السبت 15 جمادى الآخرة 1447 | 2025-12-06

A a

«طافَ رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- بالبيتِ في حجَّةِ الوداعِ على راحلتِهِ، يستلمُ الحَجَرَ بمِحْجَنِهِ؛ لأنْ يراه الناسُ، ‌ولِيُشْرِفَ، ولِيَسْأَلوهُ؛ فإنَّ الناسَ غَشُوهُ».


رواه مسلم برقم: (1273)، من حديث جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما-.
وروى البخاري برقم: (1607) ومسلم برقم: (1272)، من حديث ابن عباس -رضي الله عنهما-: «طافَ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- في حَجَّةِ الوداع على بَعِيرٍ، يستلم الرُّكْنَ بِمِحْجَنٍ»
وعنه في البخاري برقم: (1612) بلفظ: «طافَ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- بالبيتِ على بعيرٍ، ‌كُلما ‌أتى ‌على ‌الركنِ ‌أشارَ ‌إليه».
وعنه في البخاري برقم: (1632) بلفظ: «كلما أتى على الركنِ أشارَ ‌إليه ‌بشيءٍ ‌في ‌يدِه ‌وكبَّرَ».  


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«يَسْتَلِم»:
أي: يمسح عليهما، من السَّلام بمعنى: التحية، شبَّه المسح عليهما بالمسح لليد عند الملاقاة؛ لأجل التحية؛ لكون الماسح عليهما كالقادم المسَلِّم على البيت. البدر التمام، للمغربي (5/ 318-319).
يُقال: استلم: هو افتعل من السَّلام: التحية، وأهل اليمن يسمون الركن الأسود المحيَّا أي: أن الناس يحيُّونه بالسَّلام، وقيل: هو افتعل من السِّلام وهي الحجارة، واحدتها سلِمة بكسر اللام، يقال: استلم الحجَر إذا لمسه وتناوله. النهاية، لابن الأثير (2/ 395).
وقال الجوهري -رحمه الله-:
استلم الحجر: لمسه ‌إما ‌بالقُبْلة ‌أو ‌باليد، ولا يُهمز؛ لأنه مأخوذ من السِّلام وهو الحجر، كما تقول: اسْتَنْوَقَ الجمل، وبعضهم يهمزه. الصحاح (5/ 1952).
«بمِحْجَنِهِ»:
الْمِحْجَنُ: عود معقَّف الرأس مع الراكب، يحرك به ‌راحلته. معالم السنن، للخطابي (2/ 192).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
الْمِحْجَنُ: عصا معقَّفة الرأس كالصولجان، والميم زائدة. النهاية (1/ 347).
‌وقال النووي -رحمه الله-:
الْمِحْجَنُ بكسر الميم، وإسكان الحاء، وفتح الجيم، وهو عصا معقَّفة، يتناول بها الراكب ما سقط له، ويحرك بطرفها بعيره للمشي. شرح صحيح مسلم (9/ 18).
«غَشُوهُ»:
‌أي: ازدحموا عليه وكثروا، يقال: غَشِيَهُ يغشاه غشيانًا إذا جاءه، وغشَّاه تغشيةً إذا غطاه. النهاية، لابن الأثير(3/ 369).


شرح الحديث


قوله: «طافَ رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- بالبيتِ في حجةِ الوداعِ على راحلتِهِ» وفي لفظ للبخاري: «على بعيرٍ»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«طاف رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالبيت» طواف الإفاضة «في حجة الوداع على راحلته» أي: ناقته. الكوكب الوهاج (14/ 222).
وقال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
قوله: «طاف النبي -صلى الله عليه وسلم- في حجة ‌الوداع على بعير» كان هذا في طواف الإفاضة يوم النحر، أو في طواف ‌الوداع، وأما طوافه ماشيًا فكان في طواف القدوم كما يفيده حديث جابر الطويل. مرعاة المفاتيح (9/ 96).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
قوله: «طاف على راحلته» لا تَنافي بينه وبين ما تقدَّم من أنه -صلى الله عليه وسلم- طاف ماشيًا، رَمَلَ في الثلاثة الأشواط الأُوَل، ومشى أربعًا؛ لأنه يُحمل هذا على طواف الإفاضة، أو الوداع؛ وذاك على طواف القدوم. ذخيرة العقبى (25/ 289).
وقال السندي -رحمه الله-:
«طاف على بعير» قد جاء أنه فعل ذلك لمرض أو لزحام، قيل: هو من خصائصه -صلى الله تعالى عليه وسلم-؛ إذ يحتمل أن يكون راحلته عُصمت من التلويث كرامة له، فلا يقاس عليه غيره؛ وذلك لأن المأمور به بقوله تعالى: {وَلْيَطَّوَّفُوا} الحج: 29 طواف الإنسان، فلا ينوب طواف الدابة مَنَابُه إلا عند الضرورة. حاشيته على سنن النسائي (2/ 47).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله- معلقًا:
هذا الذي قاله السندي غير صحيح؛ بل الطواف راكبًا جائز إذا احتاج إليه، ودعوى الخصوصية لا دليل عليها، وما قاله من أن المأمور به طواف الإنسان... إلخ باطل؛ لأنه لم تَنُب الدابة عن طواف الإنسان، بل هو ‌طاف عليها؛ ولذا قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: «إنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ‌طاف على بعير» ولم يقل: ‌طاف عنه البعير، وهذا واضح غاية الوضوح. البحر المحيط الثجاج (23/ 490).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«على بعير» والبعير يُطلق على الذكر والأنثى، والذكر منه يسمى جملًا، والأنثى تسمى ناقة. الكوكب الوهاج (14/ 221).

قوله: «يستلمُ الحَجَرَ بمِحْجَنِهِ»:
قال العيني -رحمه الله-:
قوله: «يستلم» جملة وقعت حالًا. عمدة القاري (9/ 253).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«يستلم الحجر» الأسود «بمحجنه» أي: بعصاه المعوجَّة الرأس، أي: طاف على راحلته. الكوكب الوهاج (14/ 222).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
«بمحجنه..» فترك الرسول -صلى الله عليه وسلم- استلامه بيده إما لشكواه، وإما كراهة أن يُضَيِّق على الطائفين ويزاحمهم ببعيره، فيؤذيهم بذلك، أو لهما جميعًا، فركِبَ ‌راحلته، وأشار بالْمِحْجَنِ. شرح صحيح البخاري (4/ 289).

قوله: «كلما ‌أتى ‌على ‌الركنِ ‌أشارَ ‌إليه» وفي لفظ: «أشارَ ‌إليه ‌بشيءٍ ‌في ‌يدِه ‌وكبَّرَ»:
قال القسطلاني -رحمه الله-:
كان -عليه الصلاة والسلام- «كلما أتى على الركن» أي: الحجَر الأسود «أشار إليه بشيء في يده» الكريمة «وكبّر». إرشاد الساري (3/ 178).
وقال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
«كلما أتى على الركن» أي: الحجَر الأسود «أشار إليه بشيء» المراد بالشيء المحجن الذي تقدم في الرواية الماضية... «في يده» كذا في المشكاة، وهكذا نقله الطبري (محب الدين) في القِرى (القِرى لقاصد أمّ القرى) والمجد في المنتقى، وفي البخاري: «عنده» بدل «في يده»، «وكبّر» أي: قال: الله أكبر.
وفيه: استحباب التكبير عند الركن الأسود في كل طوفة. مرعاة المفاتيح (9/ 98).
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«‌أشار ‌إليه ‌بشيء ‌في ‌يده» فيه إشارة إلى أن الركن اليماني لا يُشار إليه عند العجز عن الاستلام، كما هو الصحيح من مذهبنا. «كبر» أي: قال: الله أكبر، وفي الطبراني بسند جيد: كان إذا استلم الركن قال: «بسم الله والله أكبر»، وكان كلما أتى الحجر الأسود قال: "الله أكبر". مرقاة المفاتيح(5/١٧٨٧)

قوله: «لأنْ يراه الناسُ، وليُشْرِفَ»:
قال صفي الرحمن المباركفوري -رحمه الله-:
قوله: «لأن يراه الناس» فيقتدوا به، ويتعلموا منه مناسك الحج وأعماله «وليشرف» أي: يكون في موضع مرتفع، فلا يُحجَب عن أحد. منة المنعم (2/ 291).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«لأنْ يراه الناس» فيأخذوا عنه المناسك، «وليُشْرِفَ» ويعلو على الناس، ويكون مرفوعًا من أن يناله أحد بأذى. الكوكب الوهاج (14/ 222- 223).
وقال السندي -رحمه الله-:
قوله: «وليُشْرف» أي: ليطَّلعوا عليه. فتح الودود (2/ 362).
وقال السهارنفوري -رحمه الله-:
«ليراه الناس وليُشْرف» من باب الإفعال، يقال: أشرفته: علوته، وأشرفت عليه: اطَّلعت عليه، فمعناه على الأول: ليعلو على الناس بالركوب، فيسهل لهم الرؤيةُ والسؤالُ في حاجاتهم، ولا يصرفوا عنه ولا يضربوا، وعلى الثاني: ليطَّلع على أحوال الناس. بذل المجهود (7/ 291).

قوله: «ولِيسألوهُ؛ فإنَّ الناسَ غَشُوهُ»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«وليسألوه» عما يحتاجون إليه من أحكام الحج؛ «فإن الناس غَشُوْهُ» بتخفيف الشين وضمها، أي: ازدحموا عليه وكثروا، وهو مِن غَشِيَه، من باب تعب إذا أتاه. الكوكب الوهاج (14/ 223).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
«وغَشُوه» أي: طافوا به، وأحدقوا وكثروا عليه مزدحمين، حتى خفي عن أعين الناس من الغِطاء (الغِشاء)، والغطاء (ما يُغطى به الشيء ويستره) والأصل في غَشُوه: غشيوه بوزن سمعوه، فلما استُثقلت الضمة على الياء وقَبْلها كسرة حُذفت الياء، واجتمعت كسرة الشين وبعدها واو الجمع، ولا يكون بعدها إلا ضمة، فحُذفت الكسرة، وعُوِّضت منها ضمة، فصارت غَشُوه.
وقد جاء في رواية الشافعي: «أن الناس غشوه» وفي رواية الباقين: «فإن الناس غشوه» فحذف الناس الفاء وأثبتوها والمعنى سواء؛ وذلك أن قوله: «ليراه الناس» تعليل لركوبه، وقوله: «أن الناس غشوه» لقصد أن يراه الناس، كأنَّ قائلًا قال: فلِمَ لم يره الناس؟ قال: لأن الناس غشوه، فإثبات الفاء يفيد الجمع بين العلة والمعلَّل فائدة للعطف، وحذفها يجعله تعليلًا مستأنفًا غير معطوف، وهو أفصح اللفظين، وبيانه: أنه مع الفاء يكون قد ساق اللفظ غير منقطع إلى آخره، ومع حذفها يكون الكلام مقطوعًا عند قوله: «وليشرف لهم»؛ اعتقادًا منه فهم السامع عند الإشراف، ثم لما سكت عاد مستدركًا لما توهَّمه مَن فهم السامع، فذكر العلة، فكان وقعها في النفس أعظم، والتنبيه لها والوقوف عليها أحسن، فإن العلة إذا جاءت بعد تطلبها، ووقعت عند الحاجة إليها؛ تكون أحسن موقعًا، وأجمل موضعًا.
ولو قال قائل: «أنَّ» مفتوحة الهمزة على تقدير: لأن الناس غشوه، لكان وجهًا إلا أن إثبات الفاء يأبى ذلك. الشافي في شرح مسند الشافعي (3/ 486- 487).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
واختلفوا في الطواف راكبًا أو محمولًا؛ فقال الشافعي: لا أحبُّ لمن أطاق الطواف ماشيًا أن يركب، فإن ‌طاف راكبًا أو محمولًا من عذر أو غيره فلا دم عليه، واحتج بحديث ابن عباس هذا أن النبي -عليه السلام- ‌طاف على ‌راحلته، وبما رواه ابن جريج عن أبي الزبير، عن جابر: «أن النبي -عليه السلام- ‌طاف في حجة ‌الوداع بالبيت وبين الصفا والمروة على ‌راحلته؛ ليراه الناس، وليُشْرِفَ لهم وليسألوه؛ لأن الناس غشوه»، وذهب مالك والليث وأبو حنيفة إلى أن مَن ‌طاف بالبيت راكبًا أو محمولًا فإنْ كان مِن عذرٍ أجزأه، وإن كان من غير عذر فعليه أن يعيد إن كان بمكة، وإن رجع إلى بلاده فعليه دم، وحُجَّتهم ما رواه أبو داود قال: حدثنا مسدد، حدثنا خالد بن عبد الله، حدثنا يزيد بن أبي زياد، عن عكرمة، عن ابن عباس: «أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قَدِمَ مكة وهو يشتكي، فطاف على راحلته، كلما أتى الركن استلمه بمحجن، فلما فرغ من طوافه أناخ فصلى» قالوا: فدل أن طوافه راكبًا كان لشكوى كانت به. شرح صحيح البخاري (4/ 293).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله- معلقًا:
حديث أبي داود المذكور ضعيف (أي قوله: «قدم النبيّ -صلى الله عليه وسلم- مكة وهو يشتكي، فطاف على راحلته»)؛ لأن في إسناده يزيد بن أبي زياد، وهو ضعيف، ثم إن القول بكراهة الطواف راكبًا ليس عليه دليل صريح، وما اعتذروا به عن طوافه -صلى الله عليه وسلم- راكبًا لا يكون دليلًا على المنع؛ لأنه -صلى الله عليه وسلم- ما جاء عنه النهي عن الطواف راكبًا، حتى يحتاج للاعتذار عن فعله، والآية ليس فيها النهي عنه (أي: قوله: {وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} الحج: 29)، بل فعله -صلى الله عليه وسلم- بيان لمعناها، وهو أنها لإيجاب الطواف مطلقًا.
فالحق أن الطواف راكبًا جائز، ما لم يؤذِ أحدًا، وإن كان الأَولى عدم الركوب، والله تعالى أعلم. البحر المحيط الثجاج (23/ 495).
وقال المازري -رحمه الله-:
تعلق ‌بهذا (أي: الحديث) مَن ‌أجاز ‌الطواف راكبًا لغير عذر، ومذهب مالك أن الطواف لا يُركب فيه إلا لعذر، وقد ذُكر في هذا الحديث أنه فعل ذلك ليراه الناس ويسألوه، وهذا رآه -عليه السلام- عذرًا فلا يكون فيه حُجة للمخالف. المعلم بفوائد مسلم (2/ 92).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
قد علل في الكتاب في الحديث علة ذلك بقوله: «لأنْ يراه الناس، وليُشرف، وليسألوه» كراهة أن يُصرف عنه الناس وهو مضرّ به بتزاحمهم عليه، وقد ذكر أبو داود أنه كان -عليه السلام- في طوافه هذا مريضًا، إلى هذا المعنى أشار البخاري عليه وتأوله، وكذا ترجم على هذا الحديث: باب المريض يطوف راكبًا، وأجاز ذلك الشافعي مع كراهته له، وألزم أبو حنيفة فيه الدم إن بَعُدَ إلى مثل الكوفة، وإن كان قريبًا أعاد، وقول مالك كقول أبي حنيفة: إن لم يَعُد أهدى، ومنه قوله في حديث أم سلمة: شكوتُ إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أني أشتكي، فقال: «طوفي من وراء الناس وأنت راكبة» على ما تقدم من جوازه للمريض، ولا خلاف في ذوي الأعذار، وكونها من وراء الناس؛ لأن ذلك سُنة طواف النساء مع الرجال؛ لئلا يختلطن بهم، ولئلا يضر مَرْكَبُها أيضًا بالطائفين، وهذا يكون حكم الرجل إذا طاف راكبًا لهذه العلة.
وفي هذا كله: حُجة لنا ولمن قال بطهارة أبوال ما يؤكل لحمه وروثه؛ إذ لو كان نجسًا لم يدخل المسجد؛ إذ لا يؤمن من ذلك منه فيه.
وفيه: حُجة لجواز طواف المحمول من عذر، ولا خلاف في جوازه ووجوبه عليه. إكمال المعلم (4/ 347- 348).
وقال النووي -رحمه الله-:
فقال أصحابنا (الشافعية): الأفضل أن يطوف ماشيًا ولا يركب إلا لعذر مرض أو نحوه، أو كان ممن يحتاج الناس إلى ظهوره ليُستفتى ويقتدى بفعله، فإن طاف راكبًا بلا عذر جاز بلا كراهة، لكنه خالف الأولى كذا قاله جمهور أصحابنا، وكذا نقله الرافعي عن الأصحاب.
وقال إمام الحرمين: في القلب من إدخال البهيمة التي لا يؤمَن تلويثها المسجد شيء، فإن أمكن الاستيثاق فذلك، وإلا فإدخالها المسجد مكروه.
هذا كلام الرافعي، وجزم جماعة من أصحابنا بكراهة الطواف راكبًا من غير عذر، منهم البندنيجي والماوردي في الحاوي والقاضي أبو الطيب (الطبري) والعبدري، والمشهور الأول.
قال البندنيجي وغيره: والمرأة والرجل في الركوب سواء فيما ذكرناه.
قال الماوردي: وحكم طواف المحمول على أكتاف الرجال كالراكب فيما ذكرناه، قال: وإذا كان معذورًا فطوافه محمولًا أولى منه راكبًا؛ صيانة للمسجد من الدابة، قال: وركوب الإبل أيسر حالًا من ركوب البغال والحمير. المجموع، شرح المهذب(8/ 26- 27).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
وعند الحنفية أن مِن واجبات الطواف المشي إلا من عذر، حتى لو طاف راكبًا من غير عذر لزمه الإعادة ما دام بمكة، وإن عاد إلى بلده لزمه الدم، ومذهب المالكية: أنه لا يجوز إلا لعذر، فإن طاف راكبًا لغير عُذر أعاد إلا أن يرجع إلى بلده فيبعث بهدي، ولو طاف زحفًا مع قدرته على المشي فطوافه صحيح، لكنه يُكره عند الشافعية، وعند الحنابلة: لا شيء عليه عند العجز، فإن كان قادرًا فعليه الإعادة إن كان بمكة والدم إن رجع إلى أهله. إرشاد الساري (3/ 178).
وقال ابن قدامة -رحمه الله-:
لا نعلم بين أهل العلم خلافًا في صحة ‌طواف ‌الراكب ‌إذا ‌كان ‌له ‌عذر...، والمحمول كالراكب فيما ذكرناه.
فأما الطواف راكبًا أو محمولًا لغير عذر، فمفهوم كلام الخَرْقِي أنه لا يجزئ، وهو إحدى الروايات عن أحمد؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «الطواف بالبيت صلاة»؛ ولأنها عبادة تتعلق بالبيت، فلم يجز فعلها راكبًا لغير عذر كالصلاة، والثانية: يجزئه، ويجبره بدم، وهو قول مالك، وبه قال أبو حنيفة، إلا أنه قال: يعيد ما كان بمكة، فإن رجع جبره بدم؛ لأنه ترك صفة واجبة في ركن الحج، فأشبه ما لو وقف بعرفة نهارًا، ودفع قبل غروب الشمس، والثالثة: يجزئه، ولا شيء عليه، اختارها أبو بكر (الخلال) وهي مذهب الشافعي وابن المنذر؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- طاف راكبًا، قال ابن المنذر: لا قول لأحد مع فعل النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ ولأن الله تعالى أمر بالطواف مطلقًا، فكيفما أتى به أجزأه، ولا يجوز تقييد المطلق بغير دليل، ولا خلاف في أن الطواف راجلًا أفضل؛ لأن أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- طافوا مشيًا، والنبي -صلى الله عليه وسلم- في غير حجة الوداع طاف مشيًا، وفي قول أم سلمة: شكوتُ إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- أني أشتكي، فقال: «طوفي من وراء الناس، وأنت راكبة» دليلٌ على أن الطواف إنما يكون مشيًا، وإنما طاف النبي -صلى الله عليه وسلم- راكبًا لعذر، فإن ابن عباس روى «أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كثر عليه الناس يقولون: هذا محمد، هذا محمد، حتى خرج العواتق من البيوت، وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لا يضرب الناس بين يديه، فلما كثروا عليه ركب»، رواه مسلم، وكذلك في حديث جابر: «فإن الناس غَشُوه»، وروي عن ابن عباس «أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- طاف راكبًا؛ لِشَكَاةٍ به»، وبهذا يعتذر مَن منع الطواف راكبًا عن طواف النبي -صلى الله عليه وسلم-، والحديث الأول أثبت، فعلى هذا يكون كثرة الناس، وشدة الزحام عذرًا، ويحتمل أن يكون النبي -صلى الله عليه وسلم- قصد تعليم الناس مناسكهم، فلم يتمكن منه إلا بالركوب، والله أعلم. المغني (5/ 249- 251).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
حديث ابن عباس أيضًا بلفظ: «قَدِمَ النبي -صلى الله عليه وسلم- مكة وهو يشتكي فطاف على راحلته»، ووقع في حديث جابر عند مسلم أن النبي -صلى الله عليه وسلم- طاف راكبًا؛ ليراه الناس وليسألوه، فيحتمل أن يكون فعل ذلك للأمرين، وحينئذٍ لا دلالة فيه على جواز الطواف راكبًا لغير عذر، وكلام الفقهاء يقتضي الجواز إلا أن المشي أولى، والركوب مكروه تنزيهًا، والذي يترجح المنع؛ لأن طوافه -صلى الله عليه وسلم- وكذا أم سلمة كان قبل أن يحوط المسجد، ووقع في حديث أم سلمة: «طوفي من وراء الناس» وهذا يقتضي منع الطواف في المطاف، وإذا حوط المسجد امتنع داخله؛ إذ لا يؤمَن التلويث، فلا يجوز بعد التحويط بخلاف ما قبله، فإنه كان لا يَحرم التلويث كما في السعي، وعلى هذا فلا فرق في الركوب إذا ساغ بين البعير والفرس والحمار، وأما طواف النبي -صلى الله عليه وسلم- راكبًا فللحاجة إلى ‌أخذ ‌المناسك ‌عنه؛ ولذلك عدَّه بعض مَن جمع خصائصه فيها، واحتمل أيضًا أن تكون راحلته عُصمت من التلويث حينئذٍ؛ كرامة له فلا يُقاس غيره عليه، وأَبْعَدَ مَن استدل به على طهارة بول البعير وبعره. فتح الباري (3/ 490).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
فيه: استحباب التكبير عند الركن الأسود في كل طوفة. فتح الباري(3/٤٧٦).
وقال الشيخ عبد الله الفوزان -حفظه الله-:
يُستفاد من مجموع الأحاديث الواردة في الحَجَر الأسود: أن للناس مع الحَجَر ثلاث حالات:
الأولى: التمكن من تقبيله، فهذا يقبِّل ويكبِّر عند التقبيل، وهذا هو الكمال، ولم يرد في الأحاديث تحديد عدد للتقبيل، فالأَولى مرة واحدة؛ إذ لو قبَّل النبي -صلى الله عليه وسلم- أكثر من مرة لنُقل إلينا.
الثانية: ألا يتمكن من التقبيل، ويتمكن من الاستلام باليد أو بالعصا ونحوه، فيُشرع ذلك مع التكبير، ويقبِّل يده أو عصاه إذا استلم بها؛ لكونها لامست الحَجَر؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- لما طاف في حجة الوداع على بعير استلم الركن بمحجن، ثم قبّل المحجن الذي استلم به الركن.
وقد روى مسلم بسنده عن نافع، قال: رأيتُ ابن عمر -رضي الله عنهما- يستلم الحجر بيده، ثم قبّل يده، وقال: «ما تركتُه منذ رأيتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يفعله».
الثالثة: ألا يتمكن من الاستلام؛ لكونه راكبًا أو لوجود زحام، فهذا يشير إلى الحجَر ويكبِّر، ولا يٌقبِّل ما أشار به -على الراجح من قولي أهل العلم-؛ لأنه لا يقبّل إلا الحجر أو ما مسَّ الحجر، والله تعالى أعلم. منحة العلام (5/ 293- 294).
وقال محمد المختار الشنقيطي -رحمه الله-:
الأحكام والفوائد:...
استدل به (أي: الحديث) المالكية والحنابلة ومَن وافقهم على طهارة بول البعير؛ لأن الغالب في البعير بل من اللازم أن يكون بوله على فخذيه ورجليه، وقد تقدم ذلك في الطهارة، وقال الشافعية والحنفية: بنجاسته، قلتُ: وينبني على هذا الخلاف جواز الطواف على الحمار وغيره مما اتفقوا على نجاسته، فعند القائلين بنجاسة بول مأكول اللحم لا فرق عندهم بين ركوب البعير والحمار والفرس، وأما القائلون بالطهارة فيفرِّقون بين مأكول اللحم وغيره.
وفيه دليل: على أن مَن عجز عن الاستلام بيده يستلم بآلة. شروق أنوار المنن الكبرى الإلهية (5/ 1480- 1481).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
قال المهلب: واستلام الرسول -صلى الله عليه وسلم- الركن بمحْجَنِه يدل على أن استلام الركن ليس بفرض، وإنما هو سُنة من النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ ألا ترى قول عمر: «لولا أني رأيتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ‌قَبَّلَكَ، ‌مَا ‌قَبَّلْتُكَ». شرح صحيح البخاري (4/ 289).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
فيه من الفقه: جواز الطواف عن المحمول وإن كان مطيقًا للمشي.
وقد يَستدل بهذا الحديث مَن يرى بول ما يؤكل لحمه طاهرًا؛ لأن البعير إذا بقي في المسجد المدة التي يُقضى فيها الطواف لم يكد يخلو من أن يبول فيه، فلو كان بوله ينجس المكان لنُزِّه المسجد عن إدخاله فيه. معالم السنن (2/ 192).
وقال العيني -رحمه الله-:
مما يُستفاد منه: أنَّ في قوله: «في حجة الوداع» ردًّا على مَن كره تسمية حجة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حجة الوداع، والمنكِر غالط. عمدة القاري (9/ 253).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«على راحلته» فيه حجة لمالك على قوله بطهارة بول ما يؤكل لحمه وكذا روثه؛ إذ لا يؤمَن أن يكون ذلك منه في المسجد.
وعلى جواز الطواف راكبًا، وكذا محمولًا، فإنْ كان راكبًا فيركب بعيرًا من غير الجلَّالة (التي ‌تأكل ‌العذرة)، وإن كان محمولًا فيكون حامله لا طواف عليه؛ لأن الطواف صلاة كما في الحديث، فلا يصلي عن نفسه وغيره. شرح سنن أبي داود (8/ 505 - 506).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قال ابن التين: تقدم أنه كان يستلمه بالمحجن، فيدل على قُربه من البيت، لكن مَن طاف راكبًا يستحب له أن يبعد إن خاف أن يؤذي أحدًا، فيُحمل فعله -صلى الله عليه وسلم- على الأمن من ذلك، انتهى، ويحتمل أن يكون في حال استلامه قريبًا حيث أَمِنَ ‌ذلك، ‌وأن ‌يكون ‌في ‌حال ‌إشارته ‌بعيدًا حيث خاف ذلك. فتح الباري (3/ 476).
وقال الشيخ عبد العزيز الراجحي -حفظه الله-:
في هذه الأحاديث: دليل على أن من طاف راكبًا، واستطاع أن يستلم الحَجر بمحجن أو بعصا فله أن يمد العصا أو المحجن، فيمسّ الحجر، ثم يُقبّله، كما فعل النبي -صلى الله عليه وسلم-.
لكن الآن لا يمكن للراكب أو المحمول أن يستلم الحجر؛ لما فيه من المشقة. توفيق الرب المنعم(3/٥٣١).

وللاستفادة من الروايات الأخرى ينظر (هنا) و (هنا)


إبلاغ عن خطأ