«اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مِسكِينًا، وأَمِتْنِي مِسكِينًا، واحْشُرني في زُمرَةِ المَسَاكِينِ يوم القيامةِ».
رواه الترمذي برقم: (2352)، من حديث أنس -رضي الله عنه- وفيه زيادة: فقالت عائشة: «لِمَ يا رسول الله؟ قال: إنهم يدخلون الجنة قبل أغنيائهم بأربعين خريفًا، يا عائشة لا تردِّي المسكين ولو بشقِّ تمرة، يا عائشة أَحِبِّي المساكين وقرِّبيهم؛ فإن الله يُقرِّبك يوم القيامة»، لكن ضعَّفها الشيخ الألباني في ضعيف الترمذي برقم (٢٦٦)، وضعيف الترغيب والترهيب برقم:(1855)، وإرواء الغليل (3/ 359).
ورواه ابن ماجه برقم: (4126)، من حديث أبي سعيد -رضي الله عنه- ولفظه: أحِبُّوا المساكين؛ فإني سمعتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول في دعائه: «اللهمَّ أَحْيِنِي مسكينًا، وأمِتْني مسكينًا، واحشُرني في زمرة المساكين».
سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم: (308)، صحيح الترغيب والترهيب برقم: (3192).
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«زُمرَةِ»:
الزُّمْرَةُ بالضم الجماعة، والزُّمَرُ الجماعات. مختار الصحاح (ص: 280)
«خرِيفًا»:
الخريف: الزَّمان المعروف من فصول السَّنة ما بين الصَّيف والشِّتاء، ويريد به أربعين سَنة؛ لأن الخريف لا يكون في السَّنة إلَّا مرَّة واحدة، فإذا انقضى أربعون خريفًا فقد مضت أربعون سنة. النهاية، لابن الأثير (2/ 24).
وقال ابن منظور -رحمه الله-:
سُمِّي فصل الخريف خريفًا؛ لأن الثِّمار تُخترف (تُجْتَنى) فيه. لسان العرب (8/ 103).
شرح الحديث
قوله: «اللَّهُمَّ أَحيِنِي مِسكِينًا»:
قال الصنعاني -رحمه الله-:
«اللهمَّ أحيني مسكينًا» أراد مَسْكَنة القلب على أحد الأقوال فيه، وفيما بعده. التنوير (3/ 175).
وقال المناوي -رحمه الله-:
أراد مسكنة القلب، لا المسكنة التي هي نوع من الفقر، وقيل: أراد أنْ لا يتجاوز الكفاف. التيسير (1/ 224).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «أحيني مسكينًا» قيل: هو من المسكنة، وهي الذِّلُّة والافتقار، فأراد -صلى الله عليه وسلم- بذلك إظهار تواضعه، وافتقاره إلى ربِّه؛ إرشادًا لأُمَّته إلى استشعار التَّواضع، والاحتراز عن الكبر والنَّخوة، وأراد بذلك التَّنبيه على عُلوِّ درجات المساكين، وقُربهم من الله تعالى. الكاشف عن حقائق السنن (10/ 3314).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«اللهمَّ أحيني مسكينًا» ولم يقل: فقيرًا؛ لئلا يُتوهَّم كونه محتاجًا حقيرًا، فيُنافيه دعاؤه: «اللهمَّ اجعلني في نفسي صغيرًا، وفي أعين الناس كبيرًا». وأمَّا المسكين فهو من مادة المسكنة، وهو التَّواضع على وجه المبالغة، ولو أفضى إلى المذلَّة، أو من السُّكون والسَّكينة، وهو الوقار والاطمئنان والقرار تحت أحكام الأقدار، رضًا بقضاء الجبار.
وقال بعضهم: أي: اجعلني متواضعًا لا جبَّارًا متكبِّرًا.
وفيه: تعليم الأُمَّة ليعرفوا فضل الفقراء، فيحِبُّوهم، ويجالسوهم؛ لينالهم بركتهم.
وفيه: تسلية للمساكين، وتنبيه على علوِّ درجاتهم، ويجوز أن يراد بهذا أن يجعل قُوْتَه كفافًا، ولا يشغله بالمال؛ فإن كثرة المال في حقِّ المقربين مؤنة من المآل، وخشونة الحال. مرقاة المفاتيح (8/ 3282- 3283).
وقال الحليمي -رحمه الله-:
كان ذلك تواضعًا وتذلُّلًا لله -عزَّ وجلَّ-، وإشفاقًا على نفسه من الطغيان، والاشتغال بالمال عن عبادة الرحمن، وكان فراشه الذي قُبض عليه محشوًّا من وَبر الإبل، طوله ذراعان أو نحوهما، وعرضه ذراع وشبر أو نحوه، وكان له فراش من أَدَمٍ حَشْوُه لِيْف، ووسادة حشوها ليف، وجاء أنه «ما شبع آل محمد -صلى الله عليه وسلم- من خبز البُرِّ مُذْ قدموا المدينة ثلاثة أيام تِباعًا، حتى قبضه الله -عزَّ وجلَّ-»، ولَمَّا أفاء الله تعالى عليه القرى القريبة كان يحبس من غلَّاتها لعياله قوت سنة، ويصرف ما فضل إلى الكُرَاع والسِّلاح عُدَّة في سبيل الله، والأخبار في هذا الباب كثيرة، وهي موجودة فيما جمعه الناس في الزُّهد، والوقوف عليها ممكن. المنهاج في شعب الإيمان (2/ 79).
وقال البيهقي -رحمه الله-:
قال أصحابنا: فقد استعاذ من الفقر، وسأل المسكنة، وقد كان -صلى الله عليه وسلم- له بعض الكفاية، فدلَّ على أن المسكين مَنْ له بعض الكفاية. الخلافيات (5/ 320).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
وأمَّا قوله: «أَغْنِنِي من الفقر» مع قوله -عليه السلام-: «اللهمَّ أحيني مسكينًا، واحشرني في زمرة المساكين، ولا تجعلني جبَّارًا شقيًّا»، فإن هذا الفقر هو الذي لا يدرك معه القوَّة والكفاف، ولا يستقِرُّ معه في النَّفس غنى؛ لأن الغنى عنده -صلى الله عليه وسلم- غنى النَّفس. الاستذكار (2/ 522).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله- أيضًا:
والمسكين ها هنا المتواضع كُلُّه الذي لا جبروت فيه، ولا كبر، الْهَيِّن اللَّيِّن السَّهل القريب، وليس بالسَّائل؛ لأن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد كَره السُّؤال، ونهى عنه، وحرَّمه على مَنْ يجد ما يغدِّيه ويعشِّيه. الاستذكار (2/ 540).
وقال البيهقي -رحمه الله-:
(ووجهه) أَنّه لم يَسأل حال المَسكنة التي يَرجِع معناها إلى القِلَّة، وإنَّما سأل المَسْكنة التي يَرجِع معناها إلى الإِخباتِ والتواضُع، فكأنَّه -صلى الله عليه وسلم- سأل اللهَ تعالى ألا يجعلَه من الجبّارين المتكبّرين، وألا يَحشُرَه في زُمرةِ الأغنياءِ المُتْرَفين. السنن الكبرى(13/٣٩١).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
فالمسكين المحمود هو المتواضع الخاشع لله؛ ليس المراد بالمسكنة عدم المال، بل قد يكون الرَّجل فقيرًا من المال، وهو جبَّار، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- في الحديث الصَّحيح: «ثلاثة لا يكلمهم الله، ولا ينظر إليهم، يوم القيامة، ولا يزكِّيهم، ولهم عذاب أليم: مَلِك كذَّاب، وفقير مختال، وشيخ زانٍ»، وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: «أنا عبد آكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد»، فالمسكنة خلق في النَّفس، وهو التَّواضع والخشوع، واللِّيْنُ ضِدُّ الكبِّر، كما قال عيسى -عليه السلام-: {وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا} مريم: 32، ومنه قول الشاعر:
مساكين أهل الحبِّ حتى قبورهم *** عليها تراب الذُّلِّ بين المقابر
أي: أذِلَّاء، فالحبُّ يعطي الذُّلَّ، وعبادة الله تجمع كمال الحبِّ له، وكمال الذُّلِّ له، فمن كان مُحِبًّا شيئًا، ولم يكن ذليلًا له لم يكن عابدًا، ومَنْ كان ذليلًا له وهو مبغض لم يكن عابدًا. مجموع الفتاوى (18/ 326 - 327).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
فإن المسكنة التي يُحِبُّها اللَّه من عبده ليست مسكنة فقر المال، بل مسكنة القلب، وهي انكساره وذُلُّه وخشوعه وتواضعه للَّه، وهذه المسكنة لا تُنافي الغِنى، ولا يُشترط لها الفقر، فإن انكسار القلب للَّه ومسكنته لعظمته وجلاله وكبريائه وأسمائه وصفاته أفضل، وأعلى من مسكنة عدم المال، كما أن صبر القادر الواجد عن معاصي اللَّه طوعًا واختيارًا وخشية من اللَّه، ومَحبَّة له، أعلى من صبر الفقير العاجز، وقد آتى اللَّه سبحانه جماعة من أنبيائه ورسله الغنى والمُلْك، ولم يخرجهم ذلك عن المسكنة للَّه. عدة الصابرين (1/ 340).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
والمراد بالمساكين في هذه الأحاديث ونحوها: مَنْ كان قلبه مستكنًّا لله، خاضعًا له خاشعًا، وظاهره كذلك، وأكثر ما يوجد ذلك مع الفقر من المال؛ لأنّ المال يُطغي...؛ ولهذا قال الإمام أحمد وابن عيينة وابن وهب وجماعة من الأئمة: إِنَّ الفقر الَّذِي استعاذ منه النبي -صلى الله عليه وسلم- هو فقر النَّفس، فمَنِ استكان قلبه لله -عزَّ وجلَّ- وخشع له، فهو مسكين وإن كان غنيًّا من المال؛ لأنَّ استكانة القلب لا تنفكُّ عن استكانة الجوارح، ومَنْ خشع ظاهره، واستكان وقلبه، ليس بخاشع، ولا مستكين، فهو جبَّار. الذل والانكسار للعزيز الجبار. (ص: 94-95).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
فأمَّا ما روي عنه أنه كان يقول: «اللهمَّ أحيني مسكينًا» الحديث، فإنْ ثبت في النَّقل فمعناه: ألَّا يجاوز به الكفاف، أو يريد به الاستكانة إلى الله، يوضِّحُه أنه تَرَك أموال بني النَّضير وسهمه من فدك وخيبر، فغير جائز أن يُظنَّ به أن يدعو إلى الله ألَّا يكون بيده شيء، وهو يقدر على إزالته من يده بإنفاقه. التوضيح (29/ 459).
قوله: «وأَمِتْنِي مِسكِينًا»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«وأمِتْني» وفي رواية الحاكم: «وتوفني» «مسكينًا» دلَّ على أنه -صلى الله تعالى عليه وسلم- كان على وصف المسكنة إلى آخر العمر. مرقاة المفاتيح (8/ 3283).
وقال النيسابوري -رحمه الله-:
روي أنه -صلى الله عليه وسلم- كان يتعوَّذ من الفقر، وقد سأل المسكنة في قوله: «اللهمَّ أحيني مسكينًا، وأمِتْني مسكينًا، واحشرني في زمرة المساكين» فكأنه سأل توسُّط الحال؛ ولهذا لَمَّا توفِّي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ترك أشياء معلومة، مع أنه تعالى أجاب دعاءه ظاهرًا، فأماته مسكينًا. غرائب القرآن (3/ 489).
قوله: «واحشرني في زُمرَةِ المَسَاكِينِ يوم القيامةِ»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«واحشرني في زمرة المساكين» أي: فريقهم وجماعتهم، وفيه مبالغة لا تخفى؛ لأنه لو قال: واحشرهم في زمرتي لكان لهم فَضْلٌ كثير، وعُلوٌّ كبير، ونظيره ما قال -صلى الله تعالى عليه وسلم-: «فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم» حيث لم يقل: كفضلي على أعلاكم. مرقاة المفاتيح (8/ 3283).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
قيل: المراد بالمساكين في قوله: «واحشرني في زمرة المساكين» مساكين الصَّحابة خصوصًا دون عموم المساكين؛ لقوله في جواب عائشة: لِمَ يا رسول الله؟ قال: «إنهم يدخلون الجنة قبل أغنيائهم بأربعين خريفًا». وقد نصَّ على ذلك لفقراء المهاجرين في الحديث الصحيح، وقيل: المراد بهم عموم المساكين على ما ذكره في الإحياء وجامع الأصول. الأزهار مخطوط لوح (435).
وقال الأردبيلي -رحمه الله- أيضًا:
قيل: المراد بالدُّعاء في قوله: «واحشرني في زمرة المساكين» هو الدُّعاء لهم، لا لنفسه، أي: احشرني معهم، ولا تفرِّق بيني وبينهم؛ لأنه -صلى الله عليه وسلم- لو عاش مسكينًا، ومات مسكينًا، يُحشر مسكينًا، لا محالة؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «يبعث كُلُّ عبد على ما مات عليه»، وهذا (معنى) لطيف حسن. الأزهار مخطوط لوح (435).
وقال الزرقاني -رحمه الله-:
وكان يستعيذ من فقر مُبْئِسٍ، وغنى مُطْغٍ، ويستعيذ من فتنة الغنى والفقر، وقال: «اللهمَّ أحيني مسكينًا، وأمِتْني مسكينًا، واحشرني في زمرة المساكين، ولا تجعلني جبَّارًا شقيًّا»، والمسكين هنا المتواضع، لا السَّائل؛ لأنه كره السُّؤال، ونهى عنه، وحرَّمه على مَنْ يجد ما يغدِّيه ويعشِّيه، والآثار في هذا كثيرة، ورُبَّما ظهر في بعضها تعارض، وبهذا التَّأويل تتقارب معانيها، فمَنْ آتاه الله سَعَة وجب شكره عليها، ومَن ابتُلِيَ بالفقر وجب عليه الصَّبر، إلَّا أن الفرائض تتوجَّه على الغني وهي ساقطة عن الفقير، وللقيام بها فضل عظيم، وللصَّبر على الفقر ثواب جسيم: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} الزمر: 10، وخير الأمور أوساطها. شرح الزرقاني على الموطأ (2/ 43).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
وقد طال تنازع الناس في هذه المسألة، فذهب قوم إلى تفضيل الفقر، وذهب آخرون إلى تفضيل الغنى، واحتجَّ مَنْ فضَّل الفقر بهذه الآثار بغيرها، فمنها: أنه -صلى الله عليه وسلم- كان يقول في دعائه: «اللهمَّ أحيني مسكينًا، وأمِتْني مسكينًا، واحشرني في زمرة المساكين»...، واحتجَّ من فضَّل الغنى بقوله -صلى الله عليه وسلم-: «إن المكثرين هم الأقلُّون، إلَّا مَنْ قال بالمال هكذا وهكذا»...، وقال في معاوية: «إنه لصعلوك لا مال له»، ولم يكن -صلى الله عليه وسلم- ليَذُمَّ حالة فيها الفضل.
وأحسن ما رأيت في هذه المسألة ما قاله أحمد بن نصر الداودي –رحمه الله-، قال: الفقر والغنى مِحْنَتَان من الله تعالى، وبليَّتان يبلو بهما أخيار عباده؛ ليُبْدِيَ صبر الصَّابرين، وشكر الشَّاكرين، وطغيان البطرين، وإنما أشكل ذلك على غير الرَّاسخين، فوضع قوم الكُتب في تفضيل الغنى على الفقر، ووضع آخرون في تفضيل الفقر، وأغفلوا الوجه الذي يجب الحضُّ عليه، والنَّدب إليه، وأرجو لِمَنْ صحَّت نِيَّته، وخلصت لله طويَّته، وكانت لوجهه مقالتُه أن يجازيه الله على نِيَّته ويعلِّمه...، وكان -صلى الله عليه وسلم- يستعيذ من فتنة الفقر، وفتنة الغنى، فدلَّ هذا كُلُّه أن ما فوق الكفاف محنة، لا يسلم منها إلَّا مَنْ عصمه الله، وقد قال -صلى الله عليه وسلم-: «ما قلَّ وكفى خير مما كَثُرَ وأَلْهَى»، وقال عمر بن الخطاب لَمَّا أُوتي بأموال كسرى: "ما فتح الله هذا على قوم إلَّا سفكوا دماءهم، وقطعوا أرحامهم، وقال: اللهمَّ إنا لا نستطيع إلَّا أن نفرح بما زيَّنت لنا، اللهمَّ إنك منعت هذا رسولك؛ إكرامًا منك له، وفتحته عليَّ؛ لتبتليني به، اللهمَّ سلِّطني على هلكته في الحقِّ، واعصمني من فتنته"، فهذا كُلُّه يدلُّ على فضل الكفاف، لا فضل الفقر كما خُيِّلَ لهم، بل الفقر والغنى بليَّتان كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يستعيذ من فتنتهما، ويدلُّ على هذا قوله تعالى: {وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا} الإسراء: 29... شرح صحيح البخاري (10/ 167- 169).