الجمعة 28 ذو القعدة 1447 | 2026-05-15

A a

كان رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- إذا ‌استجدَّ ‌ثوبًا سمّاه باسمهِ: إمّا قميصًا أو عمَامةً، ثمّ يقولُ: «اللهمَّ لكَ الحمدُ، أنتَ كَسَوْتَنِيهِ، أسالُكَ من خيرِهِ، وخيرِ ما صُنِعَ لهُ، وأعوذُ بكَ من شرِّهِ، وشرِّ ما صُنِعَ لَهُ»، قال أبو نَضْرَةَ: وكان أصحابُ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- إذا لبِس أحدُهم ثوبًا جديدًا قيلَ لهُ: تُبْلِي ويُخْلِفُ اللهُ -تعالى-.


رواه أحمد برقم: (11248)، وأبو دواد برقم: (4520) واللفظ لهما، والترمذي برقم: (1767)، والنسائي في الكبرى برقم: (10068)، من حديث أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه-.
وزاد أحمد برقم: (11469)، والترمذي«...أو رداءً».
صحيح الجامع برقم: (4664). 


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«اسْتَجَدَّ»:
إذَا أَحْدَثَهُ. المصباح المنير، للفيومي (1/ 92).


إظهار شرح الحديث

شرح الحديث

قوله: «كانَ رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلمَ- إذا ‌استجدَّ ‌ثوبًا سمّاه باسمِهِ: إمّا قميصًا أو عِمَامةً» وفي رواية: «أو رداء»:
قال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «استجدّ» أي: إذا لبس ‌ثوبًا جديدًا «سماه باسمه» مثل أن يقول: رزقني الله هذه العمامة، أو هذا القميص، أو يقول: كساني الله هذه العمامة، وما أشبه ذلك، ثم يدعو، ويحتمل أن يسمي ذلك الثوب عند قوله: «كما كسوتني» بأن يقول: اللهمّ لك الحمد كما كسوتني هذا الثوب أو هذه العمامة وغيرهما. المفاتيح في شرح المصابيح (5/ 17).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا استجدّ» أي: أَحْدَثَ «ثوبًا» جديدًا «سمَّاه باسمه، إما قميصًا» أو رداء «أو عمامة» أو قلنسوة أو سراويل أو نعلًا أو بساطًا يجلس عليه، أو منديلًا أو مخدة ونحو ذلك، والبداءة باسم الثوب قبل حمد الله تعالى أبلغ في تذكر النعمة وإظهارها؛ فإنَّ فيه ذكر الثوب مرتين، فمرة ذكر ظاهرًا، ومرة ذكر مضمَرًا. شرح سنن أبي داود (16/ 183).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ‌إذا ‌استجدّ ثوبًا» أي: لَبِسَ ‌ثوبًا جديدًا، وأصله على ما في القاموس: صيّر ثوبه جديدًا، وأغرب مَن قال معناه: طَلَبَ ‌ثوبًا جديدًا، وعند ابن حبان من حديث أنس قال: «كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ‌إذا ‌استجدّ ‌ثوبًا لبس يوم الجمعة»، وكذا رواه الخطيب والبغوي في شرح السنة، فالمعنى إذا أراد أن يلبس ‌ثوبًا جديدًا أَلْبَسَه يوم الجمعة، وهو لا ينافي، قوله: «سماه» أي: الثوب المراد به الجنس «باسمه» أي: المتعارف المتعيَّن المشخَّص الموضوع له، سواء كان الثوب «عمامة أو قميصًا أو رداءً» أي: أو غيرها، كالإزار والسروال والخُفّ ونحوها، والمقصود التعميم، فالتخصيص للتمثيل بأن يقول: رزقني الله أو أعطاني أو كساني هذه العمامة أو القميص أو الرداء، و«أو» للتنويع، أو يقول: هذا قميص أو رداء أو عمامة، والأول أظهر، والفائدة له أتمّ وأكثر. مرقاة المفاتيح (7/ 2780).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
«استجدّ ثوبًا» أصله صيّره جديدًا، والمراد ها هنا: لبس ثوبًا جديدًا، «سماه» يؤخذ من هذا أن تسمية ذلك ونحوه باسم خاص سُنة، وهو ظاهر، ولم أرَ لأصحابنا فيه كلامًا، وعجيب قول بعضهم: المراد بسماه أنه يقول: هذا ثوب هذه عمامة مثلًا. أشرف الوسائل إلى فهم الشمائل (ص: 122).
وقال ابن علان -رحمه الله- معلقًا:
وأما ما تعجب منه ففي محله؛ لأن ألفاظ الشارع تُصان عن الخلو عن الفائدة، وأي فائدة في قوله: هذا قميص أو عمامة مما لا يجهله المخاطب؟ نعم يحتمل أن المراد أنه كان يسميه باسم جنسه كان يقول: هذا الثوب القطن، أو قُطره كالثوب القطري، أو صانعه كما قال الصحابة: وكان فصّه -يعني: فصّ خاتمه- حبشيًّا، ويفعل ذلك لحصول التمييز عند استدعائه لشيء منها. الفتوحات الربانية على الأذكار النواوية (1/ 302- 303).

قوله: «ثمّ يقولُ: اللهمَّ لكَ الحمدُ، أنتَ كَسَوْتَنِيهِ»:
قال المناوي -رحمه الله-:
«اللهمّ لك ‌الحمد ‌أنت ‌كسوتَنيه» أي: المسمى. التيسير بشرح الجامع الصغير (2/ 238).
وقال السهارنفوري -رحمه الله-:
«اللَّهُمَّ لك ‌الحمد، ‌أنت ‌كسوتنيه» أي: هذا الثوب عمامة أو قميصًا أو غيرهما. بذل المجهود (12/ 51).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«اللهمّ لك الحمد، أنت كسوتَنيه» إخبار اعتراف وشكر للنعمة. التنوير شرح الجامع الصغير (8/ 327).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«ثم يقول» بعد لبسه «اللهمّ لك الحمد كما كسوتَنيه» الكاف فيه للتعليل وما مصدرية، والضمير يعود إلى مسمى الثوب من قميص وعمامة أي: لكسوتك إياي هذه العمامة منّة؛ وأتى بذلك ليكون الحمد في مقابلة نعمة، وهو في مقابلها أفضل بسبعين ضعفًا. دليل الفالحين (5/ 292).

قوله: «أسالُكَ من خيرِهِ، وخيرِ ما صُنِعَ لَهُ، وأعوذُ بكَ من شرِّهِ، وشرِّ ما صُنِعَ لَهُ»:
قال ابن رسلان -رحمه الله-:
«أسألك من خيره» لفظ الترمذي: «أسألك خيرَه» بإسقاط «مِن» التبعيضية، وهو أعم وأجمع؛ لقوله -عليه السلام- لعائشة: «عليكِ بالجوامع الكوامل، قولي: اللهمّ إني أسألكَ الخير كله».
وفي الحديث: دليل على استحباب افتتاح الدعاء بالحمد لله والثناء عليه، «وخير ما صُنع له» خير ما صُنع له: استعماله في طاعة الله تعالى وعبادته؛ ليكون عونًا له عليها، «وأعوذ بكَ من شرّه» كذا للترمذي «وشر ما صُنع له» وأخرجه ابن ماجه، وصححه الحاكم، ما صُنع له استعماله في معصية الله تعالى ومخالفة أمره، وروى الحاكم في المستدرك عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «ما اشترى عبد ثوبًا بدينار أو بنصف دينار فحمد الله تعالى عليه إلا لم يبلغ ركبتيه حتى يغفر الله له» وقال: حديث لا أعلم في إسناده أحدًا ذُكر بجرح. شرح سنن أبي داود (16/ 183).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«أسألك» استئناف بعد تقدم ثناء، «وأعوذ بك» عطف على «أسألك»، أي: أستعيذ بك «من شرّه وشر ما صُنع له» أي: من الكفران... والمعنى: أسألك ما يترتب على خلقه من الخير وهو العبادة به، وصرفه فيما فيه رضاك، وأعوذ بك من شرّ ما يترتب عليه مما لا ترضى به من الكِبْرِ والخيلاء، وكوني أُعاقب به لحرمته، وقال ميرك: خير الثوب بقاؤه ونقاؤه وكونه ملبوسًا للضرورة والحاجة، وخير ما صُنع له هو الضرورات التي من أجلها يصنع اللباس من الحر والبرد وستر العورة، والمراد سؤال الخير في هذه الأمور، وأن يكون مبلغًا إلى المطلوب الذي صنع لأجله الثوب من العون على العبادة والطاعة لموليه، وفي الشر عكس هذه المذكورات، وهو كونه حرامًا ونجسًا ولا يبقى زمانًا طويلًا، أو يكون سببًا للمعاصي والشرور والافتخار والعَجَب والغرور، وعدم القناعة بثوب الدُّون وأمثال ذلك. مرقاة المفاتيح (7/ 2780).
وقال ابن العربي -رحمه الله-:
«خير ما صنع له» استعماله في الطاعة، «وشر ما صنع له» استعماله في المعصية. عارضة الأحوذي (7 /196).
وقال الدهلوي -رحمه الله-:
وقوله: «خيره» أي: خير هذا الثوب في ذاته بأن يبقى على البدن على وجه الخيرية ولم يتطرق إليه شر وآفة، «وخير ما صنع له» بأن يكون مستعمَلًا في كسب الطاعات ومباشرة الخيرات، وعلى هذا القياس معنى قوله: «وشر ما صنع له». لمعات التنقيح (7/ 354).
وقال السندي -رحمه الله-:
«أسألك من خيره» بأن يستريح به البدن ويكون ملائمًا له، وخير ما صُنع له هو استعماله في الطاعة. فتح الودود في شرح سنن أبي داود (4/ 87).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
وقوله: «أسألك» جملة دعائية استئناف «من خيره» قد حذف مفعول أسأل الذي يتعدى إليه بنفسه، أي: شيئًا من خيره، و«مِن» بيانية لا تبعيضية، فالمراد أسألك أمرًا أو شيئًا الذي هو خيره، «وخير ما صنع له» فخيره أن يستعمله في طاعة الله، وخير ما صنع له أن يلبسه قصد الستر لعورته والتجمل به بين العباد لا رياء ولا سمعة، «وأعوذ بك من شره، وشر ما صُنع له» وهو خلاف ما ذكر في الخيرية.
وفيه: ندب هذا الذكر لمن استجدّ ‌ثوبًا، وقيل: مطلقًا؛ لرواية ابن السني: «إذا لبس ‌ثوبًا». التنوير شرح الجامع الصغير (8/ 327).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
أي: مثلما كسوتنيه من غير حول مني ولا قوة أَوْصِل إليّ خيره، ووفِّقْني على خير ما صُنع له من الشكر بالجوارح والقلب، والحمد لله على موليه باللسان وأعوذ بك من الكفران. الكاشف عن حقائق السنن (9/ 2900).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
«وأعوذ بك من شرّه» وهو أن يصير عند المرء كِبْرٌ وترفُّع وتعاظم إذا لبس ‌ثوبًا جديدًا أو نفيسًا، فإنَّ هذا مِن شره الذي يحصل بسببه، وكذلك أن يَستعمل هذه النعمة في المعصية بأن يكون كَسَا نفسه من أجل الوصول إلى مضرة الآخرين، مثل أن يُظهر نفسه بالمظهر الجميل، حتى إنَّ مَن يراه لا يظن فيه سوءًا من ناحية السرقة، ثم بعد ذلك يسعى إلى السرقة وإلى أخذ أموال الناس بالباطل، فكل هذا من الأمثلة التي هي داخلة في الشر الذي يكون في الثياب التي كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يستعيذ من شرها وشر ما صُنعت له. شرح سنن أبي داود (451/ 3).

قوله: «قالَ أبو نَضْرَةَ: وكانَ أصحابُ النبيِّ -صلى الله عليه وسلمَ- إذا لَبِسَ أحدُهم ثوبًا جديدًا قيلَ لَهُ: تُبْلِي ويُخْلِفُ اللهُ -تعالى-»:
قال ابن رسلان -رحمه الله-:
«قال أبو نضرة» المنذر بن مالك أحد الرواة: «وكان أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا لبس أحدهم ثوبًا جديدًا» من قميص أو عمامة أو رداء أو قلنسوة ونحوها «قيل له:» أنت «تُبلي» بضم أوله، أي: تستعمل هذا الثوب حتى يبلى ويصير خَلِقًا فتتصدق به، «ويُخلف» بضم أوله، وكسر ثالثه «الله تعالى» عليك خيرًا منه، أي: يُبدلك الله خيرًا منه ويعوضك عنه، يقال: إذا ذهب للرجل ما يخلفه كثوب ومال وولد قيل: أخلف الله لك وعليك، وإذا ذهب عليه ما لا يخلفه غالبًا كالأب والأم قيل: خلف الله عليك. شرح سنن أبي داود (16/ 184).
وقال السندي -رحمه الله-:
«تُبلي» على صيغة الخطاب في أبليتَ الثوب وبليتَه أي: جعلتَه عتيقًا، «ويُخلف» مِن أخلف الله عليه أي: أَبْدَله بما ذهب عنه وعوضه عنه، والمقصود الدعاء بطول الحياة. فتح الودود في شرح سنن أبي داود (4/ 87).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
«فكان أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا لبس أحدهم ‌ثوبًا جديدًا قيل له: تُبلي ويُخلف الله» يعني: أنك لبستَ هذا الثوب، والله تعالى يبقيك حتى يبلى، وإذا بلي يُخلف الله عوضًا عنه، ويعوض عنه مثله وما هو أحسن منه، فقوله: «تُبلي ويخلف الله» هذا دعاء له بطول العمر وبالبقاء حتى يبلى الثوب من طول لبس صاحبه له، وبعد بلائه وذهابه يخلف الله -عز وجل- عنه خيرًا منه، ويعوض عنه ما هو خير منه، فيكون في ذلك دعاء له بالبقاء وبحصول الخير وبحصول العوض الذي يكون بعد بلاء الثوب وطول مكث صاحبه، والنبي -صلى الله عليه وسلم- قال لامرأة بعدما كساها -أعطاها ‌ثوبًا-: «أَبْلِي وأَخْلِقِي» أو «أَبْلِي وأَخْلِفِي» فيكون المعنى على رواية «أَخْلِفِي» أنه إذا بلي الثوب يحصل الخلف والعوض عن الشيء الذي قد حصل، فهذا الذي جاء عن الصحابة -رضي الله عنهم وأرضاهم- مطابق لما جاء في الحديث الذي سيأتي. شرح سنن أبي داود (451/ 3).
وقال المناوي -رحمه الله-:
وفيه: ندب للذِّكر المذكور لكل مَن لبس ثوبًا جديدًا، والظاهر أن ذلك يستحب ‌لمن ‌ابتدأ ‌لبس ‌غير ‌ثوب ‌جديد بأن كان ملبوسًا. فيض القدير (5/ 98).


أحاديث ذات صلة

إبلاغ عن خطأ