السبت 5 شعبان 1447 | 2026-01-24

A a

«أنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- صلَّى يومَ الفِطْرِ ركعتينِ لم يُصَلِّ قبلَها ولا بعدها، ثم أَتَى النساءَ ومعه بلالٌ، فأَمَرَهُنَّ بالصدقةِ، فَجَعَلْنَ يُلْقِينَ، تُلْقِي المرأةُ خُرْصَهَا وسِخَابَهَا».


رواه البخاري برقم: (964)، ومسلم برقم: (884)، من حديث ابن عباس -رضي الله عنهما-.


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«خُرْصَها»:
الخُرْص -بضم الخاء المعجمة، ثم راء، ثم صاد مهملة- حَلْقَةٌ تكون في الأذن. التوضيح، لابن الملقن (8/ 101).
قال ابن الأثير -رحمه الله-:
الخريص -بالضم والكسر-: الحلْقَة من الذهب أو الفضة، وهو حُلي العرب. الشافي (2/ 281).

«وسِخَابِهَا»:
السِّخَاب -بسين مهملة، ثم خاء معجمة، ثم ألف، ثم باء موحدة-: خيط يُنْضَم فيه خرزات، ويلبسه الصبيان والجواري (جمع جارية، وهي البنت الصغيرة). التوضيح، لابن الملقن (8/ 101).
قال الجوهري -رحمه الله-:
السِّخَاب: قلادة تُتَّخذ من مسك وغيره، ليس فيها من الجوهر شيء. الصحاح (1/ 146).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
قيل: إنَّه القلادة من الخرز يلبسها الصبيان والجواري (على الصدر). الشافي (2/ 281).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
هو قلادة من عنْبَر، أو قرنفل، أو غيره، ولا يكون فيه خرز، وقيل: هو خيط فيه خرز، وسمي سِخابًا: لصوت خرزه عند الحركة، مأخوذ من السَّخَبْ، وهو اختلاط الأصوات، يقال: بالصاد والسين. فتح الباري (2/ 454).


شرح الحديث


قوله: «أنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- صلَّى يومَ الفِطْرِ ركعتينِ»:
قال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
قوله: «صلى يوم الفطر» صلاة العيد. مرعاة المفاتيح (5/ 29).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
«الفطر ركعتين» لا أربعًا. إرشاد الساري (2/ 212).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
انعقد الإجماع كما قال ابن بزيزة على أن صلاة العيد ركعتان لا أكثر، إلا ما روي عن علي أنها في الجامع أربع، فإن صُليت في المصلى فهي ركعتان، كقول الجمهور كما تعلمه في باب: إذا فاته العيد. التوضيح (8/ 102).

قوله: «لم يصلِّ قبلهما ولا بعدهُما»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«لم يصل قبلها ولا بعدها» إنما أفرد الضمير مع أن المرجع قوله: «ركعتين» باعتبار أنهما صلاة واحدة. البحر المحيط الثجاج (17/ 474).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «لم يصلِّ...» أي: سُنَّة. الكاشف عن حقائق السنن (4/ 1292).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
«لم يصل قبلها ولا بعدها» تطوعًا. إرشاد الساري (2/ 212).
وقال العيني -رحمه الله-:
قوله: «قبلها» أي: قبل صلاة العيد التي عبَّر عنها بالركعتين، ويروى: «قبلهما» أي: قبل الركعتين التي هي صلاة العيد. عمدة القاري (6/ 310).
وقال البرماوي -رحمه الله-:
«وبعدها» أي: بعد صلاة العيد. اللامع الصبيح (4/ 390).
وقال محمود السبكي -رحمه الله-:
يعني: لم يصلِّ تطوعًا قبل صلاة العيد ولا بعدها. المنهل العذب المورود (6/ 340).
وقال السندي -رحمه الله-:
قوله: «لم يصل قبلها» أي: مطلقًا، أو في المصلى، وأما قوله: «ولا بعدها» فلا بد من تقييده بالمصلى. كفاية الحاجة في شرح سنن ابن ماجه (1/ 390).
وقال ابن الهمام -رحمه الله-:
هذا النفي بعد الصلاة محمول عليه في المصلى؛ لما روى ابن ماجه (ثم ساق السند) عن أبي سعيد الخدري قال: «كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لا يصلي قبل العيد شيئًا، فإذا رجع إلى منزله صلى ركعتين». فتح القدير (2/ 73).
وقال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
حديث أبي سعيد الخدري يشهد لكراهة الصلاة قبل الركعتين مطلقًا «كان رسولُ اللَّه -صلى الله عليه وسلم- لا يُصلِّي قبل العيدِ شيئًا»، أي: في المصلى وفي غيره؛ لأنه نفي مطلق، بخلاف حديث ابن عباس، فإنه أخبر أنه شاهده في المصلى لم يصل شيئًا، وقد يكون صلى في منزله، ففيه احتمال أن يكون مختصًّا بالمصلى دون البيت؛ ولذلك قلنا: إن قوله: «لم يصل قبلهما» يحتمل الإطلاق والتقييد. مرعاة المفاتيح (5/ 29).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
ليس في الحديث ما يدل على المواظبة، فيحتمل اختصاصه بالإمام دون المأموم، أو بالمصلى دون البيوت. شرح سنن أبي داود (5/ 718).
وقال السندي -رحمه الله-:
قوله: «لم يصل قلبها» محمول على البيت والمصلى، وأما «ولا بعدها» فعلى المصلى. فتح الودود (1/ 662).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
اختلف أهل العلم في هذه المسألة (يعني: في الصلاة قبل العيد وبعده) على ثلاثة أقوال:
فقالت طائفة بحديث ابن عباس هذا: لا يصلي قبل العيد ولا بعدها في المصلى، روي ذلك عن علي وابن مسعود وحذيفة وجابر وابن عمر والشعبي ومسروق والقاسم وسالم، وهو قول مالك، وأحمد بن حنبل، إلا أن مالكًا قال: إذا صُليت في المسجد جاز التنفل قبلها وبعدها.
وقالت طائفة: يصلي بعدها ولا يصلي قبلها، روي ذلك عن أبي مسعود البدري، وبه قال علقمة والأسود وابن أبي ليلى والنخعي والثوري والكوفيون والأوزاعي.
وقالت طائفة: يصلي قبلها وبعدها كما يصلي قبل الجمعة وبعدها، روي ذلك عن بُرَيْدَة الأسلمي، وأنس بن مالك والحسن وعروة، وبه قال الشافعي، إلا أن السنة الثابتة في ذلك ما رواه ابن عباس في هذا الباب «أن النبي -عليه السلام- صلى ركعتين لم يصلِّ قبلها ولا بعدها» فثبت أنها ليست كالجمعة، واستخلف علي أبا مسعود، فخطب الناس، وقال: لا صلاة قبل الإمام يوم العيد، ولم يُرْوَ عن غيره خلافه، ومثل هذا لا يقال بالرأي، إنما طريقه التوقيف، قاله الطحاوي. شرح صحيح البخاري (2/ 574-575).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
فيه: أن لا يُصلى قبلها ولا بعدها، وبه أخذ مالك، قال: لا يتنفل في المصلى قبلها ولا بعدها.
وفيه قول ثانٍ: أنه يتنفل قبلها وبعدها كما في الجمعة، روي ذلك عن بريدة الأسلمي وأنس بن مالك، والحسن وأخيه سعيد، وعروة.
قال ابن بطال: وبه قال الشافعي، أي: لغير الإمام....
وفيه قول ثالث: أنها إذا صُليت في المسجد جاز التنفل قبلها وبعدها، حكاه ابن بطال عن مالك، وهي رواية ابن القاسم عنه.
وفيه قول رابع -عكسه-: أنه لا يتنفل في الجامع قبلها ويباح بعدها، قاله ابن وهب وأشهب، وأما في بيته فأجازه مالك في المدونة.
وقال ابن حبيب: قال قوم: هي سُبْحَة ذلك اليوم فيقتصر عليها إلى الزوال، قال: وهو أحب إليَّ.
وفيه قول خامس: أنه يصلي قبلها لا بعدها، روي ذلك عن أبي مسعود البدري، وبه قال علقمة والأسود وابن أبي ليلى والنخعي ومجاهد والثوري والكوفيون منهم أبو حنيفة والأوزاعي، وحكاه ابن شعبان عن مالك.
وفيه قول سادس: الكراهة في المصلى قبلها وبعدها والرخصة فيها في غيره.
وسابع: ذكره في الجواهر: أنه لا يتنفل قبلها ولا بعدها في هذا اليوم.
وقال أحمد: أهل الكوفة لا يتطوعون قبلها ويتطوعون بعدها، وأهل البصرة يتطوعون قبلها وبعدها، وأهل المدينة لا يتطوعون قبلها ولا بعدها.
وعند الحنفية أقوال غير ما سلف: ليس قبلها صلاة عن محمد (ابن الحسن) كما في الذَّخِيْرة، وإن شاء تطوع قبل الفراغ من الخطبة، معناه: أنه ليس قبلها صلاة مسنونة لا أنها تُكره، إلا أن الكرخي نص على الكراهة قبل العيد حيث قال: يكره لمن حضر المصلى التنفل قبلها.
وفي التَّجْرِيد: إن شاء تطوع بعد الفراغ من الخطبة، ولم يذكر أنه تطوع في الجَبَّانَة أو في بيته، وذكر في كتاب العالم والمتعلم ما يدل على أنه يتطوع في بيته، ويكره ذلك في الجَبَّانَة، وكان محمد بن مقاتل الرازي يقول: لا بأس بصلاة الضحى قبل الخروج إلى المصلى، وإنَّما تكره في الجبَّانة، وعامة المشايخ على الكراهة مطلقًا.
قلتُ: والسنة الثابتة المنع مطلقًا، فثبت أنها ليست كالجمعة. التوضيح (8/ 98-99).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
لا يُكره للقوم التنفل قبلها ولا بعدها في غير الوقت المنهي عنه؛ لفعل أنس وغيره ذلك، رواه البيهقي، ويُكره ذلك تنزيهًا لمن يسمع الخطبة؛ لإعراضه به عن الخطيب بالكلية. فتح الإله (5/300).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
الحاصل: أنَّ صلاة العيد لم يثبت لها سُنة قبلها ولا بعدها، خلافًا لمن قاسها على الجمعة، وأما مطلق النفل فلم يثبت فيه منع بدليل خاص إلا إن كان ذلك في وقت الكراهة الذي في جميع الأيام، والله أعلم. فتح الباري (2/ 476).
وقال الشوكاني -رحمه الله- معلقًا على كلام ابن حجر:
كلام صحيح جار على مقتضى الأدلة، فليس في الباب ما يدل على منع مطلق النفل، ولا على منع ما ورد فيه دليل يخصه كتحية المسجد، إذا أقيمت صلاة العيد في المسجد، وقد قدمنا الإشارة إلى مثل هذا في باب تحية المسجد، نعم في التلخيص ما لفظه: وروى أحمد من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعًا: «لا صلاة يوم العيد قبلها ولا بعدها» فإن صح هذا كان دليلًا على المنع مطلقًا؛ لأنه نفي في قوة النهي، وقد سكت عليه الحافظ، فينظر فيه. نيل الأوطار (3/ 360).
وقال ابن العربي -رحمه الله-:
التنفل في المصلى لو كان مفعولًا لكان منقولًا، وإنما رأى من رأى جواز الصلاة لأنه وقت مطلق للصلاة، وإنما تركه من تركه لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يفعله، ومن اقْتَدَى فقد اهْتَدَى. المسالك (3/ 268).
وقال محمود السبكي -رحمه الله-:
بل الثابت عنه -صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم- أنه ترك الصلاة قبلها وبعدها، فيكون التَّرك سنة، والفعل بدعة. المنهل العذب المورود (6/ 342).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
أحسن الأقوال: أنه إذا جاء لا يجلس حتى يصلي ركعتين.
فإنْ قال قائل: كيف تقولون ذلك وهو مصلى وليس بمسجد؟
قلنا: هذا صحيح، أي: أنه مصلى، ولكن النبي -عليه الصلاة والسلام- جعل له أحكام المسجد، الدليل أنه منع الحائض من دخوله، ولولا أنه مسجد أو في حكم المسجد ما منع النبي -عليه الصلاة والسلام- الحُيَّض أن يَدْخُلْنه، فهذا القول هو أعدل الأقوال، أما القول بأنه يكره للإنسان حتى تحية المسجد وحتى لو كان بعد وقت النهي، فهذا قول لا وجه له، بل هو ضعيف. فتح ذي الجلال والإكرام (2/ 402).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
عندي الأرجح قول من قال بعدم مشروعية الصلاة قبل صلاة العيد، أو بعدها؛ لعدم ثبوته عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، وأصرح دليل على ذلك: قول أبي مسعود -رضي الله عنه- فيما رواه النسائي بإسناد صحيح: «يا أيها الناس، إنه ليس من السُّنة أن يُصلى قبل الإمام» فإنه من أهل اللغة يفهم مقاصد الشريعة، وقد أنكر على من رآهم يصلون قبل صلاة العيد، وقال لهم: إنها ليست من السنة، فلا أدل على عدم مشروعيتها من قوله: «ليس من السنة...» إلخ.
والحاصل: أنه لا يشرع التنفل قبل صلاة العيد ولا بعدها، والله تعالى أعلم. البحر المحيط الثجاج (17/ 477).
وقال الباجي -رحمه الله-:
فإن صُليت في الجامع فهل يصلي قبلها وبعدها؟
فيه أولًا قول ابن القاسم عن مالك إجازة ذلك، وروى عنه ابن وهب وأشهب منعه قبلها وإباحته بعدها.
وقال ابن حبيب: أحب أن تكون صلاة العيد حظَّه من النافلة ذلك اليوم إلى صلاة الظهر.
والصواب: جواز النافلة بعد الخروج من المسجد أو بعد طول المكث فيه، وإنما استحب تأخير التنفل لأنها صلاة عيد كصلاة الجمعة. المنتقى شرح الموطأ (1/ 320).
وقال ابن دقيق العيد -رحمه الله-:
إذا صلى العيد في المسجد، فهل يصلي التحية عند الدخول فيه؟
اختلف فيه، والظاهر في لفظ هذا الحديث («إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين»): أنه يصلي، لكن جاء في الحديث «أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يصلِّ قبلها ولا بعدها» أعني: صلاة العيد، والنبي -صلى الله عليه وسلم- لم يصلِّ العيد في المسجد، ولا نُقِلَ ذلك، فلا معارضة بين الحديثين، إلا أن يقول قائل، ويفهم فاهم: أن ترك الصلاة قبل العيد وبعدها من سُنة صلاة العيد، من حيث هي هي، وليس لكونها واقعة في الصحراء أثر في ذلك الحكم، فحينئذٍ يقع التعارض، غير أن ذلك يتوقف على أمر زائد، وقرائن تُشعر بذلك، فإن لم يوجد فالاتِّباع أولى استحبابًا، أعني: في ترك الركوع في الصحراء، وفعله في المسجد للمسجد، لا للعيد. إحكام الأحكام (1/ 290-291).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
قد اختلف الناس في معنى ترك النبي -صلى الله عليه وسلم- الصلاة يوم العيد قبلها وبعدها: فمنهم من قال: لأنه كان إمامًا، والإمام لا يتطوع موضع صلاة العيد قبلها ولا بعدها؛ لأن حضوره كإقامة الصلاة، فلا يُتَطوَّع بعده، وإذا خطب انصرف وانصرف الناس معه، فلو صلى فلربما احتبس الناس له، وفيه مشقة، وهذا تأويل جماعة، منهم: سليمان بن حرب وطائفة من الشافعية وغيرهم، وأنكر ذلك الإمام أحمد، وقال: إنما لم يصلِّ قبلها ولا بعدها؛ لأنه لا صلاة قبلها ولا بعدها. فتح الباري (9/ 89).

قوله: «ثم أَتَى النِّساءَ ومعه بلالٌ»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«ثم أتى النساء» أي: صفوفهن. البحر المحيط الثجاج (17/ 474).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«ثم أتى» النبي -صلى الله عليه وسلم- «النساء» أي: مجلسهن. الكوكب الوهاج (10/ 406).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «ثم أتى النساء» يُشعر بأنَّ النساء كن على حدة من الرجال غير مختلطات بهم، قوله: «ومعه بلال» فيه: أنَّ الأدب في مخاطبة النساء في الموعظة أو الحكم ألا يحضر من الرجال إلا من تدعو الحاجة إليه من شاهد ونحوه؛ لأن بلالًا كان خادم النبي -صلى الله عليه وسلم-، ومتولي قبض الصدقة، وأما ابن عباس فقد تقدَّم أنَّ ذلك اغتفر له بسبب صغره. فتح الباري (2/ 466).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
إتيانه النساء بعد خطبته، ورأى أنهن لم يسمعن كما سلف، فيستحب عظتهن، ويذكرهن الآخرة والأحكام، وحثّهن على الصدقة، وهذا إذا لم يترتب عليه مفسدة، وخوف فتنة على الواعظ والموعوظ أو غيرهما. التوضيح (8/ 100-101).
وقال ابن الملقن -رحمه الله- أيضًا:
إتيانه النساء ووعظهن -فهو خاص به عند العلماء، كما قال ابن بطال-؛ لأنه أب لهن، وهم مجمعون على أن الخطيب لا تلزمه خطبة أخرى للنساء، ولا يقطع خطبته ليتمها عند النساء. التوضيح (8/132).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
ظاهره: أنه بعد الصلاة خطب النساء، وليس كذلك، وإنما خطب الرجال ثم أتى النساء بعد الرجال. فتح الباري (8/ 451).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
فإن قلتَ: ليس في هذا الحديث أن الخطبة بعد صلاة العيد؟
قلتُ: قوله: «ثم أتى النساء» إنما كان بعد الخطبة؛ لما تقدم في الباب قبله: «نزل فأتى النساء» وحديث ابن نيار شرحه تقدم في باب الأكل يوم النحر؛ وإنما استدل به هنا على أن الخطبة بعد الصلاة. الكوثر الجاري (3/ 77).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
في الحديث: جواز خروج النساء للعيدين.
واختلف السلف في خروجهن (يعني: النساء) للعيدين، فرأى جماعة ذلك حقًّا عليهن، منهم أبو بكر وعلي وابن عمر وغيرهم.
وقال أبو قلابة: قالت عائشة: كانت الكواعب تخرج لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الفطر والأضحى، وكان علقمة والأسود يخرجان نساءهم في العيد، ويمنعونهن الجمعة.
وروى ابن نافع عن مالك أنه لا بأس أن تخرج المتجالة (أي: المُسنة) إلى العيدين والجمعة، وليس بواجب، وهو قول أبي يوسف، ومنهم من منعهن ذلك، منهم عروة والقاسم والنخعي ويحيى الأنصاري ومالك وأبو يوسف، وأجازه أبو حنيفة مرة، ومنعه أخرى، وقول مَن رأى خروجهن أصح لشهادة السُّنة الثابتة له. التوضيح (8/ 102-103).

قوله: «فأمرهنَّ بالصَّدقةِ»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«أمرهن بالصدقة» أي: بالتصدُّق من حُلِيِّهن. الكوكب الوهاج (10/ 406).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قوله: «فأمر النساء بالصدقة» أي: ندبهن إليها، وحضهن عليها. المفهم (2/ 526).

قوله: «فجعلنْ يُلْقِيْنَ، تُلْقِي المرأة خُرْصَها وسِخَابِهَا»:
قال السفاريني -رحمه الله-:
«يلقين» أي: يطرحن. كشف اللثام (3/ 210).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«يلقين» أي: يرمينها صدقة. الكوكب الوهاج (10/ 393).
وقال البرماوي -رحمه الله-:
«تلقي المرأة» ذِكْرَه بعد: «تُلْقِين» للتفصيل والبيان. اللامع الصبيح (4/ 390).
وقال العيني -رحمه الله-:
قوله: «تُلْقِي المرأة» فائدة التكرار فيه: أنه ذَكَر الإلقاء أولًا مجملًا، ثم ذكره مفصَّلًا، وهذا أوقع في القلوب؛ لأنه يكون علَمين: علم إجمالي وعلم تفصيلي، والعلمان خير من علم واحد. عمدة القاري (6/ 284).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
الخُرص: بضم المنقطة وكسرها: الحَلْقة من الذهب أو الفضة. الكواكب الدراري (6/ 70).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
الخرص: حَلْقة في الأذن، وربما كانت فيها حبة. فتح الباري (8/ 451).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
الخُرص: حلقَة القُرط. أعلام الحديث (1/ 596).
وقال العيني -رحمه الله-:
الخُرص -بضم الخاء المعجمة، وسكون الراء، وبصاد مهملة-: حلقة صغيرة، وهي من حُلي الأذن يكون من الذهب والفضة.
وقيل: هو القُرْطُ يكون فيه حبَّة واحدة في حلقة واحدة.
وفيه لغة أخرى: خِرص: بكسر الخاء. شرح أبي داود (4/ 511).
وقال الغزالي -رحمه الله-:
يحلُّ التزيُّن بالذهب والحرير للنساء من غير إسراف، ولا أرى رخصة في تثقيب أُذن الصبيَّة لأجل تعليق حلق الذهب فيها، فإنَّ هذا جُرحٌ مؤلمٌ ومثله مُوجِبٌ للقصاص، فلا يجوز إلا لحاجة مهمة كالفَصْد والحجامة والختان، والتزين بالحِلَق غير مهم، بل في التقريط بتعليقه على الأذن وفي المخَانِق والأَسْورة كفاية عنه، فهذا وإن كان معتادًا فهو حرام، والمنع منه واجب، والاستئجار عليه غير صحيح، والأجرة المأخوذة عليه حرام، إلا أنْ يثبت من جهة النقل فيه رخصة، ولم يبلغنا إلى الآن فيه رخصة. إحياء علوم الدين (2/ 341).
وقال الأردبيلي -رحمه الله- معلقًا:
واحتمل الحديث: أنَّ الأقراط كانت مُعلَّقة بين آذانهن، كما صوَّر الإمام حجَّة الإسلام، واحتُمل الثُّقْب، وهو الغالب، لكن الأصل الحرمة، ويعارضه الغالب، والأصح أنَّ العمل على الأصل. الأزهار مخطوط لوح (185).
وقال ابن مفلح -رحمه الله-:
يجوز ثقب أُذن البنت للزينة، ويُكره ثقب أذن الصبي، نص عليهما (أحمد) قال في رواية مهنا: أَكْره ذلك للغلام، إنما هو للبنات، قال مهنَّا: قلتُ: مَن كرهه؟ قال: جرير بن عثمان. الآداب الشرعية (3/ 341).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
الصحيح: أنَّ ثقب الأذن لا بأس به؛ لأن هذا من المقاصد التي يتوصل بها إلى التحلي المباح، وقد ثبت أنَّ نساء الصحابة كان لهن أخراص يلبسنها في آذانهن، وهذا التعذيب تعذيب بسيط، وإذا ثقب في حال الصغر صار برؤه سريعًا.
وأما ثقب الأنف: فإنني لا أذكر فيه لأهل العلم كلامًا، ولكنه فيه مُثلة وتشويه للخِلْقة فيما نرى، ولعل غيرنا لا يرى ذلك، فإذا كانت المرأة في بلد يعدُّ تحلية الأنف فيها زينة وتجملًا فلا بأس بثقب الأنف؛ لتعليق الحِلية عليه. مجموع فتاوى ورسائل العثيمين (11/ 137).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
السِّخَاب: قلادة من قُرُنْفُل ومسك ليس فيها جوهر. شرح صحيح البخاري (2/ 558).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
السِّخَاب: بكسر المهملة وخفة المعجمة، قلادة تُتخذ من مسك وغيره، ليس فيها من الجوهر شيء. الكواكب الدراري (6/ 70).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
السِّخَاب: قلادة تُتَّخذ من أنواع الطيب. فتح الباري (8/ 451).
وقال النووي -رحمه الله-:
«سِخَابها» هو بكسر السين، وبالخاء المعجمة، وهو قلادة من طيب معجون على هيئة الخرز، يكون من مسك أو قُرُنْفُل أو غيرهما من الطيب، ليس فيه شيء من الجوهر، وجمعه سُخُب ككتاب وكُتُب. المنهاج شرح صحيح مسلم (6/ 181).
وقال محمود السبكي -رحمه الله-:
كانت مطلق صدقة لا كما قاله بعضهم من أنها صدقة الفطر، كما تدل عليه رواية مسلم من طريق ابن جريج عن عطاء، وفيها قال ابن جريج: قلتُ لعطاء: زكاة الفطر، قال: لا، ولكن صدقة يتصدقن بها حينئذٍ. المنهل العذب المورود (6/ 318).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
وأما حديث: «أيما امرأة جَعلت في أُذنها خُرصًا من ذهب جُعل في أذنها خُرْص من نار» فقيل: هذا قبل النسخ، فإنه قد ثبت إباحة الذهب للنساء، وقيل: هو خاص لمن لم تؤدِّ زكاة حُليِّها. شرح سنن أبي داود (5/ 720).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
هذا يدلنا على مبادرة النساء إلى الصدقة، وعدم إرجائهن ذلك إلى أن يذهبن للبيوت، وأنهن صِرْنَ يُلقين من هذه الزينة التي عليهن، وهذا يدل على مبادرتهن إلى الخير، ومبادرتهن إلى الصدقة، وسرعة امتثالهن لما جاء عن الله وعن رسوله -صلى الله عليه وسلم-.
وفيه: أن المرأة تتصدق بمالها ولو لم تستأذن زوجها، ولا يلزم استئذان الزوج في كون المرأة تتصدق. شرح سنن أبي داود (142/ 15).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
في الحديث من الفقه: أن عطية المرأة البالغة وصدقتها بغير إذن زوجها جائزة ماضية، ولو كان ذلك مفتقرًا إلى الأزواج لم يكن -صلى الله عليه وسلم- ليأمرهن بالصدقة قبل أن يسأل أزواجهن الإذن لهن في ذلك. معالم السنن (1/ 253).
وقال الخطابي -رحمه الله- أيضًا:
فيه: دليل على جواز تصرف المرأة في ملكها بغير إذن وليها أو زوجها. أعلام الحديث (1/ 596).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
في هذا الحديث: حث على تذكير النساء. كشف المشكل (3/ 20).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
في الحديث: أن الإمام إذا رأى أنه لم يُسْمِع الموعظة النساء فإنه يأتِيْهِنَّ بعد فراغه من موعظة الرجال، فيعظهن ويذكِّرهن، وقد قال عطاء: إن ذلك حق عليه، ولعله أراد أنه مندوب إليه، متأكد الندب. فتح الباري (8/ 449).
وقال الرافعي -رحمه الله-:
فيه: أن النساء كنَّ يحضرن العيد، وأنه لا بأس للمذكِّر بالسؤال والحث على الصدقة وقبولها إلى أن تُفَرَّق، واحتج به على أنه تجوز عطية المرأة من مالها بغير إذن الزوج خلافًا لما يروى عن مالك. شرح مسند الشافعي (2/ 24-25).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
فيه: أن النساء إذا حضرن صلاة الرجال ومجامعهم يكنَّ بمعزل عنهم؛ خوفًا من فتنة ونحوها.
وفيه: أن صدقة التطوع لا تفتقر إلى إيجاب وقبول، بل يكفي فيها المعاطاة؛ لأنهن أَلْقَيْنَ الصدقة في ثوب بلال من غير كلام منهن ولا من بلال، ولا من غيره، وهو صحيح مذهب الشافعي، وأكثر العراقيين يفتقر إلى الإيجاب والقبول باللفظ كالهبة.
وفيه: جواز صدقة المرأة من مالها، وعن مالك: لا تجوز الزيادة على ثُلث مالها إلا برضا زوجها. التوضيح (8/ 101).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
فيه: دليل على أن الإمام يستصحب معه المؤذن في الصلوات التي يجمع لها ويخطب، وإن لم يكن يؤذن لها ويقام، ويستعين به. فتح الباري (9/ 52).
وقال العيني -رحمه الله-:
ذِكْر ما يُستفاد منه: وهو على ثلاثة أوجه:
الأول: أن صلاة العيد ركعتان.
الثاني: أن الحديث يدل على أن لا تنفُّل قبل صلاة العيد ولا بعدها.
الوجه الثالث: إتيانه -صلى الله عليه وسلم- النساء بعد خطبته وأمرهن بالصدقة.
وفيه: استحباب عظتهن وتذكيرهن الآخرة، وحثهن على الصدقة، وهذا إذا لم يترتب عليه مفسدة وخوف على الواعظ والموعوظ أو غيرهما، وهذه الأوجه الثلاثة صرح بها ظاهر الحديث.
وفيه: جواز خروج النساء للعيدين.
وفيه: أن النساء إذا حضرن صلاة الرجال ومجامعهم يكنَّ بمعزل عنهم؛ خوفًا من الفتنة والفساد. عمدة القاري، باختصار (6/ 284-285).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
فيه وفي بقية أحاديث الباب: دليل على كراهة الصلاة قبل صلاة العيد وبعدها. نيل الأوطار (3/ 358).
وقال الشيخ عبد القادر شيبة الحمد -رحمه الله-:
ما يُفيده الحديث:
1. كراهية التنفل في المصلى قبل الصلاة العيد.
2. كراهية التنفل في المصلى بعد صلاة العيد. فقه الإسلام شرح بلوغ المرام (2/ 222).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
يُستفاد من هذا الحديث: أن صلاة العيد ركعتان؛ لقوله: «أن النبي -صلى الله عليه وسلم- صلى يوم العيد ركعتين، لم يصل قبلهما ولا بعدهما».
ويستفاد منه: أن الفريضة تجزئ عن تحية المسجد، إذا قلنا بأن صلاة العيدين فرض، بدليل أن الرسول -عليه الصلاة والسلام- لم يصلِّ تحية المسجد، ومثل ذلك الراتبة، فإنها تجزئ عن تحية المسجد، مثل: لو دخلتَ لصلاة الفجر، وصلَّيت ركعتي الفجر ولم تصلِّ تحية المسجد أجزأ عنك وهو كذلك. فتح ذي الجلال والإكرام، باختصار (2/ 402).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
(فيه) خروج الصبيان إلى المصلى، وهو في المميِّز، ألا ترى ضبط ابن عباس للقصة؟
وفيه: شهودهم (أي الصبيان) وشهود النساء العيد.
وفيه أيضًا: الصلاة قبل الخطبة، وأمره النساء بالصدقة، ولم يذكر أنه أمر بها الرجال؛ لأن النساء أكثر أهل النار. التوضيح (8/ 130).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
فيه: التوكيل في قبض الصدقة.
وفي الحديث: دليل على جواز طلب الصدقة من الأغنياء للمحتاجين، ولو كان الطالب غير محتاج إليه. شرح سنن أبي داود (5/ 691).

وللاستفادة من الروايات الأخرى ينظر (هنا) و (هنا) و (هنا)


إبلاغ عن خطأ