الإثنين 21 شعبان 1447 | 2026-02-09

A a

«إنَّ ‌مَسْحَ ‌الرُّكنِ ‌اليمانيِّ والركنِ الأسودِ يحطُّ الخطايا حَطًّا».


رواه أحمد برقم: (5621) واللفظ له، والترمذي برقم: (959)، والنسائي برقم: (2919)، من حديث ابن عمر -رضي الله عنهما-.
ولفظ النسائي: «إنَّ مسحهُما: يحُطَّانِ الخطيئةَ».
صحيح الجامع برقم: (2194)، صحيح الترغيب والترهيب برقم: (1139). 


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«كَعِدلِ رَقَبَة»:
أي: مثْل عتق نَسَمة. فيض القدير (6/ 166).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
العِدلُ والعَدلُ بالكسر والفتح...، وهما بمعنى المِثل، وقيل: هو بالفتح ما عادلهُ من جِنسه، وبالكسر ما ليس من جِنسه، وقيل بالعكس. النهاية(3/ 191).


شرح الحديث


قوله: «إنَّ مسحَ الرّكنِ اليماني والركنِ الأسودِ يحطُّ الخَطايا حَطًّا»:
قال الرباعي -رحمه الله-:
قوله: «إن مسح الركن اليمانيِّ، والركن الأسود يُحطُّ الخَطايا حطًّا» رواه أحمد والنسائي...، ورواه الترمذي بلفظ: ... «إنَّ مسحَهما كفارةٌ للخطايا»، ورواه الحاكم، وقال: صحيح الإسناد، ورواه ابن خزيمة في صحيحه ولفظه: سمعتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «مسحهما يُحطُّ الخطايا»، ورواه ابن حبان في صحيحه بلفظ: أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «مسح الحجر والرُّكن اليمانيِّ يحطّ الخطايا حطًّا». فتح الغفار الجامع لأحكام سنة نبينا المختار (2/ 1023).
وقال التقي الفاسي -رحمه الله-:
قوله: «مسح الحجر الأسود والركن اليماني يحطُّ الخطايا حطًّا» أخرجه ابن حبان، وهذا في حق الرجال، وأما النساء: فلا يستحب ذلك لهن إلا في خلوة، ويُكره لهن مزاحمة الرجال على ذلك. العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين (1/ 235).
وقال الساعاتي -رحمه الله-:
والمراد: مسح الحجر الأسود بيده وتقبِيلها إن لم يمكنه تقبيله، وإلا فيمسحه بيده ويقبِّله بفمه، أما الركن اليماني فيمسحه بيده، ولا يقبِّله، كما ذهب إليه الجمهور. الفتح الرباني (12/ 24).
وقال الشيخ الألباني -رحمه الله-:
يَستلِم الركن اليماني بيده في كل طوفة، ولا يقبله، فإنْ لم يتمكن من استلامه لم تُشرع الإشارة إليه بيده. مناسك الحج والعمرة (ص: 21).
وقال الشافعي -رحمه الله-:
أحبُّ أنْ يستلم الركن اليماني بيده، ويقبلها، ولا يقبله؛ لأني لم أعلم أحدًا روى عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قبَّل إلا الحجر الأسود، وإن قبَّله فلا بأس به. الأم (2/ 186).
وقال ابن قدامة -رحمه الله-:
فإذا وصل إلى الرابع وهو الركن اليماني استلمه، قال الخرقي: "ويقبِّله"، والصحيح عن أحمد أنه لا يقبِّله، وهو قول أكثر أهل العلم، وحُكي عن أبي حنيفة أنه لا يستلمه. المغني (3/ 344).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
فالركن اليماني كان الرسول -صلّى الله عليه وسلّم- يستلمه، ولم يكن يكبِّر، وعلى هذا فلا يُسن التكبير عند استلامه. الشرح الممتع (7/ 247).
وقال الشيخ محمد الخضر الشنقيطي -رحمه الله-:
في البيت أربعة أركان: الأول له فضيلتان، كون الحجر الأسود فيه، وكونه على قواعد إبراهيم، وللثاني الثانية فقط، وليس للآخرين شيء منهما، فلذلك يُقبَّل الأول، ويُستلم الثاني فقط، ولا يُقبل الآخران، ولا يُستلمان، هذا على رأي الجمهور، واستَحب بعضهم تقبيل الركن اليماني فقط.
وعلى هذا لو بُني البيت على قواعد إبراهيم -عليه الصلاة والسلام- الآن استُلمت كلها؛ ولذلك لما ردَّهما ابن الزبير على القواعد استلمهما، واستلمهما الناس، فقد روى الأزرقي في كتاب مكة: أن ابن الزبير لما فرغ من بناء البيت، وأَدْخَل فيه من الحِجر ما أُخرج منه، وردَّ الرُّكنين على قواعد إبراهيم، خرج إلى التنعيم، واعتمر، وطاف بالبيت، واستلم الأركان الأربعة، ولم يزل البيت على قواعد إبراهيم إذا طاف الطائف استلم الأركان جميعها حتى قتل ابن الزبير. كوثر المعاني الدراري (4/ 364 - 365).
وقال المناوي -رحمه الله-:
قوله: «يحطَّان الخطايا حطًّا» أي: يُسْقِطانها، أو ينقصانها، وأكَّده بالمصدر إشارة إلى تحقق ذلك...، والمراد بالخطايا الصغائر، كما هو قياس النظائر. فيض القدير (2/ 521).
وقال الساعاتي -رحمه الله-:
قوله: «يحطُّ الخطايا حطًّا» أي: يُسقطها، وهو كناية عن غفران الذنوب، وأكَّد بالمصدر إفادة لتحقيق وقوع ذلك. الفتح الرباني (12/ 24).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
ظاهره مشروعية الاستلام لهما، ولو في غير طواف، ويحتمل أنْ يُقال: إنَّه قيّده فعله -صلى الله عليه وسلم- فإنه لم يستلم إلا طائفًا به، ويستلم الحجر الأسود، ثم يقبِّله. التنوير (4/ 103 - 104).

قوله: وفي لفظ: «إنَّ مسحَهما يَحُطّان الخطيئة»:
قال الصنعاني -رحمه الله-:
«يحطَّان» كأن الظاهر يحط؛ لأنه خبر عن استلام، ولكنه ثنّاه ناظرًا إلى المُستلَم «الخطايا حطًّا» أي: يسقطانها، قيل: والمراد الصغائر. التنوير (4/ 103 - 104).
قال السندي -رحمه الله-:
قوله: «إنَّ مسحهما يحُطَّان» بالتثنية، والضمير للركنين، والعائد إلى المسح مقدَّر، أي: به، وفي نسخة «يحطّ» بالإفراد وهو أظهر. حاشيته على سنن النسائي (5/ 221).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله- معلقًا:
قوله: «إنَّ مسحهما يحطَّان الخطيئة» هكذا معظم نُسخ المجتبى «يحطَّان» بضمير التثنية، قال السندي: والضمير للركنين، والعائد إلى المسح مُقدَّر، أي: به.
(و) ما قاله السندي فيه رَكاكة، وعندي أنَّ ضمير التثنية يعود على «مسحهما» وإن كان مفردًا؛ لاكتسابه التثنية من المضاف إليه، فلا حاجة لتقدير العائد، وفي بعض النسخ -كما قال السندي- وهو الذي في الكبرى: «يحطّ الخطيئة» بالإفراد، وهو واضح، ومعنى «يحُطَّان الخطيئة» يسقطانها، وهو كناية عن غُفران الذنوب. ذخيرة العقبى (25/ 190 - 91).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
قوله: «إنَّ مسحهما» أي: لمسهما «كفارة للخطايا» أي: من الصغائر...، ثم هذا الأجر والثواب إنَّما يحصل لمَن قام بالآداب، وأما ما يفعله العوام من الزحام المشتمل على أذى الأنام كالمدافعة والمسابقة في هذه الأيام فهو موجب لزيادة الآثام. مرقاة المفاتيح (5/ 1791).
وقال الكنكوهي -رحمه الله-:
ولا ريب في أن مَن لم يستلمه لعذر ازدحام الناس، واكتفى باستقباله فإنه يكفَّر خطاياه، إلا أنه لا يخفى التفاوت بين إتيان الطاعة نفسها، وبين أن يُؤتى للرَّجل ثوابها منَّةً منه سبحانه وفضلًا. الكوكب الدري (2/ 159).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
فجائز عندهم أنْ يستلم الركن اليماني، والركن الأسود، لا يختلفون في شيء من ذلك، وإنَّما الذي فرقوا بينهما فيه التقبيل لا غير، فرأوا تقبيل الركن الأسود والحَجَر، ولم يروا تقبيل اليماني، وأما استلامهما جميعًا فأمر مجتمع عليه. التمهيد (22/ 259-260).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
لا يُستلَم من الأركان إلا الركنين اليمانِيَّين دون الشامِيَّين، فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- إنما استلمهما خاصَّة؛ لأنهما على قواعد إبراهيم، والآخران هما في داخل البيت، فالركن الأسود يُستلم ويُقبَّل، واليماني يُستلَم ولا يُقبَّل، والآخران لا يُستلمان ولا يُقبَّلان، والاستلام هو مسحه باليد، وأما سائر جوانب البيت، ومقام إبراهيم، وسائر ما في الأرض من المساجد وحيطانها ومقابر الأنبياء والصالحين، كحُجرة نبينا -صلى الله عليه وسلم-، ومغارة إبراهيم، ومقام نبينا -صلى الله عليه وسلم- الذي كان يصلي فيه، وغير ذلك من مقابر الأنبياء والصالحين وصخرة بيت المقدس، فلا تُستلم ولا تُقبَّل باتفاق الأئمة. مجموع الفتاوى (26/ 121).
وقال الباجي -رحمه الله-:
قد روى سالم عن أبيه أنَّه قال: «لم أرَ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يمسح من البيت إلا الركنين اليمانيين» وظاهر المسح باليد الوضع على الممسوح، وكان مالك ومَن روى عنه يَسْتَحِبُّ أنْ يضعها على فيه؛ لأنَّ معنى الاستلام عائد إلى الفم، فلما روى المسح في الركنين، ولم يرو التقبيل إلا في الحجر الأسود، استحب في اليماني أنْ يضع يده على فيه بعد المسح.
وروي في كتاب ابن المواز عن مالك: أنَّه كان يرى تقبيل اليد بعد مسح الركن اليماني، وقال محمد (ابن الحسن): ليس بشيء، وقال: لم يَر مالك تقبيل اليد فيه، ولا في الأسود، فإن قلنا بالرواية الأولى فإنَّ اليد بدل من الركن إذا امتنع تقبيله، فكان عليه تقبيلها، وإن قلنا بالرواية الثانية فإن المسح بدل من التقبيل، وإنما يوضع على الفم لما كانت بدلًا منه، ولعله قد قال أولًا التقبيل، ثم رجع عنه، أو رجع إليه محمد. المنتقى شرح الموطأ (2/ 288).
وقال النووي -رحمه الله-:
فاليمانيَّان باقيان على قواعد إبراهيم -صلى الله عليه وسلم-، بخلاف الشاميين؛ فلهذا لم يُستلما، واستُلم اليمانيان؛ لبقائهما على قواعد إبراهيم -صلى الله عليه وسلم-، ثم إنَّ العراقي من اليمانيَّين اختص بفضيلة أخرى، وهي الحجر الأسود، فاختص لذلك مع الاستلام بتقبيله، ووضع الجبهة عليه، بخلاف اليماني، والله أعلم. شرح صحيح مسلم (8/ 94 - 95).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
وقد تقدم قول ابن عمر: «إنما ترك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- استلام الركنين الشاميين؛ لأن البيت لم يتمم على قواعد إبراهيم».
وعلى هذا المعنى حَمَلَ ابن التين تبعًا لابن القصار استلام ابن الزبير لهما؛ لأنه لمّا عَمَر الكعبة أتم البيت على قواعد إبراهيم، انتهى، وتَعقّب ذلك بعضُ الشراح بأن ابن الزبير طاف مع معاوية، واستلم الكلَّ، ولم يقف على هذا الأثر، وإنما وقع ذلك لمعاوية مع ابن عباس. فتح الباري (3/ 474).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
ليس على وجه الأرض موضع يُشرع تقبيله واستلامه، وتُحطُّ الخطايا والأوزار فيه، غير الحجر الأسود، والركن اليمانيَ. زاد المعاد (1/ 49).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
نجد بعض الناس عندما يمسح الحجر الأسود أو الركن اليماني يمسحه باليد اليسرى كالمتهاون به، وهذا خطأ، فإنَّ اليد اليمنى أشرف من اليد اليسرى، واليد اليسرى لا تُقدّم إلا للأذى كالاستنجاء بها، والاستجمار بها، والامتخاط بها، وما أشبه ذلك، وأما مواضع التقديس والاحترام فإنه يكون باليد اليمنى. مجموع فتاوى ورسائل (22/ 398).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- أيضًا:
(ومن الأخطاء): أنهم يظنون أنَّ استلام الحَجَر والركن اليماني؛ للتبرك لا للتعبد، فيتمسَّحون به تبركًا، وهذا بلا شك خلاف ما قُصد به، فإنَّ المقصود بمسحه وتقبيله بالنسبة للحجر الأسود تعظيم الله -عز وجل-؛ ولهذا كان النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا استلم الحجر الأسود قال: «الله أكبر»؛ إشارة إلى أنَّ المقصود بهذا تعظيم الله -عز وجل-، وليس المقصود التبرك بمسح هذا الحَجَر، قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: «والله إني لأعلم أنك حَجَر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يُقبِّلك ما قبَّلتك» هذا الظن الخاطئ من بعض الناس، وهو أنهم يظنون أنَّ المقصود من مسح الركن اليماني والحجر الأسود التبرُّك، أدَّى إلى بعضهم إلى أنَّ يأتي بابنه الصغير فيمسح الركن أو الحَجَر بيده، ثم يمسح ابنه الصغير، أو طفله بيده التي مسح بها الحَجَر أو الركن اليماني، وهذا من الاعتقاد الفاسد الذي يجب أن يُنهى عنه، وأنْ يبيَّن للناس أنَّ مثل هذه الأَحجار لا تضرُّ ولا تنفع، وإنَّما المقصود بمسحها تعظيم الله -عزَّ وجلَّ-، وإقامة ذكرهِ، والاقتداء برسوله -صلى الله عليه وسلم-. مجموع الفتاوى (22/ 398 - 399).
وقال المناوي -رحمه الله-:
وفيه: ندب استلام الحَجَر والركن اليماني، لكن الحجر يستلمه بيمينه ثم يقبِّلها، ثم يقبِّله، والركن اليماني يستلمه ثم يقبِّل يده (قد سبق الإشارة إلى الخلاف في ذلك) ولا يقبِّله، ويفعل هكذا في ابتداء كل طَوفة، والأُولى آكد. فيض القدير (2/ 521).
وقال الشيخ عبد الله الفوزان -حفظه الله-:
الحديث دليل على مشروعية استلام الحجر الأسود والركن اليماني في الطواف...، الاستلام: اللمس باليد؛ فالحجر الأسود يُشرع فيه الاستلام والتقبيل، أو الإشارة إليه مع البُعد، أما الركن اليماني فليس فيه إلا الاستلام، وأما الإشارة فلا يشار إليه على الراجح من قولَي أهل العلم، ويقول عند استلام الحجر أو الإشارة إليه: "الله أكبر" مرةً واحدةً، وأما الركن
اليمانيَ فيستلمه بدون تكبير؛ إذ لم يرد فيه نص، وقد ورد عن ابن عمر -رضي الله عنهما- أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إنَّ مسحَ الركن اليماني والركن الأسود يحطُّ الخطايا حطًّا»، وأُطلق عليهما اليمانِيَان لأنهما من جهة اليَمن؛ فالحجر الأسود في الجنوب الشرقي للكعبة، والركن اليماني في الجنوب الغربي، وفي مقابلهما الركنان: الشامي في الشمال الشرقي للكعبة يلي الحجر الأسود، والثاني في الغربي منها، ويليه الركن اليماني.
والحكمة -والله أعلم- في ترك استلام الركنين الآخرين: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يستلمهما؛ ولأنهما ليسا على قواعد الكعبة التي بناها إبراهيم الخليل -عليه الصلاة والسلام-؛ وذلك لأن قريشًا لما بنوها قَصُرَت بهم النفقة، فَحَطَمُوا منها الحِجْرَ، فخرج فيه من الكعبة نحو ستة أذرع ونصف.
وعن الطفيل، قال: رأيتُ معاوية يطوف بالبيت عن يساره عبد الله بن عباس، وأنا أتلوهما في ظهورهما، أسمع كلامهما، فطفق معاوية يستلم رُكن الحِجر، فقال له عبد الله بن عباس: إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لم يستلم هذين الركنين، فيقول معاوية: دعني منك يا ابن عباس، فإنه ليس منها شيء مهجور، فطفق ابن عباس لا يزيده، كلَّما وضع يده على شيء من الركنين، قال له ذلك. منحة العلام (5/ 287 - 288).


إبلاغ عن خطأ