أنّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «أُريتُ ليلةَ القَدْرِ ثمّ أُنسيتُها، وأُراني صُبْحَها أسجدُ في ماءٍ وطينٍ»، قال: فَمُطِرْنا ليلةَ ثلاثٍ وعشرينَ فصلّى بنا رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فانصرفَ وإنّ أثرَ الماءِ والطينِ على جبهتِهِ وأنفِهِ، قالَ: وكانَ عبدُ اللهِ بنُ أُنيسٍ يقولُ: ثلاثٍ وعشرينَ.
رواه مسلم برقم: (1168)، من حديث عبد الله بن أنيس -رضي الله عنه-.
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«ليلة القدرِ»:
هي الليلة التي يُقَدِّر الله فيها الأشياء، ويُفْرَق فيها كل أمرٍ حكيم. الغريبين في القرآن والحديث، للهروي (5/ 1509).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
«ليلة القدر» وهي الليلة التي تُقَدَّر فيها الأرزاق وتُقضى. النهاية (4/ 22).
شرح الحديث
قوله: «أنّ رسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلمَ- قالَ: أُريتُ ليلةَ القَدْرِ ثمّ أُنسيتُها»:
قال زكريا الأنصاري -رحمه الله-:
«أُريتُ» بالبناء لمفعول من الرؤية العلمية، وفي نسخة: «رأيتُ» من الرؤية العلمية، أو من الرؤية البصرية، «ليلة القدر» أي: علامتها، وهي السجود في الماء والطين، «نُسّيتها» بضم النون، وتشديد السين المكسورة، وفي نسخة: «أُنْسِيْتُها» بضم الهمزة، وفي أخرى: «نَسيتها» بفتح النون وكسر السين المخففة، والمراد: أنه نسي تعيينها. منحة الباري بشرح صحيح البخاري (2/ 529).
وقال محمد الخضر الشنقيطي -رحمه الله-:
«أُريتُ ليلَة القدرِ» أي: بضمِّ أوله على البناء لغير معين، وهي من الرؤيا أي: أُعلمت بها، أو من الرؤية أي: أبصرتها، وإنما أُري علامتها وهو السجود في الماء والطين كما أشار إليه آخر الحديث بلفظ: «حتى رأيتُ أَثرَ الماءِ والطينِ على جبهةِ رسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- تصديق رؤياه». كوثر المعاني الدراري (9/ 347).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قوله: «أُنسيتها» أي: أُنسيتُ تعينها في تلك السَّنة، ومثل هذا النسيان جائز عليه؛ إذ ليس بتبليغ حكم يجب العمل به، ولعل عدم تعيُّنها أبلغ في الحكمة، وأكمل في تحصيل المصلحة، كما قال: «وعسى أن يكون خيرًا لكم»، ووجه ذلك: أنها إذا لم تُعَيَّن أو كانت متنقلة في العشر، حَرِصَ الناس على طلبها طول ليال العشر، فحصل لهم أجرها، وأجر قيام العشر كله، وهذا نحو مما جرى في تعيُّن الصلاة الوسطى، وساعة الجمعة، وساعة الليل، -والله أعلم-. المفهم (3/ 252).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
و«أُنسيتها» من الإنساء، وفي بعضها من التنسية، وفي بعضها من النسيان، فإن قلتَ: إذا جاز النسيان في هذه المسألة جاز في غيرها فيفوت منه التبليغ إلى الأمَّة، قلتُ: النسيان في الأحكام التي يجب عليه التبليغ لها لا يجوز، ولو جاز ووقع لذكره الله تعالى. الكواكب الدراري (9/ 157).
وقال النووي -رحمه الله-:
قال القفال: قوله -صلى الله عليه وسلم-: «أُريتُ هذه الليلة ثم أُنسيتُها» ليس معناه أنه رأى الملائكة والأنوار عيانًا ثم أُنْسِيَ في أول ليلة رأى ذلك؛ لأن مثل هذا قلّ ما يُنسى، وإنما معناه أنه قيل له: ليلة القدر كذا وكذا، ثم أُنسي كيف قيل له. المجموع، شرح المهذب (6/ 461).
قوله: «وأُراني صُبْحَها أسجدُ في ماءٍ وطينٍ»:
قال محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«وأُراني» أي: أرى نفسي «صُبحها» أي: في صلاة صبح ليلة القدر، وفي بعض النسخ: «صبيحتها»، وجملة قوله: «أسجد في ماء وطين» مفعول ثانٍ لـ(أرى) أي: أرى نفسي ساجدًا في ماء وطين في صلاة صبح ليلة القدر. الكوكب الوهاج (13/ 216).
قوله: «قالَ: فَمُطِرْنا ليلةَ ثلاثٍ وعشرينَ»:
قال محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«قال» عبد الله بن أنيس: «فمُطرنا ليلة ثلاثٍ وعشرين» وهذا يخالف ما تقدم في حديث أبي سعيد من قوله: «فأصبح من ليلة إحدى وعشرين وقد قام إلى الصبح فمطرت السماء» الحديث، والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب، ولكن يرجح حديث أبي سعيد؛ لأنه لم ينفرد به مسلم بل شاركه النسائي، وحديث عبد الله بن أنيس انفرد به مسلم. الكوكب الوهاج (13/ 216).
قوله: «فصلّى بنا رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فانصرفَ وإنّ أثرَ الماءِ والطينِ على جبهتِهِ وأنفِهِ»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فصلى بنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-» صلاة الصبح «فانصرف» أي: فرغ من صلاة الصبح «وإنَّ أثر الماء والطين على جبهته وأنفه». الكوكب الوهاج (13/ 216).
وقال البنا الساعاتي -رحمه الله-:
(«فصلى بنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-») يعني: صلاة الصبح صبيحة ثلاث وعشرين «فانصرف» من الصلاة «وإن أثر الماء والطين على جبهته وأنفه»؛ تصديقًا لما رأى في النوم. الفتح الرباني لترتيب مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني (10/ 281).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
«فانصرف وإن أثر الماء والطين على جبهته وأنفه» والحاصل أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- رؤي وهو يسجد في طين وماء، ورؤي بعد الانصراف من الصلاة وعلى وجهه، وعلى جبينه وعلى جبهته وأنفه أثر الطين والماء. فتح المنعم شرح صحيح مسلم (5/ 59).
قوله: «قالَ: وكانَ عبدُ اللهِ بنُ أُنيسٍ يقولُ: ثلاثٍ وعشرينَ»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«قال» بسر بن سعيد: «وكان عبد الله بن أنيس يقول: ثلاث وعشرين» بالياء أي: يقول: ليلة القدر ثلاث وعشرين. الكوكب الوهاج (13/ 216).
وقال النووي -رحمه الله-:
قوله: «وكان عبد الله بن أنيس يقول: ثلاث وعشرين» هكذا هو في مُعظم النُّسخ، وفي بعضها: «ثلاث وعشرون» وهذا ظاهر، والأول جارٍ على لغة شاذة أنه يجوز حذف المضاف ويبقى المضاف إليه مجرورًا أي: ليلة ثلاث وعشرين. شرح صحيح مسلم (8/ 64).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
وفي الخبر: دليل على وجوب السجود على الجبهة، ولولا وجوب ذلك لصانها عن لَثَق الطين (اللَّثَق: الماء والطين المختلطان).
وفيه: استحباب استصحاب ما يصيب جبهة الساجد ووجهه من أثر الأرض وغبارها، وألا يسرع إلى نفضها أو مسحها بيد أو ثوب.
وفيه: ما يعلِّمك أن تأويل بعض الرؤيا في المنام خروجه في اليقظة على الصورة التي رآها في الحلم. أعلام الحديث (1/ 538).
وقال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
ولا يخفى أن حديث عبد الله بن أنيس (أن ليلة القدر في ثلاث وعشرين) مخالف لحديث أبي سعيد (أن ليلة القدر في إحدى وعشرين) في تعيين الليلة، فقيل: الترجيح لحديث أبي سعيد؛ لأنه متفق عليه، وقيل: يحتمل على تعدد القصة، واستدل بحديث عبد الله بن أنيس هذا وبحديثه الآتي في الفصل الثاني مَن قال: إن ليلة القدر ليلة ثلاث وعشرين، والظاهر أنَّ هذا كان لتلك السنة خاصة، فحمله عبد الله بن أنيس ومَن وافقه من الصحابة والتابعين على العموم. مرعاة المفاتيح (7/ 130).
وقال البنا الساعاتي -رحمه الله-:
فإن قيل: هذه القصة نفسها جاءت في حديث أبي سعيد وكان ذلك ليلة إحدى وعشرين، فالجواب: يحتمل أن ذلك كان في سَنة أخرى، والله أعلم. الفتح الرباني لترتيب مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني (10/ 281).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
فيه: إشارة إلى أن ليلة القدر ليلة ثلاث وعشرين... وادعى الروياني في الحلية: أنه قول أكثر العلماء، وهو قول كثير من الصحابة وغيرهم، وهو قول أهل المدينة، وحكاه سفيان الثوري عن أهل مكة والمدينة، وممن رُوي عنه أنه كان يوقظ أهله فيها ابن عباس وعائشة، وهو قول مكحول. شرح سنن أبي داود (6/ 648).
وقال الجويني -رحمه الله-:
واختلف العلماء: هل كانت ليلة القدر في الأمم؟ والمختار عندنا أنها مختصة بهذه الأمَّة؛ لما رُوي أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ذكر رجلًا من بني إسرائيل لبس لأْمَتَه (أداة الحرب)، وقاتل في سبيل الله ألف شهر، لا ينزِعها، فاستعظمت الصحابة ذلك، وتمنَّوْا أن يكون لهم مثلُ هذا العمر، وهذه القوة؛ فأنزل الله -سبحانه وتعالى-: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} القدر: 1 إلى قوله تعالى: {لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ} القدر: 3، فدل هذا على تخصيص هذه الأمة بها. نهاية المطلب (4/ 77).