الثلاثاء 26 صفر 1448 | 2026-08-11

A a

رأى ‌رجلٌ ‌أنّ ‌ليلةَ ‌القَدْرِ ‌ليلةُ ‌سبعٍ ‌وعشرينَ، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «أرى رُؤْياكم في العشرِ الأواخرِ، فاطلبوها في الوِتْرِ منها».


رواه مسلم برقم: (1165)، من حديث ابن عمر -رضي الله عنهما-.      


مختصر شرح الحديث


مِن فَضْلِ اللهِ تعالى على هذه الأُمَّةِ: أنْ جَعَلَ لها مواسِمَ عظيمةً تُضاعَفُ فيها الأجورُ وتُغفَرُ فيها الذُّنوبُ، ومِن أعظَمِها: ليلةُ القَدْرِ التي هي خيرٌ مِن ألفِ شهرٍ.
وفي هذا الحديثِ يُخبِرُ ابنُ عُمَرَ - رضيَ اللهُ عنه - أنَّ رجلًا مِن الصَّحابةِ رأى في المنامِ أنَّ ليلةَ القَدْرِ ليلةُ سبعٍ وعشرين، فقال النبيُّ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم-: «أرى رُؤياكم في العشرِ الأواخر»؛ أي: أعلمُ أنَّ رُؤاكم توافَقَتْ على أنَّها في هذه العشرِ الأواخرِ مِن رمضان. ثم أرشدهم إلى الوقتِ الذي يُرجى وجودُها فيه أكثر، فقال: «اطلُبوها في الوِترِ منها»؛ أي: تحرَّوا ليلةَ القَدْرِ في ليالي الوِترِ مِن العشرِ الأواخر، وهي: ليلة الحادية والعشرين، والثالثةِ والعشرين، والخامسةِ والعشرين، والسابعةِ والعشرين، والتاسعةِ والعشرين؛ لأنَّ هذه الليالي أرجى لوقوعِها فيها.
وفي الحديثِ: دلالةٌ على أنَّ ليلةَ القَدْرِ ليست مُعَيَّنةً؛ إذ أمَرَ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- بتحرِّيها في العشرِ الأواخرِ عمومًا، وفي أوتارِها خصوصًا.
كما يدلُّ الحديثُ أيضًا على مكانةِ الرؤيا الصالحة؛ إذ قد تكون سببًا في التنبيهِ إلى أمورٍ خفيَّة.


غريب الحديث


«رُؤْياكم»:
والرُّؤْيَا: ‌ما ‌يُرى ‌في ‌المنام، ‌وهو ‌فُعْلى، وقد يخفّف فيه الهمزة فيقال بالواو. المفردات في غريب القرآن، للراغب الأصفهاني (ص: 375).
وقال محمد اليفرني -رحمه الله-:
تقول: رأيتُ رؤية: إذا عاينتَ ببصرك، ورأيتُ رأيًا: إذا اعتقدتَ شيئًا في قلبك، ورأيتُ رؤيًا: إذا رأيتَ شيئًا في منامك، وقد تُستعمل الرؤيا مصدرًا في اليقظة. الاقتضاب في غريب الموطأ (2/ 497).

«ليلة القَدر»:
هي الليلة التي تُقَدَّر فيها الأرزاق وتُقضى. النهاية، لابن الأثير (4/ 22).

«الوِتْر»:
الفَرد، وتُكْسَر واوُه وتُفتح. النهاية، لابن الأثير (5/ 147).


إظهار شرح الحديث

شرح الحديث

قوله: «رأى ‌رجلٌ ‌أنّ ‌ليلةَ ‌القَدْرِ ‌ليلةُ ‌سبعٍ ‌وعشرينَ»:
قال محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«رأى ‌رجل» لم أرَ مَن ذكر اسمه، أي: أخبر رجل في المنام «أن ليلة القدر ‌ليلة ‌سبع ‌وعشرين»، ورأى آخرون أنها في غيرها. الكوكب الوهاج (13/ 198).

قوله: «فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «أرى رُؤْياكم في العشرِ الأواخرِ»:
قال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «أرى» بفتحتين أي: أعلم، والمراد: أُبْصِرُ مجازًا، قوله: «رؤياكم» ... وقال ابن التين: كذا رُوي بتوحيد الرؤيا وهو جائز؛ لأنها مصدر، قال: وأفصح منه رُؤَاكم جمع رؤيا؛ ليكون جمعًا في مقابلة جمع. فتح الباري (4/ 257).
وقال العراقي -رحمه الله-:
قوله: «أرى» بفتح الهمزة الظاهر أنه بمعنى: أعلم، ويحتمل أنه من الرؤية البصرية مجازًا، وقوله: «رؤياكم» أي: في المنام، والمشهور اختصاص الرؤيا بالمنام فلا تستعمل في غيره، وذكر بعضهم أنها تُستعمل مصدرًا لـ(رأى) مطلقًا ولو كانت في اليقظة، وهي هنا للمنام قطعًا. طرح التثريب في شرح التقريب (4/ 149).
وقال المغربي -رحمه الله-:
وقوله: «أرى» بفتحتين أي: أعلم، و«رؤياكم» جاء بإفرادها، والمراد الجنس الصادق على ما فوق الواحد. البدر التمام شرح بلوغ المرام (5/ 151).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فقال» لهم «النبي -صلى الله عليه وسلم-: أرى رؤياكم» توافقت على أنها «في العشر الأواخر». الكوكب الوهاج (13/ 198).

قوله: «فاطلبوها في الوِتْرِ منها»:
قال محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فاطلبوها» أي: فاطلبوا ليلة القدر «في الوتر منها» أي: من العشر الأواخر، أي: في أوتار الليالي من العَشر الأواخر كالليلة الحادية والعشرين، والثالثة والعشرين، وغيرهما لا في أشفاعها، وواو الوتر فيها الفتح والكسر، وقرئ بهما في قوله تعالى: {وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ} الفجر: 3 كما في أنوار التنزيل، وقوله: «فاطلبوها» هو أمر على جهة الإرشاد إلى وقتها، وترغيب في اغتنامها، فإنها ليلة عظيمة تُغفر فيها الذنوب، ويُطْلِعُ الله تعالى فيها مَن شاء من ملائكته على ما شاء من مقادير خليقته على ما سبق به علمه، ولذلك عظَّمها -سبحانه وتعالى- بقوله: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ} القدر: 2 إلى آخر السورة. الكوكب الوهاج (13/ 198).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
سُميت ليلة القدر بما تُقَدَّر فيها من الأقدار، وما يكون في تلك السنة من الأرزاق والآجال بقوله: {تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ} القدر: 4، ولقوله: {فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ} الدخان: 4.
وقيل: المراد بهذه الآية الآخرة: النصف من شعبان، ومعنى ذلك -والله أعلم-: إظهار ما قدَّره الله في أَزَلِهِ من ذلك لحملة وحيه وملائكة سماواته، ونفوذ أمره بذلك لهم ووحيه، أو إظهار ما شاء من أفعاله الدالة على ذلك عندهم، وإلا فقَدَرُ الله وسابق علمه بالآجال والأرزاق وقضاؤه بما كان ويكون لا أول له.
وقيل: سماها بليلة القدر أي: ذات القدر العظيم، والمحل الشرِيف كما قال: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ} القدر: 3، وكما قال: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ} الدخان: 3، فسماها بهذا لنزول القرآن جملة فيها إلى سماء الدنيا وثبات خيرها ودوامُهُ، وهو يعني البركة. إكمال المعلم (4/ 141- 142).
وقال النووي -رحمه الله-:
وأكثر العلماء على أنها ليلة مُبهمة من العشر الأواخر من رمضان، وأرجاها أوتارها، وأرجاها ليلة سبع وعشرين وثلاث وعشرين وإحدى وعشرين، وأكثرهم أنها ليلة معينة لا تنتقل، وقال المحققون: إنها تنتقل فتكون في سنة ليلة سبع وعشرين، وفي سنة ليلة ثلاث وسنة ليلة إحدى وليلة أخرى، وهذا أظهر، وفيه جمع بين الأحاديث المختلفة فيها. شرح صحيح مسلم (6/ 43).
وقال المغربي -رحمه الله-:
والحديث فيه: دلالة على الحث على قيام رمضان لا سيما ما ذُكر من الأواخر.
وفيه: دلالة على عِظَم قدر الرؤيا، وجواز الاستناد إليها في الاستدلال على الأمور الوجودية بشرط ألا يخالف القواعد الشرعية. البدر التمام شرح بلوغ المرام (5/ 151).
وقال صفي الرحمن المباركفوري -رحمه الله-:
أمره -صلى الله عليه وسلم- بطلب ليلة القدر في العشر الأواخر بعد أن رآها الرجل أنها ‌ليلة ‌سبع ‌وعشرين معناه: أن هذا التعيين في الرؤيا لم يُعتمد بكامله، وإنما اعتمد مع شيء من العموم، وهو أنها تقع في العشر الأواخر؛ لأن ليلة السابع والعشرين من ليالي العشر الأواخر، أو لأن ناسًا آخرين رأوها في ليالٍ أخرى من العشر الأواخر، فلم تحصل الموافقة فيما بينهم إلا على كون ليلة القدر في العشر الأواخر، لا على تعيين ليلة خاصة منها، فأَمَرَ -صلى الله عليه وسلم- بطلبها في العشر الأواخر، يدل على ذلك خطابهم بصيغة الجمع، ونسبة الرؤيا إلى مجموع من المخاطبين، مع أن المذكور أولًا رؤية رجل واحد. منة المنعم في شرح صحيح مسلم (2/ 203).
وقال الشيخ عبد العزيز الراجحي -حفظه الله-:
وفي هذا الحديث: أن الرؤيا قد تكون سببًا في التشريع، كما في هذا الحديث، وكما في قصة الأذان. توفيق الرب المنعم بشرح صحيح الإمام مسلم (3/ 355).
وقال النووي -رحمه الله-:
ليلة القدر ‌مختصة ‌بهذه الأمَّة -زادها الله شرفًا-، فلم تكن لمن قبلها، وسميت ليلة القدر أي: ليلة الحُكم والفصل، هذا هو الصحيح المشهور، قال الماوردي وابن الصباغ وآخرون: وقيل: لِعِظَم قَدْرِها. المجموع شرح المهذب (6/ 447).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
واختلف الناس اختلافًا كثيرًا في ليلة القدر: هل كانت ‌مخصوصة ‌بزمن النبي -صلى الله عليه وسلم-، أو لا؟
فالجمهور: على أنها ليست مخصوصة، ثم اختلفوا: هل هي متنقلة في الأعوام، أو ليست متنقلة؟ ثم الذين قالوا: إنها ليست متنقلة اختلفوا في تعيينها، فمِن مُعَيِّن ليلة النصف من شعبان، ومن قائل: هي ليلة النصف من رمضان، ومن قائل: هي ليلة سبع عشرة، ومن قائل: هي ليلة تسع عشرة، ثم ما من ليلة من ليالي العشر إلا وقد قال قائل بأنها ليلة القدر، وقيل: هي آخر ليلة منه، وقيل: هي معيَّنة عند الله تعالى غير معينة عندنا، وهذه الأقوال كلها للسَّلف والعلماء، وسبب اختلافهم اختلاف الأحاديث كما ترى.
قلتُ: والحاصل من مجموع الأحاديث، ومما استقر عليه أمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في طلبها: أنها في العشر الأواخر من رمضان، وأنها متنقلة فيه، وبهذا يجتمع شتات الأحاديث المختلفة الواردة في تعيينها، وهو قول مالك والشافعي والثوري وأحمد وإسحاق وأبي ثور وغيرهم على ما حكاه أبو الفضل عياض، فاعتَمِد عليه، وتَمَسَّك به. المفهم (3/ 251).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
وقد اختلف العلماء في ليلة القدر اختلافًا كثيرًا، ‌وتحصّل ‌لنا ‌من ‌مذاهبهم في ذلك أكثر من أربعين قولًا، كما وقع لنا نظير ذلك في ساعة الجمعة، وقد اشتركتا في إخفاء كل منهما؛ ليقع الجد في طلبهما. فتح الباري (4/ 262- 263).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
ليلة القدر في العشر الأواخر من شهر رمضان، هكذا صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «هي في العشر الأواخر من رمضان»، وتكون في الوتر منها، لكن الوتر ‌يكون ‌باعتبار ‌الماضي؛ ‌فتُطلب ليلة إحدى وعشرين، وليلة ثلاث وعشرين، وليلة خمس وعشرين، وليلة سبع وعشرين، وليلة تسع وعشرين، ويكون باعتبار ما بقي كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «لتاسعة تبقى، لسابعة تبقى، لخامسة تبقى، لثالثة تبقى» فعلى هذا إذا كان الشهر ثلاثين يكون ذلك ليالي الأشفاع، وتكون الاثنين والعشرين تاسعة تبقى، وليلة أربع وعشرين سابعة تبقى، وهكذا فسره أبو سعيد الخدري في الحديث الصحيح، وهكذا أقام النبي -صلى الله عليه وسلم- في الشهر، وإن كان الشهر تسعًا وعشرين كان التاريخ بالباقي كالتاريخ الماضي، وإذا كان الأمر هكذا فينبغي أن يتحرّاها المؤمن في العشر الأواخر جميعه كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «تحروها في العشر الأواخر»، وتكون في السبع الأواخر أكثر. مجموع الفتاوى (25/ 284- 285).

وللاستفادة من الروايات الأخرى ينظر (هنا) و (هنا) و (هنا)


إبلاغ عن خطأ