز للرجل أنْ يذبح الشاة أو البقرة أو البدنة عن نفسه وعن أهل البيت، وسواء كانوا سبعة، أو أكثر من سبعة، يُشركهم فيها، ولا يجوز أن يشتروها بينهم بالشركة فيذبحوها، إنَّما يجزئ إذا تطوع عنهم، ولا يجزئ عن الأجنبيِّين، هذا كله قول مالك.
وقال الليث بن سعد مثله في البقر.
وأجاز مالك الاشتراك في الهدي التطوع على هذا الوجه، ولا يجوز عنده الاشتراك في الهدي الواجب بحال، لا في بدنة، ولا في بقرة، والحُجَّة له فيما ذهب إليه من ذلك كله: حديث ابن شهاب المذكور في هذا الباب، وحديث جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر: أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أَشْرَك عليًّا في هديه عام حجَّة الوداع، وقد قال -صلى الله عليه وسلم- في بعض ضحاياه: «هذه عنِّي، وعمن لم يضحِّ من أمَّتي» وهذا كله تطوع، ليس باشتراك لازم، على ما قال مالك -رحمه الله-.
وقال الشافعي والأوزاعي والثوري وأبو حنيفة وأصحابهم: يجوز الاشتراك في الهدي التطوع، وفي الواجب، وفي الضحايا: البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة، وهو قول أحمد بن حنبل وأبي ثور والطبري وداود بن علي، ولا يجوز عند واحد منهم اشتراك أكثر من سبعة في بدنة ولا بقرة.
وأجمع العلماء: أنَّه لا يجوز الاشتراك في الشاة لِمَن لزمه دم، وحجَّة هؤلاء حديث جابر قال: «كنا نتمتع مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فنذبح البقرة عن سبعة، والبدنة عن سبعة». التمهيد (7/ 504، 505).
وقال ابن الجلَّاب المالكي -رحمه الله-:
لا بأس أنْ يضحِّي الرجل عنه وعن أهل بيته ‌بشاة ‌واحدة، والبدنة والشاة والبقرة في ذلك بمنزلة واحدة. التفريع (1/ 303).
وقال الباجي -رحمه الله-:
يجوز عند مالك أنْ تكون الأضحية لرجل واحد، فيذبحها ‌عنه ‌وعن ‌أهل ‌بيته ومن في عياله، وإنْ كانوا أكثر من سبعة، وقال أبو حنيفة: يجوز أنْ يشترك سبعة في ثمن الهدي والأضحية، ثم يذبحونها إذا كان كل واحد منهم قَصَد القُرْبة في ذبحه، وإنْ كانت وجوهها مختلفة، مثل: أنْ يلزم أحدهم جزاء صيد، ويلزم الآخر فدية أذى، ويريد هدي تطوع، فإن كان منهم من لا يقصد القُرْبة، وإنَّما يقصد اللحم، لم يجزه ذلك، وقال زفر: لا يجزئ حتى تكون وجوه القُرْبة واحدة.
وقال الشافعي: إنَّ ذلك يجزئه على كل وجه.
واتفقوا على أنَّه لا يجزئ عن أكثر من سبعة. المنتقى (3/95- 96).
وقال ابن العربي -رحمه الله-:
فإنَّ الشاة الواحدة تجزئ عنهم (أهل البيت الواحد)، ألا ترى إلى قول النبي -صلى الله عليه وسلم -: «‌على آل كُلَّ بيتٍ أُضْحَاةٌ » وإلى حديث أبي أيوب: «‌كُنَّا نُضَحَّي بالشَّاةِ الواحدةِ عن أهلِ البيتِ»، واشتراك أهل البيت في ذلك رخصة ورفق؛ فأما اشتراك الأجانب فلا يكون في إقامة السُّنن، وإنما يكون في النوافل، وقد روى مسلم عن جابر «‌نحَرَ رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- عن نِسَائِهِ وذَبَحَ »، وإنَّما فعل ذلك إما بأنْ أدخلهم في أهل البيت، وهم منه، وإما بأنه كان في التطوُّع، لا في الفرائض والسُّنن.
وإنَّما يكون الذبح عن الموجود لا عن المعدوم، والحمل في حيِّز العدم، حتى يثبت وجوده بالولادة، إلا أنَّه إنْ وُلد في اليوم الثالث، شُرعت له الأضحية؛ لأنه زمانها، فأما إذا كان في البطن، فلا يذكر في أهل البيت، ولا يفرد بضحية عنهم. القبس (ص: 646).
وقال القاضي عبد الوهاب المالكي -رحمه الله-:
إنْ ضحَّى الرجل بكبش أو غيره ‌عنه ‌وعن ‌أهل ‌بيته جاز؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- فعل ذلك، وليست هذا بشركة في ملك اللحم، وإنَّما المراد بذلك الشركة في الثواب والبركة. المعونة (ص: 664).
وقال القاضي عبد الوهاب المالكي -رحمه الله- أيضًا:
لا يجوز الاشتراك في ثمن الأضحية ولا لحمها، خلافًا لأبي حنيفة والشافعي في قولهما: إنَّ البدنة تجزئ عن سبعة، وكذلك البقرة، إلا عند أبي حنيفة أنَّه إذا كان قَصْدُ جميعهم القُرْبة جاز، أيّ قُرْبة كانت، وإنْ قصد بعضهم الإباحة لم يجز؛ فدليلنا أنَّه حيوان يُضحَّى به فلم يجز إلا عن واحد كالشاة؛ ولأنَّ كل واحد يصير مُخرجًا للحم بعض البدنة أو بقرة؛ وذلك لا يكون أضحيته، كما لو اشترى لحمًا؛ ولأن كل إنسان مخاطب بفعل ما يُسمّى أضحيته، وهذا الاسم ينطلق على إراقة الدم دون اللّحم؛ ولأنَّه اشتراك في دم، فوجب ألا يجزئ مريد الأضحية، أصله: إذا قصد بعضهم الإباحة مع أبي حنيفة، وإذا زاد على السبعة معه ومع الشافعي. الإشراف (2/ 909-910).
وقال اللخمي المالكي -رحمه الله-:
أجاز مالك لأهل البيت ‌الاشتراك ‌في ‌الأضحية، ومنَعَه في الأجنبيِّين، وليس للعدد الذي يشترك فيه عنده حد، قال: ويجوز أنْ تُذبح البدنة عن سبعة وأكثر، وكذلك هدي التطوع يجوز على هذا أن يشترك في البدنة والكبش سبعة وأكثر، ويجوز أن يشتركوا في الثمن؛ لأنه إذا جاز الأجنبيِّين أن يتطوعوا بذبح ما هو شركة بينهم، جاز أن يشتروه لمثل ذلك، وأن يُخرجوا الثمن قبل الشراء، وأن تكون أجزاؤهم فيه متفقة ومختلفة.
وذكر ابن المنذر عن ابن عمر وأنس -رضي الله عنهم-، وعطاء بن أبي رباح والحسن وطاوس وسالم بن عبد الله وعمرو بن دينار والثوري والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور وأصحاب الرأي: أنهم أجازوا الاشتراك في الواجب البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة، وهذا في المتعة دون جزاء الصيد، وهو مقصور عندهم على هذا العدد، لا يزاد على سبعة، ويجوز أن يكون عن ستة وخمسة وأقل.
ولا يجوز الاشتراك في الشاة عن الواجب، وأصلهم في ذلك حديث جابر، وقد نحا مالك إلى مثل ذلك، فيمن نذر بدنة فلم يجدها أنه يهدي بقرة، فإن لم يجد فسبعة من الغنم، فجعل بدل البدنة سبعًا من الغنم، وإذا كان ذلك وكانت الشاة تجزئ عن التمتع، كان السبعة بالخيار بين أن يأتي كل واحد بشاة، أو يأتوا ببدنة. التبصرة (3/ 1232- 1233).
وقال ابن قدامة -رحمه الله-:
لا بأس أن يذبح الرجل عن أهل بيته شاة واحدة، أو بقرة أو بدنة، نصَّ عليه أحمد، وبه قال مالك والليث والأوزاعي وإسحاق، وروي ذلك عن ابن عمر وأبي هريرة، قال صالح: قلتُ لأبي: يضحي بالشاة عن أهل البيت؟ قال: نعم، لا بأس، قد ذبح النبي -صلى الله عليه وسلم- كبشين، فقرَّب أحدهما، فقال: «بسم الله، اللهم هذا عن محمد وأهل بيته، وقرَّب الآخر فقال: بسم الله، اللهم هذا منك ولك، عمَّن وحَّدك من أمَّتي».
وحكي عن أبي هريرة أنه كان يضحي بالشاة، فتجيء ابنته فتقول: عني، فيقول: وعنك.
وكره ذلك الثوري وأبو حنيفة؛ لأن ‌الشاة لا ‌تجزئ عن أكثر من واحد، فإذا اشترك فيها اثنان لم تجز عنهما، كالأجنبيين، ولنا ما روى مسلم بإسناده عن عائشة أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- أُتي بكبش ليضحي به، فأضجعه ثم ذبحه، ثم قال: «بسم الله، اللهم تقبَّل من محمد وآل محمد» وعن جابر قال: «ذبح رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوم الذبح كبشين أقرنين أملحين موجوءين، فلما وجههما قال: وجهتُ وجهي للذي فطر السماوات والأرض، على ملة إبراهيم حنيفًا، وما أنا من المشركين، إنَّ صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا من المسلمين، اللهم منك ولك، عن محمد وأمَّته، بسم الله، والله أكبر» ثم ذبح، رواه أبو داود، وروى ابن ماجه عن أبي أيوب قال: «كان الرجل في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- يُضحي عنه بالشاة، وعن أهل بيته، فيأكلون ويطعمون الناس»، حديث حسن صحيح. المغني (13/ 365- 366).
وقال ابن حزم -رحمه الله-:
جائز أنْ يشترك في ‌الأضحية الواحدة أي شيء كانت الجماعة من أهل البيت وغيرهم، وجائز أنْ يضحي الواحد بعدد من الأضاحي: «ضحَّى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بكبشين أملحين»، ولم ينه عن أكثر من ذلك، والأضحية فعل خير، فالاستكثار من الخير حسن.
وقال أبو حنيفة وسفيان الثوري والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وأبو سليمان: ‌تجزئ البقرة أو الناقة عن سبعة فأقل، أجنبيين وغير أجنبيين، يشتركون فيها، ولا ‌تجزئ عن أكثر، ولا ‌تجزئ ‌الشاة إلا عن واحد.
وقال مالك: يجزئ الرأس الواحد من الإبل أو البقر أو الغنم عن واحد، وعن أهل البيت وإنْ كثر عددهم، وكانوا أكثر من سبعة إذا أشركهم فيها تطوعًا، ولا ‌تجزئ إذا اشتروها بينهم بالشركة، ولا عن أجنبيين فصاعدًا.
قال أبو محمد (ابن حزم): ‌الأضحية فعل خير، وتطوع بالبر، فالاشتراك في التطوع جائز، ما لم يمنع من ذلك نص، قال تعالى: {وَافْعَلُوا الْخَيْرَ} الحج: 77، فالمشتركون فيها فاعلون للخير، فلا معنى لتخصيص الأجنبيين بالمنع، ولا معنى لمنع ذلك بالشراء؛ لأنه كله قول بلا برهان أصلًا، لا من قرآن ولا سنة، ولا رواية سقيمة (ضعيفة) ولا قياس.
وقد أباح الليث الاشتراك في ‌الأضحية في السفر، وهذا تخصيص لا معنى له أيضًا. المحلى (6/ 45).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
إنْ ضحى بشاة واحدة ‌عنه ‌وعن ‌أهل ‌بيته أجزأ ذلك في أظهر قولي العلماء، وهو مذهب مالك وأحمد وغيرهما، فإنَّ الصحابة كانوا يفعلون ذلك، وقد ثبت في الصحيح: أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- ضحى بشاتين، فقال في إحداهما: «اللهم من محمد، وآل محمد». مجموع الفتاوى (26/ 310).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
قوله: «وتجزئ الشاة عن واحد» أي: يضحي الإنسان بالشاة عن نفسه، وتجزئ من حيث الثواب عنه، وعن أهل بيته أيضًا؛ لأنَّ الرسول -صلّى الله عليه وسلّم- كان يضحي بالشاة الواحدة عنه وعن أهل بيته وعنده تسع نِسوة. الشرح الممتع (7/ 427).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
الشاة تجزئ عن أهل البيت؛ لأن الصحابة كانوا يفعلون ذلك في عهده -صلى الله عليه وسلم-، والظاهر اطِّلاعه، فلا ينكر عليهم، ويدل على ذلك أيضًا حديث: «على كل أهل بيت في كل عام أضحية»...
وقال الهادي والقاسم: تجزئ الشاة عن ثلاثة، وقيل: تجزئ عن واحد فقط...، وقد زعم النووي أنَّه متفق عليه، وهو غلط، وقد وافقه على دعوى الإجماع ابن رشد، وكذلك زعم المهدي في البحر: أنَّه لا قائل بأنَّ الشاة تجزئ عن أكثر من ثلاثة وهو أيضًا غلط.
والحق: أنَّها تجزئ عن أهل البيت وإنْ كانوا ‌مائة ‌نفس ‌أو ‌أكثر، كما قضت بذلك السُّنة. نيل الأوطار (5/ 143)
وقال العظيم أبادي -رحمه الله-:
قلت: المذهب الحق هو أن الشاة تجزئ عن أهل البيت؛ لأن الصحابة كانوا يفعلون ذلك في عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، قال أبو أيوب الأنصاري: «كان الرجل في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- يضحي بالشاة عنه وعن أهل بيته، فيأكلون ويُطعمون، حتى تباهى الناس فصار كما ترى» رواه ابن ماجه والترمذي وصححه، وأخرج ابن ماجه من طريق الشعبي عن أبي سريحة قال: «حَمَلني أهلي على الجفاء بعد ما علِمْتُ من السُّنة، كان أهل البيت يضحون ‌بالشاة ‌والشاتين، والآن يبخِّلُنا جيراننا» قال السندي: إسناده صحيح ورجاله موثقون.
ويدل عليه قوله -صلى الله عليه وسلم-: «اللهم تقبل من محمد وآل محمد» الحديث في رواية عائشة. وأخرج الحاكم في المستدرك وقال: صحيح الإسناد عن عبد الله بن هشام قال: «كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يضحي بالشاة الواحدة عن جميع أهله»، وعند ابن أبي شيبة وأبي يعلى الموصلي عن أبي طلحة «أن النبي -صلى الله عليه وسلم- ضحى بكبشين أملحين، فقال عند الأول: عن محمد وآل محمد، وعند الثاني: عمن آمن بي وصدقني من أمَّتي» وعند ابن أبي شيبة من حديث أنس قال: «ضحَّى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بكبشين أملحين أقرنين، قرَّب أحدهما فقال: بسم الله، اللهم منك ولك، هذا مِن محمد وأهل بيته، وقرَّب الآخر فقال: بسم الله، اللهم منك ولك، هذا عمن وحَّدك من أمتي»،
وقال الحافظ الخطابي في المعالم قوله: «من محمد وآل محمد، ومن أمَّة محمد» فيه دليل على أن الشاة الواحدة تجزئ عن الرجل وعن أهله وإن كثروا، وروي عن أبي هريرة وابن عمر رضي الله عنهم أنهما كانا يفعلان ذلك، وأجازه مالك والأوزاعي والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، وكره ذلك أبو حنيفة والثوري رحمهما الله تعالى انتهى.
وقال الإمام بن القيم في زاد المعاد: وكان من هديه -صلى الله عليه وسلم- أن الشاة تجزئ عن ‌الرجل ‌وعن ‌أهل ‌بيته ‌ولو ‌كثر ‌عددهم ‌كما قال عطاء بن يسار عن أبي أيوب الأنصاري، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح، انتهى مختصرًا. عون المعبود، شرح سنن أبي داود(8/3 ـ 4).

وللاستفادة من الرواية الأخرى ينظر (هنا)


إبلاغ عن خطأ