«أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- لقِيَ رَكْبًا بِالرَّوحاءِ، فقال: مَنِ القومُ؟ قالوا: المسلمونَ، فقالوا: مَنْ أنتَ؟ قال: رسولُ الله، فرفعت إليه امرأةٌ صبِيًّا، فقالت: ألهذا حجٌّ؟ قال: نعم، ولكِ أجرٌ».
رواه مسلم برقم: (1336)، من حديث ابن عباس -رضي الله عنهما-.
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«رَكْبًا»:
أي: جماعة من الركبان. بذل المجهود، للسهارنفوري (7/ 31).
قال الجوهري -رحمه الله-:
قال عُمارَةُ (ابن عقيل): والرَّكْبُ أصحابُ الإبل في السفَر دون الدواب، وهم العَشَرَةُ فما فوقها، والجمع أَرْكُبٌ. الصحاح(1/ 138).
«الرَّوْحَاءِ»:
بفتح الراء، والمد: موضع مِن عمل المدينة، بينهما ما بين الثلاثين والأربعين ميلًا. فتح الباري، لابن حجر (1/ 126).
«الرَّوْحَاءِ»: محطة على الطريق بين المدينة وبدر، على مسافة أربعة وسبعين كِيلًا من المدينة، نزلها رسول الله في طريقه إلى مكة، ولها ذكر في السيرة والأحاديث. المعالم الأثيرة في السنة والسيرة، محمد شُرَّاب (ص: 131).
شرح الحديث
قوله: «لَقيَ رَكْبًا بالرَّوْحاءِ»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«لقي ركبًا» بفتح الراء، وسكون الكاف، جمع راكب، أو اسم جمع كصاحب، وهم العشرة فما فوقها من أصحاب الإبل في السفر دون بقية الدواب، ثم اتسع لكل جماعة. مرقاة المفاتيح (5/ 1742).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
(الرَّوحاء): موضع معروف مِن عمل الفُرْع، بينه وبين المدينة نحو الأربعين ميلًا، وفي كتاب مسلم: ستة وثلاثون ميلًا، وفي كتاب ابن أبي شيبة: ثلاثون ميلًا، والرَّكْبُ: أصحاب الإبل الرَّاكبون عليها. المفهم (3/ 445).
وقال النووي -رحمه الله-:
سبق في مسلم في (الأذان) أنَّ الروحاء: مكان على ستة وثلاثين ميلًا من المدينة. المنهاج شرح مسلم (9/ 99).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«بالروحاء» ظرف لغو متعلق بـ«لقي»، والروحاء قال في التهذيب: هي بفتح الواو والحاء المهملة وسكون الواو بينهما ممدودة، موضع مِن عمل الفُرْع بضم فسكون، بينها وبين المدينة ستة وثلاثون ميلًا، كما روى ذلك مسلم في صحيحه في الأذان عن أبي سفيان، وحكى صاحب المطالع أن بينهما أربعين ميلًا، وأن في كتاب ابن أبي شيبة بينهما ثلاثون ميلًا. اهـ ملخصًا. دليل الفالحين (7/ 80).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
يحتمل أنَّ هذا اللقاء كان ليلًا، ويحتمل أنْ يكون نهارًا، لكنهم ممن لم يهاجروا إلى المدينة، ولا وَفَدَ عليه من الأعراب والقبائل الذين أسلموا، وقد تقدم في حديث جابر أنه أُذّن في الناس أن النبي -صلى الله عليه وسلم- حاجٌّ، فقدِم المدينة خلقٌ كثير؛ ليأتمُّوا به، فلعل هؤلاء ممن قدِم فلم يلقوه إلا هناك؛ ولذلك لم يعرفوه. إكمال المعلم (4/ 441).
وقال السهارنفوري -رحمه الله-:
الظاهر أنَّ هذه القصة حين صدر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- راجعًا من مكة إلى المدينة بعد الفراغ من الحج، كما يظهر من الحديث الذي أخرجه النسائي بهذا السند عن ابن عباس قال: «صدر رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فلما كان بالروحاء» الحديث، وقد صرح الشيخ ابن القيم في زاد المعاد، فقال: «ثم ارتحل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- راجعًا إلى المدينة، فلما كان بالروحاء لقي ركبًا...» إلى آخره. بذل المجهود (7/ 31-32).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «لقي ركبًا» وكان ذلك في الرجوع عن الحج عند وصوله إلى هذا الموضع. لمعات التنقيح (5/ 276).
وقال محمود خطاب السبكي -رحمه الله-:
كان ذلك حين رجوعه -صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم- مِن مكة إلى المدينة بعد الحج، ففي رواية النسائي عن ابن عباس قال: «صدر رسول الله -صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم- فلما كان بالروحاء...» الحديث، وصرح به ابن القيم في الهدي قال: ثم ارتحل رسول الله -صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم- راجعًا إلى المدينة، فلما كان بالروحاء لقي ركبًا... إلخ. المنهل العذب المورود (10/ 277).
قوله: «مَنِ الْقَوْمُ؟»:
قال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
«مَنِ القوم؟» سؤال مَن لم يعلم مَن كانوا، إما لأنهم كانوا في ليل، وإما لأن هؤلاء الركب كانوا فيمن أسلم ولم يهاجروا. المفهم (3/ 445).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«فقال: مَن القوم» بالاستفهام. مرقاة المفاتيح (5/ 1742).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
قوله: «مَن القوم؟»؛ ليتبين أمرهم خوفًا أن يكونوا من العدو. فتح ذي الجلال والإكرام (3/ 330).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«فقال» بعد أنْ سلَّم عليهم، كما في حديث أبي داود «مَن القوم؟». دليل الفالحين (2/ 458).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
فلقي «ركبًا فسلَّم عليهم» فيه: السلام على الرَّكب المسافرين إذا لقِيَهم، وإن لم يعرفهم، وأنَّ الذي يُسلِّم عليهم يكون كبير القوم. شرح سنن أبي داود (8/ 217).
قوله: «قَالُوا: المسلمون»:
قال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «المسلمون» كان من الظاهر أن يقال في الجواب: نحن مُضَرِيُّون أو قُرشِيُّون أو طائيون، فعدَلوا من الظاهر، وعرفوا الخبر حصرًا، أي: نحن قوم لا نتجاوز الإسلام، توهمًا أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ظن أنهم غير مسلمين. الكاشف عن حقائق السنن (6/ 1869).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
«فقالوا: المسلمون» يعني: نحن مسلمون، ولم يقولوا: نحن بنو فلان... إلخ؛ لأن المقصود الاستفهام عن دينهم حتى لا يكونوا أعداء. فتح ذي الجلال والإكرام (3/ 330).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«قالوا: المسلمون» فيه: دليل على إطلاق ذلك، ولا يحتاج إلى فصله بقوله: إن شاء الله؛ خوفًا من سُوء الخاتمة، أي: لأن الأصل بقاء الفصل، وإن كان الإتيان بها نظرًا لذلك أفضل. دليل الفالحين (2/ 458).
قوله: «فقالوا: مَنْ أنت؟ قال: رسول الله»:
قال ابن علان -رحمه الله-:
«فقالوا: من أنت؟» وعند أبي داود «من أنتم؟». دليل الفالحين (2/ 458).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«فقالوا: من أنت؟ قال» أي: النبي «رسول الله» أي: أنا. مرقاة المفاتيح (5/ 1742).
وقال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
«فقالوا: من أنت؟» يعني: أنَّ الذي أجاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سأل بعد ذلك ليعرف مَن يخاطب؟ «قال» أي: النبي: «رسول الله» أي: أنا رسول الله، فلفظ رسول الله خبر مبتدأ محذوف. مرعاة المفاتيح (8/ 309).
قوله: «فرفعت إليه امرأة صبيًا»:
قال ابن الملك -رحمه الله-:
«فرفعت إليه امرأة صبيًّا» أي: أخرجته من الهودج رافعة له على يديها. شرح المصابيح (3/ 238).
قال الزرقاني -رحمه الله-:
ولأبي داود: «ففزِعت امرأة، فأخذت بعضو صبي...» وهو بكسر الزاي، أي: ذعِرَت؛ خوفًا أن يفوتها المصطفى، ويتعذر عليها سؤاله، ويحتمل أنَّ المراد بالفزع هنا: الاستغاثة والالتجاء، أي: استغاثت به، أو بادرت أو قصدته. شرحه على الموطأ (2/ 592).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
ويحتمل أن تكون خافت منه حين سمعت به من عظم هيبته في القلوب -صلى الله عليه وسلم-. شرح سنن أبي داود (8/ 218).
وقال الباجي -رحمه الله-:
فقد كانت فيمن آمن به، ولم ترهُ، ولم تعرف عينه، فلذلك أُخبرت به. المنتقى شرح الموطأ (3/ 77).
قولها: «أَلهذا حَجٌّ؟»:
قال الطيبي -رحمه الله-:
«ألهذا حجٌّ؟» «حج» فاعل الظرف؛ لاعتماده على الهمزة، يعني: أيحصل لهذا ثوابَ حجٍّ؟ وما قالت: أعلى هذا؟ لأنه لا يجب على الأطفال. الكاشف عن حقائق السنن (6/ 1939).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
«ألهذا حج؟» أي: أَجْرُه وثوابه؛ لأن حجَّه نفل؛ ولهذا لم تذكر بكلمة (على). لمعات التنقيح (5/ 276).
قال الباجي -رحمه الله-:
قولها في الصبي: «ألهذا حج؟» سؤال عن حُكم الصبي إن كان ممن تصح منه هذه العبادة، وإنما أرادت به الحج المشروع على سبيل الندب والاستحباب؛ ولذلك قال لها: «نعم، ولكِ أجر» يريد -والله أعلم- في عونه على ذلك. المنتقى شرح الموطأ (3/ 77).
قوله: «قال: نعم، ولك أَجْرٌ»:
قال القاضي عياض -رحمه الله-:
«ولكِ أجر» يعني: فيما تتكلفه من أمره بالحج، وتعليمه إياه، وتجنُّبه ما يلزم فيه (أي: من ممنوعات الإحرام). إكمال المعلم (4/ 442).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«قال: نعم»؛ لأنَّ له حج النفل، «ولك أجر»؛ لأنكِ سببه. شرح المصابيح (3/ 238).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«قال: نعم» أي: له حج النفل «ولكِ أجر» أي: أجر السببية وهو تعليمه إن كان مميزًا، أو أجر النيابة في الإحرام والرمي والإيقاف والحمل في الطواف والسعي إن لم يكن مميزًا. مرقاة المفاتيح (5/ 1742).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «ولكِ أجر» لأجل تربيته وإعانته، والصبي إذا حجَّ في حالة الصِّبا وجب عليه الحج بعد البلوغ، وكذا العبد بعد الحرية، بخلاف الفقير بعد الغنى. لمعات التنقيح (5/ 277).
وقال الزرقاني -رحمه الله-:
«قال: نعم» له حج، وزادها على السؤال: «ولك أجر»؛ ترغيبًا لها. شرحه على الموطأ (2/ 592).
وقال محمود خطاب السبكي -رحمه الله-:
«نعم» أي: له فضل الحج دون أن يكون محسوبًا عن فرضه لو بقي حتى يبلغ، وهذا كالصلاة يؤمَر بها إذا أطاقها وهي غير واجبة عليه، ولكن يُكتب له أجرها تفضلًا من الله تعالى، ويُكتب لمن يأمره بها ويرشده إليها أجر. المنهل العذب المورود (10/ 277).
وقال النووي -رحمه الله-:
«ولكِ أجر» معناه: بسبب حملها، وتجنيبها إياه ما يجتنبه المحْرِم، وفعل ما يفعله المحرم، والله أعلم، وأما الولي الذي يُحرم عن الصبي فالصحيح عند أصحابنا أنه الذي يلي مالَه، وهو: أبوه أو جدّه أو الوَصيّ أو القيّم من جهة القاضي، أو القاضي أو الإمام، وأما الأم فلا يصح إحرامها عنه إلا أن تكون وصيَّة أو قَيِّمة من جهة القاضي، وقيل: إنه يصح إحرامُها وإحرام العَصَبة وإن لم يكن لهم ولاية المال، هذا كله إذا كان صغيرًا لا يميِّز، فإن كان مميزًا أَذِن له الولي فأَحْرَم، فلو أحرم بغير إذن الولي، أو أحرم الولي عنه لم ينعقد على الأصح، وصفة إحرام الولي عن غير المميز أن يقول بقلبه: جعلته مُحرِمًا، والله أعلم. المنهاج شرح صحيح مسلم (9/ 100).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«ولكِ أجر»... إذا كانت وصية أو قيمة من جهة القاضي، وإلا فلا صحة ولا أجر إلا لوليِّه إذا أحرم عنه، وأما أجر حجِّه فقال أصحابنا (الشافعية) وغيرهم: فيكتب له مع جميع ما يعمله من الطاعات، كالطواف والسعي وركعتي الطواف وغيرهما من الصلوات والطهارات والقراءة والوصية والتدبر إذا صححناهما، وغير ذلك من الطاعات، ولا تُكتب عليه معصية بالإجماع؛ لهذا الحديث، وحديث ابن ماجه عن جابر: «حججنا مع رسول الله فلبَّينا عن الصبيان، ورمينا عنهم». شرح سنن أبي داود (8/ 219).
قال الخطابي -رحمه الله-:
فإذا كان له حج فقد عُلم أنَّ مِن سنَّته أن يوقَف به في المواقف، ويُطاف به حول البيت محمولًا إن لم يُطِق المشي، وكذلك السعي بين الصفا والمروة، في نحوها من أعمال الحج، وفي معناه: المجنون إذا كان مأيوسًا من إفاقته.
وفي ذلك: دليل على أن حَجَّه إذا فسد أو دخله نقص فإن جُبرانه واجبٌ عليه كالكبير، وإن اصطاد صيدًا لزمه الفِداء كما يلزم الكبير.
وفي وجوب هذه الغرامات عليه في مالِه كما يلزمه لو أتلف مالًا لإنسان فيكون غُرمه في ماله، أو وجوبها على وليّه إذ كان هو الحامل له على الحج والنائب عنه في ذلك نظر، وفيه اختلاف بين الفقهاء، وقال بعض أهل العراق: لا يُحج بالصبي الصغير، والسُّنة أولى ما اتُّبِع. معالم السنن (2/ 146).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
أضاف الحج الشرعي إليه؛ فوجب أنْ تتعلَّق به أحكامه، وأكد هذا بقوله: «ولكِ أجر» فأخبر أنها تستحق الثواب على إحجاجه، وهذا مذهب ابن عباس وابن عمر وعائشة، وقد روي عن ابن عباس أنه قال لرجل حجَّ بابنٍ صبي له أصاب حَمامًا في الحرم: اذبح عن ابنك شاة، وقام الإجماع على أن جنايات الصبيان لازمة لهم في أموالهم، وأوّلوا الحديث أنه -عليه الصلاة والسلام- أوجب للصبي حجًّا.
قال الطحاوي: وهذا مما قد أجمع الناس عليه، ولم يختلفوا أن للصبي حجًّا كما أن له صلاة، وليست تلك الصلاة بفريضة عليه، فكذلك يجوز أن يكون له حج، ولا يكون فريضة عليه، قال: وإنما الحديث حُجة على مَن زعم أنه لا حج للصبي، وأما من يقول: إن له حجًّا، وإنه غير فريضة؛ فلم يخالف الحديث، وإنما خالف تأويل مخالفه خاصة.
وقال الطبري: جعل له -عليه الصلاة والسلام- حجًّا مضافًا إليه كما يضاف إليه القيام والقعود والأكل، وإن لم يكن ذلك من فعله على الوجه الذي يفعله أهل التمييز باختيار. التوضيح (12/ 473).
وقال العيني -رحمه الله-:
«قال نعم، ولكِ أجر» وقد احتج بظاهر هذا الحديث داود وأصحابه من الظاهرية وطائفة من أهل الحديث على أن الصبي إذا حج قبل بلوغه كفى ذلك عن حجة الإسلام، وليس عليه أن يحج حجة أخرى عن حجة الإسلام، وقال الحسن البصري وعطاء بن أبي رباح ومجاهد والنخعي والثوري وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد ومالك والشافعي وأحمد وآخرون من علماء الأمصار: لا يجزئ الصبي ما حجه عن حجة الإسلام، وعليه بعد بلوغه حجة أخرى. عمدة القاري (10/ 216).
وقال المازري -رحمه الله-:
في هذا حُجة لنا وللشافعي على أنَّ الصغير ينعقد عليه الحج، ويجتنب ما يجتنبه المحْرِم، وأبو حنيفة لا يرى ذلك، وقد يقول أصحابه: يحمل هذا على أنه يراد به تمرين الصغار على الحج، وإن قالوا: يحتمل أن يكون هذا كان بالغًا، قلنا: فما فائدة السؤال: هل له حج؟ وهذا يبطل تأويلهم، وأيضًا فإن في بعض طرق الحديث في غير كتاب مسلم: أنَّ الصبي كان صغيرًا. المعلم (2/ 108-109).
وقال القاضي عياض -رحمه الله- مُعلِّقًا:
قوله في حديث مسلم: «رفعت امرأة صبيًّا لها» يدل على صغره؛ إذ لا ترفعه غالبًا إلا وهو بتلك الحال، لا سيما رفعه بذراعه، على ما جاء في الموطأ: «فأخذت بضُبْعَي صبيٍّ لها، قال: وهي في محفّتها» وفي غيره: «فأخرجته من محفّتها»، ولا خلاف بين أئمة العلم في جواز الحج بالصبيان، إلا قومًا من أهل البدع مَنَعُوه، ولا يلتفت لقولهم.
وفعل النبي -صلى الله عليه وسلم- أيضًا لذلك، وإجماع الأئمة والصحابة يردُّ قولهم، وإنما الخلاف للعلماء: هل ينعقد حكم الحج عليهم كما ذكره، وفائدة الخلاف في ذلك: إلزامهم من الفدية والدم والجبر ما يلزم الكبير أم لا؟ فأبو حنيفة لا يُلزمهم شيئًا، وإنما يجتنب عنده ما يجتنب المحرم على طريق التعليم والتمرين، وسائرهم يلزمونه ذلك، ويرون حكم الحج منعقدًا عليه؛ إذ جعل له النبي -صلى الله عليه وسلم- حجًّا، وأجمعوا أنه لا يجزئه إذا بلغ من الفريضة، إلا فرقة شذّت، فقالت: إنه يجزئه، ولم يلتفت العلماء إلى قولها. إكمال المعلم (4/ 441).
وقال الرافعي -رحمه الله-:
في الحديث دليل على صحة حج الصبي، ومؤيده ما روي عن السائب بن يزيد قال: «حجَّ بي أبي مع النبي -صلى الله عليه وسلم- في حجة الوداع وأنا ابن سبع سنين».
ثم إن كان الصبي مميزًا فيُحرِم ويأتي بالأعمال، وإلا فيُحرم عنه الولي ويأمره بالطواف وغيره، أو يطوف به...، وليس في الخبر أن الصبي كان ابنها أو لم يكن، ولا أنها كانت أحرمت عنه إن كان ابنها أو أحرم عنه أبوه، أو كان مميزًا فأحرم بنفسه، وقيل: إن الظاهر أنه كان ابنها، وأنها أحرمت عنه، واحتج به على أن للأم أن تُحرم عن الصبي. شرح مسند الشافعي (2/ 202).
وقال المظهري -رحمه الله-:
«ألهذا حجٌّ؟ فقال: نعم، ولكِ أجر» هذا صريحٌ بصحةِ حجِّ الصبيِّ، وحصولِ الثوابِ له ولأبيه وأمِّه وغيرهما ممن حَجَّ به، وهذا الصبيُّ إذا بلغَ ووجد الاستطاعةَ يجبُ عليه الحَجُّ؛ لأنَّ الحجَّ الواقعَ في الصبى يكونُ نافلةً.
وقال بعضُ أهل العراق: حجُّ الصبيَّ لا يكون محسوبًا بل هو لَغْوٌ، وهذا خلافُ الحديث. المفاتيح (3/ 255).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
فيؤخذ من مجموع هذه الأحاديث: أنه يصح حج الصبي ولا يجزئه عن حجة الإسلام إذا بلغ، وهذا هو الحق؛ فيتعين المصير إليه؛ جمعًا بين الأدلة. نيل الأوطار (4/ 348).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
في هذا الحديث من الفقه: أن صوت المرأة ليس بعورة، وأن للصبي حجًّا.
وفيه: اغتنام أوقات العلماء، وسؤال العالِم على قدر ما يحتمل الوقت.
وفيه: أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لما سألته عن شيء أجاب، وضم إليه غيره، فقال: «نعم، ولكِ أجر». الإفصاح (3/ 231).
وقال العيني -رحمه الله-:
يُستفاد منه أحكام:
الأول: فيه جواز الحج بالصبيان الصغار، وعليه جماعة فقهاء الأمصار من أهل الحجاز والعراق والشام ومصر، وكلهم يَستحب الحج بالصبيان ويأمر به، ويستحبونه، وقال أبو عمر (ابن عبد البر): على هذا جمهور العلماء في كل قرن...
الثاني: فيه دلالة على أن أحد الأبوين إذا حجَّ بولده الصغير يحصل له أجر ذلك؛ لقيامه بمؤنته في ذلك، ومباشرته معه مناسك الحج.
الثالث: فيه دلالة على أن مَن أرشد صغيرًا إلى مباشرة نوع من أنواع البر والخير يُثاب على ذلك ويؤجر عليه.
الرابع: فيه إشارة إلى أن الصبي يُثاب على الطاعة؛ لأنه إذا كان له حج، يكون له ثواب، قال عياض: قال كثير من العلماء: إن الصبي يُثاب على طاعته، وتُكتب له حسناته دون سيئاته، روي ذلك عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-. نخب الأفكار (10/ 242-243).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
ففي هذا الحديث من الفوائد ما ساقه المؤلف من أجله، وهو: أن من أعان شخصًا على طاعة فله أجر؛ لأن هذه المرأة سوف تقوم برعاية ولدها إذا أحرم، وفي الطواف، وفي السعي، وفي الوقوف، وكل شيء، قال: «له حج، ولكِ أجر» وهذا كالذي سبق فيمن جهز غازيًا أو خلَفه في أهله، فإنه يكون له أجر الغازي.
وفي هذا الحديث من الفوائد: أن الإنسان ينبغي له أن يسأل عمّا يجهله إذا دعت الحاجة إلى ذلك؛ لأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- سأل: «مَن القوم؟» يخشى أن يكونوا من العدو، فيخونوا أو يغدروا، أما إذا لم تدعُ الحاجة إلى ذلك فلا عليه.
ومن فوائده أيضًا: أن الصبي إذا حجَّ به وليُّه فله أجر، والحج يكون للصبي لا للولي، وقد اشتهر عند عامة الناس أن الصبي يكون حجُّه لوالديه، وهذا لا أصل له، بل حجُّ الصبي له؛ لقول النبي -صلى الله عليه وسلم- لما قالت المرأة: «ألهذا حج؟» قال: «نعم، ولكِ أجر» فالحج له، وليَعْلم أن الصبي -بل كل من دون البلوغ- يُكتب له الأجر، ولا يكتب عليه الوزر.
واستدل بعض العلماء بقوله: «نعم، له حج» أنه إذا أحرم الصبي لَزِمه جميع لوازم الحج؛ فيلزمه الطواف، والسعي، والوقوف بعرفة، والمبيت بمزدلفة ومنى، ورمي الجمرات، فيفعل ما يقدر عليه، وما لا يقدر عليه يُفعل عنه، إلا الطواف والسعي فإنه يطاف ويُسعى به.
وقال بعض أهل العلم: لا بأس أن يتحلل الصبي ولو بدون سبب؛ لأنه قد رفع عنه القلم، وليس بمكلّف، ولا يُقال: إنَّ نفل الحج كفرضه، لا يجوز الخروج منه، وهذا الصبي متنفل فلا يجوز له أن يخرج؛ لأن أصل الصبي من غير المكلَّفين، فلا نلزمه بشيء وهو غير مكلّف، وهذا مذهب أبي حنيفة -رحمه الله- أن الصبي لا يُلزم بإتمام الحج، ولا بواجبات الحج، ولا باجتناب محظوراته، وأن ما جاء منه قُبل، وما تخلّف لا يُسأل عنه، وهذا يقع كثيرًا من الناس الآن، حيث يُحرمون بصبيانهم، ثم يتعب الصبيُّ ويأبى أن يُكمل ويخلع إحرامه، فعلى مذهب جمهور العلماء: لا بد أن نلزمه بالإتمام، وعلى مذهب أبي حنيفة، وهو الذي مال إليه صاحب الفروع -رحمه الله- من أصحاب الإمام أحمد -رحمه الله- ومن تلاميذ شيخ الإسلام ابن تيميه -رحمه الله-: أنه لا يلزم؛ لأنه ليس أهلًا للتكليف. شرح رياض الصالحين (2/ 376).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- أيضًا:
هذا الحديث يُستفاد منه فوائد:
فيه: دليل على أن صوت المرأة ليس بعورة؛ لأنها رَفعت صوتها والناس يسمعون، ومن جملتهم ابن عباس، ومعلوم أن صوت المرأة ليس بعورة، ولكن إن خيف الفتنة في التخاطب وجب الكفّ، أما خضوع المرأة بالقول، ولِينها بالقول فهذا محرَّم، لا لأنه قول، ولكن لأنه خضوع؛ ولهذا قال الله تعالى: {فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا} الأحزاب: 32، لم يقل: لا تتكلمن.
وفيه أيضًا: أن الصغير لا يجب عليه الحج؛ لأنها قالت: «ألهذا حج؟» ولم تقل: أعلى هذا؟ وبينهما فرق؛ لأن «ألهذا حج؟» يعني: أنه يُقبل منه ويصح، أما: أعليه؟ أي: أفُرِض عليه حجٌّ؟
وفي هذا الحديث من الفوائد: جواز الزيادة في الجواب عن السؤال إذا اقتضته المصلحة؛ لقوله: «ولكِ أجر».
وفيه أيضًا: دليل على فساد قول من يقول من العامة: إن ثواب حج الصبي لوالده، وقال بعض العامة: بل ثوابه لجدته من أمّه، وقال بعض العامة: بل ثوابه لمن حج به، هذه ثلاثة أقوال كلها لا تصح، والصحيح: أن أجر الحج له، لكنْ لأمِّه التي تولت الحج به أجر؛ ولهذا قال الرسول -صلى الله عليه وسلم-: «ولكِ أجر»، ولم يقل: لكِ أجره، وهناك فرق بين اللفظتين، إذنْ هذا الصبي ينال ثواب الحج، والأم تنال أجر العمل والتوجيه. فتح ذي الجلال والإكرام (3/ 331-334).
وللاستفادة من الرواية الأخرى ينظر (هنا)