«إنِّي تاركٌ فيكم ما إنْ تَمَسَّكْتُمْ به لنْ تضِلُّوا بعدي أحدُهُما أعظمُ مِن الآخَرِ: كتابُ اللَّهِ حبلٌ ممدودٌ مِن السَّماءِ إلى الأرضِ، وعِتْرَتِي أهلُ بيتِي، ولنْ يَتَفَرَّقَا حتَّى يَرِدَا عليَّ الحوضَ؛ فانْظُرُوا كيفَ تَخْلُفُونِي فيهما؟».
رواه الترمذي برقم: (3788) واللفظ له، من حديث زيد بن أرقم -رضي الله عنه-.
وأحمد برقم: (21578)، ورقم: (21654)، من حديث زيد بن ثابت -رضي الله عنه- ولفظه: «إنِّي تارِكٌ فيكم خَلِيفَتَيْن: كتابُ اللهِ...، وعِتْرَتِي أهلُ بيتي».
وحديث زيد بن أرقم في صحيح مسلم برقم: (2408)، ولفظه: «وأهلُ بيتي أُذكِّركُم اللهَ في أهلِ بيتي، أُذكِّركُم اللهَ في أهلِ بيتي، أُذكِّركُم اللهَ في أهلِ بيتي».
صحيح الجامع برقم: (2457)، ورقم: (2458)، صحيح الترمذي برقم: (2980).
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«عِتْرَتِي»:
عِترة الرجل: أقرباؤه من ولدٍ وغيره، وقيل: هُم قومه دنيا، وقيل: هُم رهطه وعشيرته الأدنون من مضى منهم ومن غبر؛ ومنه. لسان العرب (4/ 538).
شرح الحديث
قوله: «إنِّي تارِكٌ فيكم ما إنْ تَمَسَّكْتُمْ به لن تَضِلُّوا بعدي»:
قال الطيبي -رحمه الله-:
في قوله: «إني تارك فيكم» إشارة إلى أنهما بمنزلة التوأمين الخلفين عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وأنه يوصي الأمة بحسن المخالفة معهما، وإيثار حقهما، كما يوصي الأب المشفق الناس في حق أولاده. شرح المشكاة (12/ 3909).
وقال الطيبي -رحمه الله- أيضًا:
«مَا إنْ تَمَسَّكْتُمْ به» (ما) موصولة، والجملة الشرطية صلتها، وإمساك الشيء: التعلُّق به، وحفظه، قال الله تعالى: {وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ} الحج:65، واستمسك بالشيء إذا تحرى الإمساك به. شرح المشكاة (12/ 3909).
وقال الفيومي -رحمه الله-:
«لن تَضِلُّوا بعدي» ما أخذتم بهما، وعملتم بما فيهما. فتح القريب المجيب (1/ 483).
قوله: «أحدُهما أعظمُ مِن الآخَرِ»:
قال الطيبي -رحمه الله-:
ومعنى كون أحدهما أعظم من الآخر: أنَّ القرآن هو أسوة للعترة، وعليهم الاقتداء به، وهم أولى الناس بالعمل بما فيه، ولعل السر في هذه التوصية، واقتران العترة بالقرآن، أن إيجاب محبتهم لا تخلو من معنى قوله تعالى: {قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى} الشورى: 23، فإنه تعالى جعل شكر إنعامه وإحسانه بالقرآن منوطًا بمحبتهم على سبيل الحصر، فكأنه -صلوات الله عليه- يوصي الأمة بقيام الشكر، وقيد تلك النعمة به، ويحذرهم عن الكفران. شرح المشكاة (12/ 3909).
قوله: «كتابُ اللَّهِ حبلٌ ممدودٌ مِن السَّماءِ إلى الأرضِ»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«كتاب الله» بالنصب وبالرفع، وهو أظهر هنا؛ لقوله: «حبلٌ ممدودٌ بين السماء والأرض» أي: قابل للترقي والتنزل. مرقاة المفاتيح (9/ 3975).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«كتابُ اللهِ» تعالى، قدَّمه لأحقيته بالتقديم. البحر المحيط الثجاج (38/ 590).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
«كتاب الله، حبل ممدود من السماء إلى الأرض» وفيه تلويح إلى قوله تعالى: {وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ} الأعراف: 176، كأنَّ الناس واقعون في مهواة طبيعتهم مشتغلون بشهواتها، وأنَّ الله يريد بلطفه رفعهم، فيدلي حبل القرآن إليهم ليخلصهم من تلك الورطة، فمن تمسك به نجا، ومن أخلد إلى الأرض هلك. الكاشف عن حقائق السنن (12/ 3909).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
«كتابُ اللَّه، حبل ممدود من السماء إلى الأرض» قيل: أي: نور ممدود، أي: نورُ هُداه، ويشبهون النور بالحبل والخيط، نحو: {حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ} البقرة: 187، يعني: نورَ الصبح من ظلمة الليل، وسياق الحديث ظاهر في هذا المعنى، وقيل: عهده وأمانه الذي يؤمن من العذاب، والحبل: العهد والميثاق، وفي الحديث: «بيننا وبين القوم حبال» أي: عهود ومواثيق، وقيل: أي: وصلة لمزيد الترقي إلى معارج القدس، وفيه: تلويح إلى معنى قوله تعالى: {وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ} الأعراف: 176. لمعات التنقيح (9/ 700).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
أي: أنَّه للمتمسك به كالحبل في نجاته، أو أنه سبب موصل للعبد إلى النجاة. التنوير (4/ 215)
وقال الصنعاني -رحمه الله- أيضًا:
قد شمل ما فيه الكتاب تخليفه السُّنة؛ لأن الكتاب دل على الاهتداء بها {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} الحشر:7...، فكلُّ من أخذ به قد أمن من الضلال، ووصل إلى الهدى، ومن الاهتداء به اتباع السُّنة، فإنه دلَّ على أنها بيان له، وإيضاح ليبين للناس ما نزل إليهم، وقد أكمل الله الدين بهما، قال الله: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} المائدة: 3. التحبير (1/ 243).
وقال الصنعاني -رحمه الله- أيضًا:
فأما الكتاب فالاتفاق واقع بأنه توصية بالعمل به، والانقياد لأحكامه، والاتعاظ بمواعظه، وغير ذلك من توقيره وتعظيمه وتلاوته، وتعلمه وتعليمه، وأنه حجة يَنجي من الضلالة والردة، أو يهدي إلى السلامة في الأولى والأخرى، وأنَّ المتمسك به لا يضل أبدًا. التحبير (1/ 245).
وقال الفيومي -رحمه الله-:
قيل: المراد بحبل الله: عهده، وقيل: السبب الموصل إلى رضاه ورحمته، وقيل: هو نوره الذي يهتدي به، فالحبل: يطلق على العهد، وعلى الأمان، وعلى الوصلة، وعلى السبب، وأصله: من استعمال العرب الحبل في مثل هذه الأمور لاستمساكهم بالحبال عند شدائد أمورهم، ويصلون بها المفرق، فاستعير اسم الحبل لهذه الأمور. فتح القريب المجيب (1/ 489).
قوله: «وعترتي أهل بيتي»:
قال العزيزي -رحمه الله-:
«وعترتي» عطف على كتاب الله، «أهل بيتي» يحتمل رفعه ونصبه، أي: أعني، أو هم، والمراد: العلماء منهم، أي: أحثكم على اتباعهما لا تخالفوهما. السراج المنير (2/ 172).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
الذين اعتقدوا صحتها (وعترتي) قالوا: إنَّما يدل على أنَّ مجموع العِترة الذين هم بنو هاشم لا يتفقون على ضلالة، وهذا قاله طائفة من أهل السُّنة، وهو من أجوبة القاضي أبي يعلى وغيره، والحديث الذي في مسلم إذا كان النبي -صلى الله عليه وسلم- قد قاله، فليس فيه إلا الوصية باتباع كتاب الله، وهذا أمر قد تقدمت الوصية به في حجة الوداع قبل ذلك، وهو لم يأمر باتباع العترة، ولكن قال: «أذكركم الله في أهل بيتي» وتذكير الأمة بهم يقتضي أن يذكروا ما تقدم الأمر به قبل ذلك من إعطائهم حقوقهم، والامتناع من ظلمهم، وهذا أمر قد تقدم بيانه قبل غدير خم. منهاج السنة (7/ 318).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
أما لفظ (العِترة) ففي صحيح مسلم عن زيد بن أرقم أنه قال: خطبنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بغدير يُدعى خمًّا بين مكة والمدينة، وقال: «إني تارك فيكم الثقلين، أحدهما: أعظم من الآخر، كتاب الله» وحض عليه، وقال: «عترتي أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي» ففيه: أنَّه أمر باتباع القرآن، وأنَّه وصى الأمة بأهل بيته، وأما قوله: «ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعده كتاب الله، وعترتي» فقد رواه الترمذي وضعفه أحمد وغيره. بيان تلبيس الجهمية (8/ 240-241).
وقال ابن تيمية -رحمه الله- أيضًا:
لفظ الحديث الذي في صحيح مسلم عن زيد بن أرقم: «قام فينا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خطيبًا بماء يُدعى خمًّا بين مكة والمدينة، فقال: «أما بعد: أيها الناس، إنما أنا بشر يوشك أن يأتيني رسول ربي فأجيب ربي، وإني تارك فيكم ثقلين: أولهما: كتاب الله، فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله، واستمسكوا به» فحث على كتاب الله، ورغب فيه، ثم قال: «وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي» وهذا اللفظ يدل على أنَّ الذي أمرنا بالتمسك به وجعل المتمسك به لا يضل هو كتاب الله.
وهكذا جاء في غير هذا الحديث، كما في صحيح مسلم عن جابر في حجة الوداع لما خطب يوم عرفة، وقال: «قد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به: كتاب الله، وأنتم تسألون عني، فما أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت، فقال بإصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكبها إلى الناس: «اللهم اشهد» ثلاث مرات.
وأما قوله: «وعترتي، أهل بيتي»، «وأنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض» فهذا رواه الترمذي، وقد سُئل عنه أحمد بن حنبل فضعفه، وضعفه غير واحد من أهل العلم، وقالوا: لا يصح، وقد أجاب عنه طائفة بما يدل على أنَّ أهل بيته كلهم لا يجتمعون على ضلالة، قالوا: ونحن نقول بذلك، كما ذكر القاضي أبو يعلى وغيره.
ولكن أهل البيت لم يتفقوا -ولله الحمد- على شيء من خصائص مذهب الرافضة، بل هم المبرؤون المنزهون عن التدنس بشيء منه. منهاج السنة (7/ 393-395).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«وأهل بيتي» أي: وثانيهما أهل بيتي «أذكركم الله» بكسر الكاف المشددة أي: أحذركموه «في أهل بيتي» وضع الظاهر موضع المضمر اهتمامًا بشأنهم، وإشعارًا بالعلة، والمعنى: أنبهكم حق الله في محافظتهم ومراعاتهم واحترامهم وإكرامهم ومحبتهم ومودتهم. مرقاة المفاتيح (9/ 3967).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله- أيضًا:
الأظهر: هو أنَّ أهل البيت غالبًا يكونون أعرف بصاحب البيت وأحواله، فالمراد بهم: أهل العلم منهم المطلعون على سيرته، الواقفون على طريقته، العارفون بحكمه وحكمته؛ ولهذا يصلح أن يكونوا مقابلًا لكتاب الله سبحانه، كما قال: {وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ} البقرة: 129، ويؤيده ما أخرجه أحمد في المناقب، عن حميد بن عبد الله بن زيد أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- ذكر عنده قضاء قضى به علي بن أبي طالب، فأعجبه، وقال: «الحمد لله الذي جعل فينا الحكمة أهل البيت». مرقاة المفاتيح (9/ 3975).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«وعترتي أهل بيتي» معنى التمسك بالعتِرة: محبتهم، والاهتداء بهداهُم وسيرتهم. شرح المصابيح (6/ 464).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
أي: أحذركم الله في شأن أهل بيتي، وأقول لكم: اتقوا الله، ولا تؤذوهم فاحفظوهم، فالتذكير بمعنى الوعظ. الكاشف عن حقائق السنن (12/ 3903).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
هذه الوصية، وهذا التأكيد العظيم يقتضي وجوب احترام آل النبي -صلى الله عليه وسلم-، وأهل بيته، وإبرارهم وتوقيرهم، ومحبتهم وجوب الفروض المؤكدة التي لا عذر لأحد في التخلف عنها، هذا مع ما علم من خصوصيتهم بالنبي -صلى الله عليه وسلم-، وبأنَّهم جزء منه، فإنَّهم أصوله التي نشأ منها، وفروعه التي تنشأ عنه. المفهم (6/ 304).
وقال التوربشتي -رحمه الله-:
في حديثه أيضًا حين سارره -صلى الله عليه وسلم- في أسارى بدر: «يا رسول الله، عترتك وقومك»، كأنه أراد بالعترة: العباس ومن أسره معه من بني عبد المطلب وبقومه قريشًا...، والقول الأمثل في العترة من طريق اللغة: هو أنَّ عترة الرجل: أهل بيته ورهطه الأدنون، ولاستعمالهم العترة على أنحاء كثيرة بيَّنها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بقوله: «أهل بيتي»؛ ليعلم أنه أراد بذلك: نسله وعصابته الأدنين وأزواجه. الميسر (4/ 1335).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
«أهل بيتي» تشريفًا وتكريمًا لهم بكونهم أهل بيته، ومخالطين ومقتبسين من أنواره...، والظاهر: أنَّ المراد بأهل البيت ها هنا: أخص من أولاد الجد القريب وهم بنو هاشم، بل أولاده وذريته، والعترة أعم من ذلك، فافهم. لمعات التنقيح (9/ 708).
وقال السندي -رحمه الله-:
أمَّا الأخذُ بأهل البيتِ فَلِمَحَبَّتِهم، ومَوَدَّتِهم، ومعرفةِ قَدْرِهم، لا بالعمل بأقْوالِهم إلا إذا كانَ معه دليلٌ شَرْعيٌّ، والله -سبحانه وتعالى- أعلم. حاشيته على سنن الترمذي (3/ 699).
وقال الحكيم الترمذي -رحمه الله-:
واقع على الأئمة منهم السادة، لا على غيرهم، وليس بالمسيء المخلط قدوة، وكائن فيهم المخلطون والمسيؤون؛ لأنهم لم يعروا من شهوات الآدميين، ولا عصموا عصمة النبيين، وكذلك كتاب الله تعالى من قبل ما منه ناسخ ومنسوخ، فكما ارتفع الحكم بالمنسوخ منه، كذلك ارتفعت القدوة بالمخذولين منهم، وإنَّما يلزمنا الاقتداء بالفقهاء العلماء منهم بالفقه والعلم الذي ضمن الله تعالى بين أحشائهم، لا بالأصل والعنصر، فإذا كان هذا العلم والفقه موجودًا في غير عنصرهم لزمنا الاقتداء بهم، كالاقتداء بهؤلاء. نوادر الأصول (1/ 259).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
فعلى تقييده العترة لمن مضى وغبر قد قيده لفظ: «أهل بيتي» لما أبدله منه بالموجودين، ثم إنه اختلف العلماء قديمًا وحديثًا من أراد بأهل بيته...، وأما هنا فقد كفانا الراوي، وهو زيد بن أرقم فإنه فسرهم لَمَّا قيل له: مَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ يا زيد؟، أليس نساؤه من أهل بيته؟ فقال: إن نساءه من أهل بيته، ولكن أهل بيته من حُرِمَ الصدقة بعده، قال له السائل: ومن هم؟ قال: هم آل علي، وآل عقيل، وآل جعفر، وآل العباس، قال له: أَكُلَّ هؤلاء حرم عليهم الصدقة؟ قال: نعم، وقد ثبت أحاديث: «إن الصدقة لا تحل لآل محمد»، وأهل بيته، وآل محمد بمعنى واحد هنا. التحبير (1/ 244).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
أما أهل البيت فحمله طائفة كبيرة على أنَّ المراد بالتوصية والإخبار بأن المتمسك بهم لن يضل أبدًا هو المتمسك بما أجمعوا عليه، وأنه حجة يجب اتباعهم، ولا يجوز العدول، قالوا: بدليل أن أفرادهم غير معصومين، وبدليل أنه لا حجة قائل بأن الواحد منهم حجة، وإن قيل به في علي -رضي الله عنه-، وأنَّ كلامه حجة، لكن الحكم في الحديث عام لكل فرد منهم، قالوا: ومعنى أنهم لا يفارقون الكتاب أن إجماعهم حجة أبدًا، وأنهما لن يفترقا في صحبة كل واحد منهم إلى آخر دار التكليف...، وقال آخرون: بل التوصية بأهل البيت توصية بتوقيرهم وتعظيمهم ومحبتهم والإحسان إلى مُحسنهم، والتجاوز عن مُسيئهم، واغتفار زلاتهم، كل ذلك لأجل قرابتهم من أشرف خلق الله. التحبير (1/ 245).
وقال بَحْرَق الحضرمي الشافعي -رحمه الله-:
وما استمسك به المبطلون في أنَّ هذه الأحاديث وأمثالها تقتضي أن يكون سيدنا عليٌّ هو الوصي بالخلافة، وأنَّ خلافة الثلاثة من السادة الأتقياء قبله معصية مخالفة لنص الرسول- إفكٌ مفترى، اجترأوا عليه سفهًا بغير علم، افتراء على الله، قد ضلوا، وما كانوا مهتدين، ما لهم به من علم إنْ يتبعون إلا الظن، وإن الظن لا يغني من الحق شيئًا. الحسام المسلول على منتقصي أصحاب الرسول (ص: 93).
وقال الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله-:
قد تقدم الجواب عن حديث الثقلين، وما في معناه قريبًا، وبيَّنَّا أنها لا تدل على مقصود هذا المعترض، بل تدل على نقيض مقصوده، وإنَّما تدل على أنَّ إجماع أهل البيت حجة، وأنَّهم لا يجمعون على باطل؛ لأن الله عصمهم من ذلك، كما عصم هذه الأمة أنْ تجتمع على ضلالة، وهذا قول طائفة من أصحاب أحمد وغيره. جواب أهل السنة النبوية في نقض كلام الشيعة والزيدية (ص: 91).
قوله: «ولنْ يتفرَّقَا حتَّى يَرِدَا عليَّ الحوضَ»:
قال العزيزي -رحمه الله-:
«ولن يتفرقا حتى يردا عليَّ الحوض» يحتمل أنَّ المراد: العلماء منهم، يستمرون آمرين بما في الكتاب إلى قيام السماعة -والله أعلم بمراد نبيه-. السراج المنير (2/ 172).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
فمن أقام بالوصية، وشكر تلك الصنيعة، بحس الخلافة فيهما لن يفترقا، فلا يفارقانه في مواطن القيامة ومشاهدها حتى يَرِدَا الحوض، فيشكرا صنيعه عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فحينئذٍ هو بنفسه يكافئه، والله تعالى يجازيه بالجزاء الأوفى، ومن أضاع الوصية، وكفر النعمة، فحكمه على العكس...، وإن استغربتَ قولي: لا يفارقانه في مواقف الحشر حتى يَرِدَا عليَّ الحوض، تمسكت بما ورد عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «اقرؤوا الزهراوين...» إلى قوله: «يحاجان عن صاحبهما». الكاشف عن حقائق السنن (12/ 3910).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
قد تنازع العلماء من أصحاب الإمام أحمد وغيرهم في إجماع الخلفاء، وفي إجماع العترة، هل هو حجة يجب اتباعها؟
والصحيح: أنَّ كليهما حجة، فإنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي؛ تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ»، وهذا حديث صحيح في السنن، وقال -صلى الله عليه وسلم-: «إني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي، وأنهما لن يفترقا حتى يَرِدَا عليَّ الحوض» رواه الترمذي وحسنه، وفيه نظر. مجموع الفتاوى (28/ 493).
قوله: «فانْظُرُوا كيف تَخْلُفُونِي فيهما؟»:
قال الطيبي -رحمه الله-:
النظر بمعنى: التأمل والتفكر، أي: تأملوا واستعملوا الروية في استخلافي إياكم، هل تكونون خلف صدق أو خلف سوء؟ الكاشف عن حقائق السنن (12/ 3910).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
«فانظروا» أي: تأملوا وتفكروا كيف تكونوا خلفًا لي بعدي عاملين متمسكين بهما؟ لمعات التنقيح (9/ 709).
وقال الشيخ فيصل ابن المبارك -رحمه الله-:
في هذا الحديث: الحث على التمسُّك بكتاب الله، والاعتصام بحبله.
وفيه: التمسُّك بمحبَّة أهل بيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. تطريز رياض الصالحين (1/ 457).