الثلاثاء 26 صفر 1448 | 2026-08-11

A a

قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «صومُ يومِ عرفةَ يُكَفِّرُ سنتينِ: ماضيةٍ ومستقبَلةٍ، وصومُ عاشوراءَ يُكَفِّرُ سنةً ماضيةً».


رواه أحمد برقم: (22535) واللفظ له، وأبو داود برقم: (2425)، والترمذي برقم: (749)، و(752)، والنسائي في الكبرى برقم: (2815)، وابن ماجه برقم: (1731)، من حديث أبي قتادة -رضي الله عنه-.
ولفظ ابن ماجه: «مَن صامَ يومَ عرفةَ غُفِرَ له سنةٌ أمامَهُ وسنةٌ بعدَهُ».
ورواه مسلم مطولًا برقم: (1162)، بلفظ: «صيام يوم عرفة أَحْتَسِبُ على الله أن يكفِّر السَّنة التي قبله، والسَّنة التي بعده، وصيام يوم عاشوراء أَحْتَسِبُ على الله أن يكفِّر السَّنة التي قبله».
صحيح الجامع برقم: (3853)، صحيح الترغيب والترهيب برقم: (1011).


مختصر شرح الحديث


من فضلِ اللهِ تعالى على عِبادِه أنْ جَعَلَ لهم مَوَاسِمَ تُضاعَفُ فيها الحسناتُ وتُكَفَّرُ السيئاتُ، ومن ذلك: صيامُ يومِ عرفةَ ويومِ عاشوراء؛ لِمَا فيهما مِن الأجرِ العظيمِ والثوابِ الجزيلِ، وفي هذا الحديث يقول النبيُّ -صلَّى الله عليه وسلَّم-: «صومُ يومِ عرفةَ يُكَفِّرُ سَنَتَينِ: ماضيةٍ ومُسْتَقْبَلةٍ»، ويومُ عرفة هو اليومُ التاسعُ مِن ذي الحِجَّةِ، وصَوْمُه سببٌ لمغفرة ذنوب سَنَتَيْنِ؛ سَنةٍ ماضيةٍ، وسَنةٍ مُسْتَقْبَلَةٍ، وقيل: إن تكفير الْمُسْتَقْبَلِ يكون بتوفيق العبد للأعمال الصالحة واجتناب المعاصي، والأصل حَمْلُ الحديث على ظاهرهِ، وفي لفظٍ: «أَحْتَسِبُ على اللهِ» أي: أَرْجُو وأَطْلُبُ مِن اللهِ الأجرَ والثوابَ، لا على سبيل الجَزْم، بل على وجه الرَّجاء والطَّمَعِ في فَضْلِهِ؛ فالتكفير فضلٌ من الله، إنْ شَاءَ أَعْطَاهُ، وإنْ شاءَ مَنعه.
واستحباب صيام يوم عرفة إنما هو لغير الحاجِّ، أمَّا الحاجُّ فقد كَرِهَ جماعةٌ من أهلِ العلمِ صومَه؛ لأنَّ الصيامَ قد يُضعِفُه عن الدُّعاءِ والذِّكرِ والتضرُّع، وهو المقصودُ الأعظمُ في يومِ عرفة؛ ولأنَّ النبيَّ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- لم يَصُمْه، والخيرُ كلُّ الخيرِ في هَدْيِه -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-.
وقوله: «وصومُ عاشوراءَ يُكَفِّرُ سَنَةً ماضيةً»، وعاشوراءُ: هو اليومُ العاشرُ من شهرِ المُحرَّم، وهو اليومُ الذي نجَّى اللهُ فيه موسى -عليه السلام- وقومَه من فرعون؛ فصَامَهُ موسى شُكرًا للهِ تعالى، ثم صَامَهُ النبيُّ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- وأمرَ بصيامِه، وأخبرَ أنَّ صيامَه يُكَفِّرُ ذنوبَ السَّنةِ الماضية، وفي ذلك بيانٌ لعظيمِ فضلِ اللهِ تعالى وسعةِ رحمتِه بعبادِه.
والمرادُ بالذنوب: الصغائر، أمَّا الكبائرُ فإن كانت متعلِّقةً بحقِّ الله تعالى وجَبَ عليه التوبة منها، وإن كانت متعلِّقةً بحقوقِ العبادِ فلا بُدَّ مع التوبةِ من ردِّ المَظالمِ أو استحلالِ أصحابِها.
وقد قيل في سببِ زيادةِ فضلِ يومِ عرفةَ على عاشوراء: إنَّ يومَ عرفةَ مُرْتَبِطٌ بأعظمِ شعائرِ الإسلامِ، وهي الحجُّ، وفيه من الدُّعاءِ والذِّكرِ والعتقِ من النارِ ما ليس في غيرِه، فكان فضلُه أعظم. وقيل: لأنَّ يومَ عرفةَ مِن خصائصِ هذه الأمَّة، بخلافِ عاشوراءَ؛ فإنَّه كان معروفًا في شريعةِ موسى -عليه السلام-، وقيل: لأنَّ يومَ عرفةَ سُنَّةُ النبيِّ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-، وعاشوراءَ سُنَّةُ موسى -عليه السلام-، فكان ما اخْتُصَّت به هذه الأمَّةُ أعظمَ فضلًا وتشريفًا.


غريب الحديث


«عاشوراء»:
ممدودة والعامة تقصره، ويقال: ليس في الكلام فاعولاء ممدود إلا ‌عاشوراء، هكذا قال بعض البصريين، وهو اسم إسلامي، لم يُعرف في الجاهلية. غريب الحديث، للخطابي (3/ 240).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
«‌عاشوراء» هو اليوم العاشر من المحرم، وهو اسم إسلامي، وليس في كلامهم فاعولاء بالمد غيره، وقد أُلحق به تاسوعاء، وهو تاسع المحرم، وقيل: إن ‌عاشوراء هو التاسع، مأخوذ من العِشْرِ في أوراد الإبل. النهاية (3/ 240).

«أَحْتَسِبُ على الله»:
أي: أرجو من الله. مجمع بحار الأنوار، للفتني (5/ 606).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
فالاحتساب من الحَسْبِ، كالاعتداد من العَدِّ، وإنما قيل لمن ينوي بعمله وجه الله: احْتَسِبْهُ؛ لأن له حينئذٍ أن يعتدّ عمله، فجُعل في حال مباشرة الفعل كأنه معتدّ به، والحِسْبَة اسم من الاحتساب، كالعِدَّة من الاعتداد، والاحتساب في الأعمال الصالحة وعند المكروهات: هو ‌البدار ‌إلى ‌طلب ‌الأجر وتحصيله بالتسليم والصبر، أو باستعمال أنواع البر والقيام بها على الوجه المرسوم فيها؛ طلبًا للثواب المرجوّ منها. النهاية (1/ 382).


إظهار شرح الحديث

شرح الحديث

قوله: «صومُ يومِ عرفةَ يُكَفِّرُ سنتينِ: ماضيةٍ ومستقبلةٍ»:
قال الصنعاني -رحمه الله-:
«‌صوم ‌يوم ‌عرفة ‌يكفِّر سنتين ماضية» هي التي هو فيها «ومستقبَلة» هي التي بعده، وقد استُشكل تكفير الذنب الآتي، وأُجيب بأن المراد أنه يوفَّق ويُسدَّد فلا يأتي ذنبًا يحتاج إلى تكفير، فقد استعمل على هذا التكفير في معنى مجازي. التنوير شرح الجامع الصغير (7/ 12).
وقال الشيخ عبد الله الفوزان -حفظه الله- معلقًا:
وهذا (أي: القول بأنه يوفَّق فلا يأتي ذنبًا) ‌فيه ‌نظر، ‌والأظهر ‌أن ‌الحديث ‌على ‌ظاهره، ‌وهو ‌أنه ‌تُكفَّر ‌عنه ‌ذنوبه ‌التي ‌فعلها. منحة العلام في شرح بلوغ المرام (5/ 79).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
وقوله في صيام يوم عرفة: «يُكَفِّر السَّنة التي قبله» يعني السنة التي هو فيها؛ لأنه في أواخر السَّنة، والتي بعدها: يعني التي تأتي متصلة بشهر يوم عرفة. المفهم (3/ 188).

قوله: وفي رواية لابن ماجه: «مَن صامَ يومَ عرفةَ غُفِرَ له سنةٌ أمامَهُ وسنةٌ بعدَهُ»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«مَن صام يوم عرفة غُفر له ‌سنةٌ أمامَه» أي: صغائر سَنة قدَّمها ومَضَت عليه؛ أي: السَّنة الماضية، «وسنةٌ ‌بعدَه» أي: صغائر سنة تأتي بعده؛ يعني: السنة المستقبلة. مرشد ذوي الحجا والحاجة إلى سنن ابن ماجه (10/ 255).
قوله: «وصومُ عاشوراءَ يُكَفِّرُ سنةً ماضيةً»:
قال المناوي -رحمه الله-:
«وصوم عاشوراء» بالمد فاعولاء «‌يُكفِّر سنة ماضية»؛ لأن يوم عرفة سُنة المصطفى -صلى الله عليه وسلم- ويوم عاشوراء سنة موسى، فجعل سُنة نبينا -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- تضاعف على سُنة موسى في الأجر. فيض القدير (4/ 211).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«وصوم عاشوراء» هي عاشر المحرم على الأكثر، وقيل: تاسعه، «‌يكفر سنة ماضية» مقادير التفضيل لا يُطلع عليها، فلا يقال: إن التفرقة بين يوم عرفة ويوم عاشوراء علتها كذا، وقيل: وجهها أن يوم عرفة سُنة خاتم الرسل -صلى الله عليه وسلم- ففُضِّلت على يوم عاشوراء؛ لأنه سُنة كليم الله -عليه السلام-، قلتُ: لا يخفى ضعفه؛ لأنه ما صار سُنة لنا إلا لما سَنَّهُ لنا نبينا -صلى الله عليه وسلم- فهما سُنته جميعًا. التنوير شرح الجامع الصغير (7/ 12- 13).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
«وعاشوراء»: يكفر السَّنة التي بعده؛ لأنه في أوائل السَّنة الآتية. المفهم (3/ 189).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«يكفر السنة الماضية» ينبغي أن يكون هو آخرها، لا آخر ذي الحجة؛ لئلا يلزم الفصل بين المكفِّر والمكفَّر، والله أعلم. دليل الفالحين (7/ 59).
وقال المغربي -رحمه الله-:
وفي قوله: «‌يكفر السنة الماضية»: دلالة على أن صومه دون ‌صوم ‌يوم ‌عرفة في الفضيلة، وقد قيل في الحكمة في ذلك: أن صوم عاشوراء منسوب إلى موسى -عليه السلام- وصوم عرفة إلى نبينا -صلى الله عليه وسلم- فكان أفضل، وقوله: «‌يكفِّر»: المراد بالتكفير تكفير الذنوب الصغائر، كذا قيده جماعة من المعتزلة وغيرهم. البدر التمام شرح بلوغ المرام (5/ 103).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
وأما صوم يوم عاشوراء وهو العاشر من شهر المحرم عند الجماهير فإنه كان واجبًا قبل فرض رمضان ثم صار بعده مستحبًّا. سبل السلام (1/ 581).

قوله: وفي لفظ لمسلم: «أحتسبُ على اللهِ...».
قال الدهلوي -رحمه الله-:
وقوله: «أَحْتَسِبُ على اللَّه» أي: أَعُدّه وأطلب أجره واجبًا على اللَّه بفضله وكرمه أن ‌يكفر ذنوب السنة التي قبله وذنوب السنة التي بعده؛ بأن يحصل له من الرحمة والثواب ما ‌يكفِّر ذنوب السنة الآتية أيضًا إن وقعت. لمعات التنقيح (4/ 478).
وقال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «أَحْتَسِبُ» أي: أرجو، «يكفِّر» بتشديد الفاء أي: يستر ويزيل ذنوب صائم ذلك اليوم، ذنوبه التي اكتسبها في السنة التي قبلها والسنة التي بعدها، ولعل المراد بهذه الذنوب: غير الكبائر؛ لأنه اشترط اجتناب الكبائر في أحاديث.
فإن قيل: كيف يكون تكفير ذنوب السَّنة التي بعدها ولو لم يكن للرَّجل ذنب في السنة التي لم تأتِ بعد؟
قيل: معناه: يحفظه الله تعالى عن أن يُذنب إذا جاءت تلك السنة، أو يعطيه من الرحمة والثواب بقدر ما يكون كفارة للسنة القابلة إذا جاءت واتفق له فيها ذنوب. المفاتيح في شرح المصابيح (3/ 41).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
كان الأصل أن يقال: أرجو من الله أن ‌يكفِّر، فوضع موضعه «أَحْتَسِبُ» وعدَّاه بـ«على» الذي للوجوب على سبيل الوعد؛ مبالغة لحصول الثواب. الكاشف عن حقائق السنن (5/ 1608).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«أَحْتَسِبُ على الله» أي: التكفير ليس على القطع، بل هو على الرجاء، والأمر فيه مرجوع إلى الله إن شاء كفّر وإن شاء لم ‌يكفّر، لكن الصيام علامات على ظنّ التكفير. شرح سنن أبي داود (10/ 526- 527).
وقال العيني -رحمه الله-:
«أَحْتَسِبُ على الله» أي: أَعْتَدُّ عليه بسبب ذلك كفارة ذنوب سنتين: السنة الماضية والسنة الباقية. نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار (8/ 386).
وقال ابن سيد الناس -رحمه الله-:
وأما صوم يوم عرفة وعاشوراء ففي قوة ما يكفَّر صغائر صائمِهِ لسنة أو سنتين إن وجد ذلك، بمعنى أن ثوابه بهذه المثابة وأجر صائمه في هذه الرتبة إن لم يجد ما يكفِّره. النفح الشذي شرح جامع الترمذي (4/ 157).
وقال النووي -رحمه الله- بعد ذكر الأحاديث التي فيها التكفير ومنها صيام عاشوراء وعرفة:
والجواب ما أجابه العلماء: أن كل واحد من هذه المذكورات صالح للتكفير، فإن وَجَد ما يكفره من الصغائر كفَّره، وإن لم يصادف صغيرة ولا كبيرة كُتبت به حسنات ورُفعت به درجات، وإن صادفت كبيرة أو كبائر ولم يصادف صغيرة ‌رجونا ‌أن ‌يخفف ‌من ‌الكبائر، والله أعلم. شرح صحيح مسلم (3/ 113).
وقال ابن سيد الناس -رحمه الله- معلقًا:
وأما قول الشيخ محيي الدين -رحمه الله-: "رجونا أن يخفف من الكبائر" ففيه نظر من وجهين:
الأول: أن تكفير الذنوب والثواب المرتب على الطاعات أمر توقيفي ليس للظن فيه مجال.
الثاني: أن النص الوارد باجتناب الكبائر يردّه، فمعلوم أن الثواب على الإتيان بالمفترضات أعظم من الثواب على التطوعات؛ فكيف يقال في صوم يوم عرفة ويوم عاشوراء وموافقة تأمين المصلي تأمين الملائكة وليس شيء من ذلك فرضًا: إنه يخفِّف من الكبائر مع قيام النص المقيَّد باجتناب الكبائر في الفرائض من الخمس والجمعة ورمضان؟ والذي نقله المحققون: أن الكبائر لا تُكفرها إلا التوبة. النفح الشذي شرح جامع الترمذي (4/ 157).
وقال الجويني -رحمه الله-:
وكلُّ ما يَرِدُ في ‌الأخبار ‌من ‌تكفير ‌الذنوب فهو عندي محمولٌ على الصغائر، دون الموبقات. نهاية المطلب (4/ 73).
وقال الشيخ عبد الله الفوزان -رحمه الله-:
وقد اختلف العلماء في هذا التكفير، هل هو شامل للصغائر والكبائر، أو أنه خاص بالصغائر؟ قولان:
الأول: أنه خاص بالصغائر، وأما الكبائر؛ كالزنا وأكل الربا والسحر، وغير ذلك، فلا تكفِّرها الأعمال الصالحة، بل لا بد لها من توبة، وهذا قول الجمهور من أهل العلم؛ لقوله تعالى: {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} النساء: 31، فدلَّت الآية الكريمة على أن تكفير الصغائر مشروط باجتناب الكبائر، واجتنابها هو التوبة منها كما استدلوا بحديث أبي هريرة -رضي الله عنه- عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفِّرات لما بينهنّ إذا اجتُنب الكبائر».
ووجه الدلالة: أن الصلوات الخمس والجمعة ورمضان، وهي عبادات عظيمة لا تكفّر الكبائر فما دونها من الأعمال الصالحة؛ كصوم يوم عرفة، من باب أَولى.
والقول الثاني: أن التكفير شامل للصغائر والكبائر، وهذا قول ابن المنذر -في قيام ليلة القدر- وابن حزم، وقد نصر ابن تيمية هذا القول، واحتجَّ له بالعمومات، كقوله تعالى: {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} هود: 114، وبالأدلة التي رُتِّبت فيها المغفرة على بعض الطاعات كالوضوء وصوم يوم عرفة وعاشوراء وغيرها.
وقد ضعَّف هذا القول ابن عبد البر، ورد على قائله، ونقل ابن رجب كلامه، وأقره، ونصر القول بأن التكفير خاص بالصغائر، وأما الكبائر فلا بد لها من توبة. منحة العلام في شرح بلوغ المرام (5/ 79- 80).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
ومن فوائد الحديث: أن التكفير يكون في الماضي والمستقبل؛ لقوله: «الماضية والباقية»، ولكن المستقبَل على سبيل الدوام مدى الحياة لم يَرِدْ إلا للرسول -صلى الله عليه وسلم- ولأهل بدر، أما في حق الرسول فقد قال الله تعالى: {لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} الفتح: 2، أما لأهل بدر: «فإن الله -سبحانه وتعالى- اطَّلع إلى أهل بدر وقال لهم: اعلموا ما شئتم فقد غفرتُ لكم»، وسبب ذلك: أن هؤلاء القوم أتوا حسنى كبيرة عظيمة أعزَّ الله بها الإسلام وأهله وأذل الشرك وأهله، ولهذا سماه الله تعالى يوم الفرقان، فكان مِن شكر الله -عز وجل- لهؤلاء السادة أن قال لهم: «اعملوا ما شئتم فقد غفرتُ لكم»، ولهذا قال بعض العلماء: كلما رأيتَ حديثًا فيه: «غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه وما تأخر» فإن كلمة «ما تأخر» تكون ضعيفة؛ لأن هذا خاص بالنبي -صلى الله عليه وسلم-، أما مؤقتًا فكما رأيتَ في صوم يوم عرفة.
ومن فوائد الحديث: فضيلة صوم يوم عاشوراء؛ لقوله: «يكفر السنة الماضية».
ومن فوائده: أن فضل صوم يوم عاشوراء أدنى من فضل صوم يوم عرفة.
ومن فوائده: أن نعمة الله على المسلمين في الأمم السابقة هي نعمة على جنسهم إلى يوم القيامة، فانتصار في الأمم السابقة هو من نعمة الله علينا، ولهذا صام النبي -صلى الله عليه وسلم- هذا اليوم شكرًا على ما أُنعم به على موسى وقومه؛ حيث أنجاهم من الغرق وأغرق فرعون وقومه. فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام (3/ 258- 259).
وقال الشيخ عبد الله البسام -رحمه الله-:
ما يؤخذ من الحديث: ...
- صوم يوم عرفة هو أفضل صيام التطوع، بإجماع العلماء.
- صيامه مستحب لغير الحاج الواقف بعرفة؛ لما روى الخمسة عن أبي هريرة: «أن النبي -صلى الله عليه وسلم- نهى عن صوم يوم عرفة بعرفة» وكراهة صوم عرفة بعرفة مذهب جمهور العلماء، ومنهم الأئمة الثلاثة: مالك والشافعي وأحمد وغيرهم.
- يدل الحديث على استحباب صوم يوم عاشوراء، وهو اليوم العاشر من شهر محرم؛ فقد جاء في صحيح مسلم عن ابن عباس: «أن النبي -صلى الله عليه وسلم- صامه، وأمر بصيامه».
- صيام عاشوراء يكفِّر سيئات السَّنة التي قبله؛ ذلك أن فضله أقلّ من فضل يوم عرفة، وفضل صيامه أقلّ من فضل صيام يوم عرفة.
- جاء في صحيح مسلم أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «لئن بقيتُ إلى قابل، لأصومنّ التاسع»؛ ولذا استحب جمهور العلماء -ومنهم الإمام الشافعي والإمام أحمد- الجمع بالصيام بين التاسع والعاشر.
ظاهر الحديث: أن صوم يوم عرفة يكفِّر الصغائر والكبائر من الذنوب، به قال بعض العلماء، والجمهور على أنه لا يكفِّر الكبائر، وقالوا: إن صوم يوم عرفة ليس أفضل من الصلوات الخمس، وقد جاء في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهنّ، ما لم تُغْشَ الكبائر». توضيح الأحكام من بلوغ المرام (3/ 529- 530).


إبلاغ عن خطأ