«إنْ قامتِ الساعةُ وبِيَدِ أحدِكُم فَسِيلَةٌ، فإنْ استطاعَ أنْ لا يقومَ حتى يَغرِسَهَا، فَليَفعَل»
رواه أحمد برقم: (12981)، والبزار برقم: (7408)، والبخاري في الأدب المفرد برقم: (479) بلفظ: «إنْ قامت الساعةُ وفي يدِ أحدِكم فسيلةٌ، فإنْ استطاع أنْ لا تقومَ حتى يغرسَهَا فليغرسْهَا»، من حديث أنس -رضي الله عنه-.
سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم: (9)، صحيح الأدب المفرد برقم: (479).
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«فَسِيلَةٌ»:
الصَّغيرة من النَّخل. لسان العرب، لابن منظور (11/ 519).
قال المناوي -رحمه الله-:
«فسيلة» أي: نخلة صغيرة؛ إذ الفسيل صغار النخل، وهي الوَدِيُّ. فيض القدير (3/ 30).
وقال السندي -رحمه الله-:
«فُسَيْلَة» ضبط بضمٍّ ففتح...، وظاهر القاموس: أنه بفتح فكسر؛ وكذلك ضُبط في نسخة الصِّحاح، وفي بعض النُّسخ: «فَسْلَة» بفتحٍ فسكون. حاشيته على مسند أحمد (3/281).
وقال أبو هلال العسكري -رحمه الله-:
صفاتُ النَّخلِ: أوَّلُ ما يقعُ عليهِ الاسمُ منها: فسيلةٌ، والجمعُ: فَسْلٌ وفُسْلانٌ، وجثيثةٌ ووديَّةٌ، وجثيثٌ ووديٌّ، فإذَا طالتْ فهي نخلةٌ، والجمعُ: نخلٌ ونخيلٌ. التلخيص في معرفة أسماء الأشياء (ص: 306).
«يَغرِسَهَا»:
غَرَسَ الشَّجر يغرسه: أثبته في الأرض. القاموس المحيط، للفيروز أبادي (ص: 561).
شرح الحديث
«إِن قامتِ الساعةُ»:
قال الهيثمي -رحمه الله-:
لعلَّه أراد بقيام السَّاعة: أمارتها، فإنه قد ورد: «إذا سمع أحدكم بالدَّجَّال، وفي يده فسيلة، فليغرسها، فإن للناس عيشًا بَعْدُ». مجمع الزوائد (4/ 63).
وقال السندي -رحمه الله-:
قوله: «إن قامت...» أي: قرُبت، بأنْ ظهر آثارها، وإلَّا فبعد النَّفخ لا يُقدَر على غرسٍ ولا شيءٍ. حاشيته على مسند أحمد (3/281).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«إن قامت السَّاعة» أي: القيامة، سُمِّيت به لوقوعها بغتة، أو لسرعة حسابها، أو لطولها، فهو تلميح، كما يقال في الأسود: كافورًا؛ ولأنها عند الله تعالى على طولها كساعة من السَّاعات عند الخلائق. فيض القدير (3/ 30).
وقال العزيزي -رحمه الله-:
«إن قامت السَّاعة» أي: القيامة. السراج المنير (2/ 179).
قوله: «وبِيَدِ أحدِكُم فَسِيلَةٌ»:
قال المناوي -رحمه الله-:
«وفي يد أحدكم» أيُّها الآدميُّون «فسيلة» أي: نخلة صغيرة؛ إذ الفسيل صغار النَّخل، وهي الودي. فيض القدير (3/ 30).
وقال العزيزي -رحمه الله-:
«وفي يد أحدكم فسيلة» بفتح الفاء، وكسر السَّين المهملة، والفسيل صغار النَّخل، والجمع فُسلان، مثل رغيف ورُغفان، الواحدة فسيلة، وهي التي تقطع من الأُمِّ، أو تقلع من الأرض، فتغرس. السراج المنير شرح الجامع الصغير (2/ 179).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
«وبيد أحدكم فسيلة» أي: نبتة شجر صغيرة، أو نخلة صغيرة -شتلة زرع-. فتح المنعم (6/ 265).
قوله: «فإِن استطاعَ أن لا يقومَ حتى يَغرِسَهَا فَليَفعَل»:
قال المناوي -رحمه الله-:
«فإن استطاع أن لا يقوم» من مكانه «حتى يغرسها فليغرسها» ندبًا. وأراد بقيام السَّاعة أماراتها، بدليل حديث: «إذا سمع أحدكم بالدَّجَّال وفي يده فسيلة فليغرسها، فإن للناس عيشًا بعد». ومقصوده الأمر بالغرس لمن يجيء بعد، وإن ظهرت الأشراط، ولم يبقَ من الدُّنيا إلَّا القليل. التيسير (1/ 372).
قال المناوي -رحمه الله- أيضًا:
«حتى يغرسها فليغرسها» ندبًا، قد خفي معنى هذا الحديث على أئِمَّة أعلام، منهم ابن بَزيزة، فقال: الله أعلم ما الحكمة في ذلك؟ انتهى...
والحاصل: أنه مبالغة في الحثِّ على غرس الأشجار، وحفر الأنهار؛ لتبقى هذه الدَّار عامرة إلى آخر أمدها المحدود المعدود المعلوم عند خالقها، فكما غرس لك غيرك فانتفعت به، فاغرس لمن يجيء بعدك؛ لينتفع، وإن لم يبقَ من الدُّنيا إلا صبابة (البقية تبقى في الإناء من الشراب) وذلك بهذا القصد لا ينافي الزهد، والتقلل من الدنيا. فيض القدير (3/ 30).
وقال موسى شاهين -رحمه الله-:
والغرس خاصٌّ بالشَّجر، والزَّرع بالنَّبات الصَّغير. فتح المنعم (6/ 266).
وقال العزيزي -رحمه الله-:
ومقصود الحديث: الحثُّ على الغرس، وإن ظهرت الأشراط؛ لِمَا يترتَّب عليه من إجراء الثَّواب بعد موت الغارس. السراج المنير (2/ 179).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«فإن استطاع أن لا يقوم» من محلِّه الذي هو قاعد فيه. التنوير (4/ 241).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
«فاستطاع ألا تقوم حتى يغرسها فيغرسها» فله بذلك أجر. المنهل الحديث في شرح الحديث (2/ 276).
وقال موسى شاهين -رحمه الله- أيضًا:
الإسلام دين العِزَّة والكرامة، دين العمل، ورفع الهامة، دين البناء للدُّنيا والآخرة، لا يحب الخنوع والدَّناءة، ويكره الكسل والتَّواكل، شعاره: «إذا قامت القيامة وفي يد أحدكم شجرة يمكنه أن يغرسها فليغرسها»، مبدؤه: «ما أكل أحد طعامًا قط خيرًا من أن يأكل من عمل يده». من هذا المنطلق حذَّر من أكل السُّحت، ومن سؤال عن كسل وخمول، ووصف يد الآخذ بعد السُّؤال بأنها اليد السُّفلى الهابطة الذَّليلة، وحرص على السَّعي والعمل، والأكل من عرق الجبين. المنهل الحديث (2/ 162- 163).
وقال محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
ومما يدلُّ على فضيلة الغرس والزَّرع ما أخرجه البزار في مسنده برجال ثقات عن أنس أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إن قامت السَّاعة وفي يد أحدكم فسيلة –أي: نخلة صغيرة- فليغرسها». الكوكب الوهاج (17/ 184).
وقال منصور الرازي -رحمه الله-:
نظر معبدُ بن سِنان إليه (أي: إلى عثمان بن عفان) وهو يغرس فسِيلة، فقال: أتغرس فسيلة، وهذه السَّاعة قد أظلَّتك؟ فقال عثمان: لأن يراني الله مُصلحًا، أحبُّ إليَّ من أنْ يراني مُفْسِدًا. نثر الدر في المحاضرات (2/ 48).