حينَ صامَ رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- يومَ عاشوراءَ وأمرَ بصيامِهِ قالوا: يا رسول الله إنّه يومٌ تعظِّمُهُ اليهودُ والنصارى، فقال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلمَ-: «فإذا كانَ العامُ المقبلُ إنْ شاءَ اللهُ صُمْنا اليومَ التاسعَ»، قال: فلمْ يأتِ العامُ المقبلُ حتى تُوُفي رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلمَ-.
رواه مسلم برقم: (1134)، من حديث ابن عباس -رضي الله عنهما-، وفي لفظ له: «لئنْ بقيتُ إلى قابلٍ لأَصُومَنَّ التاسعَ».
وفي رواية عند مسلم برقم (1131) : «كان يوم عاشوراء يومًا تُعظِّمه اليهود، وتتخذه عيدًا، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «صوموه أنتم»، من حديث أبي موسى الأشعري –رضي الله عنه-.
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«عاشوراء»:
ممدودة والعامة تقصره، ويقال: ليس في الكلام فاعولاء ممدود إلا عاشوراء، هكذا قال بعض البصريين، وهو اسم إسلامي، لم يُعرف في الجاهلية. غريب الحديث، للخطابي (3/ 240).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
«عاشوراء» هو اليوم العاشر من المحرم، وهو اسم إسلامي، وليس في كلامهم فاعولاء بالمد غيره، وقد أُلحق به تاسوعاء، وهو تاسع المحرم، وقيل: إن عاشوراء هو التاسع، مأخوذ من العشر في أوراد الإبل. النهاية (3/ 240).
شرح الحديث
قوله: «حينَ صامَ رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلمَ- يومَ عاشوراءَ وأمرَ بصيامِهِ»:
قال القاضي عياض -رحمه الله-:
«عاشوراء» فاعولاء، وهو من أبنية المؤنث، صفة لليوم والليلة مضاف إليها، وقال الخليل: هو اليوم العاشر، ويقال: التاسع، فعلى هذا هو صفة لليوم، وهو في التاسع من إضافة الشيء إلى نفسه؛ كمسجد الجامع، قال بعضهم: وإضافته للَّيلة أصح، وقال الحربي وغير واحدٍ: هو العاشر، وقال غيره: هو التاسع، وقيل: سُمِّي التاسع عاشوراء على عادة العرب في الورد، وأنه مأخوذ من أعشار الإبل، وكانت إذا وردت لتسعة أيام سمّوه عِشْرًا؛ وذلك أنهم يحسبون في الإظماء يوم الورود، فإذا قامت في الرعي يومين، ثم وردت في الثالث، قالوا: وردت رِبْعًا، وإن رعت ثلاثًا ووردت في الرابع، قالوا: وردت خمسًا؛ لأنهم حسبوا في كل هذا بقية اليوم الذي وردت فيه قبل الرعي، وأول اليوم الذي ترد فيه بعده. إكمال المعلم (4/ 77).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
«عاشوراء» وزنه: فاعولاء، والهمزة فيه للتأنيث، وهو معدول عن عاشرة؛ للمبالغة والتعظيم، وهو في الأصل: صفة للَّيلة العاشرة؛ لأنه مأخوذ من العشر الذي هو اسم للعقد الأول، واليوم مضاف إليها، فإذا قلتَ: يوم عاشوراء، فكأنك قلتَ: يوم الليلة العاشرة، إلا أنهم لما عدلوا به عن الصفة غلبت عليه الاسمية، فاستغنوا عن الموصوف، فحذفوا الليلة، وعلى هذا: فيوم عاشوراء هو العاشر؛ قاله الخليل وغيره، وقيل: هو التاسع... وعلى القول الأول سعيد والحسن ومالك وجماعة من السلف، وذهب قوم إلى أنه التاسع، وبه قال الشافعي متمسِّكًا بما ذكر في الإظماء، وبحديث ابن عباس الآتي إن شاء الله، وذهب جماعة من السَّلف إلى (الجمع) بين صيام التاسع والعاشر، وبه قال الشافعي في قوله الآخر وأحمد وإسحاق، وهو قول مَن أشكل عليه التعيين، فجمع بين الأمرين احتياطًا. المفهم (3/ 190).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
«وعاشوراء» بالمد على المشهور، وحكي فيه القصر، وزعم ابن دريد أنه اسم إسلامي وأنه لا يُعرف في الجاهلية، ورَدّ ذلك عليه ابن دحية بأن ابن الأعرابي حكى أنه سمع في كلامهم: خابوراء، وبقول عائشة: إن أهل الجاهلية كانوا يصومونه انتهى، وهذا الأخير لا دلالة فيه على ردّ ما قال ابن دريد.
واختلف أهل الشرع في تعيينه؛ فقال الأكثر: هو اليوم العاشر... وقيل: هو اليوم التاسع، فعلى الأول فاليوم مضاف لليلته الماضية، وعلى الثاني هو مضاف لليلته الآتية. فتح الباري (4/ 245).
وقال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «حين صام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوم عاشوراء...» إلى آخره، قصَّته: أن النبي -عليه السلام- لما خرج من مكة ودخل المدينة رأى اليهود يصومون يومًا، فقال لهم: «ما هذا اليوم؟» فقالوا: هذا يوم أظهر الله موسى وبني إسرائيل على فرعون، فنصوم هذا اليوم ونعظِّمه، فقال رسول الله -عليه السلام-: «نحن أولى بموسى -عليه السلام-» يعني: بموافقته، فصام رسول الله -عليه السلام- ذلك اليوم وأمر أصحابه بصومه، وذلك يوم عاشوراء، وهو العاشر من المحرم. المفاتيح في شرح المصابيح (3/ 38).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«حين صام النبي -صلى الله عليه وسلم- عاشوراء وأمر بصيامه» استدل به أبو حنيفة وغيره على أن صيام عاشوراء كان واجبًا أول الإسلام ثم نُسخ، والصحيح الذي رجع إليه الشافعي أنه لم يكن واجبًا قط؛ لما ثبت في الصحيحين عن معاوية أنه قال: سمعتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو على المنبر يقول: «إن هذا اليوم يوم عاشوراء لم يكتب عليكم صيامه» فدل على أنه لم يجب قط؛ فإنَّ "لم" حرفٌ ينفي الماضي، وأما الأحاديث الواردة بالأمر به فمحمولة على تأكيد الاستحباب. شرح سنن أبي داود (10/ 572).
قوله: «قالوا: يا رسولَ اللهِ إنّه يومٌ تعظِّمُهُ اليهودُ والنصارى»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
فلما كانت السنة العاشرة من الهجرة «قالوا» أي: الصحابة «يا رسول الله إنه» أي: يوم عاشوراء... «يوم يعظِّمه اليهود والنصارى» أي: وتجب مخالفتهم فكيف نوافقهم على تعظيمه؟ مرقاة المفاتيح (4/ 1412).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
فلما كانت السنة العاشرة من الهجرة «قالوا: يا رسول الله! إنه يوم تعظمه اليهود» كارهين موافقتهم. شرح المصابيح (2/ 538).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«قالوا: يا رسول الله إنه يوم تعظِّمه اليهود والنصارى»؛ لأن الله أنجى فيه موسى وأهلك فيه فرعون. شرح سنن أبي داود (10/ 572).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قول الصحابة للنبي -صلى الله عليه وسلم-: «إن يوم عاشوراء يوم تعظمه اليهود»؛ كان هذا القول من النبي -صلى الله عليه وسلم- بعد أن تمادى على صومه عشر سنين أو نحوها، بدليل: أن أمره بصومه إنما كان حين قدم المدينة، وهذا القول الآخر كان في السَّنة التي توفي فيها في يوم عاشوراء من محرَّم تلك السَّنة، وتوفي هو -صلى الله عليه وسلم- في شهر ربيع الأول منها، لم يختلف في ذلك؛ وإن كانوا اختلفوا في أي يوم منه، وأصح الأقوال: في الثاني عشر منه، والله تعالى أعلم. المفهم (3/ 193).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
«قالوا: إنه يوم تعظِّمه اليهود والنصارى» الحديث، واستُشكل بأن التعليل بنجاة موسى وغرق فرعون يختص بموسى واليهود، وأُجيب باحتمال أن يكون عيسى كان يصومه وهو مما لم يُنسخ من شريعة موسى؛ لأن كثيرًا منها ما نُسخ بشريعة عيسى؛ لقوله تعالى: {وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ} آل عمران: 50، ويقال: إن أكثر الأحكام الفرعية إنما تتلقاها النصارى من التوراة، وقد أخرج أحمد من وجه آخر عن ابن عباس زيادة في سبب صيام اليهود له، وحاصلها: أن السفينة استوت على الجودي فيه فصامه نوح وموسى شكرًا، وقد تقدمت الإشارة لذلك قريبًا، وكأنّ ذكر موسى دون غيره هنا لمشاركته لنوح في النجاة وغرق أعدائهما. فتح الباري (4/ 248).
قوله: «فقال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: فإذا كان العامُ المقبلُ إنْ شاءَ اللهُ صُمْنا اليومَ التاسعَ»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«فإذا كان العام المقبل» «كان» هنا تامة؛ أي: جاء، ويحتمل أن تكون ناقصة، وخبرها محذوف؛ أي: آتيًا، وقوله: «إن شاء الله» ذكره للتبرك؛ امتثالًا لقوله -عز وجل-: {وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} الكهف: 23، 24، «صمنا اليوم التاسع» أي: مع العاشر، وهذا هو الظاهر، وقيل: يحتمل أن يكون المراد تعويضه به، والأول أظهر، والله تعالى أعلم. البحر المحيط الثجاج (21/ 227).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
وقوله -صلى الله عليه وسلم-: «فإذا كان العام المقبل صُمنا اليوم التاسع» إنما قال هذا -صلى الله عليه وسلم- لحصول فائدة الاستئلاف المتقدم، وكانت فائدته: إصغاؤهم لما جاء به حتى يتبين لهم الرشد من الغيّ، فيحيا مَن حيّ عن بيِّنة ويهلك مَن هلك عن بيِّنة، ولما ظهر عنادهم كان يحب مخالفتهم -أعني: أهل الكتاب- فيما لم يؤمر به، وبهذا النظر، وبالذي تقدَّم يرتفع التعارض المتوهم في كونه -صلى الله عليه وسلم- كان يحب موافقة أهل الكتاب، وكان يحب مخالفتهم، وأن ذلك في وقتين وحالتين، لكن الذي استقر حاله عليه: أنه كان يحب مخالفتهم؛ إذ قد وضح الحق، وظهر الأمر ولو كره الكافرون. المفهم (3/ 193- 194).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
«فإذا كان العام المقبل صمنا يوم التاسع...» قلتُ: هذا من قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون أراد بذلك مخالفة اليهود، وقد رُوي ذلك في بعض الحديث، والوجه الآخر: أن يكون قد أثبت عاشوراء على ما كانوا يثبتونه من الوقت ووصله بيوم قبله كأنه كره أن يصوم يومًا فردًا لا يوصل بصيام قبله ولا بعده كما نهى أن يصام يوم الجمعة لا يوصل بالخميس ولا بالسبت.
وفيه وجه آخر: وهو أن بعض أهل اللغة زعم أن اسم عاشوراء مأخوذ من أعشار أوراد الإبل، والعُشر عندهم تسعة أيام، وذلك أنهم كانوا يحسبون في الإظماء يوم الورود، فإذا وردوا يومًا وأقاموا في الرعي يومين ثم أوردوا اليوم الثالث قالوا: وردنا أربعًا وإنما هو اليوم الثالث في الإظماء، وإذا أقاموا في الرعي ثلاثًا ووردوا اليوم الرابع قالوا: وردنا خمسًا، وعلى هذا الحساب فعاشوراء على هذا القياس إنما هو اليوم التاسع، وكان ابن عباس يقول: «يوم عاشوراء هو اليوم التاسع». معالم السنن (2/ 132).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
وفي قوله: «إذا كان العام المقبل صُمنا يوم التاسع» أربعة أوجه: أحدها: أن يكون أراد صوم التاسع عوضًا عن العاشر؛ ليخالف اليهود، والثاني: أن يكون أراد صوم التاسع والعاشر؛ ليخالفهم، والثالث: أن يكون كره صوم يوم مفرد فأراد أن يصله بيوم آخر، والرابع: أن التاسع هو عاشوراء، وهذا مذهب ابن عباس. كشف المشكل من حديث الصحيحين (2/ 461).
قوله: وفي لفظ له: «لئنْ بقيتُ إلى قابلٍ لأَصُومَنَّ التاسعَ»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«لئن بقيتُ» أي: في الدنيا أو لئن عشتُ «إلى قابل» أي: إلى عام قابل وهو السنة الآتية «لأصومنّ التاسع» أي: فقط، أو مع العاشر فيكون مخالفة في الجملة، والأول أظهر، ومع هذا ما كان تاركًا لتعظيم اليوم الذي وقع فيه نُصرة الدِّين؛ لأنهم كانوا يصومون شكرًا، ويجوز تقديم الشكر سيما على وجه المشارفة على مثل زمان وقوع النعمة فيه، بل صوم العاشر أيضًا فيه التقدم عليه؛ إذ الفتح كان في أثناء النهار والصوم ما يصح إلا من أوله، ولو أراد -صلى الله عليه وسلم- مخالفتهم بالكليَّة لترك الصوم مطلقًا، والله أعلم. مرقاة المفاتيح (4/ 1412).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
وقوله: «لئن بقيتُ إلى قابلٍ لأصومنّ التاسع» ظاهره: أنه كان عزم على أن يصوم التاسع بدل العاشر، وهذا هو الذي فهمه ابن عباس، حتى قال للذي سأله عن يوم عاشوراء: «إذا رأيتَ هلال المحرم فاعدد وأصبح يوم التاسع صائمًا»، وبهذا تمسَّك مَن رآه التاسع، ويمكن أن يقول: مَن رأى صوم التاسع والعاشر: ليس فيه دليل على أنه يترك صوم العاشر، بل وعد بأن يصوم التاسع مضافًا إلى العاشر، وفيه بُعد عند تأمل مساق الحديث، مبنيًّا على أنه جواب سؤالٍ سبق، فتأمَّله. المفهم (3/ 194).
وقال ابن حجر -رحمه الله- معلقًا على حديث ابن عباس:
لكن قال الزين بن المنير: قوله: «إذا أصبحت من تاسعة» فـ(أصبح) يُشعر بأنه أراد العاشر؛ لأنه لا يصبح صائمًا بعد أن أصبح من تاسعة إلا إذا نوى الصوم من الليلة المقبلة، وهو الليلة العاشرة، قلتُ: ويقوي هذا الاحتمال ما رواه مسلم أيضًا من وجه آخر عن ابن عباس أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «لئن بقيتُ إلى قابل لأصومنّ التاسع» فمات قبل ذلك، فإنه ظاهر في أنه -صلى الله عليه وسلم- كان يصوم العاشر وهمّ بصوم التاسع فمات قبل ذلك، ثم ما هَمّ به من صوم التاسع يحتمل معناه أنه لا يقتصر عليه بل يضيفه إلى اليوم العاشر؛ إما احتياطًا له وإما مخالفة لليهود والنصارى، وهو الأرجح، وبه يُشعر بعض روايات مسلم، ولأحمد من وجه آخر عن ابن عباس مرفوعًا: «صوموا يوم عاشوراء وخالفوا اليهود صوموا يومًا قبله أو يومًا بعده» وهذا كان في آخر الأمر وقد كان -صلى الله عليه وسلم- يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء، ولا سيما إذا كان فيما يخالف فيه أهل الأوثان، فلما فُتحت مكة واشتهر أمر الإسلام أحب مخالفة أهل الكتاب أيضًا كما ثبت في الصحيح، فهذا من ذلك، فوافقهم أولًا وقال: «نحن أحق بموسى منكم» ثم أحب مخالفتهم فأمر بأن يضاف إليه يوم قبله ويوم بعده خلافًا لهم، ويؤيده رواية الترمذي من طريق أخرى بلفظ: «أمرنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بصيام عاشوراء يوم العاشر»، وقال بعض أهل العلم: قوله -صلى الله عليه وسلم- في صحيح مسلم: «لئن عشتُ إلى قابل لأصومنّ التاسع» يحتمل أمرين: أحدهما: أنه أراد نقل العاشر إلى التاسع، والثاني: أراد أن يضيفه إليه في الصوم، فلما توفي -صلى الله عليه وسلم- قبل بيان ذلك كان الاحتياط صوم اليومين، وعلى هذا فصيام عاشوراء على ثلاث مراتب: أدناها: أن يصام وحده، وفوقه أن يصام التاسع معه، وفوقه أن يصام التاسع والحادي عشر، والله أعلم. فتح الباري (4/ 245- 246).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله- معلقًا:
الاحتمال الثاني هو الصحيح (وهو أنه أراد أن يضيفه لصيام العاشر)، وأما نقله إلى التاسع فبعيد، والحاصل: أن الأرجح هو ما ذهب إليه الجمهور، من أن عاشوراء هو اليوم العاشر من المحرم، وأما قول ابن عباس -رضي الله عنهما-: «وأصبح يوم التاسع صائمًا»، فهو مذهب انفرد به، وتخالفه ظواهر الأحاديث، إلا إذا حُمل أنه أراد صومه مع العاشر، فيتفق مع مذهب الجمهور، وهذا أولى ما أوّل به قوله، فتأمل. البحر المحيط الثجاج (21/ 224).
وقال التوربشتي -رحمه الله-:
وفيه: «لأصومنّ التاسع» جعَل بعضهم العلة فيه ما ذكرناه من الإظماء، وذهب بعضهم إلى أنه كره أن يصومه يومًا فردًا، كما كره صوم يوم الجمعة من غير أن يوصل بالخميس، وذهب آخرون إلى أنه أراد أن يضم إليه يومًا آخر؛ ليكون هَدْيُهُ مخالفًا لهدى أهل الكتاب، وهذا أقرب الوجوه وأمثلها؛ لأنه وقع موقع الجواب لقولهم: «إنه يوم يعظمه اليهود». الميسر في شرح مصابيح السنة (2/ 474).
وقال المظهري -رحمه الله-:
«لئن بقيتُ إلى قابل لأصومنّ التاسع» يعني: لئن عشتُ إلى المحرم الذي يأتي بعد هذا لأصومنّ من اليوم التاسع من المحرم، يسمى ذلك اليوم تاسوعاء، فلم يعش رسول الله -عليه السلام- إلى السنة القابلة، توفي في الثاني عشر من الربيع الأول، فصار اليوم التاسع من المحرم صومه سُنة وإن لم يصمه رسول الله -عليه السلام-؛ لأنه عزم على صومه، وكل ما فعله رسول الله -عليه السلام- أو عزم عليه أو أمر به أو رضي به كان ذلك سُنة، إن لم يكن فريضة.
وقوله: «لأصومنّ التاسع»، لم يقل -عليه السلام- هذا على عزم ترك صوم عاشوراء مخالفة لليهود، بل قال هذا وعزم على صوم التاسع من المحرم؛ لتعلم اليهود أنه -عليه السلام- وأصحابه لم يصوموا عاشوراء موافقة لهم؛ لأنهم لو صاموها موافقة لهم لم يعزموا على صوم تاسوعاء. المفاتيح في شرح المصابيح (3/ 38- 39).
قوله: «قالَ: فلمْ يأتِ العامُ المقبلُ حتى تُوُفي رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلمَ-»:
الشيخ قال محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«قال» ابن عباس -رضي الله عنهما- «فلم يأتِ العام المقبل حتى توفي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-» فثبتت سُنيته بعزمه -صلى الله عليه وسلم- على صومه. البحر المحيط الثجاج (21/ 227).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«فلم يأتِ العام المقبل حتى توفي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-» في ربيع الأول من تلك السَّنة، وهذا تصريح في أن الذي صامه العاشر لا التاسع، وأخذ به الشافعي وأحمد وإسحاق وآخرون أنه يستحب صوم العاشر والتاسع جميعًا؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- صام العاشر ونوى صيام التاسع. شرح سنن أبي داود (10/ 573).
وقال النووي -رحمه الله-:
قال الشافعي وأصحابه وأحمد وإسحاق وآخرون: يستحب صوم التاسع والعاشر جميعًا؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- صام العاشر ونوى صيام التاسع، وقد سبق في صحيح مسلم في كتاب الصلاة من رواية أبي هريرة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم» قال بعض العلماء: ولعل السبب في صوم التاسع مع العاشر ألا يتشبه باليهود في إفراد العاشر، وفي الحديث إشارة إلى هذا، وقيل: للاحتياط في تحصيل عاشوراء، والأول أَولى، والله أعلم. شرح صحيح مسلم (8/ 12).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
وأما الإشكال الرابع: وهو أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «لئن بقيتُ إلى قابل لأصومنّ التاسع»، وأنه توفي قبل العام المقبل، وقول ابن عباس: «إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يصوم التاسع»، فابن عباس روى هذا وهذا، وصح عنه هذا وهذا، ولا تنافي بينهما؛ إذ من الممكن أن يصوم التاسع ويخبر أنه إن بقي إلى العام القابل صامه أو يكون ابن عباس أخبر عن فعله مستندًا إلى ما عزم عليه ووعد به، ويصح الإخبار عن ذلك مقيدًا أي: كذلك كان يفعل لو بقي، ومطلقًا إذا علم الحال، وعلى كل واحد من الاحتمالين فلا تنافي بين الخبرين...
وأما الإشكال السادس: وهو قول ابن عباس: «اعددْ، وأَصْبِحْ يوم التاسع صائمًا»، فمَن تأمل مجموع روايات ابن عباس تبين له زوال الإشكال، وسعة علم ابن عباس، فإنه لم يجعل عاشوراء هو اليوم التاسع بل قال للسائل: صم اليوم التاسع، واكتفى بمعرفة السائل أن يوم عاشوراء هو اليوم العاشر الذي يعده الناس كلهم يوم عاشوراء، فأرشد السائل إلى صيام التاسع معه، وأخبر أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يصومه كذلك، فإما أن يكون فعل ذلك هو الأَولى، وإما أن يكون حمل فعله على الأمر به، وعزمه عليه في المستقبل، ويدل على ذلك أنه هو الذي روى: «صوموا يومًا قبله ويومًا بعده»، وهو الذي روى: «أمرنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بصيام يوم عاشوراء يوم العاشر»، وكل هذه الآثار عنه يصدق بعضها بعضًا ويؤيد بعضها بعضًا.
فمراتب صومه ثلاثة: أكملها أن يُصام قبله يوم وبعده يوم، ويلي ذلك أن يصام التاسع والعاشر وعليه أكثر الأحاديث، ويلي ذلك إفراد العاشر وحده بالصوم.
وأما إفراد التاسع فمِن نقص فهم الآثار، وعدم تتبع ألفاظها وطُرقها، وهو بعيد من اللغة والشرع، والله الموفق للصواب.
وقد سلك بعض أهل العلم مسلكًا آخر فقال: قد ظهر أن القصد مخالفة أهل الكتاب في هذه العبادة مع الإتيان بها، وذلك يحصل بأحد أمرين: إما بنقل العاشر إلى التاسع، أو بصيامهما معًا، وقوله: «إذا كان العام المقبل صمنا التاسع» يحتمل الأمرين، فتوفي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قبل أن يتبين لنا مراده، فكان الاحتياط صيام اليومين معًا، والطريقة التي ذكرناها أصوب إن شاء الله، ومجموع أحاديث ابن عباس عليها تدل؛ لأن قوله في حديث أحمد: «خالفوا اليهود، صوموا يومًا قبله أو يومًا بعده»، وقوله في حديث الترمذي: «أمرنا بصيام عاشوراء يوم العاشر» يبين صحة الطريقة التي سلكناها، والله أعلم. زاد المعاد (2/ 71- 73).
وقال ابن قدامة -رحمه الله-:
قال (الإمام) أحمد: فإن اشتبه عليه أول الشهر صام ثلاثة أيام، وإنما يفعل ذلك ليتيقن صوم التاسع والعاشر. المغني (4/ 441).
وقال الشيخ عبد العزيز الراجحي -حفظه الله-:
في هذه الأحاديث: رد على رواية الحكم ابن الأعرج فيما ذهب إليه ابن عباس -رضي الله عنهما- من أن اليوم العاشر هو التاسع، وقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «إنه إن عاش إلى العام المقبل- إن شاء الله- ليصومن اليوم التاسع» تصريحٌ بأن الذي كان يصومه ليس هو التاسع، فتعين أن يكون العاشر. توفيق الرب المنعم بشرح صحيح الإمام مسلم (3/ 306).
وللاستفادة من الروايات الأخرى ينظر (هنا) و (هنا) و (هنا)