الأحد 6 شعبان 1447 | 2026-01-25

A a

«أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يخرج مِنْ طريقِ الشَّجرةِ، ويدخُلُ مِن طريقِ المُعَرَّسِ، وإذا دخلَ مكة، دخلَ مِن الثَّنِيَّةِ العُليَا، ويخرجُ مِن الثَّنِيَّةِ السُّفْلَى».


رواه البخاري برقم: (1533)، ومسلم برقم: (1257) واللفظ له، من حديث ابن عمر -رضي الله عنهما-.
وفي رواية البخاري: «كانَ إذا خرجَ إلى مكَّةَ يُصَلِّي في مسجدِ الشَّجرةِ، وإذا رجعَ صلَّى بذي الحُلَيْفَةِ بِبَطْنِ الوادي، وباتَ حتَّى يُصْبِحَ».


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«المُعَرَّسِ»:
بضم الميم، وتشديد الراء، وآخره سين مُهملة، على ستة أميال من المدينة، منزل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حين يخرج من المدينة ومُعَرَّسِه. مشارق الأنوار، للقاضي عياض (1/ 393).
قال النووي -رحمه الله-:
قوله: «المعرس» هو بضم الميم، وفتح العين المهملة، والراء المشددة، وهو موضع معروف بقُرْب المدينة. المنهاج شرح صحيح مسلم (9/ 4).
وقال الفراهيدي -رحمه الله-:
التعريس: نزول القوم في السفر من آخر الليل، ثم يقعون وقعة (للاستراحة) ثم يرتحلون. العين، للفراهيدي (1/ 328).

«الثَّنِيَّةِ»:
كل عقبة في جبل أو طريق فإنه يُسمى ثنية. شرح سنن أبي داود، لابن رسلان (8/ 482).
قال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
و«الثَّنِيَّة» هي: الهَضَبَة، وهي: الكوم الصغير. المفهم (3/ 371).


شرح الحديث


قوله: «أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يخرجُ من طريقِ الشجرةِ»:
قال الكرماني -رحمه الله-:
قوله: «يخرج» أي: مِن المدينة «من طريق الشجرة» التي عند مسجد ذي الحُليفة. الكواكب الدراري (8/ 66- 67).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قوله: «كان يخرج من طريق الشجرة» يعني -والله أعلم- الشجرة التي بذي الحُليفة؛ التي أحرم منها؛ كما قال ابن عمر في الحديث المتقدم، ولعلها هي الشجرة التي وُلدت تحتها أسماء بنت عُميس -رضي الله عنها-. المفهم (3/ 370- 371).
وقال الكشميري -رحمه الله-:
اعلم أنَّ الشجرة صارت اسمًا بالغلبة لذي الحُلَيْفة، ويقال لها الآن: بئر علي، وهذا غير علي بن أبي طالب، ولفظ الراوي يُشعرُ بالتغاير بين الشجرة وذي الحُليفة، ثم المُعَرَّسُ موضعٌ قريب منها، ولكن لا تتميزان لاندِراس الرسوم والمعالم، والذي يُظن أن أولها ذو الحُلَيْفة، ثم المُعَرَّس، ثم العقيق -وادي-، وتلك المواضعُ كلها متقاربةٌ. فيض الباري (3/ 178).

قوله: «ويدخلُ من ‌طريقِ ‌المُعَرَّسِ»:
قال الكرماني -رحمه الله-:
«ويدخل المدينة من طريق المعرس» وهو أسفل من مسجد ذي الحُليفة و«المعرس» بلفظ المفعول من التعريس، وهو موضع النزول مطلقًا، وقيل: النزول آخر الليل. الكواكب الدراري (8/ 66- 67).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«ويدخل من طريق المعرس»... على طريق من ‌أراد ‌الذهاب ‌إلى ‌مكة من المدينة كان يخرج منه إلى ذي الحُليفة هناك. شرح سنن أبي داود (8/ 483).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
«كان يخرج من طريق الشجرة، ويدخل من ‌طريق ‌المعرس»... وهذا يدل على أنَّ موضع الشجرة -وهو مسجد ذي الحُليفة- غير ‌طريق ‌المعرَّس، والذي كان يرجع منه. فتح الباري (3/ 436).
وقال العراقي -رحمه الله-:
البطحاء التي بذي الحُليفة تسمى المعرس أيضًا...، وصار هذا اللفظ علمًا بالغلبة على موضع معيَّن، وهو على ستة أميال من المدينة، كما حكاه أبو داود في سننه عن محمد بن إسحاق المدني، وجزم به في المشارق، وفي الصحيحين من حديث موسى بن عقبة عن سالم عن أبيه «أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أتى وهو في معرسه من ذي الحُليفة في بطن الوادي، فقيل له: إنك ببطحاء مباركة» .
قال موسى: وقد أناخ بنا سالم بالمناخ من المسجد الذي كان عبد الله (ابن عمر) ينيخ به، يتحرَّى معرَّس رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وهو أسفل من المسجد الذي ببطن الوادي، بينه وبين القبلة وسطًا من ذلك (أي: متوسطًا بين ذلك، أي بين الجانبين، أي بين القبلة والمسجد). طرح التثريب (5/ 180).
وقال السيوطي -رحمه الله-:
«ويدخل من طريق المعرس»... موضع أقرب إلى المدينة من طريق الشجرة. التوشيح (3/ 1225).
وقال صفي الرحمن المباركفوري -رحمه الله-:
«ويدخل من ‌طريق ‌المعرَّس»...المراد به هنا موضع في ذي الحُليفة، كان ينزل به النبي -صلى الله عليه وسلم- في الليل، ويبيت به، وكان هذا الموضع على شفير وادي العقيق الشرقي، فالشجرة والمعرس كلاهما بذي الحُليفة، إلا أنَّ موضع كل منهما، وطريق كل منهما يختلف عن الآخر. منة المنعم (2/ 284).
وقال ابن فرحون المالكي -رحمه الله-:
فإذا وصلتَ المعرَّس -وهي البطحاء التي بذي الحُليفة- فلا تجاوزه حتى تنيخ به، وتقيم فيه، حتى تصلي ركعتين، أو ما بدا لك؛ فإِنَّ ذلك من السُّنة، فإِنْ أتيته في وقت لا يصلَّى فيه، فأقم فيه حتى تحل النافلة، ثم صلِّ به، ثم اِرْحَل؛ وذلك أنَّ ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: «كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا صدر من الحج أو العمرة أناخ بالبطحاء التي بذي الحُليفة، فصلى بها»، قال نافع: وكان ابن عمر -رضي الله عنهما- يفعل ذلك.
وقال مالك: لا أحب لأحد أنْ يترك ذلك، والتعريس به والصلاة فيه من السُّنة. إرشاد السالك إلى أفعال المناسك (2/ 741- 742).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
قوله: «كان النبي -عليه السلام- يخرج -يعني من المدينة- من طريق الشجرة، ويدخل من ‌طريق ‌المعرس، وإذا دخل مكة دخل من الثنية العليا، ويخرج من الثنية السفلى»، قيل: فعله ذلك لأنه كان أسمح لخروجه، كذا جاء في الحديث، أي: أسهل؛ ولأنه كان آخر أمره وداع البيت، فيأتي في رجوعه بعد إلى أعلى مكة تكلُّف (عبارته عند الأُبي: "فلو رجع منه إلى العليا لشق عليه" وهي أوضح)، وأنَّ خروجه من هنالك لأسفلها أيسر وأسهل.
وقيل: يُتأوَّل فيه ما يُتأول في مخالفة الطريق في العيد؛ ليتبرك به كل من في طريقه، ويدعو لهم، ويجيبهم عما يسألونه عنه، ولا يخص قومًا دون قوم؛ وليعمهم بدعائه.
وقيل: ليغيظ المنافقين ومن في قلبه مرض بإظهار أمر الإسلام وظهوره.
وقيل: ليكثِّر خطاه؛ وليكثر نوافله، وقيل غير هذا. إكمال المعلم (4/ 335).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
ليس خروجه على طريق الشجرة ورجوعه من ‌طريق ‌المعرس من سنن الحج.
قال المهلب: وإنَّما فعل ذلك -والله أعلم- ليكثر عدد المسلمين في أعين المنافقين وأهل الشرك، كما فعل في العيدين. شرح صحيح البخاري (4/ 201).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
ومبيته -عليه السلام- بذي الحُليفة عند رجوعه من الحج على قرب من الوطن؛ لتتقدم أخبار القادمين على أهليهم، فتأخذ المرأة على نفسها، وهو في معنى كراهيته -عليه السلام- للرجل أن يطرق أهله ليلًا من سفره، والله أعلم.شرح صحيح البخاري (4/ 201).
وقال العراقي -رحمه الله-:
اختلف في نزوله -عليه الصلاة والسلام- ببطحاء ذي الحُليفة على أقوال:
أحدها: أنَّ ذلك جرى اتفاقًا لا عن قصد، فهو كبقية منازل الحج، وهو ظاهر ما حكاه ابن عبد البر عن محمد بن الحسن أنه قال: إنما هو مثل المنازل التي نزل بها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من منازل طريق مكة، وبَلَغَنا أن ابن عمر كان يتبع آثاره تلك، فينزل بها، فكذلك قيل مثل ذلك بالمعرس، وذكر محمد هذا توجيهًا لقول أبي حنيفة: مَن مرَّ بالمعرس من ذي الحُليفة راجعًا من مكة فإنْ أحَبَّ أن يعرس به حتى يصلي فعل، وليس ذلك عليه.
ثانيها: أنه قصد النزول به لكن لا لمعنى فيه، حكى القاضي عياض عن بعضهم أنه -عليه الصلاة والسلام- إنما نزل به في رجوعه حتى يصبح؛ لئلا يفجأ الناس أهاليهم ليلًا كما نهى عنه صريحًا في الأحاديث المشهورة.
ثالثها: أنه نزل به قصدًا لمعنى فيه، وهو التبرك به، ويدل له أنه -عليه الصلاة والسلام- أتي به فقيل له: «إنك ببطحاء مباركة» وهو في الصحيحين كما تقدم، ويدل له أيضًا: صلاته -عليه الصلاة والسلام- به، وما فُهم من لفظ الحديث من مواظبته على النزول به، لكنه ليس من مناسك الحج، بل هو سُنة مستقلة، وبهذا قال الجمهور، قال مالك في الموطأ: لا ينبغي لأحد أن يجاوز المعرس إذا قفل حتى يصلي فيه، وأنه من مر به في غير وقت صلاة فليقم حتى تحل الصلاة، ثم يصلي ما بدا له؛ لأنه بلغني أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عَرَّسَ به، وأن عبد الله بن عمر أناخ به، قال ابن عبد البر: واستحبه الشافعي ولم يأمر به، وقال إسماعيل بن إسحاق القاضي: ليس نزوله -عليه الصلاة والسلام- بالمعرس كسائر منازل طريق مكة؛ لأنه كان يصلي الفريضة حيث أمكنه، والمعرس إنما كان يصلي فيه نافلة.
ولا وجه لتزهيد الناس في الخير، ولو كان المعرس كسائر المنازل ما أنكر ابن عمر على نافع تأخره عنه، وذكر حديث موسى بن عقبة عن نافع أن ابن عمر سبقه إلى المعرس فأبطأ عليه، فقال: ما حبسك؟ فذكر عذرًا، فقال: ظننتُ أنك أخذتَ الطريق الأخرى، ولو فعلتَ لأوجعتك ضربًا...
رابعها: أنه من مناسك الحج، وهذا شيء اقتضت عبارة ابن عبد البر في التمهيد حكايته عن ابن عمر، فإنه قال: وليس ذلك من سنن الحج ومناسكه التي يجب على تاركها فدية أو دم عند أهل العلم، ولكنه حَسَنٌ عند جميعهم إلا ابن عمر فإنه جعله سنة، انتهى، فإن كانت هذه العبارة ليست صريحة في إيجاب ابن عمر فدية بتركه فهي صريحة في أن ابن عمر زاد على غيره من أهل العلم في استحبابه زيادة لم يقولوا بها، فيُعَدُّ حينئذٍ مذهبًا غير ما تقدم. طرح التثريب (5/ 181- 182).

قوله: «وإذا دخل مكةَ دخل من الثَّنِيَّةِ العُليا».
قال النووي -رحمه الله-:
قوله: «العُليا التي بالبطحاء» هي بالمد، ويُقال لها: البطحاء والأبطح، وهي بجنب الْمُحَصَّب، وهذه الثنية ينحدر منها إلى مقابر مكة. شرح صحيح مسلم(9/ 4).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
وهذه الثنيَّة هي التي ينزل منها إلى المعلّى: مقبرة أهل مكة، وهي التي يقال لها: الحَجُون؛ بفتح المهملة وضم الجيم، وكانت صعبة المرتقى فسهّلها معاوية ثم عبد الملك، ثم المهدي على ما ذكره الأزرقي، ثم سَهُل في عصرنا هذا منها سنة إحدى عشرة وثمانمائة موضع، ثم سُهِّلت كلها في زمن سلطان مصر الملك المؤيد في حدود العشرين وثمانمائة، وكل عقبة في جبل أو طريق عالٍ فيه تسمى ثنيّة. فتح الباري (3/ 437).
وقال عبد الله بن جاسر -رحمه الله-: معلقًا:
قلتُ: ثم سُهِّلت في زمن الشريف الحسين بن علي في حدود الثلاثين وثلاثمائة وألف، ثم سُهِّلت في زمن الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل فيصل آل سعود -رحمه الله-، ثم سُهِّلت تسهيلًا كاملًا بعده. مفيد الأنام ونور الظلام في تحرير الأحكام لحج بيت الله الحرام (1/ 255).

قوله: «ويخرجُ من الثَّنِيَّةِ السُّفلَى».
قال ابن رسلان -رحمه الله-:
«ويخرج من الثنية السُّفلى» وهي عند باب بني شيبة بقرب شعب الشاميين من ناحية قعيقعان، وكان بناء هذا الباب عليها في القرن السابع. شرح سنن أبي داود (8/ 482).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«ويخرج من الثنية»...الطريق الضيقة بين الجبلين «السُّفلى» هي المُسمّاة بالشبيكة، وحكمة ذلك الذهاب من طريق والعَوْدُ من أخرى؛ لِمَا ذُكر من الحِكَم، وخُصَّت العُليا بالدخول لقصد الدخل موضعًا عالي المقدار، والخارج عكسه؛ ولأن إبراهيم -عليه الصلاة والسلام- كان حين قال: {فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ} إبراهيم: 37، على العُليا، كما رُوي عن ابن عباس، قاله السهيلي. دليل الفالحين (5/ 208).
وقال صفي الرحمن المباركفوري -رحمه الله-:
«ويخرج من الثنية السفلى» وهي ثنية كُدَى...وهي الآن في الشارع العام الموصل إلى جرول، وفي مكة موضع آخر باسم كُدي في طريق اليمن، وليس بمراد هنا. منة المنعم (2/ 284).
وقال النووي -رحمه الله-:
ومذهبنا: أنه يُستحب دخول مكة من الثنية العليا، والخروج منها من السفلى؛ لهذا الحديث، ولا فرق بين أن تكون هذه الثنية على طريقه كالمدني والشامي، أو لا تكون كاليمني، فيستحب لليمني وغيره أن يستدير ويدخل مكة من الثنية العليا.
وقال بعض أصحابنا: إنما فعلها النبي -صلى الله عليه وسلم- لأنها كانت على طريقه، ولا يستحب لمن ليست على طريقه كاليمني، وهذا ضعيف، والصواب الأول.
وهكذا يُستحب له أن يخرج من بلده من طريق، ويرجع من أخرى لهذا الحديث. المنهاج شرح صحيح مسلم (9/ 3- 4).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قال بعضهم إن نزوله هناك لم يكن قصدًا وإنما كان اتفاقًا، حكاه إسماعيل القاضي في أحكامه عن محمد بن الحسن وتعقبه، والصحيح أنه كان قصدًا؛ لئلا يدخل المدينة ليلًا، ويدل عليه قوله: «وبات حتى يصبح». فتح الباري(2/٣٩٢)
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
اختلف المتأوِّلون في المعنى الذي لأجله خالَفَ النبي -صلى الله عليه وسلم- بين طريقيه، فقيل: ليتبرك به كل من في طريقيه، ويدعو لأهل تينك الطريقين.
وقيل: ليغيظ المنافقين ومن في ذينك الطريقين منهم بإظهار الدين، وإعزاز الإسلام. وقيل: ليرى السعة في ذلك. المفهم (3/ 371- 372).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
في هذا الحديث من الفقه: أنْ يعرف الطريقين، وأنه يذكر أهل الطريق الأخرى، فلو اقتصر على طريق واحد فات أهل الطريق الأخرى ذلك. الإفصاح (4/ 102).
وقال النووي -رحمه الله-:
قيل: إنَّما فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- هذه المخالفة في طريقه داخلًا وخارجًا تفاؤلًا بتغير الحال إلى أكمل منه، كما فعل في العيد؛ وليشهد له الطريقان؛ وليتبرك به أهلهما. شرح صحيح مسلم(9/ 3- 4).
وقال صفي الرحمن المباركفوري -رحمه الله-:
قيل: الحكمة في تغييره -صلى الله عليه وسلم- الطريق في الذهاب والعودة سواء في مكة أو في ذي الحليفة أو في العيدين: هي التفاؤل بتغير الحال؛ وليشهد له الطريقان. منة المنعم (2/ 284).
وقال الشيخ ابن باز -رحمه الله-:
فيه: مخالفة الطريق في الحج والعمرة، كما في العيد، وهذا إذا تيسر، واختلف في الحكمة، فقيل: لشهادة البقاع، وقيل: لأجل السلامة، وقيل لقضاء حوائج الناس، وقيل: لإظهار شعائر الإسلام. الحلل الإبريزية (2/ 8).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
إذا تعددت الطرق الموصلة إلى مكان، وتماثلت في سهولتها أو صعوبتها، كان لاختيار القائد والقدوة هدف وحكمة في اختيار أحدها للدخول، والآخر للخروج إذا تكرر منه ذلك والتزمه، ومن هنا جاءت أهمية العلم بطريق دخوله -صلى الله عليه وسلم- المدينة ومكة، وطريق خروجه منهما، وسواء وصلنا إلى معرفة السِّر والحكمة أو لم نصل، يبقى علينا الأسوة والاقتداء، وفيها أجر من الله إن شاء الله، لا فرق في ذلك بين من يقول: بأنه سُنة، أو من يقول: بأن ذلك مستحب، أو من يقول: إن ذلك هو الأولى. فتح المنعم (5/ 270).

وفي رواية: «وباتَ حتَّى يُصْبِحَ»:
قال الكرماني -رحمه الله-:
قوله: «بات» أي: بذي الحُليفة «حتى يصبح» ثم توجه إلى المدينة؛ وذلك لئلا يفجأ الناس أهاليهم ليلًا. الكواكب الدراري (8/ 67).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
«وبات حتى يصبح»؛ لئلا يطرق الناس أهلهم بالليل؛ فإنه مكروه. الكوثر الجاري (4/ 18).
وقال العراقي -رحمه الله-:
في رواية عبيد الله بن عمر عن نافع زيادة المبيت بها إلى الصباح، والأخذ بالزيادة لازم، ومقتضى ما قالوه في مبيت المزدلفة: حصول القصد بالمبيت بها نصف الليل، لكن إنْ كان المعنى: ألا يطرق أهله ليلًا، اقتضى ذلك الاستمرار إلى الصباح؛ لئلا يقع في هذا المحذور، ويدل لذلك قوله: «وبات حتى يصبح». طرح التثريب (5/ 182).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
فظهر من هذه الأحاديث كلها: أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يبيت بالمُعرّس وهو ببطحاء ذي الحُليفة حتى يصبح، وأنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يصلي هناك، وأنَّه كان هناك مسجد قد بُني، ولم يكن في موضع صلاة النبي -صلى الله عليه وسلم- (يعني: من ذي الحُليفة) بل كان قريبًا منه.
وفي حديث سالم: أنَّ المسجد كان ببطن الوادي، وفي حديث موسى بن عقبة بن نافع -الطويل الذي خرجه البخاري هنا-: «أنه كان مبنيًا بحجارة على أَكمة» وفي حديثه: «أنه كان ثَمَّ خليج يصلي عبد الله عنده، في بطنه كثب، كان النبي -صلَّى الله عليه وسلَّم- ثَمَّ يصلي».
قال الخطابي: الخليج: وادٍ له عمق، ينشق من آخر أعظم منه، والكثب: جمع كثيب، وهو ما غلظ وارتفع عن وجه الأرض.
وقوله (ابن عمر): «فدحا السيل فيه بالبطحاء، حتى دفن ذلك المكان الذي كان عبد الله يصلي فيه» قال الخطابي: معنى «دحا السيل» سوَّاه بما حمل من البطحاء، والبطحاء: حجارة ورمل.
وهذه الصلاة التي كان النبي -صلَّى الله عليه وسلَّم- يصلي في هذا الموضع قد جاء في رواية إنها كانت صلاة الصبح إذا أصبح.
وقد خرجه الأمام أحمد عن موسى بن قرة، عن موسى بن عقبة، عن نافع، أن عبد الله حدثه: «أنَّ رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- كان يعرس بها حتى يصلي صلاة الصبح»...
وقد تبيَّن بهذه النصوص المذكورة في هذا الموضع: أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يخرج من المدينة إلى مكة في طريق، ويرجع في غيره، كما كان يفعل ذلك في العيدين، وكما كان يدخل مكة من أعلاها، ويخرج من أسفلها. فتح الباري (3/ 433-436).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
في فوائده (أي: هذا الحديث):
1. منها: بيان محلّ استحباب دخول مكة، وهو أن يدخل من الثنية العليا التي تُسَمَّى الكداء بالفتح والمدّ.
2. ومنها: استحباب الخروج من الثنيّة السفلى التي تُسَمَّى الكُدى بالضمّ والقصر.
3. ومنها: أنَّ هذا الفعل للاستحباب، وليس من النسك الواجب، فلا يترتب على تركه شيء، بل مَن فعل ذلك اقتداء بالنبيّ -صلى الله عليه وسلم- كان له فيه ثواب عظيم، وخير كثير {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} الأحزاب: 21، ومن تركه فلا شيء عليه. البحر المحيط الثجاج (23/ 414).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله- أيضًا:
في فوائده (أي: هذا الحديث):
1. منها: بيان استحباب الصلاة في بطحاء ذي الحُليفة، وقال إسماعيل القاضي: إنه -صلى الله عليه وسلم- إنما كان يصلي فيه نافلةً، لكن من ضرورة المبيت به أنه يصلي فيه فريضة، وسيأتي قول مالك: لا ينبغي لأحد مجاوزته حتى يصلي فيه، وكذا استحباب الشافعي له، وقول أبي حنيفة: إنْ أحَبَّ أن يُعَرِّس به حتى يصلي فَعَلَ.
2. ومنها: أنه لو مر به في وقت كراهة الصلاة استُحبّ له الانتظار حتى يدخل وقت جواز الصلاة، وقول مالك -رحمه الله-: مَن مَرَّ به في غير وقت صلاة، فليُقِم حتى تَحِلّ الصلاة، ثم يصلي ما بدا له.
3. ومنها: في رواية عبيد الله بن عمر، عن نافع زيادة المبيت بها إلى الصباح، والأخذ بالزيادة لازم، قال وليّ الدين (العراقي) -رحمه الله-: ومقتضى ما قالوه في مبيت المزدلفة حصول القصد بالمبيت بها نصف الليل، لكن إن كان المعنى ألا يَطْرُق أهله ليلًا اقتَضَى ذلك الاستمرارَ إلى الصباح؛ لئلا يقع في هذا المحذور، ويدل لذلك قوله: «وبات حتى يصبح».
4. ومنها: أنه قد يقال: مقتضى قوله في رواية موسى بن عقبة الآتية: «إذا صدر عن الحجّ أو العمرة» التقييد بذلك، ومقتضى المعنى عدم التقييد، واستحباب الصلاة بها، والمبيت لكل مارّ بها، وإن لم يكن صادرًا من حجّ، ولا عمرة، قال وليّ الدين (العراقي): وعدم التقييد هو الصواب، قال: ويدلّ له ما صحّ مِن شَرَفِ البقعة، وأنها مباركة، وأما التقييد في تلك الرواية، فإنما هو لفعل ابن عمر، ولم يكن ابن عمر يمرّ عليها إلا في حجّ أو عمرة، ولم يبق بعد الفتح غزو من تلك الجهة؛ لأنها صارت كلها دار سلام، انتهى كلام وليّ الدين -رحمه الله-.
قال الجامع عفا الله عنه (الإتيوبي): الذي يظهر لي أنَّ التقييد بمن صدر من حجّ أو عمرة هو الأقرب؛ اتّباعًا لما ثبتٌ عنه -صلى الله عليه وسلم-؛ إذ لم يثبت عنه في غير ذلك، فينبغي التقيّد بما ثبتٌ عنه، فتأمّل، والله تعالى أعلم بالصواب. البحر المحيط الثجاج (24/ 354-355).

وللاستفادة من الرواية الأخرى ينظر (هنا


إبلاغ عن خطأ