ذبحَ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- يومَ الذَّبْحِ كبشينِ أَقْرَنَيْنِ أَمْلَحَيْنِ مَوْجوءَينِ، فلمَّا وجَّهَهُمَا قال: «إنِّي وَجَّهْتُ وجهيَ للذِي فَطَرَ السَّماواتِ والأرضَ على مِلَّةِ إبراهيمَ حنِيفًا، وما أنا مِن المشركينَ، إنَّ صلاتِي ونُسُكِي ومَحْيَايَ ومَمَاتِي للَّهِ ربِّ العالمينَ لا شَرِيكَ له، وبذلكَ أُمِرْتُ وأنا مِن المسلمينَ، اللَّهمَّ منكَ ولكَ، وعنْ محمَّدٍ وأُمَّتِهِ باسمِ اللَّهِ، واللَّهُ أكبرُ» ثم ذَبَحَ.
رواه أحمد برقم (15022)، وأبو داود برقم: (2795) واللفظ له، وابن ماجه برقم: (3121)، والدارمي برقم: (1989)، وابن خزيمة برقم: (2899)، من حديث جابر -رضي الله عنه-.
ولم يذكر ابن ماجه لفظ: «باسمِ اللهِ، واللهُ أكبرُ».
صحيح سنن أبي داود برقم: (2491).
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«أَمْلَحَينِ»:
أي: أبيضَين يُخالطُهما سَوادٌ. اللامع الصبيح، للبرماوي (6/ 174).
قال الكسائي وأبو زيد وغيرهما: قوله: «أَمْلَحَيْنِ» الأملح الذي فيه بياض وسواد، ويكون البياض أكثر. غريب الحديث، للقاسم بن سلام (2/ 206).
«مُوْجُوءَين»:
أي: خَصِيَّيْنِ، ومنهم من يرويه «مُوْجَأَيْن» بوزن مُكرمَين، وهو خطأ، ومنهم من يرويه «موجَيَين» بغير همز على التخفيف، ويكون مِن وَجَيْتُهُ وَجْيًا فهو مُوجِي. النهاية، لابن الأثير (5/ 152).
«حَنِيفًا»:
الحنيف: المسلم، والجمع الحُنفاء؛ لأنه تَحَنَّف عن الأديان، ومال إلى الحق. غريب الحديث، لإبراهيم الحربي (1/ 291).
قال الراغب الأصفهاني -رحمه الله-:
الحَنَفُ: هو ميل عن الضّلال إلى الاستقامة، والجَنَفُ: ميل عن الاستقامة إلى الضّلال، والحَنِيف هو المائل إلى ذلك، قال عزّ وجلّ: {قانِتاً لِلَّهِ حَنِيفًا} النحل: 120، وقال: {حَنِيفًا مُسْلِمًا} آل عمران: 67، وجمعه: حُنَفَاء، قال عزّ وجلّ: {حُنَفاءَ لِلَّهِ} الحج: 31، وتَحَنَّفَ فلان أي: تحرّى طريق الاستقامة. المفردات في غريب القرآن (ص: 260).
إظهار شرح الحديث
شرح الحديث
قوله: «ذبحَ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- يومَ الذَّبْحِ»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«ذبح النبي -صلى الله عليه وسلم-» أي: أراد أن يذبح، بدليل قوله: «فلما...» إلخ، «يوم الذبح» أي: يوم الأضحى، ويُسمَّى يوم النحر أيضًا. مرقاة المفاتيح (3/ 1082).
وقال السندي -رحمه الله-:
«يوم الذبح» بكسر الذال، أي: يوم الأضحية، أو بفحتها، أي: يوم تُذبح ضحايا. فتح الودود (3/ 204).
قوله: «كبشينِ أَقْرَنَيْنِ أَمْلَحَيْنِ»:
قال النسفي -رحمه الله-:
«كبشينِ» أحدهما عن نفسه، والآخر عن أُمَّته. طلبة الطلبة (ص: 105).
وقال النووي -رحمه الله-:
قوله: «أَقْرَنَيْنِ» أي: لكل واحد منهما قرنان حَسَنان، قال العلماء: فيُستحب الأقرن، وفي هذا الحديث... استحباب الأقرن، وأجمع العلماء على جواز التضحية بالأجَمِّ الذي لم يُخلق له قَرنان، واختلفوا في مكسورة القرن فجوزه الشافعي وأبو حنيفة والجمهور، سواء كان يدمي أم لا، وكرهه مالك إذا كان يدمي، وجعله عيبًا. المنهاج شرح مسلم (13/ 120).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«أقرنين» فيه فضيلة الذبح بكبش أقرن؛ لرواية ابن ماجه عن أبي أمامة الباهلي: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «خير الكفن الحُلَّة (أي: الإزار والرداء ولا تسمى حُلَّةً إلا أنْ تكون ثوبين من جنسٍ واحدٍ)، وخير الضحايا الكبش الأقرن». شرح سنن أبي داود (12/ 153).
وقال المظهري -رحمه الله-:
ولعل فضيلة الكبش الأقرن على غيره في الأضحية؛ لكونه أعظم جثَّة وسِمَنًا في الغالب. المفاتيح (2/ 428).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قوله: «أَمْلَحَيْنِ» اختُلف في الأملح، فقال الأصمعي: هو الأبيض؛ لون الملح، ونحوه، قال ابن الأعرابي: هو النقي البياض، وقال غيرهما: الْمَلحة من الألوان: بياض يخالطه سواد...، وهذا الذي حكاه في الصحاح، ولم يَحْكِ ما ذُكر عن الأصمعي وابن الأعرابي. المفهم (5/ 361).
وقال ابن دقيق العيد -رحمه الله-:
الأملح: الأبيض، والملحة: البياض، وقد اختار الفقهاء هذا اللون للأضحية. إحكام الأحكام (2/ 291).
وقال العيني -رحمه الله-:
قوله: «أملحين» تثنية أملح: وهو الأغبر، وهو الذي فيه سواد وبياض. عمدة القاري (21/ 150).
قوله: «مَوْجوءَينِ»:
قال الخطابي -رحمه الله-:
قوله: «موجوءين» يريد منزوعي الأُنثيين، والوِجَاء: الخصاء، يقال: وجَأْتُ الدَّابة، فهي موجُوءَة: إذا خَصَيْتُها.
وفي هذا دليل على أنَّ الخَصِيَّ في الضحايا غير مكروه، وقد كرهه بعض أهل العلم؛ لنقص العضو، وهذا نقص ليس بعيب؛ لأن الخصاء يفيد اللحم طِيبًا، وينفي منه الزهومة وسوء الرائحة. معالم السنن (2/ 228، 229).
وقال التوربشتي -رحمه الله-
«مَوجُوءَين» الوِجَاء بالكسر ممدودًا: رَضُّ عروق البيضتين حتى ينفضخ، فيكون شبيهًا بالخِصَاء، ومنه الحديث: «عليكم بالباءة، فمن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإنه له وِجَاء»، يقول منه: وَجَأْتُ الكبش فهو مَوْجُوءٌ، وصواب هذا اللفظ: موجوءين، وأصحاب الحديث يروونه «مُوْجَيَيْنِ»، وهذا الحرف ليس من باب الياء، وإنما هو من باب الهمز على ما ذكرناه، فلعلهم تركوا الهمزة فرووه كذلك. الميسر (1/ 349).
وقال الرافعي -رحمه الله-:
قوله: «موجوءين» أي: منزوعي الخصية، واستأنس به من قال: بجواز خصاء البهائم، وبه قال عروة بن الزبير والحسن وابن سيرين وعمر بن عبد العزيز. شرح مسند الشافعي (3/ 115).
وقال البيضاوي -رحمه الله-:
الْمُوجَأ: الخصي، مِن الوِجَاء: وهو رضُّ عروق الخصيتين، وفي الحديث: «عليكم بالباءة، فمن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإنه له وِجَاء» وهو من: الوَجْءِ، بمعنى: الكسر، يقال: وَجَأْتُ عُنقه أَجَؤُهَا وِجاءً، وأصله: موجوءين، لكن لما كانت الهمزة قد تُقلب ياء في ماضي ما لم يُسم فاعله -وهو كالأصل للمفعول- قُلبت ها هنا، ثم قلبت الواو لتقدمها سالبة عن الياء ياءً، وأُدغمت فيها، وروي: « موجيين » أي: مختلطي السواد والبياض، ويكون صفة مؤكدة لـ«أملحين». تحفة الأبرار (1/ 398).
وقال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «موجَيَيْنِ» حقه: موجُوءَين؛ لأنه مفعول من وَجَأ مهموز اللام: إذا دقَّ عروق الخصية حتى يصير الكبش شبيهًا بالخصي، إلا أنهم قلبوا الهمزة ياء، وقلبوا الواو ياء؛ لأن الواو والياء إذا اجتمعتا والأُولى منهما ساكنة تُقلب الواو ياء، وتُدغم الياء في الياء، ويُكسر ما قبل الياء، فصار مَوْجِييْنِ مثله مُوْجَيَيْنِ. المفاتيح (2/ 352).
قوله: «فلمَّا وجَّهَهُمَا»:
قال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «وجههما» أي: جعل وجههما تلقاء القبلة، ثم استقبل بوجه قلبه تلقاء الحضرة الإلهية، قال: {إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي} الأنعام: 162. الكاشف عن حقائق السنن (4/ 1303).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-
«فلما وجههما» إلى القبلة، فيه استحباب توجيه الذبيحة إلى القبلة؛ لأنها أفضل الجهات، ولا يقال: يكره كالبول إلى القبلة؛ لأنها حالة يستحب فيها ذكر الله بخلاف تلك. شرح سنن أبي داود (12/ 155، 156).
وقال الرافعي -رحمه الله-:
استقبال الذابح القبلة، وتوجيه الذبيحة إليها؛ وذلك في الهدي والضحية أشد استحبابًا؛ لأن الاستقبال مستحب مِن القربات، ويروى عن جابر -رضي الله عنه- «أن النبي -صلى الله عليه وسلم- ضحى بكبشين أملحين فلما وجههما قرأ: {وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} الأنعام: 79»، الآيتين وكيف توجيهها؟ ذكر فيه ثلاثة أوجه أظهرها: وهو المذكور في الكتاب أنه يوجه مذبحها إلى القبلة، ولا يوجه وجهها؛ لأنه حينئذٍ يحتاج إلى أن يستدبر القبلة، ويجعلها على يساره.
وثانيها: أن يوجهها بجميع بدنها.
وثالثها: أنه يوجه قوائمها. العزيز (12/ 83، 84).
وقال ابن رشد -رحمه الله:
أما استقبال القبلة بالذبيحة فإن قومًا استحبوا ذلك، وقومًا أجازوا ذلك، وقومًا أوجبوه، وقومًا كرهوا ألا يستقبل بها القبلة، والكراهية والمنع موجودان في المذهب (المالكي) وهي مسألة مسكوت عنها، والأصل فيها الإباحة إلا أن يدلَّ الدليل على اشتراط ذلك، وليس في الشرع شيء يصلح أن يكون أصلًا تُقاس عليه هذه المسألة، إلا أن يستعمل فيها قياس مرسل، وهو القياس الذي لا يستند إلى أصل مخصوص عند من أجازه، أو قياس شَبَهٍ بعيد؛ وذلك أن القِبلة هي جهة معظَّمة، وهذه عبادة، فوجب أن يشترط فيها الجهة، لكن هذا ضعيف؛ لأنه ليس كل عبادة تشترط فيها الجهة، ما عدا الصلاة، وقياس الذبح على الصلاة بعيد، وكذلك قياسه على استقبال القبلة بالميت. بداية المجتهد (2/ 211).
وقال ابن العربي -رحمه الله-:
اتفق علماؤنا وغيرهم على أنه يستحب استقبال القبلة بالذبيحة. القبس (ص: 619).
وقال الشافعي -رحمه الله-:
أُحب في الذبيحة أن تُوجَّه إلى القبلة إذا أمكن ذلك، وإن لم يفعل الذابح فقد ترك ما أَستحبه له، ولا يُحرِّمها ذلك. الأم (2/ 262).
وقال أبو بكر الحدادي -رحمه الله-:
أما استقبال القبلة بالذبيحة فليس بواجب بالاتفاق، وإنما هو سنة. الجوهرة النيرة (2/ 181).
قوله: «قال: إنِّي وَجَّهْتُ وجهيَ للذِي فَطَرَ السَّماواتِ والأرضَ على مِلَّةِ إبراهيمَ حَنِيفًا، وما أنا مِن المشركينَ، إنَّ صلاتِي ونُسُكِي ومَحْيَايَ ومَمَاتِي للَّهِ ربِّ العالمينَ لا شَرِيكَ له، وبذلكَ أُمِرْتُ وأنا مِن المسلمينَ»:
قال أبو العباس القرطبي -رحمه الله:
قوله: «وجهتُ وجهي» أي: صوَّبت وجهي، وأخلصت في عبادتي، و«حنيفًا» أي: مائلًا عن جميع المعبودات سوى الله تعالى، «ونُسكي» أي: ما أَتَنَسَّك به من القُرَب والعبادات، والمحيا والممات أي: الحياة والموت، كما قال للأنصار: «المحيا محياكم، والممات مماتكم»، و«العالمين»: الخلق، وأصله من العلم، وقيل: من العلامة، «وأنا من المسلمين» أي: مسلم من المسلمين المتمكنين في الاستسلام، الذين سلَّموا أنفسهم للنيران، وأموالهم للضيفان، وولدهم للقربان، وفوضوا جميع أمورهم للرحمن، وفي التلاوة: {وأنا أول المسلمين} الأنعام: 163 أي: أول سابق بالنسبة إلى زمانه. المفهم (2/ 400، 401).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
«إن صلاتي ونسكي» أي: عبادتي وتقرُّبي وذبحي، جمع بين الصلاة والذبح كما في قوله تعالي: {فصل لربك وانحر} الكوثر: 2، وقوله: {وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي} الأنعام: 162، أي: وما آتيه في حياتي، وأموت عليه من الإيمان والعمل الصالح {لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} الأنعام: 162، خالصة لوجهه {وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} الأنعام: 163.
قال ابن هبيرة -رحمه الله-:
قوله: «حنيفًا» أي: مائلًا إلى الحق عن المشركين، وقوله: «حنيفًا» نُطْقٌ يدل على أن الأكثر من أهل الأرض على الضلال، قال الله -عز وجل-: {وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} الأنعام: 116. الإفصاح (1/ 276).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
{وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} الأنعام: 79، أي: جعلت قصدي بعبادتي وتوحيدي للذي فطر، أي: خلق، و«حنيفًا» نُصب على الحال، وفي معناه قولان:
أحدهما: أنه مأخوذ من الْمَيل، والأحنف الذي تميل قدماه كل واحدة منهما إلى أختها بأصابعها، فالحنيف: المائل إلى العبادة، هذا اختيار الزجَّاج.
والثاني: أن الحنيف المستقيم، ومنه قيل للأعرج: حنيف؛ نظرًا إلى السلامة، كما يقال للَّديغ: سليم، وهذا قول ابن قتيبة.
والنُّسك جمع نسيكة، وروي عن ابن عباس أنه قال: النسك ها هنا الذبائح، وروي عنه أنه قال: هي الدين والحج والذبائح، قال الزجاج: كل ما تُقرب به إلى الله تعالى فهو نُسك، إلا أن الغالب عليه أمر الذبائح.
وفي قوله: {وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي} الأنعام: 162 قولان:
أحدهما: أن المعنى: لا يملك حياتي ومماتي إلا الله -عز وجل-.
والثاني: حياتي لله في طاعته، ومماتي له في رجوعي إلى جزائه، ومقصود الكلام: أن أحوالي لله -عز وجل- وحده لا كما تشركون أنتم.
والربُّ: المالك، والعالَمون: جمع عالَم، وهو عند أهل اللغة اسم مأخوذ من العلم، فيقع على من يعلم، وهم الجن والإنس والملائكة. كشف المشكل (1/ 204 ، 205).
وقال الرافعي -رحمه الله-:
قوله: «وجهت وجهي» أي: قصدت بعبادتي وتوحيدي، قال تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ} الروم: 30، أي: قصدك، ويقال: وجهي إليه، أي: قصدي إليه، والحنيف عند العرب: من كان على دِين إبراهيم -عليه السلام-، والحَنَفُ: الاستقامة، والحَنيف: المستقيم، ويقال للمائل الرِّجل: أحنف، تفاؤلًا بالاستقامة، ويقال: الحنيف: المائل من الشيء إلى الشيء، والنُّسك: كل ما يُتقرب به إلى الله تعالى. شرح مسند الشافعي (1/ 314).
وقال البيضاوي -رحمه الله-:
«وجهت وجهي» أي: توجهته بالعبادة، بمعنى: أخلصت عبادتي له، وقصدت بطاعتي نحوه، «للذي فطر السماوات والأرض» على غير مثال سبق «حنيفًا» مائلًا عن الأديان الباطلة والآراء الزائغة، مِن الحَنَف وهو الميل.
«ونُسكي» عبادتي، وقيل: دِيني، أي: هو خالص لوجه الله، لا أُشرك فيه غيره، «ومحياي ومماتي» أي: وحياتي وموتي له، هو خالقهما ومدبِّرهما، لا تصرُّف لغيره فيهما، وقيل معناه: طاعات الحياة والخيرات المضافة إلى الممات، كالوصايا والتدبير. تحفة الأبرار (1/ 282، 283).
وقال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «على ملة إبراهيم» أي: أنا على ملة إبراهيم، وصَرَفْتُ وجهي وعملي ونيتي إلى رب العالمين، وأعرضت عما سواه. المفاتيح (2/ 352).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«قال: إني وجهت وجهي» قال بعضهم: وجْهُ الشيء ذاته وحقيقته، أي: نَصَبت ذاتي قائمة لذبحِ ما أمرتني به، وأضاف العبدُ الذبح إلى نفسه أدبًا مع الله، حيث قال: «بيني وبين عبدي» فأثبت نفسه، «للذي فطر السماوات والأرض» وهو قوله: {فَفَتَقْنَاهُمَا} الأنبياء: 30... «على ملة إبراهيم -عليه السلام- حنيفًا» أي: مائلًا، والحنف الميل...
«وما أنا» في هذا الميل «من المشركين» تقول: ما مِلْتُ بأمري، كما قال العبد الصالح: {وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي} الكهف: 82، وإنما الحقُّ علَّمني كيف أوجِّه الذبيحة وأتوجَّه إليه، «إن صلاتي ونسكي» أي: عبادتي «ومحياي ومماتي» أي: حياتي وموتي، فأضاف الكل إلى نفسه، فإنه ما ظهرت هذه الأفعال ولا يصح أن تظهر إلا بوجه هذا العبد، ويستحيل على الحق إضافة هذه الأشياء إليه بغير حكم الإيجاد، فتضاف إلى الحق مِن جَنب إيجاد أعيانها، كما تضاف إلى العبد من كونه محلًّا لظهور أعيانها فيه، تقول: دعني حالة حياتي وحالة مماتي لله، أي: إيجاد ذلك كله لله لا لي، أي: من ظهور ذلك فيَّ مِن أجل الله لا من أجل ما يعود عليَّ في ذلك من الخير، والعالم يعبد الله، وغير العالم يعبده لما يرجوه من حظوظ نفسه في تلك العبادة، فلهذا شُرع لنا أن نقول: «لله رب العالمين» أي: سيد العالَم ومالكهم ومُصلحهم بما شرع لهم وبيَّن حتى لا يتركهم في حيرة. شرح سنن أبي داود (12/ 155).
وقال ابن رسلان -رحمه الله- أيضًا:
«لا شريك له» أي: لا إله في هذا الموضع مقصود بهذه العبادة إلا الله تعالى الذي خلقني لأجلها، أي: لا أشرك فيها نفسي بما يحظو من الثواب الذي وعده الله تعالى، «وبذلك أُمرت» يعود على الجملة كلها، وعلى كل جزء منها، «وأنا من المسلمين» أي من المنقادين لأوامره في قوله: «وبذلك أمرت»، وفيه استحباب هذا الذكر عند الأضحية، فإن هذا نص لا يعرج على خلافه. شرح سنن أبي داود (12/ 156، 157).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
قال: {وَجَّهْتُ وَجْهِيَ} الأنعام: 79 بسكون الياء وفتحها، أي: جعلت ذاتي متوجهًا {لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} الأنعام: 79، أي: إلى خالقهما ومبدعهما «على ملة إبراهيم» حال من الفاعل أو المفعول في «وجَّهت وجهي» أي: أنا على ملة إبراهيم، يعني في الأصول وبعض الفروع، «حنيفًا» حال من إبراهيم، أي: مائلًا عن الأديان الباطلة إلى الملة القويمة، التي هي التوحيد الحقيقي على الطريقة المستقيمة، بحيث لا يلتفت إلى ما سوى المولى؛ ولذا لما قال له جبريل: «ألك حاجة؟ قال: أما إليك فلا»، «وما أنا من المشركين» لا شركًا جليًّا ولا خفيًّا. مرقاة المفاتيح (3/ 1082، 1083).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «ومحياي ومماتي» أي: حياتي وموتي، يعني: ما أعمل فيهما.
قوله: «وأنا من المسلمين» ورواية: «وأنا أول المسلمين» أي: أول مسلمي هذه الأمة؛ لأن إسلام كل نبي مقدَّم على إسلام أمَّته، ويجوز أن يكون المعنى على إظهار غاية الإسلام والانقياد؛ لغرض تقدم إسلامه على إسلام كل مسلم وسَبْقِهِ عليه، فيكون في معنى الإنشاء، فعلى هذا المعنى إن قاله غير رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لجاز أيضًا، فافهم، والله أعلم. لمعات التنقيح (3/ 579).
قوله: «اللَّهمَّ منكَ ولكَ، وعنْ محمَّدٍ وأُمَّتِهِ»:
قال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «منك» يعني: حصل لي هذا الكبش منك، وجعلتُه «لك» وأتقرَّب به إليك. المفاتيح (2/ 352).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «اللهم منك» أي: هذه منحة منك صادرة عن محمد خالصة لك. الكاشف عن حقائق السنن (4/ 1304).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«اللهم» أي: يا الله «منك» أي: هذه الأضحية عطية ومنحة، وأصلة إليَّ منك، «ولك» أي: مذبوحة وخالصة لك...
«عن محمد» أي: صادرة عنه «وأمَّته» أي: العاجزين عن متابعته في سنة أضحيته، وهو يحتمل التخصيص بأهل زمانه، والتعميم المناسب لشمول إحسانه، والأول يحتمل الأحياء والأموات أو الأخير منهما، ثم المشاركة إما محمولة على الثواب، وإما على الحقيقة، فيكون من خصوصية ذلك الجناب، والأظهر أن يكون أحدهما عن ذاته الشريفة، والثاني عن أمَّته الضعيفة. مرقاة المفاتيح (3/ 1083).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«اللهم» هذا «منك» أي: مِن تفضُّلك الذي مننتَ به عليَّ، «ولك» يرجع أمره، وأمر كل مخلوق، اللهم هذا «عن محمد وأمَّته» استدل به على أن الأضحية سُنة على الكفاية. شرح سنن أبي داود (12/ 156- 157).
وقال ابن قدامة -رحمه الله-:
أكثر أهل العلم يرون الأضحية سُنة مؤكدة غير واجبة، روي ذلك عن أبي بكر وعمر وبلال وأبي مسعود البدري -رضى الله عنهم-، وبه قال سويد بن غفلة وسعيد بن المسيب وعلقمة والأسود وعطاء، والشافعي وإسحاق وأبو ثور، وابن المنذر، وقال ربيعة ومالك والثوري والأوزاعي والليث وأبو حنيفة: هي واجبة. المغني (13/ 360).
وقال ابن قدامة -رحمه الله- أيضًا:
والأضحية سنة مؤكدة، ولا تجب إلا بالنذر. المقنع (ص:134).
وقال الرافعي -رحمه الله-:
ذَبْحُه -صلى الله عليه وسلم- الكبش عن أمَّته وعن نفسه وآله ذكر الأصحاب فيه أن الشاة الواحد وإن كان لا يضحي بها إلا واحد، لكن إذا ضحى بها مِن أهل بيت تأدى الشعار والسنة لجميعهم، وكما أن الفرض ينقسم إلى: فرض عين وفرض على الكفاية، فكذلك السنة، والتضحية مسنونة على الكفاية لكل أهل بيت، وهذا ظاهر في آله المخصوصين به، وأما في الأمَّة فلأنَّ رابطة الإسلام تجعل النبي -صلى الله عليه وسلم- والأمَّة كأهل بيت واحد، قال تعالى: {وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا} نوح: 28. شرح مسند الشافعي (3/ 116).
قوله: «باسمِ اللهِ، واللهُ أكبرُ»:
قال ابن رسلان -رحمه الله-:
«باسم الله، والله أكبر» فضيلة التكبير عند الذبح، ويكون بعد التسمية. شرح سنن أبي داود (12/ 195).
وقال ابن المنذر -رحمه الله-:
ثبت أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ضحى بكبشين أملحين، وقال: «بسم الله، والله أكبر»، وجاء الحديث عنه أنه دعا بكبش فقال: «بسم الله، والله أكبر، عني وعمن لم يضح عن أمَّتي».
وكان الحسن البصري يقول في الأضحية: "بسم الله، والله أكبر، هذا منك ولك، تقبل من فلان".
وقال مالك: إنْ فعل ذلك فحسن، وإن لم يفعل وسمّى الله أجزأه.
وقال الشافعي: والتسمية على الذبيحة بسم الله، فإن زاد بعد ذلك شيئًا من ذكر الله، أو صلى على محمد لم أكره، وإن قال: اللهم تقبل من فلان فلا بأس، وقال النعمان (أبو حنيفة): يُكره أن يذكر مع اسم الله غيره، وكَرِهَ أن يقول: اللهم تقبل من فلان عند الذبح، وقال: لا بأس إذا كان قبل التسمية، وقبل أن يُضجع للذبح.
وقال ابن الحسن (محمد بن الحسن): إنْ ذَبَح شاة فقال: الحمد لله، أو قال: سبحان الله، والله أكبر، يريد بذلك كُله التسمية، قال: نعم، هذا كله تسمية لا بأس بأكلها، قلتُ: إن قال: الحمد لله يريد أن يحمده، ولا يريد به التسمية، هل تؤكل ذلك؟ قال: لا، ولا يجزئ شيء من ذلك عن التسمية عند أبي ثور.
قال أبو بكر (ابن المنذر): وكذلك نقول، هو مثل التكبير في الصلاة، ولا يجزئ من التكبير في الصلاة غيره. الإشراف (3/ 412، 413).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
أما قوله عند نحره: «بسم الله، والله أكبر»؛ فلقول الله -عز وجل-: {فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا} الحج: 36، ومن أهل العلم من يستحب التكبير مع التسمية، كما كان يقول ابن عمر، وعساه أن يكون امتثل قول الله -عز وجل-: {وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ} البقرة: 185، ومنهم من كان يقول: التسمية تجزئ، ولا يزيد على بسم الله، وأَحَب إليَّ أن يقول: بسم الله، الله أكبر، وقد روي ذلك عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه كان يقول في ذبح ضحيته، وهو قول أكثر أهل العلم. الاستذكار (4/ 248).
وقال ابن رشد -رحمه الله-:
واستُحب في صفة التسمية على الذبيحة أن يقول: باسم الله، والله أكبر؛ لأنه الذي مضى عليه عمل الناس. البيان والتحصيل (17/ 618).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
فيه من الفقه: التسمية؛ فإنه قال: «باسم الله، والله أكبر».
وقد اختُلف في ذلك، فقال أبو ثور: التسمية متعينة كالتكبير في الصلاة، وكافة العلماء على استحباب ذلك، فلو قال ذكرًا آخر فيه اسم من أسماء الله، وأراد به التسمية جاز، وكذلك لو قال: الله أكبر فقط، أو: لا إله إلا الله، قاله ابن حبيب، فلو لم يُرِد التسمية لم تجزئ عن التسمية، ولا تؤكل، قاله الشافعي ومحمد بن الحسن، وكره كافة العلماء مِن أصحابنا وغيرهم الصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم- عند التسمية في الذبح أو ذكره، وقالوا: لا يُذكر هنا إلا الله وحده، وأجاز الشافعي الصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم- عند الذبح. المفهم (5/ 363).
وقال السفيري -رحمه الله-:
يُسن أن يقول عند الذبح والقتال: «بسم الله، والله أكبر»؛ لأن الوقت لا يليق به «الرحمن الرحيم». المجالس الوعظية (1/ 65).
قوله: «ثم ذَبَحَ»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«ثم ذبح» أي: بيده، وأمر بذبحه. مرقاة المفاتيح (3/ 1083).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «ثم ذبح» (ثم) ها هنا ليس على حقيقتها من التراخي، أو المراد ثم أتم الذبح. لمعات التنقيح (3/ 579).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
ذَبْحُ الرَّجل أضحيته بيده هي السُّنة، والعلماء يستحبون ذلك، قال أبو إسحاق السبيعي: كان أصحاب محمد يذبحون ضحاياهم بأيديهم، قال مالك: وذلك من التواضع لله تعالى، وأن رسول الله كان يفعله، فإنْ أَمَر بذلك مسلمًا أجزأته، وبئس ما صنع، وكذلك الهدي، وقد كان أبو موسى الأشعري يأمر بناته أن يذبحنَ نسكهن بأيديهن، وروى الزهري عن النبي -عليه السلام- أنه قال لعائشة أو لفاطمة: «اشهدي نَسِيكتك؛ فإنه يُغفر لكِ عند أول قطرة من دمها». شرح صحيح البخاري (6/ 21).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
استحباب تولِّي الإِنسان ذبح أضحيته بنفسه، ولا يُوكِلُ فيها إلا لتعذر، وحينئذٍ يستحب أن يشهد ذبحها، وإن استناب فيها مسلمًا جاز، وإن استناب كتابيًّا كُره كراهة تنزيه، وأجزأه، ووقعت الضحية عن الموكِّل، وبهذا قال الشافعي والعلماء كافة، إلا مالكًا في إحدى الروايتين عنه، فإنه لم يجوزها، ويجوز أن يستنيب صبيًّا وامرأة حائضًا، لكن يُكره توكيل الصبي لا الحائض على الأصح من رواية الروضة؛ لأنه لم يصح فيه نهي، والأَولى أن يوكِّل مسلمًا فقيهًا بباب الذبائح والضحايا؛ لأنه أعرف بشروطها وسُننها، والحائض أولى من الصبي، والصبي أولى من الكتابي. الإعلام (10/ 185).
وقال الشاشي الشافعي -رحمه الله-:
المستحَب أن يذبح أضحيته بنفسه، فإن استناب يهوديًّا أو نصرانيًّا في ذبحها كره وأجزأه، وقال مالك: لا تكون أضحية. حلية العلماء (3/ 324).
وقال الشيخ عبد الله البسام -رحمه الله-:
قد أجمع العلماء على أنَّ ذَبْحَ المضحي أو المهدي أضحيته أو هديه أنه مستحب وليس بواجب، وإن لم يتول ذبحه بيده، فالأفضل أن يحضر عند ذبحه؛ لما روي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال لفاطمة: «احضري أضحيتك؛ يُغفر لك بأول قطرة من دمها» رواه الحاكم (4/ 247)، ولما جاء في حديث ابن عباس أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «احضروها إذا ذبحتم؛ فإنه يُغفر لكم عند أول قطرة من دمها». توضيح الأحكام (7/ 76).
وقال النووي -رحمه الله-:
في هذا الحديث: جواز تضحية الإنسان بعدد من الحيوان. المنهاج شرح مسلم (13/ 120).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
فيه دليل: على أنَّ الخَصِيَّ في الضحايا غيرُ مكروه، وقد كرهه بعضهم؛ لنقصه. شرح المصابيح (2/ 265).
وقال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
في الحديث: استحباب تلاوة هذه الآية عند توجيه الأضحية للذبح. مرعاة المفاتيح (5/ 92).