السبت 25 رمضان 1447 | 2026-03-14

A a

«تَصَدَّقُوا، فسيأتي عليكم زمانٌ يمشي الرَّجلُ بصدقتِهِ، فيقولُ الرَّجلُ: لو جئتَ بها بالأمسِ لقَبِلْتُهَا منك، فأمَّا اليومَ فلا حاجةَ لي فيها».


رواه البخاري برقم: (1424)، ومسلم برقم: (1011)، من حديث حارثة بن وهب الخُزَاعِي -رضي الله عنه-.


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«حاجةَ»:
الاضطرار إلى الشيء. مقاييس اللغة، ابن فارس (2/ 114).
وقال ابن سيده -رحمه الله-:
الحاجة والحائجة: المأربة. المحكم (3/ 460).


شرح الحديث


قوله: «تصدَّقوا»:
قال الصنعاني -رحمه الله-:
«تصدَّقُوا» أي: سارعوا بالصَّدقة وبإخراجها. التنوير شرح الجامع الصغير (5/ 46).

قوله: «‌فسيأتي ‌عليكم ‌زمانٌ، ‌يمشي ‌الرجلُ بصدقتِهِ»:
قال المناوي -رحمه الله-:
«فسيأتي عليكم زمان» يستغني الناس فيه عن المال لظهور الكنوز، وكثرة العدل، أو لظهور الأشراط، وكثرة الفتن، بحيث: «يمشي الرَّجل» يعني: الإنسان فيه «بصدقته» يلتمس مَنْ يقبلها منه. التيسير (1/ 449).
وقال ابن عاشور -رحمه الله-:
قوله: «يأتي عليكم» الضَّمير فيه للأُمَّة، لا للصَّحابة، أي: يجيء زمان على الأُمَّة الإسلامية؛ وذلك في آخر الزمان، كما وقع التَّصريح به في حديث عَدِي بن حاتم بعد هذا: «فإن السَّاعة لا تقوم حتى يطوف أحدكم بصدقته لا يجد مَنْ يقبلها منه»، فالمقصود أن ذلك يصير حالًا شاملًا لسائر الناس، وليس المراد أن يوجد آحادٌ من الناس هذه صفتهم لزهد ونحوه، مثل حكيم بن حزام -رضي الله عنه-، فإن ذلك لا يخلو عنه زمن في الإسلام. النظر الفسيح (ص: 40).
وقال الشيخ حمزة قاسم -رحمه الله-:
يقول: «تصدَّقُوا، فإنه يَأتِي عليكم زمان» أي: بادروا بإخراج الزَّكاة، وانتهزوا فرصة قبولها بوجود الفقراء قبل أن يأتي عليكم زمان يكثر فيه المال، حتى أنه «يمشي الرَّجل بصدقته» أي: يمشي بزكاته يبحث عن فقير يعطيها له، فلا يجده. منار القاري (3/ 13).
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
ثم علَّل الأمر بها بالفاء التَّعليلية، فقال: «فإنه سيأتي عليكم زمان، يمشي الرَّجل بصدقته» طالبًا للمحتاج حتى يدفعها إليه. ذخيرة العقبى في شرح المجتبى (23/ 47).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
«يأتي عليكم» أي: على بعضكم؛ لأن ذلك الزَّمان إنما يدرك بعضهم، وشيوعه أن ما وقع من بعضهم الشُّحَّ يصحُّ إسناده إلى جميعهم، باعتبار الصَّلاحية، كما في: بنو فلان قتلوا فلانًا، مع أنَّ القاتل واحد منهم . فتح الإله (6/325).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «يأتي عليكم زمان» الخطاب لجنس الأُمَّة، والمراد بعضهم...، ولعلَّ ذلك الزَّمان زمن ظهور أشراط السَّاعة، كما ورد في الصَّحيح: «لا تقوم السَّاعة حتى يكثر المال، فيفيض حتى يخرج الرَّجل زكاة ماله، فلا يجد أحدًا يقبلها منه». الكاشف عن حقائق السنن (5/ 1526).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
قوله: «زمان» أي: وقت ظهور أشراط السَّاعة، أو ظهور كنوز الأرض، وقِلَّة الناس، وقصر آمالهم، وكثرة الصَّدقات، والبركة فيها، وتراكم الملاحم، وعدم الفراغ لذلك، والاهتمام به. الكواكب الدراري (7/ 194).
وقال البرماوي -رحمه الله-:
«بصدقة» سيأتي فيه زيادة: «من الذَّهب». وفيه تنبيه على أن ما سواه أَوْلَى، فأكَّد أنه لا يقبل بكونه يعرضها، ويطوف بها، وهي من ذهب. اللامع الصبيح (5/ 354).
وقال صدر الدين المناوي -رحمه الله-:
وهذا الزَّمن الذي أشار إليه في الحديث يكون من مُقدِّمات السَّاعة، وسبب عدم قبولهم الصَّدقة: كثرة الأموال، وظهور كنوز الأرض، ووضع البركات فيها كما ثبت في الصَّحيح؛ وذلك بعد هلاك يأجوج ومأجوج، وقِلَّة الناس، وقِلَّة آمالهم، وقرب السَّاعة، وعدم ادخارهم. كشف المناهج والتناقيح في تخريج أحاديث المصابيح (2/ 122).
وقال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
«فإنه يأتي عليكم» وفي رواية: «فسيأتي» والخطاب لجنس الأمة، والمراد بعضهم «زمان» أي: قُرب السَّاعة، وهو زمان المهدي، ونزول عيسى -عليه السلام-، وقيل: هو زمان ظهور أشراط السَّاعة، كما ورد: «لا تقوم السَّاعة حتى يكثر فيكم المال، فيفيض حتى يهِمَّ ربُّ المال مَنْ يقبل صدقة، وحتى يعرضه فيقول الذي يعرضه عليه: لا إربَ لي فيه». مرعاة المفاتيح (6/ 288 - 289).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «يمشي الرجل بصدقته...» يحتمل أنْ يكون ذلك وقع كما ذُكِر في خلافة عمر بن عبد العزيز، فلا يكون من أشراط السَّاعة، وهو نظير ما وقع في حديث عَدي بن حاتم الذي تقدَّم في علامات النبوة، وفيه: «ولئن طالت بك حياة لترينَّ الرَّجل يخرج بملء كفِّه ذهبًا يلتمس مَنْ يقبله فلا يجد». وأخرج يعقوب بن سفيان في تاريخه من طريق عمر بن أَسيد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب بسند جيد قال: «لا والله ما مات عمر بن عبد العزيز حتى جعل الرَّجل يأتينا بالمال العظيم، فيقول: اجعلوا هذا حيث ترون في الفقراء، فما يبرح حتى يرجع بماله يتذكَّر مَنْ يضعه فيهم فلا يجد، فيرجع به» قد أغنى عمر بن عبد العزيز الناس.
قلتُ: وهذا بخلاف حديث أبي هريرة الذي بعده، كما سيأتي البحث فيه، وقد تقدَّم في ترجمة عيسى -عليه السلام- من أحاديث الأنبياء حديث: «ليوشكنَّ أن ينزل فيكم ابن مريم»، وفيه: «ويفيض المال»، وفي رواية أخرى: «حتى لا يقبله أحد»، فيحتمل أن يكون المراد، والأوَّل أرجح؛ لأن الذي رواه عَدِي ثلاثة أشياء: أَمَنُ الطُّرق، والاستيلاء على كنوز كسرى، وفقدُ مَنْ يقبل الصَّدقة من الفقراء، فذكر عَدِي أن الأَوَّلَيْنِ وقعا وشاهدهما، وأن الثالث سيقع، فكان كذلك، لكن بعد موت عَدِي في زمن عمر بن عبد العزيز، وسببه بسط عمر العدل، وإيصال الحقوق لأهلها، حتى استغنوا، وأمَّا فيض المال الذي يقع في زمن عيسى -عليه السلام- فسببه: كثرة المال، وقِلَّة الناس، واستشعارهم بقيام السَّاعة. فتح الباري (13/ 82-83).
وقال عبيد الله المباركفوي -رحمه الله-:
ويحتمل أنْ يكون إشارة إلى ما وقع في زمن عمر بن عبد العزيز، وبه جزم البيهقي، فلا يكون من أشراط السَّاعة...، ورجَّح الحافظ هذا الأخير؛ إذ قال: وهذا أرجح. مرعاة المفاتيح (6/ 290).
وقال المناوي -رحمه الله-:
وزَعْمُ أنَّ ذلك وقع في زمن عمر بن عبد العزيز، فليس من الأشراط، بعيد جدًّا. فيض القدير (3/ 247).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
الظَّاهر أن هذا يكون بعد قتل الدَّجَّال، وموت يأجوج ومأجوج، حين لا يبقى على وجه الأرض غير المسلمين، فعند ذلك ينزل الله بركات السماء، ويأمر الأرض بإخراج كنوزها، وإلقاء أفلاذ كبدها، كُلُّ ذلك جاء في الرِّوايات الصَّحيحة. الكوثر الجاري (3/ 416).

قوله: «فيقولُ الرجلُ: لو جِئتَ بها بالأمسِ لقبِلتُهَا مِنكَ»:
قال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
وقول المعطى له: «لو ‌جئتنا ‌بها ‌بالأمس قبلتها» يعني: أنه قد استغنى عنها بما أخرجت الأرض، كما قال في الحديث الآخر: «تقيء الأرض أفلاذ كَبِدِها أمثال الأسطوان (جمع أسطوانة وهي السارية والعمود وشبهه بها لعظمته) من الذَّهب». المفهم (3/ 56).
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«فيقول الذي يعطاها» بالبناء للمفعول، والنائب عن الفاعل ضمير الموصول، والمنصوب يعود إلى الصَّدقة، والمعنى: يقول الذي يراد أن يُعطى الصدقة، أي: يريد المتصدِّق إعطاءه إيَّاها: «لو جئت بها بالأمس قبلتها» لاحتياجي إليها فيه. ذخيرة العقبى في شرح المجتبى (23/ 47).
وقال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
«يقول الرَّجل» أي: الذي يريد المتصدِّق أن يعطيه إيَّاها: «لو جئت بها» أي: بالصَّدقة «بالأمس» أي: قبل ذلك من الزَّمن الماضي، حال فقري «لقبلتها، فأمَّا اليوم» أي: الآن «فلا حاجة لي بها»، وفي رواية: «فيها». مرعاة المفاتيح (6/ 290).

قوله: «فأمَّا اليوم فلا حاجةَ لي فيها»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«فأمَّا اليوم فلا» وفي رواية البخاري: «فلا حاجة لي بها»، وفي أخرى: «فيها». والظَّاهر: أن ذلك يقع في آخر الزَّمان، حين يفيض المال كثرة، عند قرب السَّاعة. ذخيرة العقبى في شرح المجتبى (23/ 47).
وقال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «فأمَّا اليوم فلا حاجة لي بها» يعني: يصير الناس راغبين في الآخرة تاركين للدُّنيا، ويقنعون بقوت يوم، ولا يدَّخرون المال.
في كُلِّ زمان قد وجد جماعة من المتوكِّلين بهذه الصِّفة، ولكن عامة الناس لم يكونوا بهذه الصِّفة إلَّا في زمان المهدي، ونزول عيسى -عليهما السَّلام-، فإن الناس يصيرون كُلُّهم بهذه الصِّفة. المفاتيح في شرح المصابيح (2/ 525).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«فإمَّا الآن» وقد كثر المال أو اشتغلنا بأنفسنا «فلا حاجة لي فيها» فيرجع بها «فلا يجد مَنْ يقبلها» منه، وهذا من الأشراط، وزَعْمُ أنه وقع في زمن ابن عبد العزيز متعقَّبٌ بالرَّدِّ. التيسير (1/ 449).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«فأمَّا الآن فلا حاجة لي فيها» وعدم الحاجة إليها إمَّا لكثرة الأموال، وظهور الكنوز، وكثرة العدل، وَسَعَة الأرزاق، وإباء الهمم عن أن يكون من ذوي الأيدي السفلى، وإمَّا لقرب السَّاعة، وظهور أشراطها، ودنو حلولها، وقصر الآمال، وهذا الأقرب «فلا يجد مَنْ يقبلها» فلا يكتب له أجرها؛ لأنه المراد من سياق الحديث.
إنْ قلتَ: قد سمح بها، وطابت بها نفسه، فلم يأتِ المنع إلَّا من عدم وجدان القابل، وقد اجتهد في طلبها، وقد ثبت أن مَنْ هَمَّ بحسنة كان له أجرها. قلتُ: يحتمل أنه ورد فيمن تراخى عن إخراج صدقته عند وجوبها، فعوقب على تراخيه بفوات قبولها، ويحتمل أنه أريد لا يثاب ثواب مَنْ قبلت صدقته، ووافقت حاجة مَنْ أخذها، وإن كان قد أثيب في الجملة على الإخراج، وتطلب المصرف، والحديث حثَّ على المسارعة بالتَّصدُّق. التنوير شرح الجامع الصغير (5/ 46-47).
وقال النووي -رحمه الله-:
وسبب عدم قبولهم الصَّدقة في آخر الزَّمان لكثرة الأموال، وظهور كنوز الأرض، ووضع البركات فيها، كما ثبت في الصَّحيح بعد هلاك يأجوج ومأجوج، وقِلَّة آمالهم، وقرب السَّاعة، وعدم ادِّخارهم المال، وكثرة الصَّدقات، والله أعلم. شرح مسلم (7/ 96).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
يعني: يصير الناس كُلُّهم في ذلك الزَّمان راغبين في الآخرة، تاركين الدُّنيا، يقنعون بقوت يوم، ولا يدَّخِرون المال. شرح المصابيح (2/ 456).
وقال الدماميني -رحمه الله-:
والقصد: حصول عدم القبول مع اجتماع ثلاثة أشياء: عرض الرَّجل صدقته على مَنْ يأخذها، ومشيه بها، وكونها من ذهب.
فإن قيل: الحديث خرج مخرج التَّهديد على تأخير الصَّدقة، فما وجه التَّهديد فيه، مع أن الذي لا يجد مَنْ يقبل صدقته قد فعل ما في وسعه كما فعل الواجد لِمَنْ قبل صدقته؟
والجواب: أن التَّهديد مصروف لمن أخَّرها عن مستحقِّها، ومطله بها حتى استغنى ذلك الفقير المستحِقُّ، فغنى الفقير لا يخلص ذِمَّة الغني المماطل في وقت الحاجة. مصابيح الجامع (3/ 349).
وقال الفيومي -رحمه الله-:
السَّبب المقتضي لعدم قبول الصَّدقة إذ ذاك ما يخرجه الله تعالى من كنوز الأرض، فلا يجد الإنسان مَنْ يقبل صدقته، ففيه الحثُّ على المبادرة بالصَّدقة، واغتنام مكانها قبل تعذُّرها، ففي ذلك الزَّمان تظهر الكنوز، ويقِلُّ الناس بعد هلاك يأجوج ومأجوج. فتح القريب المجيب (5/ 352).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
وهذا إنما يكون في الوقت الذي يستغني الناس فيه عن المال لاشتغالهم بأنفسهم عند الفتنة، وهذا في زمن الدَّجَّال، أو يكون ذلك لفرط الأمن والعدل البالغ، بحيث يستغني كُلُّ أحد بما عنده عمَّا عند غيره، وهذا يكون في زمن المهدي وعيسى، أمَّا عند خروج النار التي تسوقهم إلى المحشر، فلا يلتفت أحد إلى شيء، بل يقصد نجاة نفسه، ومَنِ استطاع من أهله وولده، ويحتمل أن يكون «يمشي بصدقته» إلخ، ما قع في خلافة عمر بن عبد العزيز، فلا يكون من أشراط السَّاعة. إرشاد الساري (10/ 204- 205).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
فيه من الفقه: الإيذان بصلاح الناس وزهدهم في الفضول، حتى لا يقبل أحد منهم ما هو مستغن عنه.
وقد روي أنه كان في زمن عمر بن عبد العزيز ينادى على الصُّرَّة فيها مائة دينار ليقبلها قابل عامة اليوم، فلا يقبلها أحد؛ لأن عمر أغنى الناس، ويجوز أن ذلك كان لأن عمر زهَّد الناس في الدُّنيا بحاله. الإفصاح (2/ 141).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
ففي هذا الباب: الحضُّ على الصَّدقة، والتَّرغيب فيها ما وُجِد أهلها المستحقُّون لها، خشية أنْ يأتي الزَّمان الذي لا يُوجَد فيه من يأخذ الصَّدقة، وهو زمان كثرة المال وفيضه، قرب السَّاعة. شرح صحيح البخاري (3/ 414).
وقال النووي -رحمه الله-:
وفي هذا الحديث والأحاديث بعده -مما ورد في كثرة المال في آخر الزَّمان، وأن الإنسان لا يجد مَنْ يقبل صدقته- الحثُّ على المبادرة بالصَّدقة، واغتنام إمكانها قبل تعذُّرها، وقد صرَّح بهذا المعنى بقوله -صلى الله عليه وسلم- في أوَّل الحديث: «تصدَّقُوا، فيوشك الرَّجل» إلى آخره. شرح مسلم (7/ 96).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
فيه الحثُّ على الصَّدقة والتَّرغيب ما وجد أهلها المستحقُّون لها؛ خشية أن يأتي الزَّمن الذي لا يُوجَد فيه مَنْ يأخذها. التوضيح (10/ 275).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
أي: اغتنموا التَّصدُّق عند وجود المال، وعند حصول مَنْ يقبله، واقبلوا مِنَّة الفقير في أخذه منكم، فالمعنى: تصدَّقُوا قبل أن لا تتصدَّقُوا، على سَنن «‌حُجُّوا ‌قبل ‌أن ‌لا ‌تَحِجُّوا». مرقاة المفاتيح (4/ 1321).
وقال ابن عاشور -رحمه الله-:
المقصود من هذا الكلام التَّحريض على المبادرة بالصَّدقة، وأن لا يؤخِّروها خشية فوات حصولها، فيفوتهم بفواتها فضل عظيم، وهو فضل الصَّدقة، فالكلام في صريحه تحريض، وهو كناية عن فضل الصَّدقة، وعظيم شأنها، حتى إنها إذا تعذَّرت تعطَّل خير كثير، كما دلَّ عليه حديث أبي هريرة عقب هذا: «حتى يُهِمَّ ربُّ المال من يقبل صدقته» فإن الصَّدقة تطهير للمال، وزكاة له، فمن حقِّ الغني أن يحرص على إخراجها.
وصريح الكلام هي هنا صدقة التَّطوُّع؛ لأنها التي تحتاج إلى التَّحريض على الإكثار منها، والمبادرة بها، وكناية الكلام شاملة للصَّدقة الواجبة؛ لأن فوات الفضل الحاصل بسدِّ خَلَّة الفقير عند تعذُّر قبول حاصل في الصَّدقتين.
وليس الكلام تهديدًا حتى يقال: إذ تعذَّر قبول المتصدَّق عليهم للصَّدقات فقد سقط الوجوب، وبرئت الذِّمَّة، كما درج عليه الشَّارحون، فأقصوا عن مهيع الحديث. النظر الفسيح (ص: 39).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
في فوائده (أي: هذا الحديث):
‌‌ومنها: أن فيه الإخبار بكثرة المال في آخر الزَّمان، وأن الإنسان لا يجد مَنْ يقبل صدقته، حتى يحصل له من ذلك همٌّ.
ومنها: أن فيه عَلمًا من أعلام النبوة، حيث أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- بما يكون في آخر الزَّمان، وسيقع ذلك لا محالة، كما أخبر -صلى الله عليه وسلم-؛ لأن خبره -صلى الله عليه وسلم- صدق مطابق للواقع، لا يتخلَّف بوجه من الوجوه.
ومنها: الإعلام بما يكون بعده -صلى الله عليه وسلم- من كثرة الأموال، حتى لا يجد صاحب الصَّدقة مَنْ يقبلها، والظَّاهر أن ذلك بعد قتل عيسى -عليه السلام- الدَّجَّال، وهلاك الكُفَّار..
ومنها: أنه استنبط منه بعضهم أنه إذا لم يجد مَنْ يقبل صدقته فلا حرج عليه، وهو واضح الحكم والتَّعليل؛ إذ لم يقع منه تقصير، ولا منع، لكن في استنباط ذلك من الحديث نظر؛ لأن غاية ما فيه الإخبار بان هذا سيقع، أمَّا كونه إذا وقع يكون صاحب المال مأثومًا أو غير مأثوم، فليس فيه تعرُّض له. البحر المحيط الثجاج (19/ 364- 365).


إبلاغ عن خطأ