«أَمَرَني رسولُ اللهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم- أنْ أَقُومَ على بُدْنِهِ، وأنْ أَتَصَدَّقَ بِلَحْمِهَا وَجُلُودِهَا وأَجِلَّتِهَا، وأنْ لا أُعْطِيَ الجزَّارَ منها، قال: نحنُ نُعْطِيهِ مِن عندنا».
رواه البخاري برقم: (1716) ومسلم برقم: (1317) واللفظ له، من حديث علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-.
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«على بُدْنِهِ»:
قال ابن الجوزي -رحمه الله-:
البُدْن: الإبل. كشف المشكل (1/ 190
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
البُدْن: جمع بَدَنَةٍ، وهي العظيمة الجسم، ومنه: بَدُنَ الرَّجُل بَدَانة، أي: كَثُرَ لحْمُه. [المفهم (3/ 415).
وقال النووي -رحمه الله-:
قال أهل اللغة: سُميت البَدَنة لعِظَمها، ويُطلق على الذكر والأنثى، ويُطلق على الإبل والبقر والغنم، هذا قول أكثر أهل اللغة، ولكن معظم استعمالها في الأحاديث وكتب الفقه في الإبل خاصة. شرح صحيح مسلم (9/ 65).
«أَجِلَّتِهَا»:
جمع جِلَال وهو ما يُجعل على ظهر البعير الذي يُهدى إلى الكعبة مما يُجلَّل به من كساء أو غيره. تفسير غريب ما في الصحيحين، للحميدي (ص:55).
وقال الفيومي -رحمه الله-:
وَجُلُّ الدَّابَّةِ: كثوب الإنسان يَلبسه يقيه البرد. المصباح المنير(1/١٠٥).
وقال ابن العطار -رحمه الله-:
أمّا الأَجِلَّة فهي جمع جِلَال وهو ما يُتخذ من الثياب تُشَقُّ على الأسنمة إذا كانت قليلة الثمن لئلا تسقط، وتُعقد أطراف الجِلَال على أذنابها، ويكون ذلك بعد إشعارها؛ لئلا يتلطخ بالدم، والأجِلَّة مختصة الاستحباب بالإبل عند العلماء. العدة (2/ 1034).
إظهار شرح الحديث
شرح الحديث
قوله: «أَمَرَني رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- أنْ أَقُومَ على بُدْنِهِ»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«قال» عليٌّ «أمَرني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن أقوم على بُدْنه» بضم الباء، وسكون الدال، جمع بُدْنة، سميت بذلك لعِظَم بَدَنها، والمراد بُدْنه التي أهداها إلى مكة في حجة الوداع، ومجموعها مائة. الكوكب الوهاج (14/ 347).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
«أن أقوم على البُدْن» أي: عند نحرها؛ للاحتفاظ بها، ويحتمل أن يريد ما هو أعم من ذلك، أي: على مصالحها في عَلَفِها ورعْيِهَا وسقيها، وغير ذلك. فتح الباري (3/ 555 ، 556).
وقال السهارنفوري -رحمه الله-:
«أنْ أقوم على بُدْنه» والمراد من القيام عليها إما خدمتها، مِن الرعي والسقي قبل النحر، والحضور عند نحرها، وتقسيم جلودها وجِلالها، أو المراد بالقيام عليها خدمتها المختص بالنحر، وما بعده. بذل المجهود (7/ 86).
وقال ابن العطار -رحمه الله-:
معنى القيام عليها: إصلاح شأنها في عَلَفِهَا ورعيها وسقيها وسَوقها، وإزالة الضرر عنها، والعمل فيها بما يجب ويُشرع ويحدَّد. العدة (2/ 1034).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
«أن أقوم على البُدْن» لم يقع في هذه الرواية عدد البُدْن، لكن وقع في الرواية الثالثة أنها مائة بَدَنة، ولأبي داود من طريق ابن إسحاق، عن ابن أبي نجيح عن مجاهد: «نحر النبي -صلى الله عليه وسلم- ثلاثين بدنة، وأمرني فنحرتُ سائرها»، وأصح منه ما وقع عند مسلم في حديث جابر الطويل، فإن فيه: «ثم انصرف النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى المنحر فنحر ثلاثًا وستين بدنة، ثم أعطى عليًّا فنحر ما غَبَرَ (أي بقي)، وأَشْرَكَهُ في هَدْيِهِ، ثم أَمَر مِن كل بَدَنَة ببضعة، فجُعلت في قِدْرٍ فطُبخت، فأكلا من لحمها، وشربا من مَرَقِها»، فعُرف بذلك أن البُدْن كانت مائة بدنة، وأنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- نحر منها ثلاثًا وستين، ونحر علي الباقي، والجمع بينه وبين رواية ابن إسحاق: أنه -صلى الله عليه وسلم- نحر ثلاثين، ثم أمر عليًّا أن ينحر فنحر سبعًا وثلاثين مثلًا، ثم نحر النبي -صلى الله عليه وسلم- ثلاثًا وثلاثين، فإن ساغ هذا الجمع وإلا فما في الصحيح أصح. فتح الباري (3/ 555 ـــ 556).
قوله: «وأن أَتَصَدَّقَ بلحمِها وجلودها وأَجِلتها»:
قال ابن دقيق العيد -رحمه الله-:
قوله: «وأن أتصدق بلحمها» يدل على التصدق بالجميع، ولا شك أنه أفضل مطلقًا، وواجب في بعض الدماء.
وفيه: دليل على أن الجلود تجري مجرى اللحم في التصدق؛ لأنها من جملة ما يُنتفع به، فحكمها حكمه. إحكام الأحكام (2/ 82).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«وأنْ أتصدق بلحمها» أي: أن أقسمها كلها على المساكين، إلا ما أمر من كل بدنة ببضعة فطُبخت، كما في حديث جابر الطويل «و» أنْ أتصدق بـ«جلودها» على المساكين... «و» أن أتصدق بـ«أجِلَّتِها» بفتح الهمزة، وكسر الجيم، وتشديد اللام، جمع جِلال بكسر الجيم، وتخفيف اللام، وهي جمع جُل بضم الجيم: وهو ما يُطرح على ظهر البعير من كساء، ونحوه. الكوكب الوهاج (14/ 347، 348).
قوله: «وأنْ لا أُعطي الجزَّارَ منها»:
قال ابن رسلان -رحمه الله-:
«أن لا أعطي الجزار» وهو الذي يذبح البُدْن، سُمي بذلك لأنه كان يأخذ الجزارة عن أجرته، وهي: أطراف البعير: الرأس والرجلان واليدان، «منها شيئًا» ظاهره أنه لا يعطي الجزار منها شيئًا ألبتة، وهو غير مراد؛ لما بيَّنه النسائي من رواية شعيب بن إسحاق، عن ابن جريج: أن المراد منع عطية الجزار من الهدي عوضًا عن أُجرته. شرح سنن أبي داود (8/ 286).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
أي: لا يُعطى على معنى الأجرة شيئًا منها، فأما أنْ يتصدق به عليه فلا بأس به، والدليل على هذا قوله: «نعطيه من عندنا» أي: أجرة عمله، وبهذا قال أكثر أهل العلم، وروي عن الحسن البصري أنه قال: لا بأس أن يُعطى الجازر الجلد. معالم السنن (2/ 158).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قوله: «ولا أُعطي الجازر منها» يدل على أنه لا تجوز المعاوضة على شيء منها؛ لأن الجزار إذا عمل عمله استحق الأجرة على عمله، فإنْ دفع له شيء منها، كان ذلك عوضًا على فعله، وهو بيع ذلك الجزء منها بالمنفعة التي عملها، وهي الجزر.
والجمهور على أنه لا يُعطى الجازر منها شيئًا؛ تمسكًا بالحديث، وكان الحسن البصري وعبد الله بن عمير لا يريان بأسًا أن يُعطى الجزار الجلد. المفهم (3/ 416، 417).
وقال ابن دقيق العيد -رحمه الله-:
قوله: «أن لا أعطي الجزار منها شيئًا» ظاهره: عدم الإعطاء مطلقًا بكل وجه، ولا شك في امتناعه إذا كان المعطى أجرة الذبح؛ لأنه معاوَضة ببعض الهدي، والمعاوضة في الأخرى كالبيع، وأما إذا أعطى الأجرة خارجًا عن اللحم المعطى، وكان اللحم زائدًا على الأجرة، فالقياس أن يجوز، ولكن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «نحن نعطيه من عندنا»، وأَطْلَقَ المنع من إعطائه منها، ولم يقيد المنع بالأجرة، والذي يُخشى منه في هذا أن تقع مُسامحة في الأجرة؛ لأجل ما يأخذه الجازر من اللحم، فيعود إلى المعاوضة في نفس الأمر، فمن يميل إلى المنع من الذرائع يُخشى من مثل هذا. إحكام الأحكام (2/ 82).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
وإنما نهاهُ أن يعطيه الأُجرة منها؛ لأن الأُجرة منها في معنى البيع، والهدي لا يباع، وقد أفاد هذا الحديث أنه لا يجوز بيع شيء من لحم الهدي ولا جلوده ولا أَجِلَّته، بل يُتصدق بذلك. كشف المشكل (1/ 190، 191).
قوله: «قال: نحنُ نُعْطِيهِ مِن عندنا»:
قال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قوله: «نحن نعطيه من عندنا» مبالغة في سد الذريعة، وتحقيق للجهة التي تجب عليها أجرة الجازر؛ لأنه لما كان الهدي منفعته له تعيَّنت أجرة التي تتم به تلك المنفعة عليه. المفهم (3/ 416، 417).
قال السهارنفوري -رحمه الله-:
و«قال: نحن نعطيه من عندنا» يحتمل أن يكون معناه: نحن نعطيه من لحم البُدْنِ من عندنا في غير الجزارة، ويحتمل أن يكون معناه: نحن نعطيه الجزارة بالدراهم من عندنا. بذل المجهود (7/ 87).
وقال ابن المنذر -رحمه الله-:
واختلفوا في بيع جلود البُدن، فقال عطاء، والنخعي، ومالك، وأحمد، وإسحاق: يتصدق وينتفع بها.
وقد روينا عن ابن عمر أنه قال: لا بأس أن يبيع جلد هديه، ويتصدق بثمنه، وبه قال أحمد، وإسحاق، وكان أبو ثور: يرخِّص في بيعه، وقال النخعي: لا بأس أن يشتري به الغربال والمُنخل.
وكان مالك، وأحمد، وإسحاق، وأصحاب الرأي: يرون أن لا يُعطى الجزار منها شيئاً، وكان الحسن البصري، وعبد الله بن عبيد بن عمير: لا يريان بأساً أن يُعطى الجزار الجلد. الإشراف على مذاهب العلماء(3/٣٤٥)
وقال العمراني -رحمه الله-:
ولا يجوز بيع شيء من الأضحية والهدي لحمًا أو جلدًا، نذرًا كان ذلك أو تطوعًا؛ لأنها تعينت بالذبح.
وقال عطاء: لا بأس ببيع أُهُبِ (جلود) الأضاحي.
وقال الأوزاعي: يجوز بيع جلودها بآلة البيت التي تُعار كالقِدْرِ والفأس والمنجل والميزان.
وقال أبو حنيفة: يجوز بيع الأضحية وشراؤها، وإذا ذبحها جاز بيع ما شاء منها، ويتصدق بثمنه، فإن باع جلدها بآلة البيت جاز له الانتفاع بذلك.
دليلنا: ما روي عن علي رضي الله عنه قال: «أَمَرَني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن أقوم على بدنه فأقسم جلودها وجِلالها، وأمرني أن لا أعطي الجازر منها شيئًا، وقال: نحن نُعطيه من عندنا» فأمره بقسمة الجلود، والأمر على الوجوب، وإنما أَمره أن لا يُعطي الجازر منها؛ لأن أُجرة الجازر على الْمُهدي؛ ولأنه أزال ملكه عنها على وجه القربة، فلم يجز بيعها كالوقف. البيان في مذهب الإمام الشافعي(4/٤٥٩)
وقال ابن قدامة -رحمه الله-:
ولا يُعطي الجازر بأجرته شيئًا منها، وبهذا قال مالك، والشافعي وأصحاب الرأي. ورخص الحسن وعبد الله بن عبيد بن عمير، في إعطائه الجلد.
ولنا ما روى علي رضي الله عنه قال «أمرني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن أقوم على بدنه، وأن أقسم جلودها وجلالها، وأن لا أُعطي الجازر منها شيئًا، وقال: نحن نعطيه من عندنا» متفق عليه؛ ولأن ما يدفعه إلى الجزار أُجرة عِوض عن عمله وجزارته، ولا تجوز المعاوضة بشيء منها، فأمَّا إن دفع إليه لفقره، أو على سبيل الهدية فلا بأس؛ لأنه مستحق للأخذ، فهو كغيره، بل هو أولى؛ لأنه باشرها، وتاقت نفسه إليها. المغني(3/٣٨٥).
وقال أبو الفَرج ابن قدامة -رحمه الله-:
لا خلاف في جواز الانتفاع بجلودها وجلالها؛ لأن الجلد جزء منها، فجاز للمضحي الانتفاع به، كاللحم. وكان علقمة ومسروق يدبغان جلد أضحيتهما، ويصليان عليه. وعن عائشة -رضى الله عنها- قالت: قلت: يا رسول الله، قد كانوا ينتفعون من ضحاياهم، يَجْمُلُونَ منها الوَدَكَ (دسم اللحم)، ويتخذون منها الأسقية، قال: «وما ذاك؟» قالت: نهيتَ عن إمساك لحوم الأضاحي بعد ثلاث، فقال: «إنما نهيتكم للدافَّة التي دفَّت، فكلوا وتزودوا وتصدقوا»، حديث صحيح؛ ولأنه انتفاع به فجاز كلحمها.الشرح الكبير(3/٥٦٧)
وقال أبو الفَرج ابن قدامة -رحمه الله- أيضًا:
ولا يجوز بيع شيء من الأضحية، واجبة كانت أو تطوعًا؛ لأنها تعيَّنت بالذبح. قال أحمد: لا يبيعها، ولا يبيع شيئا منها. وقال: سبحان الله، كيف يبيعها وقد جعلها لله تبارك وتعالى؟! قال الميموني: قالوا لأبي عبد الله: فجلد الأضحية، نعطيه السَّلَّاخ؟ قال: لا. وحكى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يعطى في جزارتها شيئًا منها»، ثم قال: إسناد جيد. وبه قال الشافعي. وروي عن أبي هريرة ورخص الحسن، والنخعي في الجلد أن يبيعه ويشتري به الغربال والمنخل وآلة البيت. وروي نحو ذلك عن الأوزاعي؛ لأنه ينتفع به هو وغيره، فجرى مجرى تفريق لحمها. وقال أبو حنيفة: يبيع ما شاء منها، ويتصدق بثمنه. وروي عن ابن عمر -رضى الله عنهما- أنه يبيع الجلد، ويتصدق بثمنه. وحكاه ابن المنذر عن أحمد وإسحاق. ولنا: «أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- بقسم جلودها وجِلالها، وألَّا يعطى الجازر شيئًا منها.
وفيه: دليل على وجوب الصدقة بالجِلَال، وعلى تسويتها بالجلود؛ ولأنه جعله لله تعالى، فلم يجز بيعه كالوقف، وما ذكروه في شراء آلة البيت يبطل باللحم، لا يجوز بيعه لشراء الآلة، وإن كان يُنتفع به. الشرح الكبير(3/٥٦٨)
وقال البغوي -رحمه الله-:
فيه: دليل على أن ما ذبحه قُربة إلى الله تعالى لا يجوز بيع شيء منه؛ فإنه -عليه السلام- لم يُجوِّز أن يُعطى الجزار شيئًا من لحم هديه؛ لأنه يعطيه بمقابلة عمله، وكذلك كل ما ذبحه لله -سبحانه وتعالى- من أضحية وعقيقة ونحوها.
وهذا إذا أعطاه على معنى الأجرة، فأما أن يتصدق عليه بشيء منه فلا بأس به، هذا قول أكثر أهل العلم، وقال الحسن البصري: لا بأس أن يُعطى الجازر الجلد. شرح السنة (7/ 188).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
(فيه) دليل على أنَّ جلود الهدي وجلالها لا تُباع؛ لأنه عطفها على اللحم، وحَكَم لها بحكمه، وقد اتفق على أن لحمها لا يُباع، فكذلك الجلود والجلال، وكان ابن عمر يكسو جلالها الكعبة، فلما كُسيت الكعبة تصدق بها؛ أخذًا منه بهذا الحديث، وممن صار إلى منع بيع جلودها عطاء والنخعي ومالك وأحمد وإسحاق، وقالوا: يتصدق وينتفع بها، وروي عن ابن عمر أنه قال: لا بأس أن يبيع جلد هديه ويتصدق بثمنه، وروي هذا عن أحمد وإسحاق، وكان أبو ثور يرخص في بيعه، وقال النخعي والحكم: لا بأس أن يشتري به المنخل وشبهه. المفهم (3/ 416 ــ 417).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
فيه من الفقه: أنه تجوز الاستنابة في الأضحية؛ لأن عليًّا قال: «أمرني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن أقوم على بُدْنه»، وقد جاء في الحديث الآخر: «أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نحر بيده ثلاثًا وستين بدنة، وأمر عليًّا بنحر الباقي من المائة».
وفيه أيضًا: دليل على أنه يجوز أن يتصدق بجميع نسيكته، وقوله: «أمرني أن أتصدق بلحمها وجلودها وأجلتها» وهذا في هذه القضية مروي مأثور، فأما الأضاحي في غير هذا الحديث فإنَّ أجِلَّتها لا تعلُّق لها بالصدقة أن يشاء ربها، فيتصدق بها بذلك كما يشاء.
وفيه أيضًا من الفقه: أن لا يعطي الجازر منها شيئًا، بل يُعطى أجرته من غيرها؛ وذلك أن الجازر لو أعطي شيئًا منها كان يعود شريكًا فيها، فلا يلومنَّ أن يتوخى لنفسه أطايبها فيظلم الفقراء. الإفصاح (1/ 254، 255).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
فيه: دليل على تجليل البُدْن، وهو ما مضى عليه عمل السلف، ورآه أئمة العلماء: مالك والشافعي، وغيرهما؛ وذلك بعد إشعار الهدي؛ لئلا تتلطخ الجِلال، وهي على قدر سعة الْمُهدي؛ لأنها تطوع غير لازم، ولا محدود. المفهم (3/ 416، 417).
قال ابن رسلان -رحمه الله-:
و«قال: نحن نعطيه» أي: الأجرة «من عندنا» من غيرها، فيه دليل على أن من وجب عليه شيء لله فله دفعه خالصًا، وما احتاج إليه من مؤنة فهو على المالك، نظيره الزرع، فيعطى المستحقون عُشره كاملًا، ولا ينقص منه شيء؛ لأجل ما يحتاج إليه من حصاد ودراس وغير ذلك، وكذا مَن وجب عليه شيء لغير الله، فمن باع ما يُكال أو يُوزن فيجب عليه تسليم القَدْرِ الذي باعه له كاملًا وأجرة الكيَّال والوزَّان وحامله إلى أن يقبضه المشتري، ولا ينقص منه شيء للكيال ولا للوزان وغيرهما. شرح سنن أبي داود (8/ 286 ـــ 287).
وقال النووي -رحمه الله-:
في هذا الحديث فوائد كثيرة:
منها: استحباب سَوق الهدي، وجواز النيابة في نحره والقيام عليه، وتفرقته، وأنه يتصدق بلحومها وجلودها وجلالها، وأنها تُجَلَّل، واستحبوا أن يكون جلًّا حسنًا، وألا يعطي الجزار منها؛ لأن عطيته عوض عن عمله، فيكون في معنى بيع جزء منها؛ وذلك لا يجوز.
وفيه: جواز الاستئجار على النحر ونحوه، ومذهبنا (الشافعية) أنه لا يجوز بيع جلد الهدي ولا الأضحية، ولا شيء من أجزائهما؛ لا بما يُنتفع به في البيت ولا بغيره، سواء كانا تطوعًا أو واجبتين، لكن إن كانا تطوعًا فله الانتفاع بالجلد وغيره باللبس وغيره، ولا يجوز إعطاء الجزار منها شيئًا بسبب جزارته، هذا مذهبنا، وبه قال عطاء والنخعي ومالك وأحمد وإسحاق. شرح صحيح مسلم (9/ 65، 66).
وقال الشيخ ابن باز -رحمه الله-:
حديث علي فيه: أنَّ الهدي يُقسم كُله، لحومه وجلوده وأجِلَّته؛ ولهذا قسم علي هدي النبي -صلى الله عليه وسلم-، قسم لحمها وجلودها وأجِلَّتها، والجِلال إذا كان نواه الْمُهدي أنه هدي يقسم، وإن كان ما نواه إنما أراد تجليلها به ثم أخذه، فله نيته، فإذا نوى أنه هدي فإنه يوزع على الفقراء مع جلدها، أو مع لحمها، أما إذا ما نواه هدي وإنما جعله مؤقتًا حتى تصل البلد، أو حتى تُنحر، فله نيته، وهذا التقسيم واجب؛ لأنها للفقراء والمساكين، فتُقسم عليهم في الحرم اللحوم والجلود والأَجلة، إذا نوِي تقسيمها تقسم على الفقراء والمحاويج، وفي هذا أنّ الجزار لا يعطى شيئًا من اللحم، ولا من الجلود؛ ولهذا قال: «نحن نعطيه من عندِنا» فدل ذلك على أن الجزار لا يُعطى أجرته من الهدي، وإنما يُعطى من الخارج، والهدي يكون للَّه، لا يكون فيه أجرة الجزار، ولا غير الجزار. الإفهام (ص:491- 492).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
فيُستفاد من هذا الحديث فوائد:
منها: جواز التوكيل في توزيع الأضحية؛ لقول علي: «أمرني أن أقوم على بُدْنه».
وفيه أيضًا: منقبة علي بن أبي طالب؛ حيث أنابه الرسول -صلى الله عليه وسلم- منابه.
وفيه أيضًا من فوائده: كرم النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ حيث أمر أن تقسم اللحوم والجلود والجِلال على المساكين.
ومن فوائده: أنه لا يجوز أن يعطي الجزار شيئًا منها في أجرته؛ لأن حقيقة هذا أنه رجوع في الصدقة، والرجوع في الصدقة حرام؛ لقول النبي -صلى الله عليه وسلم- لعمر بن الخطاب: «لا تَعُدْ في صدقتك»؛ ولأن كل شيء أخرجه الإنسان لله فإنه لا يعود فيه، وكل شيء خرج منه لله فإنه لا يعود فيه؛ ولهذا حرم على المهاجر أن يعود إلى البلاد التي هاجر منها، لكن رخَّص له أن يبقى فيها ثلاثة أيام.
ومن فوائد الحديث أيضًا: جواز الأجرة في جزارة الهدي، ويقاس عليها الأضاحي، ولا يقال: إنَّ هذا عمل ديني لا يجوز أخذ الأجرة عليه؛ لأننا نقول: العمل الديني المحض هو الذي لا يجوز أخذ الأجرة عليه، أما ما كان متعديًا فإنه لا بأس بأخذ الأجرة عليه؛ ولهذا كان الصواب أن من قرأ على مريض بآيات من القرآن، أو علَّم أحدًا القرآن فإنه يجوز أن يكون ذلك بأجرة؛ لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «إن أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله». فتح ذي الجلال والإكرام (6/ 89).