الأربعاء 5 ذو القعدة 1447 | 2026-04-22

A a

«غُمَّ علينا هلالُ شوَّالٍ، فأصبحْنَا صيامًا، فجاءَ رَكْبٌ مِن آخِرِ النَّهارِ، فَشَهِدُوا عندَ رسولِ اللهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم- أنَّهم رَأَوْا الهلالَ بالأمسِ، فأَمَرَ رسولُ اللهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم- الناسَ أنْ يُفْطِرُوا مِن يومِهِم، وأنْ يخرجُوا لِعِيدِهِمْ مِن الغَدِ».


رواه أحمد برقم: (20584) واللفظ له، وأبو داود برقم: (1157)، والنسائي برقم: (1557) وابن ماجه برقم: (1653)، من حديث أبي عُمير بن أنس، عن عمومة له من الأنصار -رضي الله عنهم-.
إرواء الغليل برقم: (634)، مشكاة المصابيح برقم: (1450).


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«غُمَّ»:
يُقال: غُمَّ علينا الهلال إذا حال دون رُؤْيَتِه غَيْم أو نحوه، مِن غَمَمْتُ الشيء إذا غَطَّيْتُه. النهاية، لابن الأثير (3/ 388).

«رَكْبٌ»:
جمع: راكب، كصَحْبٌ وصاحب. مرقاة المفاتيح (3/ 1074).
قال ابن الأثير -رحمه الله-:
الرَّكْبُ: اسم من أسماء الجمع، كنفر ورهط؛ ولهذا صغَّره على لفظه، وقيل: هو جمع راكب، كصاحب وصحب. النهاية (2/ 256).


شرح الحديث


قوله: «غُمَّ علينا هلالُ شوالٍ»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
أي: سُتر علينا بالغمام. مرشد ذوي الحجا (10/ 55).

قوله: «فأصبحْنَا صِيامًا»:
قال العيني -رحمه الله-:
قوله: «فأصبحنا صيامًا» أي: صائمين، وهو جمع صائم، كالقيام: جمع قائم، والنيام: جمع نائم. نخب الأفكار (6/ 157).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فأصبحنا» أي: فكُنَّا في الصباح «صِيامًا» أي: صائمين جمع صائم؛ فإنَّه يأتي جمعًا؛ كما يأتي مصدرًا لـ(صام). مرشد ذوي الحجا (10/ 55).

قوله: «فجاء رَكْبٌ»:
قال العيني -رحمه الله-:
قوله: «فجاء ركب» أي: جماعة، وهو جمع راكب، ويقال: الركب اسم من أسماء الجمع، كالنَّفَر والرهط. نخب الأفكار (6/ 157).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
أي: جاءنا من خارج المدينة جماعة من المسافرين ركَّاب الإبل. مرشد ذوي الحجا (10/ 55).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
هؤلاء الرَّكْبُ مجهولون، ولكن لا تضر جهالة الصحابة. فتح ذي الجلال والإكرام (2/ 389).
وقال الشيخ عبد الكريم الخضير -حفظه الله-:
هذا الركب من المسلمين؛ إذ لا تصح ولا تجوز شهادة غير المسلمين، وكأنهم معروفون عنده -عليه الصلاة والسلام-، فلم يحتج إلى تقريرهم، كما قال للأعرابي: «أتشهد أن لا إلا الله، وأني رسول الله؟ قال: نعم، فأمر الناس بالصيام»، هؤلاء إما أن يكونوا معروفين عنده -عليه الصلاة والسلام-، أو لأنهم مجموعة جمع يجبر بعضهم بعضًا. شرح المحرر في الحديث (48/ 9).

قوله: «مِن آخِرِ النَّهارِ»:
قال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
أي: بعد الزوال، وقد جاء في رواية ابن ماجه والدارقطني: «أنهم قَدِمُوا آخر النهار». لمعات التنقيح (3/ 563).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«من آخر النهار» أي: في آخر النهار. مرشد ذوي الحجا (10/ 55).

قوله: «فشهِدُوا عند رسول اللهِ -صلى الله عليه وسلم-، أنَّهم رَأَوْا الهلال بالأمسِ»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فشهدوا» أي: شهد أُولئك الركب. مرشد ذوي الحجا (10/ 55).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«رأوا الهلال» أي: هلال شوال. التحبير (6/ 204).
وقال المظهري -رحمه الله-:
يعني: لم يُرَ الهلال في المدينة ليلة الثلاثين من رمضان، فصاموا ذلك اليوم، فجاء قافلة يوم الثلاثين في أثناء النهار، وشهدوا أنهم رأوا الهلال ليلة الثلاثين في بلد آخر، فأمر النبي -عليه السلام- الناس بالإفطار، وبأداء صلاة العيد يوم الحادي والثلاثين. المفاتيح (2/ 346).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
المراد بالرؤية: رؤية الهلال ليلة مجيئهم، وحضورهم ارتفاع النهار يدل على أنَّ المكان الذي رأوه فيه كان دون مسافة القصر، وأنَّ الهلال إذا رئي ببلد لزم حكمه القريب؛ لأن القريب منها نازل منزلة أهلها، كما في حاضري المسجد الحرام. شرح سنن أبي داود (5/ 715).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«بالأمسِ» أي: ليلة يومهم الذي أتوا فيه رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وهو آخر يوم من رمضان. التحبير (6/ 204).

قوله: «فأَمر رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- الناسَ أنْ يُفْطِرُوا مِن يومِهِم»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
أي: أمر المسلمين عمومًا، لا أولئك القوم خصوصًا. ذخيرة العقبى (17/ 155).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«فأمرهم» أي: أهل المدينة أنْ يفطروا يومهم ذلك. التحبير (6/ 204).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«أن يفطروا» من صومهم؛ لأن ذلك اليوم يوم عيد. مرشد ذوي الحجا (10/ 55).
وقال السهارنفوري -رحمه الله-:
«أن يفطروا»؛ لأنه ثبت أنَّ اليوم يوم الفطر. بذل المجهود (5/ 248).
وقال الشيخ عبد الكريم الخضير -حفظه الله-:
الفطر واجب؛ لأن العيد لا يجوز صومه بحال، يحرم صوم يومي العيدين. شرح المحرر في الحديث (48/ 10).
وقال الشيخ عبد القادر شيبة الحمد -رحمه الله-:
«أن يفطروا»؛ بناءً على أنَّ هذا اليوم ليس من رمضان، وأنَّ رمضان قد انتهى بالأمس؛ لرؤية هؤلاء الرَّكْبِ الهلال. فقه الإسلام شرح بلوغ المرام (2/ 214).

قوله: «وأنْ يخرجُوا لعيدهم مِن الغَدِ»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«و» أمرهم أيضًا «أن يخرجوا إلى» مصلى «عيدهم من الغد» أي: في الغد، وهو ثاني يوم العيد؛ ليصلوا العيد؛ لأن الركب شهدوا برؤية هلال شوال في آخر النهار بعدما فات وقت العيد. مرشد ذوي الحجا (10/ 55).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
دلّ هذا على أنَّ صلاة العيد إذا لم تُصلَّ في يوم العيد بعد ارتفاع الشمس إلى الزوال فإنها تصلى من الغد؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- لما جاء هذا الركب -وفي بعض الروايات أنه جاء آخر النهار- أمرهم أن يفطروا، وكانوا قد صاموا يوم الثلاثين من رمضان، فثبت أن الهلال رُئي البارحة، فصار ذلك اليوم هو يوم العيد، ولكون الوقت الذي تُصلى فيه صلاة العيد ذهب، فيؤتى بها من الغد كما فعل ذلك رسول الله -صلوات الله وسلامه وبركاته عليه-.
وهذا يدلُّنا على أنَّ السنة أنَّ صلاة العيد إذا لم تُصلَّ من بعد طلوع الشمس إلى الزوال، ولم يثبت العلم بها إلا بعد ذلك فإنهم يخرجون من الغد، ويصلون صلاة العيد، كما جاء في هذا الحديث عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ولو جاء الخبر في الضحى فإنهم يصلون. شرح سنن أبي داود (144/6).
وقال ابن المنذر -رحمه الله-:
اختلف أهل العلم في الطائفة تشهد يوم ثلاثين من هلال شهر رمضان أنَّ الهلال رُئي بالأمس، فقالت طائفة: إنْ علموا قبل الزوال صلى الإمام بالناس صلاة العيد، وإن علموا بعد الزوال لم يكن عليهم أن يصلوا يومهم بعد الزوال ولا من الغد؛ لأنه عَمَلٌ في وقت إذا جاوز ذلك الوقت لم يُعمل في غيره، هذا قول الشافعي وأبي ثور، وقال أبو ثور: لو ثبت الحديث قلنا به.
وحُكي عن مالك أنه قال: قد ذهب العيد لأول وقته أول نهارهم من يوم الفطر، فإذا ذهب يوم الفطر فقد ذهب يومه.
وقالت طائفة: إن شَهِدَتْ بيِّنة قبل نصف النهار خرجوا وأفطروا، وإن شهدت بعد نصف النهار أفطروا، وخرجوا إلى العيد من الغد، هذا قول الأوزاعي، وبه قال الثوري وأحمد وإسحاق، واحتج أحمد بحديث أبي عمير بن أنس. الأوسط (4/ 295).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
قال الشافعي: إنْ علموا بذلك قبل الزوال خرجوا وصلى الإمام بهم صلاة العيد، وإن لم يعلموا إلا بعد الزوال لم يصلوا يومهم ولا من الغد؛ لأنه عمَلٌ في وقت إذا جاوز ذلك الوقت لم يُعمل في غيره، وكذلك قال مالك وأبو ثور. معالم السنن (1/ 252).
وقال النووي -رحمه الله-:
الصحيح من مذهبنا: أنها يستحب قضاؤها أبدًا، وحكاه ابن المنذر عن مالك وأبي ثور، وحكى العبدَرِي عن مالك وأبي حنيفة والمزني وداود أنها لا تُقضى، وقال أبو يوسف ومحمد: تُقضى صلاة الفطر في اليوم الثاني، والأضحى في الثاني والثالث، وقال أصحاب أبي حنيفة: مذهبه كمذهبهما. المجموع (5/ 29).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
قلتُ: سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أَولى، وحديث أبي عمير صحيح، فالمصير إليه واجب. معالم السنن (1/ 252).
وقال العيني -رحمه الله- معلقًا على كلام الخطابي:
قلتُ: أشار بهذا إلى تضعيف قول الشافعي، وأن السُّنة هي الأَولى للاتباع والعمل. شرح أبي داود (4/ 510).
وقال ابن المنذر -رحمه الله-:
وحديث أبي عمير بن أنس ثابت، والقول به يجب. ]الأوسط (4/ 295)].
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
أرجح المذاهب عندي قول مَن قال: إنها إن فاتت تُصلى في الغد؛ لصحة حديث الباب. ذخيرة العقبى (17/ 156).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
هذا الحديث ورد في عيد الإفطار، وقاسوا عليه الأضحى، وفي الترك لِلَّبْسِ، وقاسوا عليه سائر الأعذار، وفي القياس نظر إذا لم يتعين معرفة الجامع، والله أعلم. سبل السلام (1/ 427).
وقال محمود السبكي -رحمه الله-:
في هذا الحديث والذى قبله (يعني: حديث أبي مالك الأشجعي «عهد إلينا رسول الله أنْ ننسك للرؤية، فإن لم نره وشهد شاهدا عدل نسكنا بشهادتهما») دلالة على أنه لا بد من شهادة شاهدين في هلال شوال، وبه قال الجمهور، وقال أبو ثور: يكفي فيه شاهد واحد...، ولا وجه له، فإن ظاهر الأحاديث لزوم شهادة اثنين في هلال شوال، والاحتياط في العبادة يقضي ألا يخرج منها إلا بيقين، وخبر الواحد لا يفيده. المنهل العذب المورود (10/ 61).
وقال النووي -رحمه الله-:
أما الفطر فلا يجوز بشهادة عدل واحد على هلال شوال عند جميع العلماء إلا أبا ثور فجوَّزه بعدل. شرح صحيح مسلم (7/ 190).
وقال العيني -رحمه الله-:
يُستفاد من الحديث فائدتان:
الأولى: إذا شهد جماعة برؤية الهلال بالأمس وجب الإفطار.
والثانية: يصلون صلاة العيد من الغد. شرح أبي داود (4/ 508).
وقال المظهري -رحمه الله-:
وفي الفقه: إن شهدوا قبل الزوال أفطر الناس، وصلوا صلاة العيد من الغد عند أبي حنيفة، وفي قول للشافعي، وظاهر قوليه: أنه لا تُقضى الصلاة لا من اليوم، ولا من الغد. المفاتيح في شرح المصابيح (2/ 346).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
فيه: دليل أنه إذا فات وقت صلاة العيد في أول اليوم تُصلى في اليوم الثاني. ذخيرة العقبى (17/ 155).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
فيه: دليل على أن صلاة العيد يُشرع قضاؤها، ورواية النسائي: «أن يفطروا بعدما ارتفع النهار» فيه: دليل على أنهم إذا شهدوا يوم الثلاثين قبل الزوال برؤية الهلال الليلة الماضية أفطروا، ويصلوها من الغد إذا لم يبقَ من الوقت ما يمكن جمع الناس فيه، وإقامة الصلاة فيه، فإن أمكن جمعُ الناس، وإقامة الصلاة، وبقي من الوقت ما يسع ذلك صلوا العيد في يوم الشهادة على مذهب الشافعي. شرح سنن أبي داود (5/ 715-716).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
فيه: قبول شهادة الرَّكْبِ، ووجوب الإفطار، وصلاة العيد يوم ثانيه. التحبير (6/ 204).
وقال السندي -رحمه الله-:
فيه: جواز الإفطار آخر النهار إذا ثبت العيد، وجواز الخروج له من الغد إذا ثبت بعد ذهاب الوقت، والله أعلم. كفاية الحاجة في شرح سنن ابن ماجه (1/ 507).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
يُستفاد منه:
أولًا: أنه إذا غُمَّ الهلال وجب تكميل الشهر، ولا فرق بين آخر الشهر وأول الشهر.
ومن فوائد الحديث: أنَّ صلاة العيد إذا لم يُعلم بالعيد إلا بعد وقت الصلاة، فإنها تؤخَّر إلى الغد، فإن عُلم بها في وقت الصلاة تصلى؛ لأنه لا داعي للتأخير، وأما قول بعض العلماء على هذا الحديث: إن ظاهره أنها تؤخر إلى الغد مطلقًا فلا وجه له.
ومن فوائد هذا الحديث: أنَّ هذه الصلاة التي أُخرت إلى الغد تكون أداءً.
يُستفاد منه أيضًا: أن أقسام قضاء الفوائت -سواء سميناها قضاء أو أداء- تختلف، فمنها ما يؤدى على صفته حين زوال العذر، مثل: الصلوات الخمس، فإنها تُؤدى على صفتها حين يزول العذر، لا يُنتظر إلى وقتها، وأما فعل بعض العوام الذين يكونون عليهم فوائت فيقضون كل صلاة مع نظيرها، فهذا لا أصل له...
الثاني: ما يُقضى بدله على غير صفته، وهي الجمعة، فإذا فاتت لا تُقضى جمعة، وإنما تُقضى ظهرًا، وكذلك الوتر على القول بأنه يُشفع، فإنه يُقضى، ولا يكون على صفة أدائه.
الثالث: ما يُقضى في نظير وقته، وهي صلاة العيد.
والرابع: ما لا يُقضى، وهي الصلوات ذوات الأسباب، كصلاة الكسوف مثلًا، فالإنسان لو لم يعلم بالكسوف إلا بعد انتهائه فهل يقضيها؟ لا يقضيها، فصارت الصلوات باعتبار القضاء على هذا النحو السابق أربعة أقسام.
وفي الحديث أيضًا من الفوائد: وجوب صلاة العيد؛ لقوله: «فأمرهم» والأصل في الأمر الوجوب، وقد ثبت أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- أمر أن يخرج العوائق، وذوات الخدور، مع أنه في غير صلاة العيد المشروع في حق المرأة ألا تحضر المساجد، لكن في العيد أُمرت أن تخرج، وهذه المسألة اختلف فيها أهل العلم.
وفي الحديث من الفوائد: استحباب صلاة العيدين في المصلى؛ لقوله: «أن يغدوا إلى مصلاهم»، فالأفضل أن تكون خارج البلد في الصحراء، ولا فرق بين المدينة وغيرها من البلدان.
ومن فوائد الحديث: أن الأفضل في صلاة العيدين التَّبكير؛ لقوله: «أن يغدوا» يعني: يذهبوا غدوة، ولكن لا ينافي هذا أنه يُسَن التأخير في صلاة الفطر؛ لأن المراد تأخيرٌ لا يخرجها عن كونها في الغداة.
وفيه أيضًا من الفوائد: أنه لا ينبغي تعنيت الشاهد وإحراجه بأن يقال: كيف رأيتَ الهلال؟ هل هو دقيق أو غير دقيق؟...، اللهم إلا إذا كان متَّهمًا إما بالكذب، وإما بقلَّة الضبط، بحيث ما ضبط الهلال مثلًا، فهذا ربما نقول للقاضي أن يتحرى. فتح ذي الجلال والإكرام، باختصار (2/390-393).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
وقد استدل بأمره -صلى الله عليه وسلم- للرَّكْبِ أنْ يخرجوا إلى المصلى لصلاة العيد الهادي والقاسم وأبو حنيفة على أن صلاة العيد من فرائض الأعيان، وخالفهم في ذلك الشافعي وجمهور أصحابه.
قال النووي: وجماهير العلماء قالوا: إنها سُنة، وبه قال زيد بن علي والناصر والإمام يحيى، وقال أبو سعيد الإصطخري من الشافعية: إنها فرض كفاية، وحكاه المهدي في البحر (الزخار الجامع لمذاهب علماء الأمصار) عن الكرخي، وأحمد بن حنبل وأبي طالب وأحد قولي الشافعي، واستدل القائلون بأنها سنة بحديث: «هل عليَّ غيرها؟ قال: لا، إلا أن تطَّوع»...
واستدل القائلون: إنها فرض كفاية بأنها شعار كالغسل والدفن، وبالقياس على صلاة الجنازة بجامع التكبيرات، والظاهر ما قاله الأولون؛ لأنه قد انضم إلى ملازمته -صلى الله عليه وسلم- لصلاة العيد على جهة الاستمرار، وعدم إخلاله بها، الأمر بالخروج إليها، بل ثبت كما تقدم أمره -صلى الله عليه وسلم- بالخروج للعواتق (جمع عاتق وهي البكر البالغ التي لَم تزوج) والحُيَّض وذوات الخدور، وبالغ في ذلك حتى أمر من لها جلباب أن تُلْبِسَ من لا جلباب لها، ولم يأمر بذلك في الجمعة، ولا في غيرها من الفرائض، بل ثبت الأمر بصلاة العيد في القرآن، كما صرح بذلك أئمة التفسير في تفسير قول الله تعالى: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} الكوثر: 2، فقالوا: المراد صلاة العيد، ونحر الأضحية.
ومن مقويات القول بأنها فرض: إسقاطها لصلاة الجمعة، والنوافل لا تُسْقِط الفرائض في الغالب. نيل الأوطار (3/ 368-369).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
يجاب عن حديث الأعرابي: بأنَّ الرسول -صلى الله عليه وسلم- إنما أعلمه بالصلوات المتكررة اليومية، فليس هناك شيء غيرها واجب؛ ولهذا يصح أن نستدل بحديث الأعرابي على عدم وجوب صلاة الوتر؛ حيث إنها يومية، وأما أن نقول: لا تجب صلاة الكسوف لحديث الأعرابي، ولا تجب صلاة العيد لحديث الأعرابي، فهذا ليس بصحيح؛ ولهذا لو نذر الإنسان أن يصلي لزمه الوفاء بالنذر مع أنه ليس من الصلوات الخمس، لكنه له سبب مستقل، وصار به واجبًا؛ لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «من نذر أن يطيع الله فليطعه».
فالصواب: أنَّ صلاة العيد واجبة؛ ولهذا لم يُسقطها الرسول -صلى الله عليه وسلم- حتى في هذه الحال التي لم يعلموا بها إلى أن فات النهار. فتح ذي الجلال والإكرام (2/ 392).

وللاستفادة من الروايات الأخرى ينظر (هنا) و (هنا)


إبلاغ عن خطأ