قال النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: «مَن ضحَّى منكم فلا يُصْبِحَنَّ بعدَ ثالثةٍ وفي بيتِهِ منه شيءٌ»، فلما كان العامُ المقبِلُ قالوا: يا رسولَ اللهِ، نفعل كما فعلنا عامَ الماضي؟ قال: «كلوا وأَطْعِمُوا وادَّخِرُوا؛ فإنَّ ذلك العامَ كان بالناسِ جَهْدٌ، فأردتُ أن تُعِينُوا فيها».
رواه البخاري برقم: (5569) واللفظ له، ومسلم برقم: (1974)، من حديث سلمة بن الأكوع -رضي الله عنه-.
ولفظ مسلم: «فأردت أن يفشوا فيهم».
وفي رواية عند مسلم برقم: (1971) من حديث عائشة -رضي الله عنها-: «إنَّما نهيتُكم مِن أَجْلِ الدَّافَّةِ التي دَفَّتْ، فَكُلُوا وادَّخِرُوا وتَصَدَّقُوا».
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«وادَّخِرُوا»:
أصل ادَّخرُوا: اذتخروا افتعلوا من الذُّخر، أُبدلت التاء دالًا فأُدغمت في الذال... والاسم من هذا: الذخر؛ ولما يذخر: الذخيرة، قال الله -تبارك وتعالى-: {وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ} آل عمران: 49، أي: تعدُّون وتَقْتَنُون لوقتٍ ما. المجموع المغيث، للمديني (1/ 694).
وقال الركبي -رحمه الله-:
الادخار: أصله: الاذتخار، وهو الافتعال مِن ذَخَرْتُ الشيء أي: رفعتُه وحفظتُه. النظم المستعذب (1/ 152).
«جَهْدٌ»:
الجَهْدُ: المشقَّةُ، يُقال: جَهَدَ دابَّتَه وأَجْهَدَها، إذا حمل عليها في السير فوق طاقتها، وجَهَدَ الرجل في كذا، أي: جَدَّ فيه وبالغ. الصحاح، للجوهري (2/ 460).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
الجُهد والجَهد...هو بالضم: الوسع والطاقة، وبالفتح: المشقة، وقيل: المبالغة والغاية، وقيل: هما لغتان في الوسع والطاقة، فأما في المشقة والغاية فالفتح لا غير. النهاية في غريب الحديث(1/ 320).
«الدَّافَّةُ»:
الدّافة: القوم يسيرون جماعة سيرًا ليس بالشَّديد. يُقال: هم يدفون دفيفًا. غريب الحديث لابن الأثير(2/١٢٤)
شرح الحديث
قوله: «قال النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: «من ضحَّى منكم فلا يُصْبِحَنَّ بعدَ ثالثةٍ وفي بيتِهِ منه شيءٌ»:
قال الكرماني -رحمه الله-:
«فلا يُصْبِحَنَّ» من الإصباح، و«بعد ثالثة» أي: ليلةٍ ثالثةٍ مِن وقتِ التضحية. الكواكب الدراري (20/ 134).
وقال الملا على القاري -رحمه الله-:
«مَن ضحَّى» بتشديد الحاء، أي: فَعَلَ الأضحية «منكم، فلا يصبحنَّ بعد ثالثة» أي: من الأيام، أو بعد ليلة ثالثة «وفي بيته منه» أي: مِن لحم الأضحية «شيء»؛ لحرمة ادخار شيء من لحم الأضاحي في هذا العام؛ لأجل القحط الشديد الذي وقع فيه حتى امتلأت المدينة من أهل البادية، فأمر أهلها بإخراج جميع ما عندهم من لحوم الأضاحي التي اعتادوا ادخار مثلها في كل عام. مرقاة المفاتيح (5/ 1826- 1827).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
اختُلف في أول الثلاثة الأيام التي كان الادِّخار جائزًا فيها، فقيل: أولها يوم النحر، فمن ضحَّى فيه جاز له أنْ يُمسك يوم النحر ويومين بعده، ومَن ضحَّى بعده أمسك ما بقي له من الثلاثة الأيام من يوم النحر، وقيل: أولها يوم يضحي، فلو ضحَّى في آخر أيام النحر؛ لكان له أنْ يمسك ثلاثة أيام بعده، وهذا الظاهر من حديث سلمة بن الأكوع، فإنَّه قال فيه: «مَن ضحَّى منكم فلا يصبحنَّ في بيته بعد ثالثة شيء».
قلتُ: ويظهر من بعض ألفاظ أحاديث النهي ما يوجب قولًا ثالثًا، وهو أن في حديث أبي عبيد: «فوق ثلاث ليال» وهذا يوجب إلغاء اليوم الذي ضحَّى فيه من العدد، وتُعتبر ليلته وما بعدها، وكذلك حديث ابن عمر، فإنَّ فيه: «فوق ثلاث» يعني: الليالي، وكذلك: حديث سلمة فإنَّ فيه: «بعد ثالثة»، وأما حديث أبي سعيد ففيه: «ثلاثة أيام» وهذا يقتضي اعتبار الأيام دون الليالي. المفهم (5/ 376-377).
قوله: «فلما كان العامُ المقبِلُ قالوا: يا رسول اللهِ، نفعل كما فعلنا عامَ الماضي؟»:
قال الكرماني -رحمه الله-:
«العام الماضي» في بعضها: «عامَ الماضي» بإضافة الموصوف إلى صفته، أي: لا يدخر كما لم يدخر في السنة الماضية. الكواكب الدراري (20/ 134).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «فلما كان العام المقبل قالوا: يا رسول الله نفعل كما فعلنا في العام الماضي؟» استفاد منه: أن النهي كان سَنة تسع؛ لِمَا دل عليه الذي قبله أن الإذن كان في سنة عشر.
قال ابن المنير: وجه قولهم: «هل نفعل كما كنا نفعل؟» مع أن النهي يقتضي الاستمرار؛ لأنهم فهموا أن ذلك النهي ورد على سبب خاص؛ فلما احتمل عندهم عموم النهي أو خصوصه من أجل السبب سألوا، فأرشدهم إلى أنه خاص بذلك العام من أجل السبب المذكور. فتح الباري (10/ 25- 26).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
«فلما كان العام المقبل قالوا: يا رسول الله نفعل كما فعلنا العام الماضي؟» من ترك الادخار، قال ابن المنير: وكأنهم فهموا أن النهي ذلك العام كان على سبب خاص وهو الرأفة، وإذا ورد العام على سبب خاص حاك في النفس من عمومه وخصوصه إشكال، فلما كان مظنة الاختصاص عاودوا السؤال، فبيَّن لهم -صلى الله عليه وسلم- أنه خاص بذلك السبب، ويشبه أن يستدل بهذا من يقول: إن العام يضعف عمومه بالسبب فلا يبقى على أصالته، ولا ينتهي به إلى التخصيص، ألا ترى أنهم لو اعتقدوا بقاء العموم على أصالته لما سألوا، ولو اعتقدوا الخصوص أيضًا لما سألوا؟ فسؤالهم يدل على أنه ذو شأنين، وهذا اختيار الإمام الجويني. إرشاد الساري (8/ 309- 310).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
«فلما كان في العام المقبل» اسم كان ضمير، تقديره: فلما كان العيد، أو وقت الأضحية، أو الحال والشأن، ورواية البخاري «فلما كان العام المقبل» فـ(كان) تامة، وفاعلها «العام المقبل» أي: فلما جاء العام المقبل.
«قالوا: نفعل كما فعلنا عام أول؟» في رواية البخاري «نفعل كما فعلنا العام الماضي»؟ أي: في عدم بقاء شيء من أُضحيتنا في بيوتنا بعد ثالثة؟ فتح المنعم (8/ 93- 94).
قوله: «كلوا وأَطْعِمُوا وادَّخِرُوا»:
قال الملا على القاري -رحمه الله-:
«قال: كلوا»: استحبابًا «وأَطْعِمُوا» أي: ندبًا «وادَّخروا» بتشديد الدال أي: اجعلوا ذخيرة، أمر إباحة. مرقاة المفاتيح (5/ 1827).
وقال البرماوي -رحمه الله-:
وأما قوله: «كلوا» وإن كان للوجوب لكن حيث لا قرينة، وتقدم الحظر قرينة صارفة على خلاف ذلك في أصول الفقه، ولئن قلنا: تبقى على الوجوب فالإجماع هنا مانع من الحمل عليها، وهذا من ثلاثيات البخاري. اللامع الصبيح (14/ 170).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
وقوله: «فكلوا، وادخروا، وتصدقوا» هذه أوامر وردت بعد الحظر، فهل تَقَدُّمُه عليها يخرجها عن أصلها من الوجوب عند من يراه أو لا يخرجها؟
اختلف الأصوليون فيه على قولين وقد بيناهما، والمختار منهما في الأصول والظاهر من هذه الأوامر هنا: إطلاق ما كان ممنوعًا؛ بدليل اقتران الادخار مع الأكل والصدقة، ولا سبيل إلى حمل الادخار على الوجوب بوجه، فلا يجب الأكل، ولا الصدقة من هذا اللفظ. وجمهور العلماء على أن الأكل من الأضحية ليس بواجب، وقد شذت طائفة فأوجبت الأكل منها؛ تمسكًا بظاهر الأمر هنا، وفي قوله: {فَكُلُوا مِنْهَا} الحج: 36، ووقع لمالك في كتاب ابن حبيب: أن ذلك على الندب، وأنه إن لم يأكل مخطئ. وقال أيضًا: لو أراد أن يتصدق بلحم أضحيته كله كان له كأكله كله حتى يفعل الأمرين.
وقال الطبري: جميع أئمة الأمصار على جواز ألا يأكل منها إن شاء ويطعم جميعها، وهو قول محمد بن المواز. المفهم (5/ 379- 381).
وقال ابن حزم -رحمه الله-:
فرضٌ على كل مضحٍّ أن يأكل من أضحيته ولا بد لو لقمة فصاعدًا، وفرضٌ عليه أن يتصدق أيضًا منها بما شاء قلَّ أو كثر ولا بد، ومباح له أن يُطعم منها الغني والكافر، وأن يهدي منها إن شاء ذلك.
فإن نزل بأهل بلدِ المضحي جهد أو نزل به طائفة من المسلمين في جهد جاز للمضحي أن يأكل من أضحيته من حين يضحي بها إلى انقضاء ثلاث ليال كاملة مستأنفة يبتدئها بالعدد من بعد تمام التضحية، ثم لا يحل له أن يصبح في منزله منها بعد تمام الثلاث ليال شيء أصلًا، لا ما قلَّ ولا ما كثر.
فإن ضحى ليلًا لم يعدَّ تلك الليلة في الثلاث؛ لأنه تقدم منها شيء؛ فإن لم يكن شيء من هذا فليدخر منها ما شاء، روينا من طريق البخاري... عن سلمة بن الأكوع قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من ضحى منكم فلا يصبحن بعد ثالثة وفي بيته منه شيء»؛ فلما كان العام المقبل قالوا: يا رسول الله نفعل كما فعلنا العام الماضي؟ قال: «كلوا، وأطعموا، وادخروا؛ فإن ذلك العام كان بالناس جهد فأردت أن تعينوا فيها»...
فهذه أوامر من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لا يحل خلافها قال تعالى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} النور: 63.
ومن ادعى أنه ندب فقد كذب، وقَفَا ما لا علم له به، ويكفيه أن جميع الصحابة -رضي الله عنهم- لم يحملوا نهيه -عليه السلام- عن أن يصبح في بيوتهم بعد ثلاث منها شيء إلا على الفرض، ولم يَقْدُموا على مخالفته إلا بعد إذنه، ولا فرق بين الأمر والنهي، قال -عليه السلام-: «إذا نهيتكم عن شيء فاتركوه وإذا أمرتكم بشيء فأْتُوا منه ما استطعتم»، وعمَّ -عليه السلام- بالإطعام، فجائز أن يطعم منه كل آكل، إذ لو حرم من ذلك شيء لبيَّنه -عليه السلام-، {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا} مريم: 64، {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى} النجم: 3 {إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} النجم: 4. وادخار ساعة فصاعدا يسمى ادخارًا. [المحلى (6/ 48- 49).
وقال ابن قدامة -رحمه الله-:
قال أحمد: نحن نذهب إلى حديث عبد الله: يأكل هو الثلث، ويُطعم من أراد الثلث، ويتصدق على المساكين بالثلث. قال علقمة: «بعث معي عبد الله بهدية، فأمرني أن آكل ثلثًا، وأن أرسل إلى أهل أخيه بثلث، وأن أتصدق بثلث»، وعن ابن عمر قال: «الضحايا والهدايا ثلث لك، وثلث لأهلك، وثلث للمساكين» وهذا قول إسحاق، وأحد قوليَّ الشافعي. وقال في الآخر: يجعلها نصفين، يأكل نصفًا، ويتصدق بنصف؛ لقول الله تعالى: {فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ} الحج: 28.
وقال أصحاب الرأي: ما كثر من الصدقة فهو أفضل؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- أهدى مائة بدنة، وأمر من كل بدنة ببضعة، فجُعلت في قِدْرٍ، فأكل هو وعلي من لحمها، وحَسَيَا مِن مرقها. ونحر خمس بدنات أو ست بدنات، وقال: «من شاء فليقتطع» ولم يأكل منهن شيئًا.
ولنا ما روي عن ابن عباس في صفة أضحية النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «ويُطعم أهل بيته الثلث، ويُطعم فقراء جيرانه الثلث، ويتصدق على السؤال بالثلث» رواه الحافظ أبو موسى الأصبهاني في الوظائف، وقال: حديث حسن. ولأنه قول ابن مسعود وابن عمر ولم نعرف لهما مخالفًا في الصحابة فكان إجماعًا، ولأن الله تعالى قال: {فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ} الحج: 36.
والقانع: السائل، يقال: قنع قنوعًا: إذا سأل، وقنع قناعة: إذا رضي. قال الشاعر:
لمال المرء يصلحه فيغنى *** مفاقره أعف من القنوع
والمعترُّ: الذى يعتريك أي: يتعرض لك لتطعمه ولا يسأل.
فذكر ثلاثة أصناف، فينبغي أن يقسم بينهم أثلاثًا.
وأما الآية التي احتج بها أصحاب الشافعي فإن الله تعالى لم يبين قدر المأكول منها والمتصدَّق به، وقد نبه عليه في آيتنا، وفسره النبي -صلى الله عليه وسلم- بفعله، وابن عمر بقوله، وابن مسعود بأمره.
وأما خبر أصحاب الرأي فهو في الهدي والهدي يكثر، فلا يتمكن الإنسان من قسمه وأخذ ثلثه، فتتعين الصدقة بها، والأمر في هذا واسع، فلو تصدق بها كلها أو بأكثرها جاز، وإن أكلها كلها إلا أوقية تصدق بها جاز.
وقال أصحاب الشافعي: يجوز أكلها كلها.
ولنا، أن الله تعالى قال: {فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ} الحج: 36. وقال: {وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ} الحج: 28. والأمر يقتضي الوجوب.
وقال بعض أهل العلم: يجب الأكل منها، ولا تجوز الصدقة بجميعها؛ للأمر بالأكل منها.
ولنا أن النبي -صلى الله عليه وسلم- نحر خمس بدنات، ولم يأكل منهن شيئًا، وقال: «من شاء فليقتطع»؛ ولأنها ذبيحة يتقرب إلى الله تعالى بها، فلم يجب الأكل منها، كالعقيقة، والأمر للاستحباب، أو للإباحة، كالأمر بالأكل من الثمار والزرع، والنظر إليها. المغني (13/ 379- 380).
وقال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله- بعد نقل كلام ابن قدامة السابق:
قلت: اختلفوا في قوله تعالى: {فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ} الحج: 28. وفي قوله: {فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ} الحج: 36 أن حكم الأكل المأمور به في الآيتين هل هو الوجوب؛ لظاهر صيغة الأمر أو الندب والاستحباب؟
فجمهور أهل العلم على أن الأمر بالأكل فيهما للاستحباب لا للوجوب، والقرينة الصارفة عن الوجوب هي ما زعموا من أن المشركين كانوا لا يأكلون هداياهم، فرخَّص للمسلمين في ذلك، وعليه فالمعنى: فكلوا إن شئتم ولا تحرِّموا الأكل على أنفسكم كما يفعله المشركون. مرعاة المفاتيح (9/ 244- 245).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
فإن قلتَ: فهل يجب الأكل من لحمها؛ لظاهر الأمر وهو «كلوا»؟
قلتُ: ظاهره حقيقة في الوجوب إذا لم تكن قرينة صارفة عنه، وكان ثمة قرينة على أنه لرفع الحرمة أي: للإباحة، ثم إن الأصوليين اختلفوا في الأمر الوارد بعد الحظر أهو للوجوب أو للإباحة؟ ولئن سلَّمنا أنه للوجوب حقيقة فالإجماع ههنا مانع عن الحمل عليها. الكواكب الدراري (20/ 135).
وقال الشيخ محمد بن علي الأثيوبي -رحمه الله- معقبًا على كلام الكرماني:
دعوى الكرماني الإجماع في المسألة غير صحيحة، فقد قال به ابن حزم، ونقله عن بعض السلف، فأين الإجماع؟ والصحيح في كون الأمر هنا للإباحة هو كونها بعد الحظر، فإن الصحيح من أقوال العلماء أنه بعده يعود إلى ما كان عليه قبل، وكان الأكل قبل ذلك مباحًا، فعاد إليه، فتنبَّه، والله تعالى أعلم. البحر المحيط الثجاج (33/ 461).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
وقوله «كلوا وأَطْعِمُوا» تمسَّك به من قال بوجوب الأكل من الأضحية، ولا حُجة فيه؛ لأنه أمر بعد حظر فيكون للإباحة، واستدل به على أن العام إذا ورد على سبب خاص ضعُفَت دلالة العموم حتى لا يبقى على أصالته لكن لا يقتصر فيه على السبب.
قوله: «وادخروا» بالمهملة وأصله من ذخر بالمعجمة دخلت عليها تاء الافتعال ثم أُدغمت، ومنه قوله تعالى: {وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ} يوسف: 45.
ويؤخذ من الإذن في الادخار الجواز خلافًا لمن كرهه، وقد ورد في الادخار: «كان يدخر لأهله قُوت سَنة» وفي رواية «كان لا يدخر لغد»، والأول في الصحيحين، والثاني في مسلم، والجمع بينهما: أنه كان لا يدخر لنفسه ويدخر لعياله، أو أن ذلك كان باختلاف الحال، فيتركه عند حاجة الناس إليه، ويفعله عند عدم الحاجة. فتح الباري (10/ 26).
وقال النووي -رحمه الله-:
هذا تصريح بزوال النهي عن ادخارها فوق ثلاث، وفيه: الأمر بالصدقة منها والأمر بالأكل، فأما الصدقة منها إذا كانت أضحية تطوع فواجبة على الصحيح عند أصحابنا بما يقع عليه الاسم منها، ويستحب أن يكون بمعظمها، قالوا: وأدنى الكمال أن يأكل الثلث ويتصدق بالثلث ويهدي الثلث، وفيه قول: أنه يأكل النصف ويتصدق بالنصف، وهذا الخلاف في قدر أدنى الكمال في الاستحباب، فأما الإجزاء فيجزيه الصدقة بما يقع عليه الاسم كما ذكرنا، ولنا وجه أنه لا تجب الصدقة بشيء منها، وأما الأكل منها فيستحب ولا يجب هذا مذهبنا ومذهب العلماء كافة، إلا ما حكي عن بعض السلف أنه أوجب الأكل منها، وهو قول أبي الطيب بن سلمة من أصحابنا حكاه عنه الماوردي؛ لظاهر هذا الحديث في الأمر بالأكل مع قوله تعالى: {فَكُلُوا مِنْهَا} الحج : 28، وحمل الجمهور هذا الأمر على الندب أو الإباحة لا سيما وقد ورد بعد الحظر كقوله تعالى: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} المائدة: 2، وقد اختلف الأصوليون المتكلمون في الأمر الوارد بعد الحظر، فالجمهور من أصحابنا وغيرهم على أنه للوجوب كما لو ورد ابتداء، وقال جماعة منهم من أصحابنا وغيرهم: إنه للإباحة. شرح صحيح مسلم (13/ 131- 132).
وقال محمود السبكي -رحمه الله-:
والصحيح أنه لم يبق تحريم ولا كراهة، فيباح اليوم الادخار فوق ثلاث والأكل متى شاء؛ لصريح حديث بريدة وغيره. ولعل عليًا وابن عمر -رضى الله عنهما- لم يبلغهما الناسخ. ومَنْ حَفِظَ حُجَّة على من لم يحفظ.
هذا. والأفضل عند الحنفيين أن يتصدق بالثلث ويأكل الثلث، ويدخر الثلث؛ لحديث بريدة من قوله -عليه الصلاة والسلام-: «فكلوا ما بدا لكم وأطعموا وادخروا» ولحديث سلمة بن الأكوع أن النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم- قال: «من ضحى منكم فلا يصبحنَّ بعد ثالثة وبقي في بيته منه شيء، فلما كان العام المقبل قالوا: يا رسول الله، نفعل كما فعلنا العام الماضي؟ فقال: كلوا وأطعموا وادخروا؛ فإن ذلك العام كان بالناس جهد فأردت أن تعينوا فيها». أخرجه الشيخان.
ولو حَبَسَ الكلَّ لنفسه جاز؛ لأن القُربة في الإراقة. والتصدق باللحم تطوع، ويندب ترك التصدق الذي عيال توسعة عليهم، وقالت الحنبلية: يستحب أن يأكل ثلثها، ويتصدق بثلثها، وإن أكل أكثر جاز. الدين الخالص (5/ 34).
وقال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
«قال» أي: النبي -صلى الله عليه وسلم-: «كلوا» بصيغة الأمر من الأكل...
«وأطْعِمُوا» بهمزة قطع وكسر العين المهملة، وفي حديث عائشة وأبي سعيد «تصدقوا».
قال الخطابي: استدل بإطلاق الأحاديث على أنه لا تقييد في القدْرِ الذي يجزئ من الإطعام. ويستحب للمضحي أن يأكل من الأضحية شيئًا ويطعم الباقي صدقة وهدية، وعن الشافعي يستحب قسمتها أثلاثًا؛ لقوله: «كلوا وتصدقوا وأطعموا»، قال ابن عبد البر: وكان غيره يقول: يستحب أن يأكل النصف ويطعم النصف...
وأما الصدقة منها فالصحيح أنه يجب التصدق من الأضحية بما يقع عليه الاسم، والأكمل أن يتصدق بمعظمها، ولنا وجه أنه لا تجب الصدقة بشيء منها، كذا في الفتح. مرعاة المفاتيح (9/ 243- 244).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
ليس في هذه الآية والأحاديث نص في مقدار ما يؤكل ويُتصدق به ويهدى، ولذلك اختلف العلماء -رحمهم الله- في مقدار ذلك:
فقال الإمام أحمد: نحن نذهب إلى حديث عبد الله: يأكل هو الثلث، ويُطعم من أراد الثلث، ويتصدق بالثلث على المساكين.
وقال الشافعي: أُحِبُّ ألا يتجاوز بالأكل والادخار الثلث، وأن يهدي الثلث، ويتصدق بالثلث...
والقول القديم للشافعي يأكل النصف، ويتصدق بالنصف.
وما ذكرناه من الأكل والإهداء؛ فعلى سبيل الاستحباب لا الوجوب، وذهب بعض العلماء إلى وجوب الأكل منها، ومنع الصدقة بجميعها؛ لظاهر الآية والأحاديث، ولأن النبي -صلى الله عليه وسلم- أمر في حجة الوداع مِن كلِّ بدنة ببضعة، فجُعلت في قِدْرٍ فطُبخت، فأكل مِن لحمها وشَرِبَ مِن مرقها. رواه مسلم من حديث جابر. أحكام الأضحية والذكاة (2/ 251- 252).
قوله: «فإنَّ ذلك العامَ كان بالناسِ جَهْدٌ»:
قال الكرماني -رحمه الله-:
«الجهد» بفتح الجيم: المشقة، يقال: جَهِدَ عيشهم أي: نَكِدَ واشتد وبلغ غاية المشقة.
وفي الحديث دلالة على أن تحريم ادخار لحم الأضاحي كان لعلة فلما زالت العلة زال التحريم. الكواكب الدراري (20/ 134).
وقال الملا على القاري -رحمه الله-:
«فإن ذلك العام» علة تحريم الادخار السابق، وإيماء إلى أن الحكم يدور مع العلة وجودًا وعدمًا «كان بالناس جهد» بفتح الجيم، وضمها. مرقاة المفاتيح (5/ 1827).
قوله: في رواية : «إنَّما نهيُكم مِن أَجْلِ الدَّافَّةِ التي دَفَّتْ»:
قال ابن الأثير -رحمه الله-:
الدَّافَّة: قَوْمٌ مِنَ الأعراب يَرِدُون المِصْر، يُريد أنهم قَومٌ قدِموا المدينة عند الأضْحَى، فنَهاهم عنِ ادِّخار لُحوم الأضاحي لِيُفُرِّقوها ويتصدَّقوا بها، فيَنْتفِع أُولئك القادمُونَ بِها.غريب الحديث(2/١٢٤)
قوله: «فأردتُ أن تُعِينُوا فيها»:
قال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «أن تعينوا فيهم» أي: تعينوهم؛ فجعل المتعدي منزلة اللازم، وعداه بـ(في) مبالغة، أي: أردتُ أن تُوقِعُوا الإعانة فيهم، وتجعلوهم مكانًا لها؛ لشدة احتياجهم وافتقارهم، نحو قوله تعالى: {وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي} الأحقاف: 15، ولعل هذا ليس بنسخ؛ لإمكان الجميع بين الأمرين، فيكون الثاني رخصة. الكاشف عن حقائق السنن (6/ 2007- 2008).
وقال الملا على القاري -رحمه الله- معلقًا:
ويمكن أنْ يكون التقدير: أن تعينوني في حقهم، فإنَّ فقرهم كان صعبًا إليه -عليه الصلاة والسلام- مرقاة المفاتيح (5/ 1827).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «فأردتُ أن تعينوا فيها» كذا هنا من الإعانة، وفي رواية مسلم عن محمد بن المثنى عن أبي عاصم شيخ البخاري فيه: «فأردت أن تفشوا فيهم» وللإسماعيلي عن أبي يعلى عن أبي خيثمة عن أبي عاصم: «فأردتُ أن تقسموا فيهم»...
قال عياض: الضمير في «تعينوا فيها» للمشقة المفهومة من الجهد أو من الشدة أو من السِّنة؛ لأنها سبب الجهد، وفي «تفشوا فيهم» أي: في الناس المحتاجين إليها. فتح الباري (10/ 26).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «أن تعينوا فيهم» أي: توقعوا الإعانة فيهم، وتحسنوا فيهم. لمعات التنقيح (5/ 394).
قوله: «فأردت أن يفشوا فيهم».
قال النووي –رحمه الله-:
هكذا هو في جميع نسخ مسلم «يفشو» بالفاء والشين أي يشيع لحم الأضاحي في الناس وينتفع به المحتاجون، ووقع في البخاري يعينوا بالعين من الإعانة، قال القاضي في شرح مسلم: الذي في مسلم أشبه، وقال في المشارق: كلاهما صحيح والذي في البخاري أوجه والله أعلم. شرح صحيح مسلم(13/ 133)
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
فيه: دليل على وجوب التصدق من الأضحية، وبه قالت الشافعية: إذا كانت أضحيةُ تطوع، قالوا: والواجب ما يقع عليه اسم الإطعام والصدقة، ويستحب أن يكون بمعظمها، قالوا: وأدنى الكمال أن يأكل الثلث ويتصدق بالثلث ويهدي الثلث، وفي قولٍ لهم: يأكل النصف ويتصدق بالنصف ولهم وجه أنه لا يجب التصدق بشيء.
وقال القاسم بن إبراهيم: إنه يتصدق بالبعض غير مقدَّر، قال في البحر: وفي جواز أكلها جميعها وجهان عن الإمام يحيى، أصحهما: لا يجوز؛ إذ يبطل به القربة وهي المقصود، وقيل: يجوز والقربة تعلقت بإهراق الدم، فإنْ فعل لم يضمن شيئًا عند الجميع إذ لا دليل، قلت: وفي كلام الإمام يحيى نظر مع القول بأنها سنة انتهى. نيل الأوطار (5/ 151- 152).
وللاستفادة من الروايات الأخرى ينظر (هنا) و (هنا)