الإثنين 21 شعبان 1447 | 2026-02-09

A a

«رأيتُ النبي -صلى الله عليه وسلم- يَخْطُبُ الناسَ على ناقته العَضْبَاءِ يومَ الأضحى بِمِنًى».


رواه أحمد برقم: (20075)، وأبو داود برقم: (1954)، وابن حبان برقم: (3875)، وابن خزيمة برقم: (2953)، من حديث الهِرْمَاس بن زياد الباهلي -رضي الله عنه-.
صحيح سنن أبي داود برقم: (1707)، التعليقات الحسان برقم: (3864).


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«العَضْبَاء»:
أي: مشقوقة الأذن، ولم تكن مشقوقة الأذن، وقال بعضهم: إنها كانت مشقوقة الأذن، والأول أكثر. النهاية، لابن الأثير (3/ 251).
قال الزمخشري -رحمه الله-:
العَضْبَاء: عَلَمٌ لناقة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- منقول من قولهم: ناقة عَضْبَاءُ، وهي القصيرة اليد. الفائق (2/ 173).


شرح الحديث


قوله: «رأيتُ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- يخطبُ الناسَ على ناقتِهِ العَضْباءِ»:
قال ابن رسلان -رحمه الله-:
«على ناقته العضباء» وهي التي هاجر عليها، وكانت شَهْبَاء، ورمى الجمار على ناقته الصهباء، وهي الشقراء. شرح سنن أبي داود (9/ 54).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
قوله: «العضباء» هي مقطوعة الأذن. نيل الأوطار (5/ 91).
وقال السهارنفوري -رحمه الله-:
وسميت العَضباء؛ لأنها كانت صغيرة الأذنين، لا أنها كانت مقطعوتهما. بذل المجهود (7/ 426).
وقال السندي -رحمه الله-:
قوله: «ناقته العضباء» قيل: هي ناقته القَصْواء، وهما اسمان لها، وقيل: غيرها. فتح الودود (2/ 407).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «العضباء» هو اسم ناقة النبي -صلى الله عليه وسلم- قال أبو عبيد: الأعْضَب المكسور القَرن، فقيل: كانت مقطوعة الأذن، وقيل: بل هو اسم فقط، وهو الأرجح، وقيل: العضباء القصيرة اليد. فتح الباري (1/ 157).

قوله: «يومَ الأضحى بمنىً»:
قال ابن رسلان -رحمه الله-:
«يوم الأضحى بمنى» وهذه هي الخطبة الثالثة بعد صلاة الظهر فردة (أي: خطبة واحدة لم يجلس فيها) يُعَلِّم الناس بها المبيت والرمي في أيام التشريق، وغير ذلك مما بين أيديهم، وما مضى لهم في يومهم؛ ليأتي به مَن لم يفعله، وهذه الخطب الأربع كلها سنة لهذه الأحاديث، وقولنا: خطب الحج أربعة هو الجديد (يعني: في مذهب الشافعي)، وفي القديم: لو خطب الإمام في كل يوم ليعلِّم الناس الخير رجوت ألا يكون مأثومًا إن شاء الله تعالى. شرح سنن أبي داود (9/ 55).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
قوله: «يوم الأضحى بمنى» وهذه هي الخطبة الثالثة بعد صلاة الظهر، فعلها ليعلِّم الناس بها المبيت والرمي في أيام التشريق وغير ذلك مما بين أيديهم. نيل الأوطار (5/ 91).
وقال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
قال الطبري بعد ذكر حديث الهرماس ورافع المزني: وهذه الخطبة الثالثة من خطب الحج، ولا تضاد بين الحديثين (يعني: حديث الباب مع حديث المزني بأنه خطب على بغلته الشهباء)؛ إذ قد يجوز أن يكون خَطَبَ على الناقة، ثم تحوَّل إلى البَغْلَة، ويجوز أن يكون الخطبتان في وقتين، وكانت إحدى الخطبتين تعليمًا للناس، لا أنها من خطب الحج. انتهى، فتأمل. مرعاة المفاتيح (9/ 319).
وقال العيني -رحمه الله-:
إطلاق لفظ الخطبة ليس على حقيقة الخطبة المعهودة؛ لأنه ليس فيه ما يدل على أمر من أمور الحج...، والخطبة الحقيقية في حديث ابن عباس ما رواه جابر بن زيد عنه قال: «سمعتُ النبي -صلى الله عليه وسلم- يخطب بعرفات»...، فهذه الخطبة الحقيقية؛ لأن فيها تعليم الناس الوقوف بعرفة والمزدلفة، والإفاضة منها، ورمي جمرة العقبة يوم النحر، والذبح والحلق وطواف الزيارة، وليس في خطبة يوم النحر شيء من ذلك، وإنما هي سؤالات وأجوبة كما ذكرنا، وكذلك في حديث الهِرْمَاس بن زياد وأبي أمامة عند أبي داود، وحديث جابر بن عبد الله عند أحمد، «خطبنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوم النحر، فقال: أيّ يوم أعظم حرمة؟» الحديث، وإطلاق الخطبة في كل ذلك ليس على حقيقته. عمدة القاري (10/ 77).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
اختلف الناس في خطب الحج، فكان مالك يقول: يخطب الإمام في اليوم السابع قبل يوم التروية بيوم، ويخطب ثاني يوم النحر، وهو يوم القَرِّ، سُمِّي بذلك؛ لأن الناس يستقرون فيه بمنى، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، ووافقهم الشافعي في خطبة اليوم السابع يأمرهم بالغدو إلى منى، وخطبة يوم عرفة بعد الزوال، وخالفهم فقال: يخطب يوم النحر بعد الظهر، يُعَلِّم الناس فيها النحر والرمي والتعجيل لمن أراد، وخطبة رابعة: ثالث يوم النحر بعد الظهر، وهو يوم النفر الأول، يودِّع الناس ويعلمهم أن من أراد التعجيل فذلك له، ويأمرهم أن يختموا حجهم بتقوى الله وطاعته، واحتج الشافعي بخطبة يوم النحر بحديث ابن عباس وابن عمر وأبي بكرة «أنَّ النبي -عليه السلام- خطب يوم النحر» قال الشافعي: وبالناس حاجة إلى هذه الخطبة؛ ليعلمهم المناسك، وإن علَّمهم النحر والإفاضة إلى مكة للطواف والعود إلى منى للمبيت بها، فوجب أن يكون ذلك سُنة، وقال ابن القصار: أما خطبة يوم النحر فإنه -عليه السلام- إنما وقف للناس فقال: «أيّ يوم هذا؟ وأيّ شهر هذا؟ وأيّ بلد هذا؟» فعرَّفهم أن دماءهم وأموالهم وأعراضهم حرام، وأمرهم بتبليغ ذلك؛ لكثرة اجتماعهم من أقاصي الأرض، فظن أنه خطب، وقال الطحاوي: لم تكن هذه الخطبة من أسباب الحج؛ لأنه -عليه السلام- ذكر فيها أمورًا لا يصلح لأحد بعده ذكرها، والخطبة إنما هي لتعليم الحج، ولم يَنقل أحد عنهم أنه علمهم يوم النحر شيئًا من سنن الحج، فعلمنا أن خطبة يوم النحر لم تكن للحج، وإنما كانت لما سواه، قال ابن القصار: وقوله: يحتاج أن يعلِّمهم النحر، فقد تقدم تعليمهم في خطبته يوم عرفة، وأعلمهم ما عليهم فيه وبعده، وخطب ثاني النحر فأعلمهم ما بقي عليهم في يومه وغده، وأن التعجيل يجوز فيه، وكذلك خطب قبل يوم التروية بيوم وهو بمكة، فكانت خطبه ثلاثًا، كل خطبة ليومين، وأما قول الشافعي: إنه يخطب ثالث يوم النحر، مع إجماعهم بأنها خطبة يأمر الإمام الناس فيها بالتعجيل إن شاؤوا؛ ولما كان لم يختلفوا فيه أن الخطبة التي يأمر الإمام الناس فيها بالخروج إلى منى قبل الخروج إليها، كان كذلك الخطبة التي يأمرهم فيها بالتعجيل في يومين قبل ذلك أيضًا، قال ابن المواز: الخطبة الأُولى قبل التروية بيوم في المسجد الحرام بعد الظهر لا يجلس فيها، والثانية بعرفة يجلس في وسطها، والثالثة بمنى أول يوم من أيام التشريق، وهي بعد الظهر لا يجلس فيها، وهي كلها تعليم المناسك، ولا يجهر بالقراءة في شيء من صلاتها. شرح صحيح البخاري (4/ 410-411).
وقال الشوكاني -رحمه الله- بعد ذكره لأحاديث خطب النبي يوم النحر:
وأحاديث الباب تدل على مشروعية الخطبة في يوم النحر، وهي تردُّ على من زعم (يعني: المالكية والأحناف) أن يوم النحر لا خطبة فيه للحاج، وأن المذكور في أحاديث الباب إنما هو من قَبِيل الوصايا العامة، لا أنه خطبة من شعار الحج، ووجه الرد: أن الرواة سموها خطبة كما سموا التي وقعت بعرفات خطبة، وقد اتفق على مشروعية الخطبة بعرفات، ولا دليل على ذلك إلا ما روي عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه خطب بعرفات.
والقائلون بعدم مشروعية الخطبة يوم النحر هم المالكية والحنفية، وقالوا: خُطب الحج ثلاث: سابع ذي الحجة، ويوم عرفة، وثاني يوم النحر، ووافقهم الشافعي إلا أنه قال، بدل ثاني النحر: ثالثه، وزاد خطبة رابعة وهي يوم النحر، قال: وبالناس إليها حاجة؛ ليعملوا أعمال ذلك اليوم من الرمي والذبح والحلق والطواف، واستدل بأحاديث الباب.
وتعقبه الطحاوي: بأنَّ الخطبة المذكورة ليست من متعلقات الحج؛ لأنه لم يذكر فيها شيئًا من أعمال الحج، وإنما ذكر وصايا عامة كما تقدم، قال: ولم يَنْقُل أحدٌ أنه علمهم فيها شيئًا مما يتعلق بالحج يوم النحر، فعرفنا أنها لم تُقصد لأجل الحج.
وقال ابن القصار: إنما فعل ذلك من أجل تبليغ ما ذكره؛ لكثرة الجمع الذي اجتمع من أقاصي الدنيا، فظن الذي رآه أنه خطب.
قال: وأما ما ذكره الشافعي أن بالناس حاجة إلى تعليمهم أسباب التحلل المذكورة فليس بمتعين؛ لأن الإمام يمكنه أن يعلمهم إياها بمكة أو يوم عرفة. انتهى.
وأجيب: بأنه -صلى الله عليه وسلم- نبَّه في الخطبة المذكورة على تعظيم يوم النحر، وعلى تعظيم عشر ذي الحجة، وعلى تعظيم البلد الحرام، وقد جزم الصحابة المذكورون بتسميتها خطبة كما تقدم، فلا تلتفت إلى تأويل غيرهم.
وما ذكره من إمكان تعليم ما ذُكر يوم عرفة يُعَكِّر عليه كونه يرى مشروعية الخطبة ثاني يوم النحر، وكان يمكن أن يعلموا يوم التروية جميع ما يأتي بعده من أعمال الحج، لكن لما كان في كل يوم أعمال ليست في غيره، شرع تجديد التعليم بحسب تجدد الأسباب.
وقد بيَّن الزهري -وهو عالم أهل زمانه- أنَّ الخطبة ثاني يوم النحر نُقلت من خطبة يوم النحر، وأنَّ ذلك من عمل الأمراء -يعني: بني أمية-، كما أخرج ذلك ابن أبي شيبة عنه، وهذا وإن كان مرسلًا لكنه معتضِد بما سبق، وبان به أن السُّنة الخطبة يوم النحر لا ثانيه.
وأما قول الطحاوي: إنه لم يعلِّمهم شيئًا من أسباب التحلُّل، فيرده ما عند البخاري من حديث ابن عمرو بن العاص: «أنه شهد النبي -صلى الله عليه وسلم- يخطب يوم النحر» وذكر فيه السؤال عن تقديم بعض المناسك.
وثبت أيضًا في بعض أحاديث الباب: «أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: خذوا عنِّي مناسككم» فكأنه وعظهم وأحال في تعليمهم على تلقي ذلك من أفعاله. نيل الأوطار (3/ 364-365).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
خطب -صلى الله عليه وسلم- الناس بمنى خطبتين: خطبة يوم النحر، والخطبة الثانية في أوسط أيام التشريق، فقيل: هو ثاني يوم النحر وهو أوسطها، أي: خيارها. زاد المعاد (2/ 265).
وقال النووي -رحمه الله-:
ولم يُبيِّن (الشيرازي) متى تكون هذه الخطبة من يوم النحر، وقد سبق أنَّها تكون بعد صلاة الظهر، هكذا قاله الشافعي والأصحاب، واتفقوا عليه، وهو مُشكل؛ لأنَّ المعتمد في هذه الخطبة الأحاديث الواردة فيها، والأحاديث مصرحة بأنَّ هذه الخطبة كانت ضحوة يوم النحر، لا بعد الظهر...، قال أصحابنا: ويُستحب لكل أحد من الحجاج حضور هذه الخطبة، ويُستحب لهم وللإمام الاغتسال لها، والتطيب إن كان قد تحلل التحللين أو الأول منهما، والله أعلم.
وهذه الخطبة تكون بمنى هكذا نص عليه الشافعي والمصنف (الشيرازي) والأصحاب في جميع الطرق، وحكى الرافعي وجهًا شاذًّا: أنَّ هذه الخطبة تكون بمكة، وهذا فاسد، مخالف للنقل والدليل. المجموع (8/ 219).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
فيه: إثبات الخطبة في يوم النحر. شرح سنن أبي داود (228/11).
قال محمود السبكي -رحمه الله-:
لم يثبت أنه خطب في العيد على منبر بل كان يخطب قائمًا على رجليه وعلى بعيره؛ لما رواه ابن ماجه عن قيس بن عائذ قال: «رأيت النبي -صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم- يخطب على ناقة حسناء، وحبشي آخذ بخطامها»؛ ولما رواه أحمد وأبو داود عن الهرماس بن زياد قال: «رأيت النبي -صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم- يخطب الناس على ناقته العضباء يوم الأضحى بمنى». المنهل العذب (6/٣١٨).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
مما قد يغلط فيه الناس: اعتقاد بعضهم أنه يستحب صلاة العيد بمنى يوم النحر، حتى قد يصليها بعض المنتسبين إلى الفقه أخذًا فيه بالعمومات اللفظية أو القياسية، وهذه غفلة عن السنة ظاهرة، فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- وخلفاءه لم يصلوا بمنى عيدًا قط، وإنما صلاة العيد بمنى هي جمرة العقبة، فرمي جمرة العقبة لأهل الموسم بمنزلة صلاة العيد لغيرهم؛ ولهذا استحب أحمد أن تكون صلاة أهل الأمصار وقت النحر بمنى؛ ولهذا خطب النبي -صلى الله عليه وسلم- يوم النحر بعد الجمرة، كان كما يخطب في غير مكة بعد صلاة العيد، ورمي الجمرة تحية منى، كما أنَّ الطواف تحية المسجد الحرام. القواعد النوارنية (ص: 101).


إبلاغ عن خطأ