«كانَ مِنْ تَلْبِيَةِ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-: لَبَيْكَ إلهَ الحَقِّ».
رواه أحمد برقم: (8497)، والنسائي برقم: (2752)، وابن ماجه برقم: (2920)، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.
صحيح الجامع برقم: (5057)، سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم: (2146).
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«لَبَّيْكَ»:
معناه: قُربًا منك وطاعة. العين، للخليل بن أحمد (8/ 341).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
«لبيك» هو من التلبية، وهي إجابة المنادي، أي: إجابتي لك يا رب، وهو مأخوذ مِن لبَّ بالمكان وألبَّ به: إذا أقام به، وألبَّ على كذا: إذا لم يفارقه... النهاية (4/ 222).
شرح الحديث
قوله: «كانَ مِنْ تلبيةِ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-: لَبَيْكَ إلهَ الحَقِّ»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«لبيك» أي: يا ألله أنا مقيمٌ ببابك إقامة بعد إقامة، ومجيبٌ نداءك إجابة بعد إجابة، فتثنية «لبيك» تفيد التكرار والتأكيد، كما في قوله تعالى: {ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ} الآية الملك: 4؛ أي: كرَّات كثيرة، وتكرار «لبيك» لزيادة التأكيد، كما أن دخول جملة «اللهم» بين المؤكد والمؤكد لذلك أيضًا. البحر المحيط الثجاج (22/ 144).
وقال ابن الصلاح -رحمه الله-:
وقولهم: «لبيك» التثنية فيه للتأكيد، ومعناه: إجابة مني لك بعد إجابة.
وقيل معناه: أنا مقيمٌ على طاعتك إقامةً بعد إقامة، وقيل معناه: إجابتي لك لازمة. شرح مشكل الوسيط (3/ 362).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
ومعنى التلبية: إجابة الله فيما فرض عليهم من حج بيته، والإقامة على طاعته، فالمحْرِم بتلبيته، مستجيب لدعاء الله إياه في إيجاب الحج عليه.
ومن أجل الاستجابة -والله أعلم- لَبَّى؛ لأن مَن دعي فقال: لبيك، فقد استجاب.
وقال جماعة من أهل العلم: إن معنى التلبية: إجابة إبراهيم -عليه السلام- حين أذَّن بالحج في الناس. التمهيد (9/ 399- 400).
وقال القاضي عياض -رحمه الله- متممًا:
قيل: هذه الإجابة لقوله تعالى لإبراهيم: {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ} الحج: 27. إكمال المعلم (4/ 177).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
عن مجاهد قال: قيل لإبراهيم -عليه السلام-: {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ} الحج: 27.
قال: يا رب كيف أقول؟ قال: قل: يا أيها الناس أجيبوا ربكم، فصعد الجبل فقام فنادى: يا أيها الناس، أجيبوا ربكم، فأجابوه: لبيك اللهم لبيك، فكان هذا أول التلبية. مثير الغرام الساكن إلى أشرف الأماكن (ص: 153).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
وقوله: «إله الحقّ» يحتمل أن يكون منادى حذف منه حرف النداء أي: يا إله الحقّ، ويحتمل أن يكون منصوبًا على الاختصاص أي: أخصُّ إله الحقّ. ذخيرة العقبى في شرح المجتبى (24/ 228).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
وقوله: «إله الحق» يريد الإله الحق، فأضاف الموصوف إلى الصفة، كقولهم: صلاة الأولى، ومسجد الجامع. الشافي في شرح مسند الشافعي (3/ 430).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
والمراد: أنه أتى في هذه الرواية بدل الكلمة الثانية من كلمات التلبية الثلاث بلفظة: «إله الحق» أي: أجبتُ لك يا إلهًا عُبِد بالحق لا بالباطل، أو يا خالق الحق، أو يا مشرع الدِّين الحق لعباده لا الدين الباطل. مرشد ذوي الحجا والحاجة إلى سنن ابن ماجه (17/ 125).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
والتلبية مستحبة عند أحمد، والشافعي -رحمهما الله-، وقال أبو حنيفة -رحمه الله-: التلبية واجبة في ابتداء الإحرام، وقال مالك -رحمه الله-: يجب بترك التلبية دم. مثير الغرام الساكن إلى أشرف الأماكن (ص: 153- 154).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
والظاهر من الحديث: أن هذه تلبية مستقلة غير منضمة إلى التلبية المذكورة في الحديث السابق (يعني: لبيك اللهم لبيك لا شريك لك لبيك) وكأنه -صلى الله عليه وسلم- كان يقول تارة بالتلبية المتقدمة وتارة بهذه. تحفة الذاكرين بعدة الحصن الحصين (ص: 245).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
لم يتعرض المصنف لحكم التلبية، وفيها مذاهب أربعة يمكن توصيلها إلى عشرة:
الأول: أنها سُنة من السنن لا يجب بتركها شيء، وهو قول الشافعي وأحمد.
ثانيها: واجبة ويجب بتركها دم، حكاه الماوردي عن ابن أبي هريرة من الشافعية وقال: إنه وجد للشافعي نصًّا يدل عليه، وحكاه ابن قدامة عن بعض المالكية، والخطابي عن مالك وأبي حنيفة، وأغرب النووي فحكى عن مالك أنها سنة ويجب بتركها دم، ولا يعرف ذلك عندهم إلا أن ابن الجلاب قال: التلبية في الحج مسنونة غير مفروضة، وقال ابن التين: يريد أنها ليست من أركان الحج، وإلا فهي واجبة، ولذلك يجب بتركها الدم، ولو لم تكن واجبة لم يجب، وحكى ابن العربي أنه يجب عندهم بترك تكرارها دم، وهذا قدْرٌ زائد على أصل الوجوب.
ثالثها: واجبة لكن يقوم مقامها فعلٌ يتعلق بالحج كالتوجه على الطريق، وبهذا صدَّر ابن شاس من المالكية كلامه في الجواهر له، وحكى صاحب الهداية من الحنفية مثله، لكن زاد القول الذي يقوم مقام التلبية من الذِّكر كما في مذهبهم من أنه لا يجب لفظ معيَّن، وقال ابن المنذر: قال أصحاب الرأي: إنْ كبَّر أو هلَّل أو سبَّح ينوي بذلك الإحرام فهو محرِم.
رابعها: أنها ركن في الإحرام لا ينعقد بدونها، حكاه ابن عبد البر عن الثوري وأبي حنيفة وابن حبيب من المالكية والزبيري من الشافعية وأهل الظاهر، قالوا: هي نظير تكبيرة الإحرام للصلاة، ويقويه ما تقدَّم من بحث ابن عبد السلام عن حقيقة الإحرام، وهو قول عطاء أخرجه سعيد بن منصور بإسناد صحيح عنه قال: التلبية فرض الحج، وحكاه ابن المنذر عن ابن عمر وطاوس وعكرمة، وحكى النووي عن داود أنه لا بد من رفع الصوت بها، وهذا قدر زائد على أصل كونها ركنًا. فتح الباري (3/ 411).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله- معلقًا:
أرجح الأقوال عندي: قول مَن قال بوجوب التلبية في الحج، أو العمرة مع رفع الصوت؛ لما أخرجه النسائي عن خلاد بن السائب، عن أبيه، عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «جاءني جبريل، فقال: يا محمد مُرْ أصحابك أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية»، وهو حديث صحيح، والأمر للوجوب.
ثم إن هذا الوجوب يحصل بمرة واحدة عند الإحرام، فما زاد على ذلك يكون سُنة، والله تعالى أعلم بالصواب. البحر المحيط الثجاج (22/ 154).
وقال القاضي عبد الوهاب المالكي -رحمه الله-:
يُكره للمحْرم رفع صوته بالتلبية في سائر المساجد، إِلَّا المسجد الحرام ومسجد منى.
وقال الشّافعيّ في أظهر قوليه: يستحب ذلك في سائر المساجد.
وروى ابن نافع عن مالك: أنّه يرفع صوته في المساجد الّتي بين مكّة والمدينة، وهو وفاق. عيون المسائل (ص: 263).
وللاستفادة من الروايات الأخرى ينظر (هنا) و (هنا) و (هنا)