«ضحَّى رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- بكبشينِ أَمْلَحَيْنِ مَوْجِيَّيْنِ خَصِيَّيْنِ، فقال: أحدهُمَا عمَّنْ شَهِدَ بالتوحيدِ، وله بالبلاغِ، والآخَرُ عنه وعنْ أهلِ بيتِهِ، قال: فكان رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- قدْ كَفَانَا».
رواه أحمد برقم: (23860)، من حديث أبي رافع -رضي الله عنه-.
ورواه ابن ماجه برقم: (3122) من حديث عائشة أو أبي هريرة -رضي الله عنهما-، وفيه: «كبشين عظيمين، سَمينين أَقْرنَين».
إرواء الغليل برقم: (1147)، صحيح ابن ماجه برقم: (3113).
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«أَمْلَحَيْنِ»:
أي: أبيضَين يُخالطُهما سَوادٌ. اللامع الصبيح، للبرماوي (6/ 174).
وقال الكسائي وأبو زيد وغيرهما: قوله: «أَمْلَحَيْنِ» الأَمْلَحُ: الذي فيه بياض وسواد، ويكون البياض أكثر. غريب الحديث، للقاسم بن سلام (2/ 206).
«مَوْجِيَّيْنِ»:
أي: خَصِيَّيْنِ، ومنهم من يرويه: «موجَأين» بوزن مكرمين، وهو خطأ، ومنهم من يرويه «موجيين» بغير همز على التخفيف، ويكون مِن وَجيته وجيًا فهو مُوجِي. النهاية، لابن الأثير (5/ 152).
شرح الحديث
قوله: «ضَحَّى رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- بكبشينِ»:
قال التوربشتي -رحمه الله-:
معنى التضحية هو: الذبح على وجه القُرْبة، ومنه الأضحية: وهي شاة تُذبح يوم الأضحى، وتسمية ذلك اليوم بالأضحى؛ لأن الصلاة شُرعت فيه عند ارتفاع النهار، وشرع الذبح بعدها. الميسر (1/ 347).
وقال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
قوله: «ضحى» من التضحية، وفي رواية: «كان يضحي» وفيها إشعار بالمداومة على ذلك، فتمسك به من قال: الضأن في الأضحية أفضل؛ ضرورة أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- لا يداوم إلا على ما هو الأفضل. مرعاة المفاتيح (5/ 73).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «بكبشين» الكبش بفتح وسكون: الفحل من الغنم الذي يناطح. لمعات التنقيح (3/ 570، 571).
وقال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
«بكبشين» الكبش بفتح فسكون: فحل الضأن في أي سِن كان، واختُلف في ابتدائه، فقيل: إذا أثنى، وقيل: إذا أربع، أي: خرجت رباعيته. مرعاة المفاتيح (5/ 73).
قال النسفي -رحمه الله-:
«كبشينِ» أحدهما عن نفسه، والآخر عن أمَّته. طلبة الطلبة (ص: 105).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
ومن ثَمَّ قال الشافعية: إنَّ الأضحية بسبع شياه أفضل من البعير؛ لأن الدم المراق فيها أكثر، والثواب يزيد بحسبه، وأنَّ من أراد أن يضحي بأكثر من واحد يعجله. فتح الباري (10/ 10).
قوله: «أَمْلَحَيْنِ»:
قال التوربشتي -رحمه الله-:
«أملحين» الملحة من الألوان: بياض يخالطه سواد، وإلى هذا ذهب كثير من أصحاب الغريب في معنى أملحين، وخالفهم ابن الإعرابي فقال: هو نقي البياض، ولعله ذهب إلى ذلك لقول العرب لبعض شهور الشتاء: لميحان؛ لبياض ثلجه. الميسر (1/ 347).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
الأملح من الكباش: هو الذي في خلال صوفه الأبيض طاقات سود. معالم السنن (2/ 228، 229).
وقال العيني -رحمه الله-:
قوله: «أملحين» تثنية أملح: وهو الأغبر، وهو الذي فيه سواد وبياض. عمدة القاري (21/ 150).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
الأملح من الغنم: الذي في لونه سواد وبياض، وقيل: إذا كان بياضه أكثر من سواده، وقيل: هو النقي البياض، وقيل: الأبيض الذي ليس نقي البياض. الشافي (3/ 564).
وقال ابن الأثير -رحمه الله- أيضًا:
المستحب في ألوان الضحية أن يكون أبيض، فإن لم يكن فأعفر: وهو الأغبر، فإن لم يكن فأبلق بسواد، فإن لم يكن فأسود. الشافي (3/ 564).
وقال ابن دقيق العيد -رحمه الله-:
الأملح الأبيض، والملحة البياض، وقد اختار الفقهاء هذا اللون للأضحية. إحكام الأحكام (2/ 291).
قوله: «مَوْجِيَّيْنِ خَصِيَّيْنِ»:
قال الخطابي -رحمه الله-:
قوله: «موجوءين» يريد منزوعي الأنثيين، والوِجَاء الخصاء، يقال: وَجَأْتُ الدابة، فهي موجوءة: إذا خَصَيْتُها.
وفي هذا دليل على أن الخصي في الضحايا غير مكروه، وقد كرهه بعض أهل العلم؛ لنقص العضو، وهذا نقص ليس بعيب؛ لأن الخصاء يفيد اللحم طيبًا، وينفي منه الزهومة، وسوء الرائحة. معالم السنن (2/ 228، 229).
وقال الرافعي -رحمه الله-:
قوله: «موجوءين» أي: منزوعي الخصية، واستأنس به من قال: بجواز خصاء البهائم، وبه قال عروة بن الزبير والحسن وابن سيرين وعمر بن عبد العزيز. شرح مسند الشافعي (3/ 115، 116).
وقال التوربشتي -رحمه الله-:
«موجيين» الوِجاء بالكسر ممدودًا: رَضُّ عروق البيضتين حتى ينْفَضِخُ، فيكون شبيهًا بالخصاء، ومنه الحديث: «عليكم بالباءة، فمن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإنه له وِجَاء»، يقول منه: وَجَأْتُ الكبش فهو موجوء، وصواب هذا اللفظ موجوءين، وأصحاب الحديث يروونه «موجيين» وهذا الحرف ليس من باب الياء، وإنما هو من باب الهمز على ما ذكرناه، فلعلهم تركوا الهمزة فرووه كذلك. الميسر (1/ 349).
وقال البيضاوي -رحمه الله-:
الموجَأ الخصي، مِن الوِجاء: وهو رضُّ عروق الخصيتين، وفي الحديث: «عليكم بالباءة، فمن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإنه له وِجاء» وهو من: الوجء، بمعنى: الكسر، يقال: وَجَأْتُ عنقه أَجَؤُها وِجَاء، وأصله: موجوءين، لكن لما كانت الهمزة قد تُقلب ياء في ماضي ما لم يُسم فاعله -وهو كالأصل للمفعول- قُلبت ها هنا، ثم قُلبت الواو لتقدمها سالبة عن الياء ياءً، وأُدغمت فيها، وروي: «موجين» أي: مختلطي السواد والبياض، ويكون صفة مؤكدة لـ«أملحين». تحفة الأبرار (1/ 398).
وقال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «موجيين» حقه: موجوءين؛ لأنه مفعول مِن وجأ مهموز اللام: إذا دقَّ عروق الخصية حتى يصير الكبش شبيهًا بالخصي، إلا أنهم قلبوا الهمزة ياءً، وقلبوا الواو ياءً؛ لأن الواو والياء إذا اجتمعتا والأُولى منهما ساكنة تُقلب الواو ياء، وتُدغم الياء في الياء، ويُكسر ما قبل الياء، فصار مَوْجِيَّيْنِ، مثله مُوْجَيَيْنِ. المفاتيح (2/ 352).
وقال السندي -رحمه الله-:
«موجوءين» موجوء مفعول مِن وجأ مهموز اللام، وروي بإثبات الهمزة، وقلبها ياءً، ثم قلب الواو ياء، وإدغامها فيها، كمرمى، أي: منزوعي الأنثيين، قد رُضَّت أنثياهما، وذلك أسمن لهما. فتح الودود (3/ 204).
وقال السهارنفوري -رحمه الله-:
«موجوءين» أي: خصيَّين، والوِجَأ أن تُرضَّ أُنْثَيا الفحل رضًّا شديدًا يذهب شهوة الجماع، وقيل: منزوع الأنثيين. بذل المجهود (9/ 540).
وقال السندي -رحمه الله-:
قوله: «خصيَّين» كالتفسير له، والله تعالى أعلم. حاشيته على مسند أحمد (5/428).
وفي رواية ابن ماجه: «كبشين عظيمين، سمينين، أقرنين»:
قال ابن حجر -رحمه الله-:
وقد أخرجه ابن ماجه من طريق عبد الرزاق، لكن وقع في النسخة «ثمينين» بمثلثة أوله بدل السين، والأول أَولى، وابن عقيل المذكور في سنده مختلف فيه، وقد اختلف عليه في إسناده، فقال زهير بن محمد وشريك وعبيد الله بن عمرو كلهم عنه: عن علي بن الحسين عن أبي رافع، وخالفهم الثوري كما ترى، ويحتمل أن يكون له في هذا الحديث طريقان، وليس في روايته في حديث أبي رافع لفظ «سمينين». فتح الباري (10/ 10).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«اشترى كبشين عظيمين» أي: جسيمين «سمينين» أي: طيبين في اللحم «أقرنين» أي: طويلي القرن. مرشد ذوي الحجا والحاجة (18/ 310).
وقال النووي -رحمه الله-:
قوله: «أقرنين» أي: لكل واحد منهما قرنان حسنان، قال العلماء: فيستحب الأقرن. شرح صحيح مسلم(13/ 120).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
وقوله: «أقْرَنين» استحب العلماء القَرناء على الجمَّاء، والذُّكران على الإناث؛ اقتداء بفعل النبي -صلى الله عليه وسلم-، ولا خلاف بين العلماء في جواز الضحية في الأجم. إكمال المعلم (6/ 411).
وقال النووي -رحمه الله-:
وأجمع العلماء على جواز التضحية بالأجمِّ الذي لم يُخلق له قرنان، واختلفوا في مكسورة القرن، فجوَّزه الشافعي وأبو حنيفة والجمهور، سواء كان يدمي أم لا، وكرهه مالك إذا كان يدمي، وجعله عيبًا. شرح صحيح مسلم (13/ 120).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
ومِن أحسن النسيكة: الكبشان الأقرنان الأملحان، والأملح: هو الأبيض، وهو الذي لا يتوارى فيه عيب، الأقرن ينتصف في مرعاه. الإفصاح (5/ 144).
وقال السفاريني -رحمه الله-:
فيستحب أن يضحي بالأقرن، وهو أفضل من الأجم، مع الاتفاق على جواز التضحية بالأجم، وهو الذي لا قرن له. كشف اللثام(7/ 37).
وقال المظهري -رحمه الله-:
ولعل فضيلة الكبش الأقرن على غيره في الأضحية؛ لكونه أعظم جثة وسمنًا في الغالب. المفاتيح (2/ 428).
قوله: «فقال: أحدهُمَا عمَّنْ شَهِدَ بالتوحيدِ، وله بالبلاغِ، والآخرُ عنه وعن أهلِ بيتِهِ، قال: فكانَ رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- قدْ كَفَانَا»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«لمن شهد لله بالتوحيد» أي: بالوحدانية، «وشهد له» أي: لمحمد -صلى الله عليه وسلم- «بالبلاغ» أي: بتبليغ الشريعة إلى الأمة؛ والمراد: شهد له بالرسالة «وذبح الآخر» من الكبشين «عن محمد وآل محمد» أي: أهل بيته -صلى الله عليه وسلم-. مرشد ذوي الحجا والحاجة (18/ 310).
وقال الرافعي -رحمه الله-:
ذبحه -صلى الله عليه وسلم- الكبش عن أمته، وعن نفسه وآله، ذكر الأصحاب فيه أن الشاة الواحد وإن كان لا يضحي بها إلا واحد، لكن إذا ضحى بها من أهل بيت تأدى الشعار والسنة لجميعهم، وكما أن الفرض ينقسم إلى: فرض عين وفرض على الكفاية، فكذلك السنة، والتضحية مسنونة على الكفاية لكل أهل بيت، وهذا ظاهر في آله المخصوصين به، وأما في الأمة؛ فلأن رابطة الإسلام تجعل النبي -صلى الله عليه وسلم- والأمة كأهل بيت واحد، قال تعالى: {وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا} نوح: 28. شرح مسند الشافعي (3/ 116).
وقال النووي -رحمه الله-:
في الحديث جواز تضحية الإنسان بعدد من الحيوان. شرح صحيح مسلم(13/ 120).
وقال السندي -رحمه الله-:
قوله: «قد كفانا» كأنَّه كان يرى عدم وجوب الأضحية على الأُمَّة. حاشيته على مسند أحمد (5/428).
وللاستفادة من الرواية الأخرى ينظر (هنا)