السبت 15 جمادى الآخرة 1447 | 2025-12-06

A a

«رأيتُ رسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- يطوفُ بالبيتِ، ويستلِمُ الركنَ ‌بمِحْجَنٍ ‌مَعَهُ، ‌ويُقَبِّل ‌المِحْجَنَ».


رواه مسلم برقم: (1275) من حديث أبي الطُّفَيْلِ عامر بن واثلة -رضي الله عنه-. 


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«المِحْجَنَ»:
الْمِحْجَن: عودٌ معقَّف الرأس، مع الراكب، يُحرِّك به ‌راحلته. معالم السنن، للخطابي (2/ 192).
وقال النووي -رحمه الله-:
الْمِحْجَن بكسر الميم، وإسكان الحاء، وفتح الجيم، وهو عصا معقَّفة، يتناول بها الراكب ما سقط له، ويحرِّك بطرفها بعيره للمشي. شرح صحيح مسلم (9/ 18).  


شرح الحديث


قوله: «رأيتُ رسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- يطوفُ بالبيتِ»:
قال محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«رأيتُ النبي -صلى الله عليه وسلم-» حالة كونه «‌يطوف ‌بالبيت» المكرَّم، حالة كونه راكبًا. مرشد ذوي الحجا والحاجة (17/ 216).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«رأيتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ‌يطوف ‌بالبيت» أي: راكبًا. مرقاة المفاتيح (5/ 1787).
وقال الشيخ عبد الله الفوزان -حفظه الله-:
قوله: «‌يطوف ‌بالبيت» الطواف: مصدر طاف يطوف طوافًا وطوافانًا، بمعنى: دار، وشرعًا: الدوران سبعة أشواط حول الكعبة بنيَّة الطواف على صفة مخصوصة. منحة العلام (5/ 292- 293).

قوله: «ويَستلِمُ الركنَ ‌بمِحْجَنٍ ‌معه، ‌ويُقَبِّل ‌المِحْجَنَ»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«ويستلم الركن» أي: يشير إليه «بمِحْجَن معه، ويقبل ‌المحجن» أي: بدل الحجر للماشي. مرقاة المفاتيح (5/ 1787).
وقال الشيخ عبد الله الفوزان -حفظه الله-:
قوله: «ويَستلم» تقدَّم في حديث جابر -رضي الله عنه- معنى الاستلام، وأنَّه لمس الحجَر باليد، قوله: «بمحجن» الْمِحْجَن: بكسر الميم: عصا محنيَّة الرأس، يحملها الراكب ليوجِّه بها راحلته، ويتناول بها المتاع، أو غيره. منحة العلام (5/ 293).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
قوله في هذا الحديث: «ويستلم الركن بِمحجنٍ معه، وَيُقَبِّلُ المِحْجَنَ» على ما تقدم فيمَن تعذَّر عليه التقبيل للحجر أيضًا، يضع يده عليه، فإنْ لم تمكنه فما يقوم مقام يده، والْمِحْجَن: عصا معقَّفة، يتناول بها الراكب ما سقط له، ويحرك بطرفها بعيره للمشي. إكمال المعلم (4/ 349).
وقال المغربي -رحمه الله-:
قوله: «ويُقبِّل المحجن» وهذا مثل ما ورد في تقبيل اليد إذا استلم بها الركن، كما في حديث ابن عمر، أخرجه البخاري.
وأخرج سعيد بن منصور من طريق عطاء، قال: «رأيتُ أبا سعيد وأبا هريرة وابن عمر وجابر إذا استلموا الحَجر قبّلوا أيديهم، قيل: وابن عباس؟ قال: وابن عباس أحسبه».
وبهذا قال الجمهور: إنَّ السُّنة أن يستلم الركن ويقبّل يده، فإن لم يستطع أن يستلمه تناوله بشيء في يده، وقبَّل ذلك الشيء، فإن لم يستطع أشار إليه واكتفى بذلك، وعن مالك في رواية لا يقبّل يده، وكذا قال القاسم، وفي رواية عند المالكية يضع يده على فيه من غير تقبيل. البدر التمام (5/ 323).
وقال التوربشتي -رحمه الله-:
«الْمِحْجَن»: خشَبة في رأسه اعوجاج كالصولجان، قلتُ: لما كان من حق الملوك على مَن ينتابهم من الوفود أن يقبلوا أيمانهم، وكان الحجَر للبيت بمثابة اليد اليمنى شُرع التقبيل للوافدين إليه، والطائفين به، إقامة لشرط التعظيم، فإن منع عنه مانع فالسُّنة فيه أن يشير إليه بيده، ثم يقبّل يده، والمعنى: أني رُمتُ التقبيل فحجزني عنه حاجز، فها أنا أقبِّل اليد التي تشرَّفت بالإشارة إليك، مكان ما قد فاتني.
قلتُ: وقد وُجد في تقبيل النبي -صلى الله عليه وسلم- الْمِحْجَن من التعظيم ما لا يوجد في تقبيل اليد نفسها؛ لأنه أبلغ في بيان المقصد، وأقرب إلى التواضع، وأبعد من تهمة الترفع، وشبهة الاشتراك. الميسر (2/ 603).
وقال الشيخ عبد الله الفوزان -حفظه الله-:
يُستفاد من مجموع الأحاديث الواردة في الحجر الأسود: أنَّ للناس مع الحجر ثلاث حالات:
الأولى: التمكن من تقبيله، فهذا يقبِّل ويكبِّر عند التقبيل، وهذا هو الكمال، ولم يرد في الأحاديث تحديد عدد للتقبيل، فالأَولى مرة واحدة؛ إذ لو قبّل النبي -صلى الله عليه وسلم- أكثر من مرة لنُقل إلينا.
الثانية: ألا يتمكن من التقبيل، ويتمكن من الاستلام باليد أو بالعصا ونحوه، فيُشرع ذلك مع التكبير، ويقبّل يده أو عصاه إذا استلم بها؛ لكونها لامست الحجر؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- لما طاف في حجة الوداع على بعير استلم الركن بمحجن، ثم قبّل المحجن الذي استلم به الركن، وقد روى مسلم بسنده عن نافع، قال: رأيتُ ابن عمر -رضي الله عنهما- يستلم الحجر بيده، ثم قبَّل يده، وقال: «ما تركتُه منذ رأيتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يفعله».
الثالثة: ألا يتمكن من الاستلام؛ لكونه راكبًا، أو لوجود زحام، فهذا يشير إلى الحجَر ويكبِّر، ولا يقبّل ما أشار به -على الراجح من قولي أهل العلم-؛ لأنه لا يقبل إلا الحجر، أو ما مس الحجر، والله تعالى أعلم. منحة العلام (5/ 293).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
فهذه ثلاثة أنواع صحَّت عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: تقبيله (أي: الحجر الأسود) وهو أعلاها، واستلامه وتقبيل يده، والإشارة إليه بالمحجن وتقبيله؛ لما رواه مسلم عن أبي الطفيل، قال: «رأيتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ‌يطوف ‌بالبيت، ويستلم الحجر بمحجن معه، ويقبل ‌المحجن». تهذيب سنن أبي داود (1/ 372).
وقال النووي -رحمه الله-:
فيه: دليل على استحباب استلام الحجر الأسود، وأنه إذا عجز عن استلامه بيده بأن كان راكبًا أو غيره استلمه بعصا ونحوها، ثم قبّل ما استلم به، وهذا مذهبنا. المنهاج شرح صحيح مسلم (9/ 20).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
ففيه: دليل على أنَّ الإنسان إذا طاف بالبيت ولم يتمكن من استلام الركن بيده، ومعه شيء، فإنَّه يستلمه بهذا الشيء، ويقبّل يده، ولكن يشترط في ذلك: ألا يؤذي أحدًا، فإن كان يؤذي أحدًا فإنَّه لا يفعل؛ لأن الأذية محرمة، واستلامه بهذا الشيء سُنة.
فإنْ قال قائل: ألا يمكن أنْ يكون النبي -صلى الله عليه وسلم- حين استلامه الحجر يؤذي أحدًا؟
فالجواب: لا؛ لأن الناس إذا رأوا النبي -صلى الله عليه وسلم- يريد أن يستلمه بالمحجن سوف يبتعدون، ولا يتأذون بذلك، وإنَّما فعل -عليه الصلاة والسلام- هذا لأنه كان راكبًا، ومعه المحجن، وهو العصا المحنية الرأس. فتح ذي الجلال والإكرام (3/ 412).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
أما الركن اليماني فلا يقبّل على القول الصحيح، وأما ‌سائر ‌جوانب ‌البيت والركنان الشاميان ومقام إبراهيم فلا تقبَّل، ولا يتمسح به باتفاق المسلمين المتبعين للسُّنة المتواترة عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، فإذا لم يكن التمسح بذلك وتقبيله مستحبًّا فأَولى ألا يُقَبَّل، ولا يتمسح بما هو دون ذلك. مجموع الفتاوى (26/ 97).
وقال ابن قاسم -رحمه الله-:
أما ‌الإشارة ‌إلى ‌الحجر الأسود إنْ شق عليه التقبيل، أو الاستلام بيده أو شيء فهو إجماع، وأما اليماني فلم يثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنَّه كان يشير إليه، ولو فعله لنُقل، كما نُقل ‌الإشارة ‌إلى ‌الحجر الأسود، فالسنة ترك ما تركه -صلى الله عليه وسلم- ،كما أنَّ السُّنة فعل ما فعله -صلى الله عليه وسلم-. حاشية الروض المربع (4/ 103).
وقال الشيخ عبد الله البسام -رحمه الله-:
ما يُؤخَذ من الحديث:
1. لما أكثر الناس على النبي -صلى الله عليه وسلم- في حجة الوداع، وهو يطوف طاف على ناقته، وجعل يستلم الحجر الأسود بمحجنه، ويشير به -صلى الله عليه وسلم- إلى الحجر.
2. فيه: دليل على جواز الطواف راكبًا للحاجة.
3. فيه: استحباب استلام الحجر الأسود، فإنْ شق استلامه باليد استلمه بما فيه يده على ألا يؤذي بذلك الطائفين.
4. استلام الحجر الأسود، وتقبيله لم يرد عن النبي -صلى الله عليه وسلم- إلا في حال الطواف، وبين الطواف والسعي. توضيح الأحكام (4/ 146- 147).
وقال الشيخ عبد الله الفوزان -حفظه الله-:
الحديث دليل على مشروعية استلام الحجر الأسود بالعصا ونحوه، إذا لم يتمكن من استلامه بيده، ولم يؤذِ أحدًا.
وإنَّما استلمه النبي -صلى الله عليه وسلم- بمحجن؛ لأنه كان قد طاف على بعير؛ لما روى جابر -رضي الله عنه- قال: «طاف رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالبيت في حجة الوداع على راحلته يستلم الحجر بمحجن؛ ليراه الناس؛ وليُشْرِف، وليسألوه، فإن الناس غَشُوه»، وهذا فيه بيان لعلة ركوبه، وهو أن الناس قد غَشُوه، ولم يكونوا يُطردون عنه، أو يضربون بين يديه، فطاف على بعير، وكان ذلك في طواف الإفاضة يوم العيد؛ ليُشرف على الناس، ويشاهدوه، فيتعلموا من سنته، ويسألوه -صلوات الله وسلامه عليه-. منحة العلام (5/ 293).

وللاستفادة من الرواية الأخرى ينظر (هنا)


إبلاغ عن خطأ