السبت 15 جمادى الآخرة 1447 | 2025-12-06

A a

«بعثني أبو بكرٍ -رضي الله عنه- فيمَن يُؤَذِّنُ يومَ النَّحرِ بمِنًى: لا يَحُجُّ بعدَ العامِ مُشركٌ، ولا يطوفُ بالبيتِ ‌عُرْيانٌ، ‌ويومُ ‌الحجِّ ‌الأكبرِ: ‌يومُ ‌النَّحْرِ، وإنَّما قيل: الأكبرُ من أجلِ قولِ الناسِ: الحجُّ الأصغرُ، فنَبَذَ أبو بكرٍ إلى الناسِ في ذلك العامِ، فلم يَحُجَّ عامَ حجةِ الوداعِ الذي حجَّ فيه النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- مشركٌ».


رواه البخاري برقم: (3177) واللفظ له، ومسلم برقم: (1347)، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.
وفي لفظ مسلم: «قال ابنُ شِهَابٍ: فكانَ حُمَيْدُ بنُ عبدِ الرَّحمنِ يقولُ: يومُ النَّحْرِ يومُ الحجِّ الأكبرِ؛ مِن أَجْلِ حديثِ أبي هريرةَ».


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«فنَبَذَ»:
أصل النَّبذ: الطَّرح، والرَّفض. وقوله تبارك وتعالى: {فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ} آل عمران: 187]، أي: طرحوه. تحفة المجد الصريح في شرح كتاب الفصيح، اللَّبلي (ص ٢٦٢).
وقال الزبيدي -رحمه الله-:
وكلُّ طَرحٍ نَبْذٌ، ونَبذ الكتاب وراء ظهره: أَلقاه. وفي التنزيل: {فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ} آل عمران: 187. تاج العروس(9/480).


شرح الحديث


قوله: «بَعَثَنِي أبو بكرٍ -رضي الله عنه- فيمَن يُؤَذِّنُ يومَ النَّحْرِ بمِنًى»:
قال العيني -رحمه الله-:
قوله: «بَعَثَني أبو بكر» كان بَعْثُه إياه في الحِجة التي أمره النبي -صلى الله عليه وسلم- قبل حجة الوداع، والأحاديث يفسر بعضها بعضًا. عمدة القاري (15/ 101).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
قوله: «بعثني أبو بكر» هذا كان في السنة التاسعة، عندما حجَّ بالناس أبو بكر -رضي الله عنه- بأمر النبي -صلى الله عليه وسلم-. شرح سنن أبي داود (227/ 5).
وقال السهارنفوري -رحمه الله-:
«بعثني» أي: أرسلني «أبو بكر فيمَن» أي: في جماعة عامَّتهم، «يؤذِّن» أي: ينادي «يوم ‌النحر ‌بمنى». بذل المجهود (7/ 413).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«بعثني أبو بكر فيمَن يؤذِّن» بكسر الذال «يوم النحر»، وممن يؤذِّن علي وأبو بكر وغيرهم من الصحابة -رضي الله عنهم-... «بمنى» يجوز فيها التأنيث والتذكير والصرف وتركه، وجزم ابن قتيبة أنها لا تنصرف، والجوهري بالصرف والتذكير، والصرف أجود. شرح سنن أبي داود (9/ 36).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
اعلم أنَّ هذه الحجة كانت في سنة تسع من الهجرة، وإنَّما أمكن هذا لأن مكة فُتحت في سنة ثمان، وقد كان المشركون يحجُّون كل سنة. كشف المشكل (1/ 22).

قوله: «لا يَحُجُّ بعدَ العامِ مُشركٌ»:
قال محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«لا يحج بعد العام» أي: بعد الزمان الذي وقع فيه الإعلام بذلك «مشرك». الكوكب الوهاج (15/ 43).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«لا يحج» وفي رواية للبخاري: «ألّا يحج» وفي لفظ: «ألَّا يحجَّنَّ» وفي رواية النسائي: «أَلَا لا يحجَّنَّ» و«أَلَا» بفتح الهمزة، واللام المخففة تأتي على أوجه، ولكن هنا للتنبيه، فتدل على تحقق ما بعدها، «بعد العام» أي: بعد الزمان الذي فيه الإعلام، «مشرك» بالرفع فاعل «يحجُّ». البحر المحيط الثجاج (24/ 365).
وقال النووي -رحمه الله-:
قوله -صلى الله عليه وسلم-: «لا يحجّ بعد العام مشرك» موافق لقول الله تعالى: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا} التوبة: 28، والمراد بالمسجد الحرام ها هنا: الحرم كله، فلا يُمَكَّن مشرك من دخول الحرم بحالٍ، حتى لو جاء في رسالة أو أمر مهم لا يُمَكّن من الدخول، بل يُخرج إليه مَن يقضي الأمر المتعلق به، ولو دخل خفية ومرض ومات نُبش وأُخرج من الحرم. شرح صحيح مسلم (9/ 116).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «وألَّا يحج بعد العام مشرك» هو منتزع من قوله تعالى: {فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا} التوبة: 28، هذا والآية صريحة في منعهم دخول المسجد الحرام ولو لم يقصدوا الحج، ولكن لما كان الحج هو المقصود الأعظم صرَّح لهم بالمنع منه، فيكون ما وراءه أولى بالمنع، والمراد بالمسجد الحرام هنا: الحرم كله. فتح الباري (8/ 320).

قوله: «ولا يطوفُ بالبيتِ ‌عُرْيانٌ»:
قال القسطلاني -رحمه الله-:
«ولا ‌يطوف ‌بالبيت ‌عريانٌ» بالرفع فاعل «يطوف» وهو بضم الطاء وسكون الواو مخففتين مرفوع عطفًا على «يحجُّ». إرشاد الساري (3/ 174).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«ولا يطوف» يحتمل أن يكون مرفوعًا «ولا» نافية، ويجوز أن يُقرأ بفتح الطاء، وتشديد الواو، مجزومًا بالعطف على محل «يحج»، «بالبيت» متعلق بـ«يطوف»، «عريان» بالرفع على الفاعلية. البحر المحيط الثجاج (24/ 365- 366).
وقال السهارنفوري -رحمه الله-:
«ولا يطوف بالبيت عريان» وكان أهل الجاهلية يطوفون عراة، فأبطل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- رسم الجاهلية، وسَتْرُ العورة في الطواف عندنا (أي: الأحناف) من واجبات الطواف التي تُجبر بالدم، فلو طاف كاشفًا ربعَ عضو من العورة يجب الدم. بذل المجهود (7/ 414).
وقال النووي -رحمه الله-:
قوله -صلى الله عليه وسلم-: «ولا يطوف بالبيت عريان» هذا إبطال لما كانت الجاهلية عليه من الطواف بالبيت عراة، واستدل به أصحابنا وغيرهم على أن الطواف يشترط له ستر العورة، والله أعلم. شرح صحيح مسلم (9/ 116).
وقال العيني -رحمه الله-:
«أن لا ‌يطوف ‌بالبيت ‌عريان» واحتج مالك والشافعي وأحمد في رواية بهذا، فقالوا باشتراط ستر العورة، وذهب أبو حنيفة وأحمد في رواية إلى أنه لو طاف عريانًا يُجبر بدم. عمدة القاري (9/ 266).
وقال النووي -رحمه الله-:
ستر ‌العورة شرط لصحة الطواف عندنا وعند مالك وأحمد والجمهور، وقال أبو حنيفة ليس بشرط.
دليلنا: حديث: «لا يطوف بالبيت عريان» وهو في الصحيحين، وعن ابن عباس قال «كانت المرأة تطوف بالبيت وهي عريانة وتقول: اليوم يبدو كله أو بعضه فما بدا منه فلا أحله، فنزلت {‌يَا ‌بَنِي ‌آدَمَ ‌خُذُوا ‌زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ}» رواه مسلم. المجموع(8/١٩).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
فيه حُجة لاشتراط ‌ستر ‌العورة في الطواف كما يشترط في الصلاة...، والمخالف في ذلك الحنفية، قالوا ‌ستر ‌العورة في الطواف ليس بشرط، فمن طاف عريانًا أعاد ما دام بمكة فإن خرج لزمه دم. فتح الباري(3/٤٨٣).
وقال ابن قدامة -رحمه الله-:
الطهارة من الحدث والنجاسة والستارة شرائط لصحة الطواف، في المشهور عن أحمد. وهو قول مالك، والشافعي.
وعن أحمد أن الطهارة ليست شرطًا، فمتى طاف للزيارة غير متطهر أعاد ما كان بمكة، فإن خرج إلى بلده جَبَره بدم. وكذلك يخرج في الطهارة من النجس والستارة. وعنه في من طاف للزيارة وهو ناس للطهارة: لا شيء عليه.
وقال أبو حنيفة: ليس شيء من ذلك شرطًا، واختلف أصحابه، فقال بعضهم: هو واجب. وقال بعضهم: هو سنة؛ لأن الطواف ركن للحج؛ فلم يشترط له الطهارة، كالوقوف.
ولنا: ما روى ابن عباس، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «الطواف بالبيت صلاة، إلا أنكم تتكلمون فيه». رواه الترمذي، والأثرم.
وعن أبي هريرة، أن أبا بكر الصديق بعثه في الحجة التي أمَّره عليها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قبل حجة الوداع يوم النحر، يؤذِّن: «لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف ‌بالبيت ‌عريان»؛ ولأنها عبادة متعلقة بالبيت، فكانت الطهارة والستارة فيها شرطًا، كالصلاة وعكس ذلك الوقوف. المغني (3/٣٤٣)
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
فيه: دليل على أنه يجب ‌ستر ‌العورة في حال الطواف، وقد اختُلف هل الستر شرط لصحة الطواف أو لا؟
فذهب الجمهور إلى أنه شرط، وذهبت الحنفية والهادوية إلى أنه ليس بشرط، فمن طاف عريانًا عند الحنفية أعاد ما دام بمكة، فإنْ خرج لزمه دم، وذكر ابن إسحاق في سبب ‌طواف الجاهلية كذلك أن قريشًا ابتدعت قبل الفيل أو بعده ألَّا يطوف بالبيت أحد ممن يقدم عليهم من غيرهم أوَّلَ ما يطوف إلا في ثياب أحدهم، فإن لم يجد طاف عريانًا، فإن خالف فطاف بثيابه ألقاها إذا فرغ ثم لم ينتفع بها، فجاء الإسلام بهدم ذلك. نيل الأوطار(5/٥٥).
وجاء في الموسوعة الفقهية الكويتية:
ذهب الجمهور إلى أن ستر العورة شرط في صحة الطواف، وقال الحنفية: هو واجب في الطواف ليس شرطًا لصحته؛ وذلك لأن الطواف عند الجمهور كالصلاة يجب فيه ستر العورة؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «الطواف ‌بالبيت صلاة»، ولحديث: «لا يطوف ‌بالبيت ‌عريان».
فمن أخلَّ بستر العورة الإخلال المفسد للصلاة بحسب المذاهب فسد طوافه عند الجمهور، وعند الحنفية عليه الدم.الموسوعة الفقهية الكويتية(29/١٣٢)
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
ولكن هل هذا يدل على فساد الطواف لو طاف عريانًا؟
يحتمل ذلك، أو يُقال: هذا خالف في لباس وهذا شيء والطواف شيء آخر مُنفك، لكن لا ينبغي أن يُقال فيمن طاف عريانًا: إنه يصح طوافه إذا كان عاريًا بالكلية، أما لو كان في إزارهِ شَقٌّ ولم يَعلم به أو كان إزاره خفيفًا ولم يقل الناس: إن هذا أساء بلباس هذا الإزار (عُرفًا) فلا ينبغي أن يُقال: إن هذا طوافه باطل، أما لو خلع -والعياذ بالله- إزاره بالكلية وصار يطوف عريانًا هذا لا بأس أن نقول: لا ‌طواف له؛ لأنه يشبه المستهزئ؛ ولأن الناس أيضًا لا يمكن أن يمكنوه. التعليقات على الكافي (3/483).

قوله: «ويومُ ‌الحجِّ ‌الأكبرِ ‌يومُ ‌النَّحْرِ، وإنَّما قيلَ: الأكبرُ من أجلِ قولِ الناسِ: الحجُّ الأصغرُ»:
قال ابن بطال -رحمه الله-:
قول أبي هريرة: «يوم الحج الأكبر: يوم النحر؛ من أجل قول الناس: الأصغر» يريد العمرة أنها الحج الأصغر، ومذهب مالك وجماعة من الفقهاء أن يوم الحج الأكبر: يوم النحر، وقال قوم: هو يوم عرفة، والحُجَّة للقول الأول ما نصّه أبو هريرة، ونادى به في الموسم عن أبي بكر الصديق عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: «أنَّ يوم الحج الأكبر: يوم النحر»، وأما جهة النظر: يوم النحر يعظمه أهل الحج وسائر المسلمين بالتكبير، وفيه صلاة العيد والنحر، ألا ترى قوله -صلى الله عليه وسلم-: «أي يوم هذا؟» فجعل له حرمة على سائر الأيام كحرمة الشهر على سائر الشهور، والبلد على سائر البلاد. شرح صحيح البخاري (5/ 361).
وقال النووي -رحمه الله-:
قد اختلف العلماء في المراد بيوم الحج الأكبر؛ فقيل: يوم عرفة، وقال مالك والشافعي والجمهور: هو ‌يوم ‌النحر، ونقل القاضي عياض عن الشافعي أنه يوم عرفة، وهذا خلاف المعروف من مذهب الشافعي، قال العلماء: وقيل: الحج الأكبر؛ للاحتراز من الحج الأصغر، وهو العمرة، واحتج مَن قال: هو يوم عرفة بالحديث المشهور: «الحج عرفة» والله أعلم. المنهاج شرح صحيح مسلم (9/ 116).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «وإنما قيل: الأكبر...» إلخ في حديث ابن عمر عند أبي داود وأصله في هذا الصحيح رفعه: «أيُّ يوم هذا؟ قالوا: هذا يوم النحر، قال: هذا يوم الحج الأكبر»، واختُلف في المراد بالحج الأصغر؛ فالجمهور على أنه العمرة، وصل ذلك عبد الرزاق من طريق عبد الله بن شداد أحد كبار التابعين، ووصله الطبري عن جماعة منهم عطاء والشعبي، وعن مجاهد: الحج الأكبر القِران، والأصغر الإفراد، وقيل: يوم الحج الأصغر يوم عرفة، ويوم الحج الأكبر يوم النحر؛ لأن فيه تَتَكَمَّلُ بقية المناسك، وعن الثوري: أيام الحج تُسمى يوم الحج الأكبر كما يقال: يوم الفتح، وأيده السهيلي بأنَّ عليًّا أمر بذلك في الأيام كلها، وقيل: لأن أهل الجاهلية كانوا يقفون بعرفة، وكانت قريش تقف بالمزدلفة، فإذا كان صبيحة النحر وقف الجميع بالمزدلفة؛ فقيل له: الأكبر؛ لاجتماع الكل فيه، وعن الحسن: سمي بذلك لاتفاق حجِّ جميع الْمِلَل فيه، وروى الطبري من طريق أبي جحيفة وغيره: أن يوم الحج الأكبر يوم عرفة، ومن طريق سعيد بن جبير أنه النحر، واحتج بأن يوم التاسع وهو يوم عرفة إذا انسلخ قبل الوقوف لم يفُت الحج، بخلاف العاشر فإن الليل إذا انسلخ قبل الوقوف فات، وفي رواية الترمذي من حديث علي مرفوعًا وموقوفًا: «يوم الحج الأكبر يوم النحر» ورجح الموقوف. فتح الباري (8/ 321).
وقال الدماميني -رحمه الله-:
«ويوم الحج الأكبر يوم النحر» لا دليل في الحديث المذكور على أن وقوف أبي بكر في ذي الحجة، وإنما يريد بيوم الحج ويوم النحر: من الشهر الذي وقف فيه، فيصدق، وإن كان وقف في ذي القعدة؛ لأنهم كانوا يقفون فيه، وينحرون فيه، فلا يدل قوله: «يوم الحج الأكبر» على أنه كان في ذي الحجة، والصحيح أنه كان في ذي القعدة، كما تقدَّم. مصابيح الجامع (7/ 26).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
«وإنما قيل: الأكبر لأجل قول الناس: الحج الأصغر» يريدون به العمرة، وفي الآية دلالة على أن الصدِّيق وقف بعرفات يوم عرفة، وأن حجَّه كان صحيحًا موافقًا لما حكم الله به، ولم يكن على طريقة النسيء. الكوثر الجاري (6/ 150).
وقال الطبراني -رحمه الله-:
عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: كان العرب يجعلون عامًا شهرًا، وعامًا شهرين، ولا يصيبون الحج إلا في كل ستة وعشرين سنة مرة، وهو النسيء الذي ذكر الله -عز وجل- في كتابه، فلما كان عام حج أبو بكر بالناس وافق في ذلك العام الحج، فسماه الله الحج الأكبر، ثم حج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من العام المقبل. المعجم الأوسط (3/ 196).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
اختلفوا في أي عام عاد الحج إلى ذي الحجة على وجهه واستدار الزمان فيه كهيئته؛ فقالت طائفة: إنما عاد على وجهه في حجة الوداع، وأما حجَّة أبي ‌بكر الصديق فكانت قد وقعت في ‌ذي ‌القعدة هذا قول مجاهد وعكرمة بن خالد وغيرهما، وقد قيل: إنه اجتمع في ذلك العام حج الأمم كلها في وقت واحد؛ فلذلك سُمي يوم ‌الحج ‌الأكبر، وقالت طائفة: بل وقعت حجَّة الصدِّيق في ذي الحجة قاله الإمام أحمد، وأنكر قول مجاهد، واستدل: أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- أمر عليًّا فنادى يوم النحر: «لا يحج بعد العام مشرك» وفي رواية: «واليوم يوم ‌الحج ‌الأكبر» وقد قال الله تعالى: {وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُه} التوبة: 3، فسماه يوم ‌الحج ‌الأكبر، وهذا يدل على أن النداء وقع في ذي الحجة. لطائف المعارف (ص: 114).

قوله: «فنَبَذَ أبو بكرٍ إلى الناسِ في ذلك العامِ، فلم يَحُجَّ عامَ حجةِ الوداعِ الذي حَجَّ فيه النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- مشركٌ»:
قال القسطلاني -رحمه الله-:
«فنبذ» أي: طرح «أبو بكر إلى الناس» عهدهم. إرشاد الساري (5/ 242).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «فنبذ أبو بكر...» إلخ، هو أيضًا مرسل من قول حُميد بن عبد الرحمن، والمراد أن أبا بكر أفصح لهم بذلك، وقيل: إنما لم يقتصر النبي -صلى الله عليه وسلم- على تبليغ أبي بكر عنه ببراءة؛ لأنها تضمنت مدح أبي بكر (أي: في قوله تعالى: {ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} التوبة: 40) فأراد أن يسمعوها من غير أبي بكر، وهذه غفلة من قائله حمله عليها ظنه أن المراد تبليغ براءة كلها، وليس الأمر كذلك لما قدمناه، وإنما أُمر بتبليغه منها أوائلها فقط، وقد قدمتُ حديث جابر وفيه: أن عليًّا قرأها حتى ختمها، وطريق الجمع فيه.
واستُدل به على أن حجة أبي بكر كانت في ذي الحجة على خلاف المنقول عن مجاهد وعكرمة بن خالد، وقد قدمتُ النقل عنهما بذلك في المغازي، ووجه الدلالة: أن أبا هريرة قال: بعثني أبو بكر في تلك الحجة يوم النحر، وهذا لا حجة فيه؛ لأن قول مجاهد -إن ثبت- فالمراد بيوم النحر الذي هو صبيحة يوم الوقوف، سواء كان الوقوف وقع في ذي القعدة أو في ذي الحجة، نعم روى ابن مردويه من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: كانوا يجعلون عامًا شهرًا، وعامًا شهرين، يعني: يحجُّون في شهر واحد مرتين في سنتين، ثم يحجُّون في الثالث في شهر آخر غيره، قال: فلا يقع الحج في أيام الحج إلا في كل خمس وعشرين سنة، فلما كان حج أبي بكر وافق ذلك العام شهر الحج، فسماه الله الحج الأكبر. فتح الباري (8/ 321- 322).

قوله في لفظ مسلم: «قال ابنُ شهابٍ: فكان حُمَيْدُ بنُ عبدِ الرَّحمنِ يقولُ: يومُ النَّحْرِ يومُ الحجِّ الأكبرِ؛ مِن أَجْلِ حديثِ أبي هريرةَ»:
قال النووي -رحمه الله-:
معنى قول حُميد بن عبد الرحمن: إنَّ الله تعالى قال: {وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ} التوبة: 3، ففعل أبو بكر وعلي وأبو هريرة وغيرهم من الصحابة هذا الأذان ‌يوم ‌النحر بإذن النبي -صلى الله عليه وسلم- في أصل الأذان، والظاهر أنه عيّن لهم ‌يوم ‌النحر، فتعيّن أنه يوم الحج الأكبر؛ ولأن مُعظم المناسك فيه. المنهاج شرح صحيح مسلم (9/ 116).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
هذا يدل على أن يوم الحج الأكبر يوم النحر، كما قاله حُميد، وهو قول سعيد بن جبير ومالك، وقالت طائفة: إنه يوم عرفة، وبه قال عمر، وهو قول الشافعي، وقال مجاهد: الحج الأكبر القِران، والأصغر الإفراد، وقال الشعبي: الحج الأكبر الحج، والأصغر العمرة، والأَوْلى القول الأول، بدليل أنَّ الله أمر نبيه بأن يؤذِّن في الناس يوم الحج الأكبر، فأذن المبلغون عنه يوم النحر بمنى، وفي كتاب أبي داود من حديث ابن عمر وأبي هريرة أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «يوم الحج الأكبر يوم النحر» وهذا يرفع كل إشكال، ويريح من تلك الأقوال. المفهم (3/ 459- 450).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «ويوم الحج الأكبر يوم النحر» هو قول حُميد بن عبد الرحمن استنبطه من قوله تعالى: {وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ} التوبة: 3، ومن مناداة أبي هريرة بذلك بأمر أبي بكر يوم النحر، فدل على أن المراد بيوم الحج الأكبر يوم النحر، وسياق رواية شعيب يوهِم أن ذلك مما نادى به أبو بكر وليس كذلك، فقد تضافرت الروايات عن أبي هريرة بأن الذي كان ينادي به هو ومَن معه مِن قِبَل أبي بكر شيئان: مَنْع حج المشركين، ومنع طواف العريان، وأن عليًّا أيضًا كان ينادي بهما، وكان يزيد: مَن كان له عهد فعهده إلى مدته، وأن لا يدخل الجنة إلا مسلم، وكأنَّ هذه الأخيرة كالتوطئة لأنْ لا يحج البيت مشرك، وأما التي قبلها فهي التي اختص علي بتبليغها؛ ولهذا قال العلماء: إن الحكمة في إرسال عليّ بعد أبي بكر أن عادة العرب جرت بأن لا ينقض العهد إلا مَن عقده أو مَن هو منه بسبيل من أهل بيته؛ فأجراهم في ذلك على عادتهم؛ ولهذا قال: «لا يبلِّغ عني إلا أنا أو رجل من أهل بيتي» وروى أحمد والنسائي من طريق محرر بن أبي هريرة عن أبيه قال: كنتُ مع علي حين بعثه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى مكة ببراءة، فكنا ننادي: «ألَّا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة، ولا يطوف بالبيت عريان، ومَن كان بينه وبين رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عهد فأَجَله أربعة أشهر، فإذا مضت فإن الله بريء من المشركين ورسوله، ولا يحج بعد العام مشرك، فكنتُ أنادي حتى صحل صوتي». فتح الباري (8/ 321).
وقال الطحاوي -رحمه الله-:
قال هذا القائل: فقد دلّ حديث أبي هريرة هذا على أن التبليغ بهذه الأشياء إِنما كان من أبي بكر، لا من علي، (كما دل عليه حديث: عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه بعث براءة إلى أهل مكة مع أبي بكر، ثم بعث عليًّا فقال: «لا يبلغها إلا رجل من أهل بيتي») وهذا اضطراب في هذه الآثار شديد، فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله -عز وجل- وعونه:
أنه ما في ذلك اضطراب كما ذكر؛ لأن الإمرة في تلك الحجة إنما كانت لأبي بكر خاصة، لا شريك له فيها، وكانت الطاعة في الأمر والنهي الذي يكون فيها إلى أبي بكر لا إلى سواه؛ فمن أجل ذلك بعث أبا هريرة في المؤذِّنين الذين كانوا معه؛ ليمتثلوا ما يأمرهم به علي -رضي الله عنه- فيما بعثه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- له. شرح مشكل الآثار(9/ 225).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
في فوائده (أي: الحديث):
1. منها: بيان أنه لا يجوز أن يحج البيت مشرك، ولا يطوف به عريان.
2. ومنها: بيان وجوب ستر العورة في الطواف.
3. ومنها: بيان تحريم دخول مكة على المشركين.
4. ومنها: بيان فضل أبي بكر -رضي الله عنه- على بقية الصحابة -رضي الله عنهم-، حيث قدَّمه -صلى الله عليه وسلم- ليحجَّ بالناس في تلك السنة.
5. ومنها: إبطال ما كان عليه أهل الجاهلية من الضلالات والجهل
والسفاهة؛ حيث إنهم كانوا يعتقدون أن كشف العورة أمام بيت الله، وأمام الجمع العظيم قربة مما يقربهم إلى الله تعالى، فما أشد جهلهم! وما أكثر انحرافهم!.
6. ومنها: ما استنبطه حُميد بن عبد الرحمن الراوي له عن أبي هريرة -رضي الله عنه- من أن يوم الحج الأكبر هو يوم النحر؛ حيث إنَّ تبليغ هذه الأمور وقع فيه، وهو استنباط حسن، والله تعالى أعلم. البحر المحيط الثجاج (24/ 367).

وينظر زيادة في التفصيل في بيان معنى: (يوم النحر يوم الحج الأكبر) (هنا)


إبلاغ عن خطأ