الإثنين 21 شعبان 1447 | 2026-02-09

A a

«أنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- لم يَزَلْ يُلَبِّي حتَّى رَمَى جمْرةَ العَقَبَةِ».


رواه البخاري برقم: (1544) ومسلم برقم: (1281) واللفظ له، من حديث الفضل بن العباس -رضي الله عنهما-.
وفي رواية عن الفضل أيضًا عند البخاري برقم: (1670) ومسلم برقم: (1281) بلفظ: «حتَّى بَلَغَ الجَمْرَةَ».
ورواه البخاري برقم: (1686)، من حديث الفضل وأُسامة -رضي الله عنهما-.


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«يُلَبِّي»:
التَّلْبِية: هي: إجابةُ المنادِي: أيْ إجابَتِي لكَ يا ربِّ، وهو مأخُوذٌ مِن لَبَّ بالمكانِ وأَلَبَّ به، إذا أقامَ به، وأَلَبَّ على كذا، إذا لم يُفارقْه.
وقيل: معناهُ: اتّجاهِي وقَصدِي يا ربِّ إليك، مِن قولهم: دارِي تَلُبُّ دارك، أي: تُوَاجِهُهَا، وقيل: معناهُ: إخلاصِي لك، مِن قولهم: حَسَبٌ لُباب، إذا كانَ خالِصًا مَحْضًا، ومنه: لُبُّ الطعامِ ولُبابُه. النهاية لابن الأثير (4/ 222).

«جمْرةَ العَقَبَةِ»:
الجَمرة: اسم لمجتمع الحصى، سُمِّيت بذلك لاجتماع الناس بها، يُقال: تَجَمَّر بنو فلان: إذا اجتمعوا، وقيل: إنَّ العرب تُسمِّي الحصى الصغار جِمَارًا، فسُميت تسمية الشيء بلازمه. فتح الباري، لابن حجر (3/581 - 582).


شرح الحديث


قوله: «أنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- لم يَزَلْ يُلَبِّي»:
قال الشيخ عبد القادر شيبة الحمد -رحمه الله-:
قوله: «لم يزل يلبِّي» أي: استمر يلبّي، أي: يقولُ: لبيك اللهم لبيك... إلخ؛ وذلك في طريقه من عرفة ومزدلفة إلى منى. فقه الإسلام شرح بلوغ المرام (4/ 150).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
قوله: «لم يزل النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- يلبي» أي: مِن أول إحرامه، أو من عرفة. مرقاة المفاتيح (5/ 1807).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «لم يزل» يدلُّ على إدامة التلبية، وإدامتها تدلُّ على ترك ما عداها، أو هو مختصر من حديث فيه ذِكْر التكبير، انتهى.
والمعتمد: أنَّه أشار إلى ما ورد في بعض طُرقه، كما جرت به عادته، فعند أحمد وابن أبي شيبة والطحاوي من طريق مجاهد عن أبي معمر (عبد الله بن سخبرة الأزدي) عن عبد الله (ابن مسعود): «خرجتُ مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فما ترك التلبية حتى رمى جمرة العقبة، إلا أنْ يخلطها بتكبيرٍ». فتح الباري (3/ 533).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
فإنْ قلتَ: كيف دلالته (أي: الحديث على ترجمة البخاري: باب التلبية والتكبير غداة النحر حين يرمي الجمرة) على التكبير؟
قلتُ: المراد به الذِّكْر الذي في خلال التلبية، أو هو مختصر من الحديث الذي فيه ذكر التلبية، أو غرضه أنْ يستدل بالحديث على أنَّ التكبير غير مشروع؛ إذ لفظ: «لم يزل» دليل على إدامة التلبية. الكواكب الدراري (8/ 174-175).

قوله: «حتَّى رَمَى جمْرةَ العَقَبَةِ»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«حتى رمى جمرة العقبة» فقطعها عند أول حصاة رماها؛ لأنَّ الرمي من أسباب التحلُّل، والتلبية من أسباب الإحرام، فهما ضدان، لا يجتمعان، كالتكبير والسلام في الصلاة. الكوكب الوهاج (14/ 244).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
ذَكَرَ مسلمٌ: «حتى رمى جمرة العقبة» وذَكَرَ في الحديث الآخر: «حتى بَلَغَ الجمرة» فالخلافُ هنا مركَّب على هذين الحديثين. إكمال المعلم (4/ 357).
وقال ابن خزيمة -رحمه الله-:
(ثنا) محمد بن حفص الشيباني...، عن ابن عباس عن أخيه الفضل قال: «أَفَضْتُ مع النبي -صلى الله عليه وسلم- في عرفات، فلم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة، يُكبِّر مع كل حصاة، ثم قطع التلبية مع آخر حصاة» فهذا الخبر يُصرِّح أنَّه قطع التلبية مع آخر حصاة، لا مع أولها. صحيح ابن خزيمة (4/ 282).
وقال الشوكاني -رحمه الله- مُعلِّقًا:
والأمر كما قال ابن خزيمة؛ فإنَّ هذه زيادة مقبولة، خارجة من مَخْرَج صحيح، غير منافية للمزيد، وقبولها متفق عليه، كما تقرَّر في الأصول. نيل الأوطار (4/ 381).
وقال العيني -رحمه الله-:
ظاهر الحديث: أنَّ رسول الله -عليه السلام- لم يزل يلبِّي حتى رمى جمرة العقبة، ولم يقل: حتى رمى بعضها.
قلتُ: روى البيهقي من حديث شريك، عن عامر بن شقيق، عن أبي وائل، عن عبد الله (ابن مسعود): «رمقتُ النبيَّ -عليه السلام- فلم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة بأول حصاة».
فإن قيل: أخرج ابن خزيمة في صحيحه: عن الفضل بن عباس قال: «أَفَضْتُ مع رسول الله -عليه السلام- من عرفات، فلم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة، يُكبِّر مع كل حصاة، ثم قطع التلبية مع آخر حصاة».
قلتُ: قال البيهقي: هذه زيادة غريبة ليست في الروايات عن الفضل، وإنْ كان ابن خزيمة قد اختارها، وقال الذهبي: فيه نكارة.
وقوله: «يكبر مع كل حصاة» يدل على أنه قطع التلبية مع أول حصاة، وهذا ظاهر لا يخفى.
فإن قيل: هذا حكم الحاج، فما حكم المعتمر؟
قلتُ: قال قوم: يقطع المعتمر التلبية إذا دخل الحرم، وقال قومٌ: لا يقطعها حتى يرى بيوت مكة، وقال قومٌ: حتى يدخل بيوت مكة، وقال أبو حنيفة: لا يقطعها حتى يستلم الحجر، فإذا استلمه قطعها.
وقال الليث: إذا بلغ إلى الكعبة قطعها.
وقال الشافعي: لا يقطعها حتى يفتتح الطواف.
وقال مالك: إنْ أحرم من الميقات قطعها إذا دخل الحرم، وإنْ أحرم من الجعرانة، أو من التنعيم، قطعها إذا دخل بيوت مكة، أو إذا دخل المسجد، واستدل أبو حنيفة بما رواه وكيع، عن عمر بن ذر، عن مجاهد، قال: قال ابن عباس: «لا يقطع المعتمر التلبية حتى يستلم الركن».
وقال ابن حزم: والذي نقول به: فهو قول ابن مسعود: إنه لا يقطعها حتى يتم جميع عمل العمرة. نخب الأفكار (10/ 81-82).
وقال السرخسي الحنفي -رحمه الله-:
يُلبي في هذا الموقف عندنا (موقف عرفة)، وقال مالك -رحمه الله تعالى-: الحاج يقطع التلبية عندما يقف بعرفة؛ لأن إجابته باللسان إلى أنْ يحضر، وقد تم حضوره، فإنَّ معظم أركان الحج الوقوف بعرفة، قال -صلى الله عليه وسلم-: «الحج عرفة»، ولكنَّا نستدلُّ بحديث عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-: «أنَّه لبَّى عشية عرفة، فقال له رجلٌ: يا شيخ ليس هذا موضع التلبية، فقال ابن مسعود -رضي الله عنه-: أَجَهِلَ الناس أم طال بهم العهد؟! لبيك عدد التراب، لبيك، حججتُ مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فما زال يلبي حتى رمى جمرة العقبة»؛ ولأنَّ التلبية في هذه العبادة كالتكبير في الصلوات، وكما يأتي بالتكبير إلى آخر الصلاة، فكذلك يأتي بالتلبية هنا إلى وقت الخروج من الإحرام؛ وذلك عند الرمي يكون. المبسوط (4/ 30).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
فإنْ قلتَ: دلت هذه الأحاديث على أنَّه يلبي إلى أنْ يفرغ من الرّمي، وعند الفقهاء إذا أراد الرمي يترك التلبية.
قلتُ: أجابوا بأنَّ معنى قوله: «حتَّى رمى الجمرة» حتَّى شرع في الرّمي؛ بدليل ما تقدَّم من رواية الفضل في باب النزول بين عرفة وجَمْع (المزدلفة): «لم يزل يلبي حتَّى بلغ الجمرة»، والأظهر ما رواه البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود: أنَّه لما انتهى إلى الجمرة الكبرى رماها بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة، وقال: «هكذا رمى مَن أُنزلت عليه سورة البقرة».
وقد اتفقت الأئمة على أن لا تلبية مع التكبير، وبه سقط الإشكال الَّذي أورده بعضهم على البخاري في أنَّه ذكر التكبير في الترجمة، وليس له في الحديث ذِكْر، أو أراد أن يشير إلى عدم مشروعية التكبير، وهذا من جملة دقائق البخاري، نوّرَ الله مضجعه، وحشرنا وإياه تحت لواء نبيه محمد -عليه أفضل الصلوات وأكمل التسليمات-. الكوثر الجاري (4/ 121).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
قال الثوري والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم وأبو ثور: يقطعها في أول حصاة يرميها من جمرة العقبة، وكذلك كان ابن مسعود يفعل، يقطع التلبية بأول حصاة من جمرة العقبة يوم النحر.
وقال أحمد وإسحاق وطائفة من أهل النظر والأثر: لا يقطع التلبية حتى يرمي جمرة العقبة بأسرها، قالوا: وهو ظاهر الحديث: «أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة»، ولم يقل أحد ممن روى الحديث: حتى رمى بعضها.
وقال بعضهم فيه: «ثم قطع التلبية في آخر حصاة »، رواه ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس عن الفضل بن عباس، وكان ردف النبي -عليه السلام- «أنه -عليه السلام- لبى حتى رمى جمرة العقبة».
قال أبو عمر (ابن عبد البر): مَن تأمَّل الأحاديث المرفوعة في هذا الباب، مثل حديث محمد بن أبي بكر الثقفي عن أنس، وحديث ابن عمر، استدل على الإباحة في ذلك؛ ولذلك اختلف السلف فيه هذا الاختلاف، ولم ينكر بعضهم على بعض، وقال كل واحد منهم بما ذهب إليه استحبابًا، لا إيجابًا. الاستذكار (4/ 73-74).
وقال المازري -رحمه الله-:
اختلف عندنا (المالكية): متى يقطع الحاج التلبية هل عند الزوال (يوم عرفة) أم عند الرواح إلى الصلاة أو إلى الموقف؟
وذهب المخالف إلى أنَّه لا يقطع حتى يرمي الجمرة، وتعلَّق بهذا الحديث، واختار ذلك بعض شيوخنا المتأخرين.
واختلف القائلون: بأنَّه لا يقطع حتى يرمي الجمرة: هل يقطع التلبية إذا رمى أول حصاة أو حتى يتم السبع؟ (أي: قولان عنهم). المعلم (2/93- 94).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
قد حكى محمد بن المواز عن مالك: أنَّه يُكبِّر، وإنْ شاء لبَّى في سفره من منى إلى عرفة.
وقال ابن الجلَّاب (مالكي): مَن أحرم من عرفة لبَّى حتى يرمى الجمرة، وأخذ مالك في مشهور مذهبه بما روى في موطئه عن علي وعائشة وابن عمر على اختلاف بينهم، مع اتفاق أنَّه قبل الوقوف (يعني: يلبي إلى زوال الشمس يوم عرفة)، وهو مذهب أكثر أهل المدينة. إكمال المعلم (4/ 357).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
إنكار الناس على ابن مسعود التلبية بعد الإفاضة من عرفة دليل على أنَّ عملهم كان على قطعها قبل ذلك، وهو متمسَّك لمالك على أصله في ترجيح العمل (عمل أهل المدنية) على الخبر، وهذا نحو مِمَّا تقدَّم من إنكار النَّاس على عائشة إدخال الجنازة في المسجد. المفهم (3/ 387).
وقال النووي -رحمه الله-:
قوله: «حتى بلغ الجمرة» دليل على أنَّه يستديم التلبية حتى يَشرع في رمي جمرة العقبة، غداة يوم النحر، وهذا مذهب الشافعي وسفيان الثوري وأبي حنيفة وأبي ثور وجماهير العلماء من الصحابة والتابعين وفقهاء الأمصار ومَن بعدهم.
وقال الحسن البصري: يلبي حتى يصلي الصبح يوم عرفة، ثم يقطع، وحكي عن علي وابن عمر وعائشة ومالك وجمهور فقهاء المدينة: أنَّه يُلبي حتى تزول الشمس يوم عرفة، ولا يلبِّي بعد الشروع في الوقوف.
وقال أحمد وإسحاق وبعض السلف: يُلبي حتى يفرغ من رمي جمرة العقبة.
ودليل الشافعي والجمهور هذا الحديث الصحيح، مع الأحاديث بعده، ولا حُجة للآخرين في مخالفتها، فيتعيَّن اتِّباع السُّنة.
وأما قوله في الرواية الأخرى: «لم يزل يلبِّي حتى رمى جمرة العقبة» فقد يحتج به أحمد وإسحاق لمذهبهما، ويجيب الجمهور عنه: بأنَّ المراد حتى شَرَعَ في الرمي؛ ليجمع بين الروايتين. المنهاج شرح مسلم (9/ 26-27).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
في هذا الحديث: أنَّ التلبية تستمر إلى رمي الجمرة يوم النحر، وبعدها يَشرع الحاج في التحلل، وروى ابن المنذر بإسناد صحيح عن ابن عباس أنَّه كان يقول: «التلبية شعار الحج، فإنْ كنتَ حاجًّا فلبِّ حتى بدء حِلِّك، وبدء حِلَّك: أنْ ترمي جمرة العقبة»، وروى سعيد بن منصور من طريق ابن عباس قال: «حججتُ مع عمر إحدى عشرة حجة، وكان يُلبي حتى يرمي الجمرة»، وباستمرارها قال الشافعي وأبو حنيفة والثوري وأحمد وإسحاق وأتباعهم.
وقالت طائفة: يقطع المحْرِم التلبية إذا دخل الحرم، وهو مذهب ابن عمر، لكن كان يعاوِد التلبية إذا خرج من مكة إلى عرفة.
وقالت طائفة: يقطعها إذا راح إلى الموقف، رواه ابن المنذر وسعيد بن منصور بأسانيد صحيحة عن عائشة وسعد بن أبي وقاص وعلي، وبه قال مالك، وقيَّده: بزوال الشمس يوم عرفة، وهو قول الأوزاعي والليث، وعن الحسن البصري مثله، لكن قال: إذا صلى الغداة يوم عرفة، وهو بمعنى الأول، وقد روى الطحاوي بإسناد صحيح عن عبد الرحمن بن يزيد، قال: «حججتُ مع عبد الله فلما أفاض إلى جَمْع (مزدلفة) جعل يلبِّي، فقال رجلٌ: أعرابيٌّ هذا؟! فقال عبد الله: أَنَسِيَ الناس أم ضلُّوا؟»...
واختلفوا أيضًا هل يقطع التلبية مع رمي أول حصاة أو عند تمام الرمي؟ فذهب إلى الأول الجمهور، وإلى الثاني أحمد، وبعض أصحاب الشافعي. فتح الباري (3/ 533).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
ما ذهب إليه أحمد وبعض الشافعية من أنَّ قطع التلبية عند تمام الرمي هو الحق؛ لصحة حديث الفضل -رضي الله عنه- المذكور عند ابن خزيمة -رحمه الله تعالى-(كما سيأتي)، والله تعالى أعلم بالصواب. ذخيرة العقبى (26/ 69).
وقال الشنقيطي -رحمه الله-:
الأظهر: أنَّه يقطعها عند الشروع في رمي جمرة العقبة، وأنَّ رواية مسلم: «حتى رمى جمرة العقبة» يُراد به الشروع في رميها، لا الانتهاء منه، ومن القرائن الدالة على ذلك: ما ثبت في الروايات الصحيحة من التكبير مع كل حصاة، فظرف الرمي لا يستغرق غير التكبير، مع الحصاة لتتابع رمي الحصيات. أضواء البيان (5/ 6).
وقال ابن خزيمة -رحمه الله-:
خرَّجتُ طُرق أخبار النبي -صلى الله عليه وسلم- أنَّه لم يزل يلبي حتى رمى الجمرة في كتابي الكبير، وهذه اللفظة دالة على أنَّه لم يزل يلبي حتى رمي الجمرة بسبع حصيات؛ إذ هذه اللفظة: «حتى رمى الجمرة» و«حتى رمى جمرة العقبة» ظاهرها: حتى رمى جمرة العقبة بتمامها؛ إذ غير جائز من جنس العربية إذا رمى الرامي حصاة واحدة أنْ يُقال: رمى الجمرة، وإنَّما يُقال: رمى الجمرة إذا رماها بسبع حصيات. صحيح ابن خزيمة (4/ 281).
وقال الشنقيطي -رحمه الله-:
وعلى تقدير صحة هذه الرواية، لا ينبغي العدول عنها. أضواء البيان (5/ 7).
وقال صفي الرحمن المباركفوري -رحمه الله-:
أجاب الجمهور عن هذا الذي رواه ابن خزيمة: بأنَّ الزيادة التي فيها: مِن قطع التلبية مع آخر حصاة، زيادة غريبة، ليست في الروايات المشهورة عن الفضل.
ومن القرائن الدالة على ذلك: ما ثبت في الروايات الصحيحة من التكبير مع كل حصاة، ومعلومٌ أنَّ ظرف الرمي لا يستغرق غير التكبير مع الحصاة؛ لتتابع رمي الحصيات. منة المنعم (2/ 296).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
نَقَلَ البرماويُّ والحافظُ ابن حجر: أنَّ مذهب الإمام أحمد -رحمه الله- لا يقطعها حتى يرميها، فيكون الحديث مستندًا له، والذي رأيته في تنقيح المقنع، وعليه الفتوى عند الحنابلة ما نصه: ويقطع التلبية مع رمي أوَّل حصاة منها، فلعل ما نقله البرماوي وصاحب الفتح قول له أيضًا، وهو قول بعض الشافعية. إرشاد الساري (3/ 211).
وقال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
تنبيهٌ: ما حكى الحافظ وابن عبد البر وغيرهما من الشراح ونَقَلَة المذاهب كالنووي والعيني عن الإمام أحمد مِن قطع التلبية عند انتهاء الرمي، والفراغ منه، هي رواية عنه مرجوحة؛ لأنَّ عامة فروعه مصرِّحة بقطعها مع أول حصاة، موافقًا للجمهور، ففي نيل المآرب: تُسَنُّ التلبية من حين الإحرام إلى أول الرمي، أي: رمي جمرة العقبة، انتهى.
وقريب منه ما في الروض المربع.
وقال في العدة شرح العمدة: ويقطعها عند أول حصاة يرميها؛ لأنَّه قد رُوي في بعض ألفاظ حديث ابن عباس: «فلم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة، قطع عند أول حصاة» رواه حنبل في المناسك، انتهى. مرعاة المفاتيح (9/ 156).
وقال ابن قدامة -رحمه الله-:
وفي رواية مَن روى أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يُكبِّر مع كل حصاة، دليلٌ على أنَّه لم يكن يلبي؛ ولأنه يتحلل بالرمي، فإذا شرع فيه قطع التلبية، كالمعتمر يقطع التلبية بالشروع في الطواف. المغني (3/ 461).
وقال المغربي -رحمه الله-:
الحديث فيه: دلالة على أنَّ الحاج يستمر في التلبية حتى يرمي الجمرة، واللفظ يحتمل أنَّه قطع التلبية في أول حصاة، أو بعد تمام الرمي، وذهب إلى الأول الجمهور، وإلى الثاني أحمد وبعض أصحاب الشافعي، ويؤيد الأول ما في حديث ابن عباس: «ويُكبِّر مع كل حصاة» أنَّه قطع التلبية، كما قال البيهقي، وحُجة الثاني بأنَّ رواية النسائي: «فلم يزل يلبي حتى رمى، فلما رجع قطع التلبية» وما روى ابن خزيمة من طريق جعفر بن محمد عن أبيه عن علي بن الحسين عن ابن عباس عن الفضل، قال: «أفضتُ مع النبي -صلى الله عليه وسلم- من عرفات، فلم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة، ويكبر مع كل حصاة، ثم قطع التلبية مع آخر كل حصاة» وقال ابن خزيمة: هذا حديث صحيح، فإنه مفسر لما أُبهم في الروايات الأُخر، فإن المراد بقوله: «حتى رمى جمرة العقبة» أي: أتم رميها...
وأشار الطحاوي إلى أنَّ كل من رُوي عنه ترك التلبية من يوم عرفة أنه تركها للاشتغال بغيرها من الذِّكْر، لا على أنَّها لم تُشرع، وجمع بذلك بين ما يختلف من الآثار، والله أعلم. البدر التمام (5/ 335-336).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
التلبية لا تُقطع في الحج، سواءً كان قرانًا، أو إفرادًا، أو حجَّ تمتعٍ، إلا إذا شَرَعَ في رمي جمرة العقبة؛ ولهذا قال: «حتى بلغ الجمرة»؛ لأن الجمرة ابتداء التحلل، فإنه إذا رمى وحلَقَ حلَّ، فهي ابتداء التحلل، والتلبية إنَّما تكون في ابتداء النسك...، ثم إنَّه إذا وصل إليها سوف يشتغل بذكر آخر، وهو التكبير. شرح كتاب الحج من صحيح البخاري (ص: 8-9).
وقال أكمل الدين البابرتي الحنفي -رحمه الله-:
ولأنَّ التلبية في الحج كالتكبير في الصلاة، في كونه ذكرًا مفعولًا في افتتاح العبادة، ويتكرر في أثنائها، فكان القياس أنْ يكون إلى آخر جزء من الإحرام؛ وذلك إنَّما يكون عند الرمي.
وقيل: كان القياس أنْ يكون إلى آخره، كالتكبير في الصلاة، إلا أنَّ القياس تُرك فيما بعد الرمي بالإجماع، فيبقى فيما وراءه على أصل القياس. العناية شرح الهداية (2/ 476-477).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
لا يزال يلبي (-صلى الله عليه وسلم-) في ذهابه من مشعر إلى مشعر، مثل ذهابه إلى عرفات، وذهابه من عرفات إلى مزدلفة، حتى يرمي جمرة العقبة، فإذا شرع في الرمي قطع التلبية، فإنه حينئذٍ يشرع في التحلل.
والعلماء في التلبية على ثلاثة أقوال: منهم من يقول: يقطعها إذا وصل إلى عرفة، ومنهم من يقول: بل يلبي بعرفة وغيرها إلى أن يرمي الجمرة، والقول الثالث: أنه إذا أفاض من عرفة إلى مزدلفة لبى، وإذا أفاض من مزدلفة إلى منى لبى، حتى يرمي جمرة العقبة، وهكذا صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم-.
فصل: وأما التلبية في وقوفه بعرفة ومزدلفة فلم يُنقل عن النبي -صلى الله عليه وسلم- (وهذا كما سبق لانشغاله بالذِّكْر هناك)، وقد نُقل عن الخلفاء الراشدين وغيرهم أنَّهم كانوا يلبون بعرفة. مجموع الفتاوى (26/ 136).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
فأتى (-صلى الله عليه وسلم-) جمرة العقبة، فوقف في أسفل الوادي، وجعل البيت عن يساره، ومنى عن يمينه، واستقبل الجمرة، وهو على راحلته، فرماها راكبًا بعد طلوع الشمس، واحدة بعد واحدة، يكبر مع كل حصاة، وحينئذٍ قطع التلبية، وكان في مَسيرهِ ذلك يلبي حتى شَرَع في الرمي. زاد المعاد (2/ 237).
وقال الشيخ عبد القادر شيبة الحمد -رحمه الله-:
ما يُفيده الحديث:
1. استحباب استمرار التلبية إلى رمي جمرة العقبة.
2. أنَّ الصحابي إذا أضاف شيئًا إلى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قُبل منه، ولو لم يُعرف طريق تحمله عنه -صلى اللَّه عليه وسلم- هل كان بواسطة أو بغير واسطة؟ فقه الإسلام شرح بلوغ المرام (4/ 151-152).


إبلاغ عن خطأ