«قلنا: يا رسولَ اللهِ، إِنك تبعثُنَا فننزلُ بقومٍ فلا يَقْرُوننا، فما ترى؟ فقال لنا رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: إِنْ نزلتم بقومٍ فأمرُوا لكُم بما ينبغِي للضَّيفِ، فاقبَلُوا، فإنْ لم يفعلُوا، فخذُوا منهم حَقَّ الضَّيفِ الذي ينبغي لهم».
رواه البخاري برقم: (6137)، ومسلم برقم: (1727)، من حديث عقبة بن عامر -رضي الله عنه-.
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«تَبْعَثْنَا»:
البعث: يكون بعثًا للقوم يُبعثون إلى وجهٍ من الوجوه، مثل السَّفر والرَّكب. وقولهم: "كنتُ في بعثِ فلانٍ"، أي: في جيشه الذي بُعث معه. والبُعوث: الجيوش. لسان العرب لابن منظور(2/ 116).
«يَقْرُوننا»:
القِرى: الإحسان إلى الضَّيف. العين، للخليل (5/ 204).
وقال الرازي -رحمه الله-:
القِرى...ما قُري به الضَّيف. مختار الصحاح، للرازي (ص: 252).
شرح الحديث
قوله: «قلنا: يا رسول اللهِ، إِنك تبعثنا فننزل بقومٍ فلا يقروننا»:
قال الصنعاني -رحمه الله-:
«إنك تبعثنا» أي: للجهاد، أو لأيِّ أمر. التحبير (7/ 33).
قوله: «فننزل بقومٍ فلا يقروننا»:
قال الكرماني -رحمه الله-:
«ولا يقرونا» بالتَّخفيف والتَّشديد، أي: لا يُضيِّفونا. الكواكب الدراري (11/ 28- 29).
وقال الصدر المناوي -رحمه الله-:
وأمَّا معنى الحديث: فإنه محمول على ما إذا كان مرورهم على جماعة من أهل الكتاب، وقد شرط الإمام عليهم ضيافة مَنْ يمرُّ بهم، فإذا لم يفعلوا أخذوا منهم حقَّهم كرهًا، فأمَّا إذا لم يكن قد شرط عليهم، والنَّازل غير مضطر، فلا يجوز أخذ مال الغير إلَّا بطيب من نفسه. كشف المناهج والتناقيح (3/ 431- 432).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
ولفظه: إِنا نمرُ بقوم فلا هم «يضيفونا» ولا هُم يؤدون ما لنا عليهم من الحق ولا نحن نأخذ منهم. التوضيح لشرح الجامع الصحيح (15/ 624).
وقال صفي الرحمن المباركفوري -رحمه الله-:
قوله: «فلا يقروننا» أي: فلا يقدِّمون لنا الضِّيافة، وفي هذا الحديث: أن القِرى حقٌّ للضَّيف على مَنْ نزل عليهم، حتى لو أنهم تخلَّفوا عن أداء هذا الحقِّ يجوز للضَّيف أن يأخذ ما يستحِقُّه كرهًا، وكأن في قوله: «إنك تبعثنا» إشارة إلى أن هذا الأخذ لمن يكون مبعوثًا من جهة الإمام، أي: لعُمَّال الدَّولة؛ لأنَّ لهم نوعًا من التَّسلُّط على عامة الناس، والاحترام في أعينهم.
أمَّا الغريب العامي فإن إقدامه على ذلك ربما يفضي إلى فساد أكبر، لكن دلَّ حديث سنن أبي داود وغيره أن هذا حقُّ الضَّيف مطلقًا، وأن على المسلمين نصره حتى يأخذ حقَّه. منة المنعم (3/ 167).
قوله: «فما ترى؟»:
قال الصنعاني -رحمه الله-:
«فماذا ترى؟» فهذا سؤال استفتاء عن الحكم. التحبير (7/ 33- 34).
وقال ابن قاسم -رحمه الله-:
«فما ترى؟» أي: أن نفعل إذا لم يضيِّفونا؟ الإحكام شرح أصول الأحكام (4/ 432- 433).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فما ترى؟» أي: فما تقول وتحكم في ذلك؟ هل نأخذ منهم حقَّ الضِّيافة بالقوَّة أو نتركهم ولا نتعرَّضهم؟ الكوكب الوهاج (19/ 80- 81).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«فما ترى؟» في هذا قد يؤخذ منه أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يجتهد برأيه في الأحكام؟ شرح سنن أبي داود (15/ 314).
قوله: «فقال لنا رسول الله -صلى اللهُ عليه وسلم-: إِنْ نزلتم بقومٍ فأمرُوا لكُم بما ينبغِي للضَّيفِ فاقبَلُوا»:
قال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قوله: «إن نزلتم بقوم فأمرُوا لكم بما ينبغي للضَّيف فاقبلوا» هذا أمر على جهة النَّدب للضَّيف بالقبول، فحقُّه ألَّا يُردَّ؛ لِمَا فيه مما يؤدِّي إلى أذى المضيف بالامتناع من إجابة دعوته، وغمِّ قلبه بترك أكل طعامه؛ ولأنه ترك العمل بمكارم الأخلاق. المفهم (5/ 200).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«فقال لنا رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: إن نزلتم بقومٍ، فأمروا لكم» أي: أمر الذين نزلتم عندهم خدمهم، وفيه: أنَّ المسافر إذا نزل عند أحد ضيفًا، فلا ينزل إلَّا عند أعيان تلك الناحية الذين لهم خدم وأعوان؛ فإنهم قادرون على إكرام الضَّيف، بخلاف الصَّعاليك الذين يتكلَّفون للضَّيف إذا نزل عليهم «بما ينبغي للضَّيف» من الإكرام «فاقبلوا» منهم. شرح سنن أبي داود (15/ 314).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«فقال: إذا نزلتم بقوم فإن أمروا لكم بما ينبغي للضَّيف» من القِرى طعامًا وشرابًا «فأقبلوا» والمراد: كفايتهم. التحبير (7/ 33- 34).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
هؤلاء المبعوثون إنما يأخذون ممن نزلوا بهم بحقِّ الضِّيافة على معنى أبناء السَّبيل. وحقُّ الضِّيافة من المعروف الذي يكره تركه، ويذمُّ مانعه، وليس من الواجب الذي يجبر عليه المنْزَل به، ويُقتضى من ماله إلَّا عند الضَّرورة وإعواز الطِّعام، فإن لهم أن يأخذوه من حيث يوجد على القيمة في مثل موضعه، ولو كانوا هؤلاء عمالًا، كان على المبعوث إليهم طعامهم ومركبهم وسكناهم، يأخذونه بحقِّ العمل الذي يتولَّونه فيهم؛ وذلك أنه لا مُقام لهم إلَّا بإقامة هذه الحقوق، وإنما كان يلزم ذلك لمن كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يبعثهم في زمانه، وليس إذ ذاك للمسلمين بيت مال يحمل كَلَّهم، ويزيح عِلَلَهم، فأمَّا اليوم فإنما تُعطى أرزاقهم، ويكفون مِؤنهم من بيت المال، وليس لهم حقٌّ في أموال المسلمين، وإلى نحوٍ من هذا ذهب أبو يوسف، فيما كان شرط من الضِّيافة على أهل نجران، وزعم أنها إنما كانت أيام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خاصة دون غيره، وأنه ليس لهم أن يطالبوهم بشيء بعد ذلك.
قلتُ: وقد كان عمر بن الخطاب حين ضرب الجزية على نصارى الشام، جعل عليهم الضِّيافة لِمَنْ نزل بهم، فإذا كانت الضِّيافة مشروطة على قوم من أهل الذِّمَّة مع الجزية فمنعوها، كان للضِّيف أن يأخذ حقَّه من عَرَض أموالهم. أعلام الحديث (2/ 1224- 1225).
وقال البيهقي -رحمه الله-:
وهو إنْ كان النُّزول على أهل الكتاب الذين صولحوا على الضِّيافة مع الجزية فعليهم الوفاء بما وقع عليه الصُّلح، وإن كان النُّزول بالمسلمين، ووقعت لهم إلى الضِّيافة لحاجة، فإنَّما عليهم بذلها لمن اضطرَّ إليها تبذل، كما قلنا فيمن اضطرَّ إلى مال الغير، والله أعلم. وهذا الحديث إنما ورد -والله أعلم- قبل حِجَّة الوداع حين كان يبعث السَّرايا...، فيُشْبِه -والله أعلم- أن يكون الحديث في النُّزول بالمسلمين في غير حال الضَّرورة منسوخًا. معرفة السنن والآثار (14/ 136- 137).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
قوله: «بما ينبغي للضَّيف» أي: من الإكرام بما لا بُدَّ منه من طعام وشراب، وما يلتحق بهما. نيل الأوطار (8/ 178).
قوله: «فإنْ لم يفعلُوا، فخذُوا منهُم حَقَّ الضَّيفِ الَّذِي يَنبَغِي لَهُم»:
قال الكرماني -رحمه الله-:
«فخذوا» أي: عند الاضطرار أخذًا بالضَّمان، أو القوم كانوا من أهل الجزية، وشرط عليهم الضِّيافة للضَّيف. الكواكب الدراري (11/ 28- 29).
وقال الكرماني -رحمه الله- أيضًا:
و«خذوا» أي: أخذًا قهريًّا، وهذا لا يكون إلَّا عند الاضطرار، وبالثَّمن عاجلًا أو آجلًا. الكواكب الدراري (22/ 10- 11).
وقال الترمذي -رحمه الله-:
معنى هذا الحديث: أنهم كانوا يخرجون في الغزو، فيمرُّون بقوم، ولا يجدون من الطعام ما يشترون بالثَّمن، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «إن أَبَوا أن يبيعوا إلَّا أن تأخذوا كرهًا، فخذوا»، هكذا روي في بعض الحديث مفسَّرًا، وقد روي عن عمر بن الخطاب أنه كان يأمر بنحو هذا. الجامع الكبير (3/ 243).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«فإن لم يفعلوا فخذوا منهم حقَّ الضَّيف الذي ينبغي لهم» أي: الضَّيف، وهو يطلق على القليل والكثير، والموصول صفة للحقِّ. مرقاة المفاتيح (7/ 2733).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«فإن لم يفعلوا فخذوا منهم حقَّ الضَّيف الذي ينبغي له» يحتمل أن يكون الخطاب للمسلمين الذين يمرُّون على أهل الذِّمَّة، وقد شرط الإمام عليهم ضيافة مَنْ يَمرُّ بهم من المسلمين، أو يكون المراد بهم المضطرين في المخمصة، وإلَّا فلا يَحِلُّ أخذ مال الغير بدون رضاه، وعند هذا أوجب قوم ضمان القيمة، وهو قياس مذهب الشافعي، وقال جمع من أهل الحديث: لا ضمان فيه، وهو الظَّاهر. شرح المصابيح (4/ 575- 576).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«حقَّ الضَّيف» قال أحمد في تفسير قوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: «فله أن يُعْقِبَهم (أي: يأخذ منهم في العقبى) بقدر قِراه» يعني: للضَّيف أن يأخذ من أرضهم وزرعهم بقدر ما يكفيه بغير إذنهم، وعنه رواية أخرى: أن الضِّيافة على أهل القُرى دون الأمصار.
«الذي ينبغي لهم» قال بعضهم: المراد أن لكم أن تأخذوا من أغراض مَنْ لم يُضفْكُم بألسنتكم، وتذكروا للناس لومهم، فالعيب عليهم، وهذا من المواضع التي يُباح فيه الغيبة، كما أن القادر المماطل بالدَّين يباح عِرضه وعقوبته. وحمله بعضهم على أن هذا كان في أوَّل الإسلام، وكانت المواساة واجبة؛ ولَمَّا اتَّسع الإسلام نُسِخَ ذلك. شرح سنن أبي داود (15/ 314- 315).
وقال السيوطي -رحمه الله-:
«فخذوا منهم»... هذا حين كانت الضِّيافة واجبة، وقد نُسخ وجوبها بعد ذلك، وقيل: خاصٌّ بأهل الذِّمَّة، وقيل: بالمضطر. التوشيح (4/ 1713).
وقال الكشميري -رحمه الله-:
«فخذوا منهم حقَّ الضَّيف» قيل: إنه محمول على عُرْفهم، فإن ذلك كان عُرفهم، وقيل: إنه محمول على معاهدة النبي -صلى الله عليه وسلم- من أهل الذِّمَّة بذلك. فيض الباري (6/ 161).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
و«إلَّا» يأمروا لكم، أي: بما ذُكِر «فخذوا منهم» بأيديكم «حقَّ الضَّيف الذي ينبغي» فقد صار دَينًا لكم عليهم. التحبير (7/ 33- 34).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «فخذوا منهم حقَّ الضَّيف» صريح في وجوب الضِّيافة، حتى يؤخذ جبرًا وكرهًا، وعامة العلماء على أنها من مكارم الأخلاق، وقال مالك وسحنون: إن ذلك على أهل البوادي، والصَّحيح أنه كان ذلك في أوائل الإسلام، فنسخت، وأمَّا عند المخمصة والاضطرار فلا كلام فيه.
وقوله: «ينبغي لهم» الضَّمير للضَّيف؛ لأنه اسم جنس. لمعات التنقيح (7/ 284).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
وهذا عند أكثر العلماء مستحبٌّ، وقال أحمد: يجب على المسلم ضيافة المسلم المسافر المجتاز به ليلة؛ لحديث آخر روي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «ليلة الضَّيف واجبة على كُلِّ مسلم»، ومَنْ نزل به الضَّيف فامتنع عن ضيافته كان الضَّيف مخيَّرًا بين مطالبته بذلك عند الحاكم أو إعفائه، ولا يجب إنزاله في بيته إلَّا أن يجد مسجدًا، أو رباطًا يبيت فيه، وسيأتي في المتَّفق عليه من مسند عقبة بن عامر، قال: قلتُ للنبي -صلى الله عليه وسلم-: إنك تبعثنا فننزل بقوم لا يقرونا، فما ترى؟ فقال: «إن لم يفعلوا فخذوا منهم حقَّ الضَّيف الذي ينبغي لهم». وأمَّا ضيافة ثلاثة أيام فمستحبَّةٌ. كشف المشكل (4/ 87).
وقال الطحاوي -رحمه الله-:
قد ذكرنا عن الليث بن سعد إيجاب الضِّيافة، وجعل من أجل ذلك مَنْ نزل على العبد قبول ذلك، وأكله من غير إذن مولاه، وحُجَّته في ذلك حديث شعبة عن منصور عن الشعبي عن المقدام أبي كَريمة قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «ليلة الضَّيف حقٌّ واجب على كُلِّ مسلم، فإن أصبح بفنائه، فإنه دَين إن شاء اقتضاه، وإن شاء تركه» (وذكر الأحاديث)...
فظاهر هذه الأخبار يُوجِب الضِّيافة، وجائز أن تكون منسوخة، وقد روى عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: حدثنا المقداد بن الأسود قال: «جئتُ أنا وصاحب لي قد كادت تذهب أسماعنا وأبصارنا من الجوع، فجعلنا نتعرَّض للناس، فلم يضفنا أحد، فأتينا النبي -صلى الله عليه وسلم- فقلنا: يا رسول الله، أصابنا جوع شديد، فتعرَّضنا للناس فلم يضفنا أحد، فأتيناك، فذهب إلى منزله وعنده أربعة أَعْنُز، فقال: يا مقداد، احلبهن وجَزِّئ اللبن لكل اثنين جزءًا»، فلم يأمرهما أن يأخذا ما استضافا بمقدار ضيافتهما مع شِدَّة حاجتهما إلى ذلك، فدلَّ ذلك على أن الضِّيافة قد كانت غير واجبة في بعض الأوقات، وروى الليث... عن أبي شريح العدوي أنه قال: سمعتْ أذناي، وأبصرتْ عيناي حين تكلَّم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حين قال:... «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليكرم ضيفه جائزته، قال: وما جائزته يا رسول الله؟ قال: يومه وليلته، للضِّيافة ثلاث، فما كان وراء ذلك فهو صدقة عليه»... فأخبر في هذا الحديث أن الضِّيافة من كرامة الضَّيف، فدلَّ على انتفاء وجوبها، وجائز أن تكون قد كانت واجبة عند الحاجة إليها لقِلَّة عدد أهل الإسلام في ذلك الوقت، وتقارب وتباعد مواطنهم أن يقع ذلك لعموم الإسلام في الجوار؛ لأن في حديث شريح أنها جائزته، والجائزة منحة، والمنحة إنما تكون عن اختياره لا عن وجوب. مختصر اختلاف العلماء (5/22- 231).
وقال ابن حزم -رحمه الله-:
الضِّيافة فرض على البدوي والحضري والفقيه والجاهل يوم وليلة، مبرَّة وإتحاف، ثم ثلاثة أيام ضيافة، ولا مزيد، فإن زاد فليس قِراه لازمًا، وإنْ تمادى على قِراه فحسن، فإن منع الضِّيافة الواجبة فله أخذها مغالبةً، وكيف أمكنه، ويقضى له بذلك...
ورُوِّينا عن مالك: لا ضيافة على أهل الحاضرة ولا على الفقهاء، وهذا قول في غاية الفساد، وبالله تعالى التَّوفيق. المحلى (8/ 146- 148).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
وأمَّا حديث عقبة بن عامر فقال أكثر العلماء: أنه كان في أوَّل الإسلام، حين كانت المواساة واجبة، وهو منسوخ بقوله -عليه السلام-: «جائزته يوم وليلة». قالوا: والجائزة تفضُّلٌ، وليست بواجبة. شرح صحيح البخاري (6/ 585).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
واختلف العلماء في وجوبها فرضًا؛ فمنهم مَنْ أوجبها، ومنهم مَنْ لم يوجبها، وكُلٌّ مَنْ لم يوجبها يندب إليها، ويستحِبُّها، وممن أوجبها الليث بن سعد...
وقال مالك: ليس على أهل الحضر ضيافة، وقال سحنون: إنما الضِّيافة على أهل القُرى، وأمَّا الحَضَر فالفندق ينزل فيه المسافر...
وأهل العلم يأمرون بالضِّيافة، ويندبون إليها ويستحِبُّونها، وهي عندهم على أهل البوادي أوكد، وقولهم: ليس على أهل الحَضَر ضيافة يدلُّ على تأكيد سُنَّتها على أهل البادية، ومنهم مَنْ سوَّى بين البادية والحاضرة في ذلك...التمهيد (13/ 173- 181).
وقال ابن العربي -رحمه الله-:
وأمَّا مذهب الشافعي فإيجاب الضِّيافة على أهل البادية والحاضِرَة حقٌّ واجبٌ في مكارم الأخلاق، وتعلّقَ الشافعيُّ بالعموم، وأنّ الضيافة من جملة الإيمان، وواجبةٌ لأهل الكَرَمِ والإكرام. المسالك في شرح موطأ مالك (7/ 398).
وقال ابن قدامة -رحمه الله-:
قال أحمد: والضِّيافة على كُلِّ المسلمين، كُلٌّ مَنْ نزل عليه ضيف كان عليه أن يُضِيفه..
وعن أحمد رواية أخرى: أن الضِّيافة على أهل القُرى دون أهل الأمصار. المغني (13/ 352- 354).
وجاء في الموسوعة الفقهية الكويتية في حكم الضيافة:
وهي حقٌّ من حقوق المسلم على أخيه المسلم، وقد ذهب الحنفية والمالكية والشافعية إلى أن الضيافة سُنَّةٌ، ومدّتها ثلاثةُ أيام، وهو روايةٌ عن أحمد.
والرواية الأخرى عن أحمد - وهي المذهب - أنها واجبةٌ، ومدّتها يومٌ وليلةٌ، والكمال ثلاثةُ أيام. وبهذا يقول اللّيثُ بنُ سعدٍ.
ويرى المالكية وجوبَ الضيافةِ في حالة المُجتاز الذي ليس عنده ما يبلّغه، ويخاف الهلاك.
والضيافة على أهل القرى والحَضَر، إلا ما جاء عن الإمام مالك والإمام أحمد في رواية: أنه ليس على أهل الحضر ضيافة.
وقال سحنون: الضيافةُ على أهل القُرى، وأما أهل الحَضَر فإن المسافر إذا قدم الحضر وجد نُزُلاً - وهو الفندق - فيتأكّد الندب إليها، ولا يتعيّن على أهل الحضر تعيّنها على أهل القرى، لمعانٍ:
أحدها: أن ذلك يتكرّر على أهل الحَضَر، فلو التزم أهل الحضر الضيافةَ، لما خَلَوا منها. وأهل القرى يندر ذلك عندهم، فلا تلحقهم مشقّة.
ثانيها: أن المسافر يجد في الحضر المسكن والطعام، فلا تلحقه المشقّة لعدم الضيافة.
وحكم القرى الكبار التي توجد فيها الفنادق والمطاعم للشراء، ويكثر ترداد الناس عليها، حكم الحضر.
وهذا فيمَن لا يعرفه الإنسان، وأما من يعرفه معرفةَ مودّة، أو بينه وبينه قرابةٌ أو صِلةٌ ومُكارَمة، فحُكمه في الحضر وغيره سواء. الموسوعة الفقهية الكويتية(28/٣١٦ ــ 319).
وقال النووي -رحمه الله-:
هذه الأحاديث متظاهرة على الأمر بالضِّيافة والاهتمام بها، وعظيم موقعها، وقد أجمع المسلمون على الضِّيافة، وأنها من متأكِّدات الإسلام، ثم قال الشافعي ومالك وأبو حنيفة -رحمهم الله تعالى والجمهور: هي سُنَّة ليست بواجبة، وقال الليث وأحمد: هي واجبة يومًا وليلة، قال أحمد -رضي الله عنه-: هي واجبة يومًا وليلة على أهل البادية وأهل القُرى دون أهل المدن، وتأوَّل الجمهور هذه الأحاديث وأشباهها على الاستحباب ومكارم الأخلاق، وتأكُّد حقِّ الضَّيف كحديث: «غسل الجمعة واجب على كُلِّ محتلم» أي: مُتأكِّد الاستحباب.
وتأوَّلها الخطابي -رضي الله عنه- وغيره على المضطرِّ، والله أعلم...، وأمَّا قوله -صلى الله عليه وسلم-: «إن نزلتم بقوم فأمروا لكم بما ينبغي للضَّيف فاقبلوا منهم، فإن لم يفعلوا فخذوا منهم حقَّ الضَّيف الذي ينبغي لهم»، فقد حمله الليث وأحمد على ظاهره، وتأوَّله الجمهور على أوجه:
أحدها: أنه محمول على المضطرِّين، فإن ضيافتهم واجبة، فإذا لم يُضِيفُوهم فلهم أن يأخذوا حاجتهم من مال الممتنعين.
والثاني: أن المراد أن لكم أن تأخذوا من أعراضهم بألسنتكم، وتذكرون للناس لؤمهم وبخلهم والعيب عليهم، وذمهم.
والثالث: أن هذا كان في أول الإسلام، وكانت المواساة واجبة، فلما اتسع الإسلام نسخ ذلك.
هكذا حكاه القاضي، وهو تأويل ضعيف أو باطل؛ لأن هذا الذي ادعاه قائله لا يعرف.
والرابع: أنه محمول على من مر بأهل الذمة الذين شرط عليهم ضيافة من يمر بهم من المسلمين، وهذا أيضًا ضعيف، إنما صار هذا في زمن عمر -رضي الله عنه-. شرح مسلم (12/ 30- 32).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
والحاصل: أن الضيافة واجبة بأربعة شروط:
الأول: أن يكون الضيف مسلمًا.
الثاني: أن يكون مسافرًا.
الثالث: أن يكون في القُرى.
الرابع: المدة وهي يوم وليلة. الشرح الممتع(15/٥٢)
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
وظاهر هذا الحديث أن قِرى الضَّيف واجب، وأن المنزول عليه لو امتنع من الضِّيافة أُخِذَت منه قهرًا. فتح الباري (5/ 108).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
وإذا لم يفعل القادر على الضِّيافة ما يجب عليه كان للضَّيف أن يأخذ من ماله بقدر قِراه، ويحرم أكل طعام الغير بغير إذنه، ومن ذلك حلب ماشيته، وأخذ ثمرته وزرعه، لا يجوز إلَّا بإذنه، إلَّا أن يكون محتاجًا إلى ذلك، فلينادِ صاحب الإبل أو الحائط، فإن أجابه وإلَّا فليشرب وليأكل غير مُتَّخِذ خُبْنة (بضم الخاء وسكون الموحدة، وهي معطف الإزار وطرف الثوب أي: لا يخبئ في ثوبه). الدراري المضية (2/ 327).
وقال ابن قدامة -رحمه الله-:
ومَنِ اضطرَّ إلى طعام مَنْ ليس به مثل ضرورته، فمنعه، فله أخذه قهرًا، وله أن يقاتله على أخذ ما يسدُّ رَمَقَه، أو قدر شبعه، على اختلاف الرِّوايتين. عمدة الحازم (ص: 619).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
واستدلَّ به على مسألة الظَّفَر، وبها قال الشافعي، فجزم بجواز الأخذ فيما إذا لم يمكن تحصيل الحقِّ بالقاضي، كأن يكون غريمه منكرًا ولا بيِّنة له عند وجود الجنس، فيجوز عنده أخذه إن ظَفَر به، وأخذ غيره بقدره إن لم يجده، ويجتهد في التَّقويم، ولا يحيف، فإن أمكن تحصيل الحقِّ بالقاضي، فالأصحُّ عند أكثر الشافعية الجواز أيضًا، وعند المالكية الخلاف، وجوَّزه الحنفية في المثلي دون المتقوِّم؛ لِمَا يُخشى فيه من الحَيْف (الظلم).
واتَّفقوا على أن مَحلَّ الجواز في الأموال لا في العقوبات البدنية لكثرة الغوائل في ذلك، ومَحلَّ الجواز في الأموال أيضًا ما إذا أمن الغائلة كنسبته إلى السَّرقة، ونحو ذلك. فتح الباري (5/ 109).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
وقد اختلف العلماء فيما يُقدَّم للضَّيف: هل يُقدِّم ما حضر، وما اعتاد أكله أهل البيت ولا يزاد؟ أو يتكلَّف له شيء من البِرِّ، ويتحف زيادة على عادة البيت؟
والجمهور على أنه يتكلَّف له في اليوم الأول بالبِرِّ والألطاف، ويُقدِّم له ما حضر دون تكلُّف في اليومين الثاني والثالث...فتح المنعم (1/ 176).