الثلاثاء 23 ذو الحجة 1447 | 2026-06-09

A a

عن عطاءِ بنِ يَسَارٍ، قال: سألتُ أبا أيوب الأنصاريَّ: كيف كانتِ الضَّحايا على عهدِ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-؟ فقال: «كان الرَّجلُ يُضَحِّي بالشَّاةِ عنه وعن أهلِ بَيْتِهِ، فيأكُلُونَ ويُطْعِمُونَ، حتَّى تَباهَى الناسُ فصارتْ كما تَرَى».


رواه الترمذي برقم: (1505)، وابن ماجه برقم: (3147).
إرواء الغليل برقم: (1142)، صحيح ابن ماجه برقم: (3138).


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«تباهَى»:
المُباهاة: المُفاخرَةُ، وقد باهَى به يُباهِي مُباهاةً. النهاية، لابن الأثير (1/ 169).
قال ابن منظور -رحمه الله-:
المُباهاة: المُفاخرة، وتباهَوا أي: تَفاخرُوا. لسان العرب (14/ 99).


إظهار شرح الحديث

شرح الحديث

قوله: «سألتُ أبا أيوب الأنصاريَّ: كيف كانت الضَّحايا على عهدِ رسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-؟».
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
أي: سألته «كيف كانت الضَّحايا» فيكم معاشرَ الصحابة «على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟». مرشد ذوي الحجا والحاجة (18/ 376).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
فكان ابن عباس -رضي الله عنهما- يسأل الصحابة عمَّا قاله رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أو فعله، لا يسأل عن غير ذلك، وكذلك الصحابة كانوا يسألون نساءه -صلى الله عليه وسلم- عمَّا يخفى عليهم من سُننه، سيَّما عائشة -رضي الله عنها-، وكذلك التابعون كانوا يسألون الصحابة عن أقوال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأفعاله وسُننه. إرشاد النقاد إلى تيسير الاجتهاد (ص:170).

قوله: «فقال: كان الرجلُ يُضحِّي بالشاةِ عنه، وعن أهلِ بيتِهِ، فيأكلون ويُطعِمون»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
قال: «كان الرجل» منَّا في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- «يُضحِّي بالشاة» الواحدة «عنه» أي: عن نفسه «وعن أهل بيته» وفي رواية مالك في الموطأ: «كنا نضحِّي بالشاة الواحدة، يذبحها الرجل عنه وعن أهل بيته فيأكلون» أي: فيأكل أهل بيته من تلك الشاة «ويُطعِمون» غيرَهم من أهل وجيران من الإطعام. مرشد ذوي الحجا والحاجة (18/ 376).
وقال عبد الرحمن ابن قاسم -رحمه الله-:
«قال» أبو أيوب: خالد بن زيد -رضي الله عنه- «كان الرجل» في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- «يضحي بالشاة» وهي الواحدة من الغنم «عنه» أي: يذبحُها أضحيةً عنه «وعن أهل بيته» وهم عائلته الذين هم في نفقته وكُلفته... «فيأكلون» أي: أهل البيت منها، والجمهور أنهم يأكلون الثُّلث، وإن أكلوا أكثر جاز، «ويُطعِمون» أي: من الأضحية والأَولى بالثلث، ويتصدَّقون بالثلث؛ لقول عمر: "ثلث لك، وثلث لأهلك، وثلث للمساكين". الإحكام شرح أصول الأحكام (2/ 533).
وقال الطحاوي -رحمه الله-:
ذهب قوم إلى أن الشاة لا بأس أن يُضحَّى بها عن الجماعة وإن كثروا، وافترق أهل هذه المقالة على فرقتين، فقالت فرقة: لا تجزئ إلا أن يكون الذين يُضحَّى بها عنهم من أهل بيت واحد، وقالت فرقة: إن ذلك يُجزئ كان المُضحَّى بها عنهم من أهل بيت واحد، أو من أهل أبيات شَتَّى؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- «ضحَّى بالكبش الذي ضحَّى به عن جميع أُمَّته» وهم أهل أبيات شَتَّى، فإن كان ذلك ثابتًا لمَن بعد النبي -صلى الله عليه وسلم- فهو يجزئ عمَّن أجزأه بذبح النبي -صلى الله عليه وسلم-، فثبت بهذا قول الذين قالوا: يُضحَّى بها عن أهل البيت وعن غيرهم، ثم كان الكلام بين أهل هذا القول وبين الفِرقة التي تخالف هؤلاء جميعًا، وتقول: إن الشاة لا تجزئ عن أكثر من واحد، وتذهب إلى أن ما كان من النبي -صلى الله عليه وسلم- مما احتجَّت به الفرقتان الأُوليان لقولهما منسوخٌ أو مخصوصٌ، فممَّا دل على ذلك أن الكبش لما كان يجزئ عن غير واحد لا وقت في ذلك ولا عدد، كانت البقرة والبدنة أحرى أن تكونا كذلك، وأن تكونا تُجزئان عن غير واحد لا وقت في ذلك ولا عدد، ثم قد رَوينا عن النبي -صلى الله عليه وسلم- ما قد دلَّ على خلاف ذلك... مِن نحر أصحابه معه الجزور عن سبعة، والبقرة عن سبعة، وكان ذلك عند أصحابه على التوقيف منه لهم، على أن البقرة والبدنة لا تجزئ واحدة منهما عن أكثر مما ذُبحت عنه يومئذٍ، وتواترت عنهم الروايات بذلك... فلما جُعلت البقرة عن سبعة، وكان ذلك مما قد وُقف عليه، ولم يجعل لنا أن نعدو ذلك إلى ما هو أكثر منه، كانت الشاة أحرى أن لا تجزئ عن أكثر مما تجزئ عنه البقرة من ذلك، فلما ثبت أن الشاة لا تجزئ عن أكثر من سبعة، انتفى بذلك قول من قال: إنها تُجزئ عن جميع مَن ذُبحت عنه ممَّن لا وقت لهم ولا عدد، ولا تجاوز إلى غيره، وثبت ضده، وهو قول من قال: إن الشاة لا تجزئ إلا عن واحد، فقال قائل: إنا إنما جعلنا الشاة تُجزئ عن أكثر مما تجزئ عنه البقرة والجَزور؛ لأن الشاة أفضل منهما، فقيل له: ولم قلتَ ذلك؟ وما دليلُك عليه؟ وقد روي... عن ابن عمر -رضي الله عنهما- «أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يضحِّي بالجزور وبالكبش إذا لم يجد جزورًا» فأخبر عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- في هذا الحديث أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يضحِّي بالجزور إذا وجده؛ وذلك دليل على أنه كان يدع ما سواه مما يضحَّى به من البقر والغنم، وهو قادر عليه، ويضحِّي بالشاة إذا لم يقدر على الجزور؛ فذلك دليل على أن الجَزور كان عنده أفضل من الشاة. شرح معاني الآثار (4/ 178 - 179).
وقال ابن بطال -رحمه الله- معلقًا على كلام الطحاوي:
والنسخ لا يكون بالدَّعوى إلا بالنقل الثابت، واستعمال السُّنن أولى من إسقاط بعضها، ولا سلف للكوفيين في قولهم بالنسخ في ذلك. شرح صحيح البخاري (6/ 19).
وقال النووي -رحمه الله-: معلقًا:
واستدل بهذا من جوَّز تضحية الرجل عنه وعن أهل بيته، واشتراكهم معه في الثواب، وهو مذهبنا ومذهب الجمهور، وكرهه الثوري وأبو حنيفة وأصحابه، وزعم الطحاوي أن هذا الحديث منسوخ أو مخصوص وغلَّطه العلماء في ذلك؛ فإن النسخ والتخصيص لا يثبتان بمجرد الدَّعوى. شرح صحيح مسلم (13/ 122).
وقال محمد عبد الرحمن المباركفوري -رحمه الله-:
فإن قلتَ: هذه الأحاديث منسوخة أو مخصوصة لا يجوز العمل بها كما قال الطحاوي في شرح الآثار، قلتُ: تضحية رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن أمَّته وإشراكهم في أضحيته مخصوص به -صلى الله عليه وسلم-، وأما تضحيته عن نفسه وآله فليس بمخصوص به -صلى الله عليه وسلم-، ولا منسوخًا، والدليل على ذلك: أن الصحابة -رضي الله عنهم- كانوا يضحون الشاة الواحدة يذبحها الرجل عنه وعن أهل بيته كما عرفت، ولم يثبت عن أحد من الصحابة التضحية عن الأمَّة وإشراكهم في أضحيته ألبتة، وأما ما ادّعاه الطحاوي فليس عليه دليل.
فإن قلتَ: حديث أبي أيوب المذكور محمول على ما إذا كان الرجل محتاجًا إلى اللحم أو فقيرًا لا يجب عليه الأضحية فيذبح الشاة الواحدة عن نفسه، ويُطعم اللحم أهل بيته أو يشركهم في الثواب، فذلك جائز، وأما الاشتراك في الشاة الواحدة في الأضحية الواجبة فلا؛ فإن الاشتراك خلاف القياس، وإنما جُوِّز في البقر والإبل لورود النص أنهم اشتركوا في عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الإبل والبقرة، ولا نصَّ في الشاة... قلتُ: كما ورد النصّ أنهم اشتركوا في عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الإبل والبقرة كذلك ورد النص أنهم اشتركوا في عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الشاة الواحدة، إلا أنه قد ثبت الاشتراك في الإبل والبقرة من أهل أبيات شَتَّى، وثبت الاشتراك في الشاة من أهل بيت واحد كما عرفت، فالقول بأن الاشتراك في الشاة خلاف القياس، وأنه لا نص فيه باطل جدًّا، وأما حملهم حديث أبي أيوب المذكور على ما إذا كان الرجل محتاجًا إلى اللحم أو فقيرًا لا يجب عليه الأضحية، فلا دليل عليه، ولم يثبت أن مَن كان من الصحابة يجد سَعةً يُضحِّي الشاة عن نفسه فقط، ولا يشرك أهله فيها، ومَن كان منهم لا يجد سعة يضحي الشاة الواحدة عن نفسه وعن أهله ويشركهم فيها، ولمَّا لم يثبت هذا التَّفريق بطل حمل الحديث عليه، والظاهر أن أبا سريحة كان ذا سعة ولم يكن فقيرًا، ومع هذا كان يضحِّي الشاة الواحدة عن أهل بيته، فإنه لو كان فقيرًا لم يحمله أهله على الجفاء، ولم يبخِّله جيرانه. تحفة الأحوذي (5/ 77 - 78).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
والذي يظهر لي: أن الحجة للجمهور على ذلك: ما روي «أن النبي -صلى الله عليه وسلم- ضحَّى عن نسائه ببقرة»، وروي: «بالبقر»، وأيضًا فلم يُروَ أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أمر كل واحدة من نسائه بأضحية، ولو كان ذلك لنُقل، لتَكرار سِنيِّ الضَّحايا عليهن معه، ولكثرتهن، فالعادة تقتضي أن ذلك لو كان لنُقل كما نُقل غير ذلك من جزئيات أحوالهن، فدل ذلك على أنه كان يكتفي بما يضحِّي عنه وعنهن، والله تعالى أعلم. المفهم (5/ 364 - 365).
وقال أبو الوليد الباجي -رحمه الله-:
قوله: «كنا نضحي بالشاة الواحدة يذبحها الرجل عنه وعن أهل بيته» يريد أن الرجل كان يتناول إخراجها من ماله؛ ولذلك أضاف ذبحها إليه، ولكنه كان يُشرك أهل بيته في ثوابها، ويسقط عنهم بذلك ما تعيَّن عليهم من الأضحية، وفي هذا حجة على جواز ذلك عن أهل البيت؛ لأن قول أبي أيوب: كنا نفعل إنما يريد بذلك زمن النبي -صلى الله عليه وسلم-، وأتى بلفظ يقتضي التكرار، ومثل هذا مع تكراره لا يخفى في الأغلب عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، فإذا لم يمنع منه ولم ينكره دل ذلك على جوازه...
(و) لا خلاف أن الواحد من بهيمة الأنعام يُجزئ الإنسان في أهل بيته، ولكن قال مالك: أستحِبُّ قول ابن عمر: أن يضحِّي عن كل إنسان بشاة، لمَن استطاع ذلك، وجه ذلك: أنه أكثر ثوابًا...
(و) يجوز للإنسان أن يضحي عن نفسه وعن أهل بيته بالشاة الواحدة، يعني بأهل بيته أهلَ نفقته قليلًا كانوا أو كثيرًا، والأصل في ذلك حديث أبي أيوب «كنا نضحي بالشاة الواحدة، يذبحها الرجل عنه وعن أهل بيته» زاد ابن المواز عن مالك: وولديه الفقيرين، قال ابن حبيب: وله أن يُدخل في أضحيته مَن بلغ من ولده وإن كان غنيًّا إذا كان في نفقته وبيته، وكذلك مَن ضُمَّ إلى نفقته من أخ أو ابن أخ قريب. المنتقى شرح الموطأ (3/ 97 - 99).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
وضبط مَن يصح أن يُدخِله الرجل عندنا في أضحيته بثلاث صفات: أن يكونوا من قرابته، وحكم الزوجة وأم الولد حكمهم عند مالك والكافَّة، وأَبَاهُ الشافعي في أم الولد، وقال: لا أجيز لها ولا للمُكاتب والمَدين والعبد أن يضحُّوا، والثاني: أن يكونوا في نفقته وجب عليه أو تطوَّع بها، الثالث: أن يكونوا في بيته ومساكنه غير نائين عنه، فإن انخرم شرط من هذه الشروط لم يصح إشراكهم في أضحيته، والنبي مع أمَّته كالرجل مع قرابته...؛ لقوله: «أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم» {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ} الأحزاب: 6، وكما حُكْمُ أزواجه حكم الأمَّهات، فكذلك حكمه هو حُكم الأب. إكمال المعلم (6/ 413 - 414).
وقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي -رحمه الله- معلقًا على شروط المالكية:
واشترط المالكية لذلك شروطًا ثلاثة: وهي سُكناهم مع المضحّي، وقرابتهم منه، وإنفاقه عليهم وإن تَبَرُّعًا، ولا أعلم لهذه الشروط مُستندًا من الوحي إلا أن يكون يُراد بها تحقيق المناط في مُسمَّى الأهل، وأنَّ أهل الرجل هُم ما اجتمع فيهم الأوصاف الثلاثة. أضواء البيان (5/ 695 - 696).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله- معلقًا:
هذه الشروط تحتاج إلى أدلة، فليتأمل، والله تعالى أعلم. البحر المحيط الثجاج (33/ 391).
وقال النووي -رحمه الله-:
قال أصحابنا: التضحية سُنة على الكفاية في حق أهل البيت الواحد، فإذا ضحَّى أحدهم حصل سُنة التضحية في حقهم، قال الرافعي: الشاة الواحدة لا يضحَّى بها إلا عن واحد، لكن إذا ضحَّى بها واحد من أهل بيت تَأتَّى الشِّعار والسُّنة لجميعهم، قال: وعلى هذا حُمل ما روي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- «ضحى بكبشين، قال: اللهم تقبل من محمد وآل محمد»... وقد حمل جماعة الحديث المذكور على الاشتراك في الثواب، وممن ذكر هذا صاحب العدة (الطبري) والشيخ إبراهيم المروذي، ومما يشبهُ قولَ الأصحاب: إن الأضحية سُنة على الكفاية، قولُهم: الابتداء بالسلام سُنة على الكِفاية، وكذا تشميت العاطس...، ومما يستدل به لكون التضحية سنة على الكفاية: الحديث الصحيح في الموطأ، قال مالك عن عمارة بن عبد الله بن صياد أن عطاء بن يسار أخبره أن أبا أيوب الأنصاري أخبره قال: «كنا نضحي بالشاة الواحدة، يذبحها الرجل عنه وعن أهل بيته، ثم تباهى الناس بعد فصارت مباهاة» هذا حديث صحيح، والصحيح: أن هذه الصيغة تقتضي أنه حديث مرفوع. المجموع (8/ 384 - 385).
وقال ابن قدامة -رحمه الله-:
ولا بأس أن يذبح الرجل عن أهل بيته شاةً واحدة، أو بقرةً أو بَدَنةً، نص عليه أحمد، وبه قال مالك والليث والأوزاعي وإسحاق، وروي ذلك عن ابن عمر وأبي هريرة، قال صالح: قلتُ لأبي: يضحّى بالشاة عن أهل البيت؟ قال: نعم، لا بأس، قد ذبح النبي -صلى الله عليه وسلم- كبشين، فقرَّب أحدهما، فقال: «بسم الله، اللهم هذا عن محمد وأهل بيته»، وقرَّب الآخر، فقال: «بسم الله، اللهم هذا منك ولك، عمَّن وحَّدك من أمَّتي»، وحُكي عن أبي هريرة أنه كان يضحي بالشاة، فتجيء ابنته، فتقول: عني؟ فيقول: وعنك، وكره ذلك الثوري وأبو حنيفة؛ لأن الشاة لا تجزئ عن أكثر من واحد، فإذا اشترك فيها اثنان، لم تجز عنهما، كالأجنبيَّينِ.
ولنا ما روى مسلم بإسناده عن عائشة «أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أتي بكبش ليضحِّي به، فأضجعه، ثم ذبحه، ثم قال: بسم الله، اللهم تقبل من محمد وآل محمد»، وعن جابر قال «ذبح رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوم الذبح كبشين أملحين أقرنين، فلما وجَّههما قال: وجهتُ وجهي للذي فطر السماوات والأرض، على ملة إبراهيم حنيفًا مسلمًا، وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين، اللهم منك ولك، عن محمد وأمَّته، بسم الله، والله أكبر، ثم ذبح» رواه أبو داود، وروى ابن ماجه عن أبي أيوب قال: «كان الرجل في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- يضحي بالشاة عنه وعن أهل بيته، فيأكلون، ويُطعِمون الناس». المغني(9/ 438).
وقال ابن المنذر -رحمه الله-:
اختلفوا في الرجل يُضحِّي بالشاة عنه وعن أهل بيته، فكان مالك والليث بن سعد والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور يُجيزون ذلك، وقد رُوي هذا المعنى عن أبي هريرة وابن عمر، واحتج أحمد بفعل أبي هريرة، وبذبح النبي -صلى الله عليه وسلم- عن أُمّته.
قال أبو بكر (ابن المنذر): وكره ذلك الثوري والنعمان (أبو حنيفة) وبالقول الأول أقول؛ للثابت عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- الدال على ذلك. الإشراف (3/ 406).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
إن ضحَّى بشاة واحدة عنه وعن أهل بيته أجزأ ذلك في أظهر قولي العلماء، وهو مذهب مالك وأحمد وغيرهما؛ فإنَّ الصحابة كانوا يفعلون ذلك، وقد ثبت في الصحيح أن النبي -صلى الله عليه وسلم- «ضحى بشاتين فقال في إحداهما: اللهم عن محمد وآل محمد». مجموع الفتاوى (26/ 310).
وقال الترمذي -رحمه الله-:
والعمل على هذا عند بعض أهل العلم، وهو قول أحمد وإسحاق، واحتجَّا بحديث النبي -صلى الله عليه وسلم-: أنه ضحى بكبش، فقال: «هذا عمَّن لم يُضحِّ من أمَّتي»، وقال بعض أهل العلم: لا تجزئ الشاة إلا عن نفس واحدة، وهو قول عبد الله بن المبارك وغيره من أهل العلم. سنن الترمذي (3/ 328).
وقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي -رحمه الله-:
والحاصل: أن العلماء مجمعون على أنه لا يجوز اشتراك مالِكَين في شاة الأضحية، أما كون المالك واحدًا فيضحي عن نفسه بالشاة، وينوي اشتراك أهل بيته معه في الأجر، وأن ذلك يتأدَّى به الشعار الإسلامي عنهم جميعًا، فلا ينبغي أن يُختلف فيه؛ لدلالة النصوص الصحيحة عليه...، كحديث أبي أيوب الأنصاري: «كان الرجل في عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يضحي بالشاة عنه وعن أهل بيته، فيأكلون ويُطعِمون، حتى تباهى الناس، فصار كما ترى»...، والاشتراك المذكور في الأجر في الشاة الواحدة يصح، ولو كانوا أكثر من سبعة، كما هو ظاهر النص، وكما صرح به المالكية وغيرهم. أضواء البيان (5/ 695 - 696).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
قد تبيَّن بما ذُكر أن قول الجمهور أن أضحية الرجل الواحدة تجزئ عنه وعن أهل بيته، هو الحق؛ لوضوح أدلته، فقد كان هذا هو المعمول به في عهده -صلى الله عليه وسلم- إلى أن تباهى الناس بعده، كما قال جابر -رضي الله عنه-، وأنه لم ينقل عن أهل بيته -صلى الله عليه وسلم- أنهم ضحّوا غير ضحاياه -صلى الله عليه وسلم-، وكذلك أصحابه. البحر المحيط الثجاج (33/ 391).

قوله: «حتى تباهَى الناس، فصارت كما تَرَى»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
ثم بعد ذلك العهد «تباهى الناس» وتفاخروا؛ لغناهم بكثرة ضحاياهم على ضحايا غيرهم «فصار» شأنُهم الآن «كما ترى» من المُباهاة والمفاخرة بكثرتها، وفي رواية مالك: «ثم تباهى الناس بعدُ» أي: بعد عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وفي رواية في موطَّئه: «ثم تباهى الناس بعد ذلك» أي: بعد ذلك العهد «فصارت» الضَّحايا «كما ترى» أي: يُكثِرون الضَّحايا، ويفتخرون بها، وفي رواية مالك: «فصارت مباهاةً». مرشد ذوي الحجا والحاجة (18/ 376).
وقال السندي -رحمه الله-:
قوله: «تباهَى» تغالبُوا وتفاخروا، قوله: «كما ترى» لا يَحسبون الشاةَ إلا عن نفس واحدة؛ مباهاةً. حاشيته على سنن الترمذي (2/ 478).
وقال الزرقاني -رحمه الله-:
قوله: «ثم تباهى» تغالَبَ وتفاخر «الناس بعدُ» بضم الدال «فصارت» الضحيَّة «مباهاةً» مغالبةً ومفاخرةً، فبَعُدَت عن السُّنة، فإنما عاب ذلك للمباهاة، ولم يمنع أن يفعله على وجه القُربة إلى الله تعالى، وهو الذي استحبَّه ابن عمر، أن يضحى عن كل مَن في البيت بشاةٍ شاة. شرح الموطأ (3/ 118).
وقال ابن رشد الجد -رحمه الله-:
مسألة: قال سحنون: قال أشهب وابن نافع: سئل مالك عن تغالي الناس في الضحايا، قال: إني أكرهه، وخير الهدي هدي محمد -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه، ليَشْتَرِ كما يشتري الناس وإن غلَت، وربما غلَت الأشياء فتُنوولت على ذلك، وأما الذي يجد بعشرة دراهم فيذهب فيشتري بمائة درهم فأنا أكرهه، هذا يُدخل على الناس مشقَّة إذا كان هكذا.
قال محمد بن رشد: هذا مكروه كما قال؛ لأن العمل به يُدخل على الناس ضررًا في أموالهم، وفسادًا في نيَّاتهم وأعمالهم؛ لأن ذلك يتراقى في الناس حتى يفعلوه مباهاةً وسُمعةً لا ابتغاء قُربة، وقد قال أبو أيوب الأنصاري: «كان الرجل يضحي بالشاة الواحدة، يذبحها الرجل عنه وعن أهله، ثم تباهى الناس بعد فصارت مباهاة» وذلك في ذلك الزمان، فكيف به الآن؟. البيان والتحصيل (3/ 347 - 348).
وقال أبو الوليد الباجي -رحمه الله-:
قوله «ثم تباهى الناس فصارت مباهاةً» قال ابن حبيب: والمُباهاة بما كان لله أفضل، يريد أن الزيادة في ذلك إذا خلصت لله تعالى أفضل من التَّقلُّل؛ ولذلك يستحب له أن يُخرج أفضل ما يَقدر عليه، وأكثر ثمنًا، ما لم يخرج عن المُتعارف، وفي العتبية قال أشهب: كَرِهَ مالك تغالي الناس في الأضحية، ويشتري كشراء الناس، فأما أن يجده بعشرة ويشتريه بمائة فإني أكرهه، ويُدخل على الناس مشقة، ومعنى ذلك: الخروج عن المُتعارف من قصد المباهاة، ويشق على مَن أراد منافسته قاصدًا للخير، فتدخل في ذلك الكراهية من وجهين:
أحدهما: قصد المباهاة، وهذا يتعلق بالمُعتاد وغيره.
والوجه الثاني: الخروج عن العادة والشُّذوذ في المغالاة، وكذلك في العدد تتعلق به الكراهية من وجه المباهاة، وهو في المعتاد من إخراج ضحيَّة عن كل إنسان، وتقيّده من الزيادة عليه والمقارنة له، والثاني الشذوذ والخروج عن العادة، فإذا سَلِم من الأمرين فلا يقال: إن ذلك مذمومٌ؛ لما فيه من المباهاة إذا أريد به وجه الله تعالى، وإنما ذمَّ أبو أيوب -رضي الله عنه- مِن ذلك التفاخر بين الناس، على أن لفظ المباهاة فيه نظر؛ لأنه إنما يُستعمل في المفاخرة ومَن يقصد هذا؟! المنتقى شرح الموطأ (3/ 98).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
فيه: دليل على أن الشاة تجزئ عن أهل البيت؛ لأن الصحابة كانوا يفعلون ذلك في عهده -صلى الله عليه وسلم- والظاهر اطِّلاعه فلا يُنكِر عليهم، ويدل على ذلك أيضًا حديث «على كل أهل بيت في كل عام أضحية»... والحق أنها تجزئ عن أهل البيت وإن كانوا مائة نفس أو أكثر، كما قضت بذلك السنة. نيل الأوطار (5/ 143).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
دلَّ أنه يصح نيابة المكلَّف عن غيره في فعل الطاعات، وإن لم يكن من الغير أمر، ولا وصيَّة، فيصح أن يجعل ثواب عمله لغيره من صلاة كانت وغيرها. سبل السلام (7/ 327).

وللاستفادة من الرواية الأخرى ينظر (هنا)


إبلاغ عن خطأ