السبت 15 جمادى الآخرة 1447 | 2025-12-06

A a

«كان رسولُ اللَّه -صلى الله عليه وسلم- لا يُصلِّي قبل العيدِ شيئًا، فإذا رَجَعَ إلى منزِلِهِ صلَّى ركعتينِ».


رواه ابن ماجه برقم: (1293) واللفظ له، والحاكم في المستدرك برقم: (1102)، والبيهقي في الكبرى برقم: (6228)، من حديث أبي سعيد الخُدْري -رضي الله عنه-.
صحيح الجامع برقم: (4859)، صحيح ابن ماجه برقم: (1069).


مختصر شرح الحديث


.


شرح الحديث


قوله: «كانَ رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- لا يصلي قبل العيد شيئًا»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم-» دائمًا «لا يصلي قبل» صلاة «العيد شيئًا» من النوافل. مرشد ذوي الحجا (8/ 104).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«كان لا يصلي قبل العيد» أي: قبل صلاته «شيئًا» من النفل في المصلى. فيض القدير (5/ 186).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«كان لا يصلي قبل العيد شيئًا» ظاهره لا في المصلاة وهي الجَبَّانَة، ولا في المسجد إن صلى العيد فيه، فإنها تسقط التحية هذا محتمل، وهل يُكره الصلاة قبل صلاة العيد في محلها؟
الظاهر الكراهة وعليه الحنفية، ولا في منزله أيضًا، ويحتمل: أن النفي للأول؛ لأنه الذي يطلع عليه المخبر غالبًا، وبدليل قوله: «فإذا رجع إلى منزله صلى ركعتين». التنوير (8/ 500).

قوله: «فإذا رَجَعَ إلى منزلِهِ صلَّى ركعتينِ»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فإذا» فرغ من صلاة العيد ومن الخطبة و«رجع إلى منزله» أي: إلى بيته «صلى ركعتين» من النوافل في بيته. مرشد ذوي الحجا (8/ 104).
وقال الشيخ عبد القادر شيبة الحمد -رحمه الله-:
«رجع إلى منزله» أي: بعد صلاة العيد. فقه الإسلام شرح بلوغ المرام (2/ 223).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
قوله: «فإذا رجع إلى منزله صلى ركعتين» لعلها صلاة المنزل لا خاصة بالعَود من صلاة العيد. التنوير (8/ 500).
وقال المناوي -رحمه الله-:
أخذ منه الحنفية أنه لا ينتفل في المصلى خاصة قبل صلاة العيد، أي: يُكره ذلك، وقيل: فيه وفي غيره، وهو الظاهر؛ لأنه نفي مطلق. فيض القدير (5/ 186).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
هل نقول: إنَّ هاتين الركعتين راتبة لصلاة العيد، أو نقول: إنهما ركعتا الضحى؟ الظاهر هذا (أي: صلاة الضحى) إنْ صح الحديث. فتح ذي الجلال والإكرام (2/ 404).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
الحديث يدل على أنه شرع صلاة ركعتين بعد العيد في المنزل، وقد عارضه حديث ابن عمر عند أحمد مرفوعًا: «لا صلاة يوم العيد لا قبلها، ولا بعدها» والجمع بينهما: بأنَّ المراد لا صلاة في الجَبَّانة. سبل السلام (1/ 432).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
اختلف السلف في جميع ذلك، فذكر ابن المنذر عن أحمد أنه قال: الكوفيون يصلون بعدها لا قبلها، والبصريون يصلون قبلها لا بعدها، والمدنيون لا قبلها ولا بعدها، وبالأول قال الأوزاعي والثوري والحنفية، وبالثاني قال الحسن البصري وجماعة، وبالثالث قال الزهري وابن جريج وأحمد، وأما مالك فمنعه في المصلى، وعنه في المسجد روايتان، وقال الشافعي في الأم ونقله البيهقي عنه في المعرفة بعد أن روى حديث ابن عباس...: وهكذا يجب للإمام ألا يتنفل قبلها ولا بعدها، وأما المأموم فمُخالِف له في ذلك، ثم بسط الكلام في ذلك، وقال الرافعي: يُكره للإمام التنفل قبل العيد وبعدها، وقيَّده في البويطي بالمصلى، وجرى على ذلك الصيمري، فقال: لا بأس بالنافلة قبلها وبعدها مطلقًا إلا للإمام في موضع الصلاة، وأما النووي في شرح مسلم فقال: قال الشافعي وجماعة من السلف: لا كراهة في الصلاة قبلها ولا بعدها، فإن حُمل كلامه على المأموم، وإلا فهو مخالف لنص الشافعي المذكور، ويؤيد ما في البويطي حديث أبي سعيد: «أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- كان لا يصلي قبل العيد شيئًا، فإذا رجع إلى منزله صلى ركعتين» أخرجه ابن ماجه بإسناد حسن، وقد صححه الحاكم، وبهذا قال إسحاق، ونقل بعض المالكية الإجماع على أن الإمام لا يتنفل في المصلى.
وقال ابن العربي: التنفل في المصلى لو فعل لنُقِلَ، ومن أجازه رأى أنه وقتٌ مطلق للصلاة، ومَن تركه رأى أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يفعله، ومن اقتدى فقد اهتدى. انتهى.
والحاصل: أنَّ صلاة العيد لم يثبت لها سُنَّة قبلها ولا بعدها، خلافًا لمن قاسها على الجمعة، وأما مطلق النفل فلم يثبت فيه منع بدليل خاص، إلا إن كان ذلك في وقت الكراهة الذي في جميع الأيام، والله أعلم. فتح الباري (2/ 476).
وقال النووي -رحمه الله-:
أجمعوا على أنَّه ليس لها (صلاة العيد) سُنة قبلها ولا بعدها، واختلفوا في كراهة النفل قبلها وبعدها، فمذهب الشافعي: أنه لا يُكره صلاة النفل قبل صلاة العيد ولا بعدها لا في البيت ولا في المصلى لغير الإمام...
دليلنا: ما احتج به الشافعي وابن المنذر والمصنف وسائر الأصحاب: أنَّ الأصل إباحة الصلاة، حتى يثبُت النهي. المجموع (5/ 13).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
أخرج البزار من حديث الوليد بن سريع عن علي في قصة له: «أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يصلِّ قبلها ولا بعدها، فمَن شاء فعل، ومن شاء ترك»، ويُجمع بين هذا وبين حديث أبي سعيد: أنَّ النفي إنَّما وقع في الصلاة في المُصلى. التلخيص الحبير (2/ 197).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
الصلاة فعل خير، فلا يجب المنع منها، إلا بدليل لا معارض له فيه، وقد أجمعوا أنَّ يوم العيد كغيره في الأوقات المنهي عن الصلاة فيها، فالواجب أنْ يكون كغيره في الإباحة، وبالله التوفيق، والركوع والسجود في المسجد ليس بواجب، فكيف في المصلى، ومَن فعله فقد أحسن. الاستذكار (2/ 399).
وقال ابن قدامة -رحمه الله-:
ولا يتنفل قبل صلاة العيدين ولا بعدها، وجملته: أنه يكره التنفل قبل صلاة العيد وبعدها للإمام والمأموم في موضع الصلاة سواء كان في المصلى أو المسجد، وهو مذهب ابن عباس وابن عمر وروي ذلك عن علي وابن مسعود وحذيفة وبريدة وسلمة بن الأكوع وجابر وابن أبي أوفى، وقال به شريح وعبد الله بن مغفل والشعبي ومالك والضحاك والقاسم وسالم ومعمر وابن جريج ومسروق، وقال الزهري: لم أسمع أحدًا من علمائنا يذكر أنَّ أحدًا من سلف هذه الأمَّة كان يصلي قبل تلك الصلاة ولا بعدها، يعني: صلاة العيد، وقال: ما صلى قبل العيد بدري، ونهى عنه أبو مسعود البدري، ورُوي أنَّ عليًّا -رضي الله عنه- رأى قومًا يصلُّون قبل العيد، فقال: ما كان هذا يُفعل على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وقال أحمد: أهل المدينة لا يتطوعون قبلها ولا بعدها، وأهل البصرة يتطوعون قبلها وبعدها، وأهل الكوفة لا يتطوعون قبلها ويتطوعون بعدها، وهذا قول علقمة والأسود ومجاهد وابن أبي ليلى والنخعي والثوري والأوزاعي وأصحاب الرأي، وقال مالك: لا يتطوع في المصلى قبلها ولا بعدها، وله في المسجد روايتان، إحداهما: يتطوع؛ لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يركع ركعتين».
وقال الشافعي: يكره التطوع للإمام دون المأموم؛ لأن الإمام لا يُستحب له التشاغل عن الصلاة، ولم يكره للمأموم؛ لأنه وقت لم يُنه عن الصلاة فيه، أشبه ما بعد الزوال.
ولنا: ما روى ابن عباس: «أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- خرج يوم عيد الفطر فصلى ركعتين لم يصل قبلهما ولا بعدهما» متفق عليه، وروى ابن عمر نحوه؛ ولأنه إجماع كما ذكرناه عن الزهري وغيره، ونهى أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عنه، ورووا الحديث، وعملوا به؛ ولأنه وقت نهي الإمام عن التنفل فيه، فكُره للمأموم كسائر أوقات النهي، وكما قبل الصلاة عند أبي حنيفة، وكما لو كان في المصلى عن مالك، قال الأثرم: قلتُ لأحمد: قال سليمان بن حرب: إنَّما ترك النبي -صلى الله عليه وسلم- التطوع لأنه كان إمامًا، قال أحمد: فالذين رووا هذا عن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يتطوعوا، ثم قال: ابن عمر وابن عباس هما راوياه، وأخذا به، يشير -والله أعلم- إلى أنَّ عمل راوي الحديث به تفسير له، وتفسيره يُقدَّم على تفسير غيره، ولو كانت الكراهة للإمام كيلا يشتغل عن الصلاة لاختصت بما قبل الصلاة إذ لم يبق بعدها ما يشتغل به؛ ولأنه تنفل في المصلى وقت صلاة العيد فكُره، كالذي سلموه، وقياسهم منتقض بالإمام. المغني (2/ 241).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
قوله (الحجاوي) : "ويكره التنفل قبل الصلاة وبعدها في موضعها" أي: يُكره لمن حضر صلاة العيد أنْ يتطوع بنفل قبل الصلاة أو بعدها في موضعها، أي: موضع صلاة العيد، فيُكره التنفل قبل الصلاة أو بعدها في الموضع، أما في بيته فلا كراهة.
وقول المؤلف: "يكره"، ظاهره أنه مكروه للإمام وغير الإمام؛ والدليل على ذلك: أنَّ النبي -صلّى الله عليه وسلّم- خرج إلى مصلى العيد وصلى العيد ركعتين لم يصلِّ قبلها ولا بعدها.
وفي هذا الاستدلال نظر؛ لأن النبي -صلّى الله عليه وسلّم- خرج إلى مصلى العيد ليصلي بالناس، فصلى بهم، ثم انصرف، كما أنه يوم الجمعة...
وقال بعض العلماء -رحمهم الله-: إن الصلاة غير مكروهة في مُصلّى العيد لا قبل الصلاة ولا بعدها، وقال: بيننا وبينكم كتاب الله وسنّة رسوله -صلّى الله عليه وسلّم-، فأين الدليل على الكراهة؟ وهذا خير وتطوع، وقد قال النبي -عليه الصلاة والسلام-: «عليك بكثرة السجود» وقال: «أعِنِّي على نفسك بكثرة السجود» فكيف تقولون بالكراهة؟ وهذا مذهب الشافعي -رحمه الله- في هذه المسألة، وهو الصواب.
وقال بعض العلماء: تُكره الصلاة بعدها لا قبلها؛ لأن المشروع أن ينصرف.
وقال بعض العلماء: تُكره قبلها لا بعدها.
وبعض العلماء قال: يُكره للإمام دون المأموم، وهذا قول للشافعي، أعني التفريق بين الإمام وغيره.
والصحيح: أنه لا فرق بين الإمام وغيره، ولا قبل الصلاة ولا بعدها، فلا كراهة، لكن لا نقول: إنَّ السنَّة أن تصلي، فقد يقال: إنَّ بقاء الإنسان يكبِّر الله قبل الصلاة أفضل؛ إظهارًا للتكبير والشعيرة، وهذا في النفل المطلق.
وأما تحية المسجد فلا وجه للنهي عنها إطلاقًا؛ لأن النبي -صلّى الله عليه وسلّم- أمر بها، حتى إن كثيرًا من العلماء قال: إنها واجبة، فإذا كانت سنّة مؤكدة كما تدل على ذلك السنّة، فكيف نقول لمن دخل مصلى العيد: لا تصل، يكره لك ذلك؟. الشرح الممتع (5/ 151-154).
وقال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
حديث أبي سعيد الخدري يشهد لكراهة الصلاة قبل الركعتين (يعني: ركعتي صلاة العيد) مطلقًا أي: في المصلى وفي غيره؛ لأنه نفي مطلق، بخلاف حديث ابن عباس، فإنه أخبر أنه شاهده في المصلى لم يصل شيئًا، وقد يكون صلى في منزله، ففيه احتمال أن يكون مختصًّا بالمصلى دون البيت. مرعاة المفاتيح (5/ 29).
وقال الشيخ عبد القادر شيبة الحمد -رحمه الله-:
ما يفيده الحديث:
1. جواز التطوع في البيت بعد الرجوع من مصلى العيد.
2. أنَّ كراهية الصلاة بعد العيد هي ما كانت بالمصلى. فقه الإسلام شرح بلوغ المرام (2/ 224).

وللاستفادة من الروايات الأخرى ينظر (هنا) و (هنا)


إبلاغ عن خطأ