أنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- سمعَ رجلًا يقولُ: لبيك عن شُبرمة، قال: «مَنْ شُبرُمةَ؟» قال: أخٌ لي، أو قريبٌ لي، قال: «حَجَجْتَ عن نفسك؟» قال: لا، قال: «حُجَّ عن نفسكَ، ثم حُجَّ عن شُبرمةَ».
رواه أبو داود برقم: (1811) واللفظ له، وابن ماجه برقم: (2903) بلفظ: «فاجعلْ هذه عن نفسِكَ، ثم احجُجْ عن شُبْرمةَ»، من حديث ابن عباس -رضي الله عنهما-.
إرواء الغليل برقم: (994)، مشكاة المصابيح برقم: (2529).
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«لَبَّيْكَ»:
لَبَّىَ، التلبية: الإجابة، تقول: لبَّيْكَ، معناه: قُربًا منك وطاعة؛ لأن الإِلْبَابَ القُرب. العين، للخليل بن أحمد (8/ 341).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
«لبيك» هو من التلبية، وهي إجابة المنادي، أي: إجابتي لك يا رب، وهو مأخوذ مِن لَبَّ بالمكان وأَلَبَّ به إذا أقام به، وألبّ على كذا، إذا لم يفارقه. النهاية (4/ 222).
شرح الحديث
قوله: «أنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- سمعَ رجلًا يقولُ: لبيكَ عن شُبرمةَ»:
قال محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سمع رجلًا» من المسلمين، لم أرَ مَن ذكر اسمه «يقول: لبيك» بالحج «عن شبرمة». مرشد ذوي الحجا والحاجة (17/ 75).
وقال السهارنفوري -رحمه الله-:
«أن النبي -صلى الله عليه وسلم- سمع رجلًا» قيل: اسمه نبيشة. بذل المجهود (7/ 158).
وقال الدارقطني -رحمه الله-:
عن ابن عباس قال: سمع النبي -صلى الله عليه وسلم- رجلًا يلبي عن نبيشة... تفرد به الحسن بن عمارة، وهو متروك الحديث، والمحفوظ عن ابن عباس حديث شُبرمة... عن ابن عباس، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سمع رجلًا يقول: لبيك عن شبرمة... هذا هو الصحيح عن ابن عباس والذي قبله وَهْمٌ، يقال: إن الحسن بن عمارة كان يرويه ثم رجع عنه إلى الصواب، فحدَّث به على الصواب موافقًا لرواية غيره عن ابن عباس، وهو متروك الحديث على كل حال. سنن الدارقطني (3/ 315- 316).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
زعم ابن باطش (هو إسماعيل بن أبي البركات فقيه شافعي، له: المغني عن غريب المهذب) أن اسم الْمُلَبِّي نبيشة وهو وهمٌ منه؛ فإنه اسم الْمُلَبَّى عنه فيما زعمه الحسن بن عُمارة وخالفه الناس فيه فقالوا: إنه شبرمة، وقد قيل: إن الحسن بن عُمارة رجع عن ذلك، وقد بينه الدارقطني في السنن. التلخيص الحبير (2/ 489).
وقال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
«لبيك عن شبرمة» أي: نيابة عنه في الحج والعمرة. مرعاة المفاتيح (8/ 408).
وقال النووي -رحمه الله-:
إذا أحرم عن غيره قال: نويتُ الحجَّ، وأحرمتُ به لله تعالى عن فلان، لبّيك اللَّهمّ عن فلان... إلى آخر ما يقوله مَن يُحرم عن نفسه. الأذكار (ص: 193).
قوله: «قال: مَنْ شُبرمة؟»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«مَن شبرمة؟» مبتدأ وخبر، والاستفهام فيه استخباري؛ أي: مَن شبرمة الذي أحرمتَ عنه؟ مرشد ذوي الحجا والحاجة (17/ 75).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
قوله: «مَن شبرمة؟» يعني: مَن شبرمة الذي لبيتَ عنه؟ هذا الاستفهام يريد به النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يعرف هل هذا الرجل قريب مِن الْمُلَبِّي أو بعيد، أو يريد أن يعرف هل هو مسلم أو كافر؟ فتح ذي الجلال والإكرام (3/ 353).
قوله: «قال: أخٌ لي، أو قريبٌ لي»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«قال» الرجل في جواب سؤال الرسول -صلى الله عليه وسلم-: هو «قريب لي» وفي رواية أبي داود: «أخ لي، أو قريب لي» بالشك من الراوي. مرشد ذوي الحجا والحاجة (17/ 75).
وقال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
«قال: أخ لي» أي: مِن النسب «أو قريب لي» شكٌّ من الراوي. مرعاة المفاتيح (8/ 408).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
«قال: أخ لي، أو قريب لي» فالظاهر الأول؛ لأن هذا الصحابي فهم ذلك، والصحابي أقرب إلى فهم كلام النبي -صلى الله عليه وسلم- من غيره، وقوله: «أو قريب لي» هذا شك، لكنه لا يؤثر؛ لأن الأخ من القرابة. فتح ذي الجلال والإكرام (3/ 353).
قوله: «قال: حَجَجْتَ عن نفسك؟ قال: لا»:
قال السهارنفوري -رحمه الله-:
«حججتَ عن نفسك؟» بتقدير حرف الاستفهام «قال» الرجل: «لا» أي: ما حججتُ عن نفسي. بذل المجهود (7/ 158).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
«حججتَ عن نفسك؟» جملة خبرية متضمِّنة للاستفهام، أي: أحججتَ عن نفسك؟ والشاهد لمثل هذا التعبير كثير في القرآن وكلام العرب، أي: أنهم يحذفون أداة الاستفهام؛ لعلمها من المقال. فتح ذي الجلال والإكرام (3/ 352).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«قال: حججتَ عن نفسك؟» فيه استفصال المفتي مِن السائل إذا كانت المسألة فيها تفصيل «قال: لا» فيه دليل على جواز الإيثار بالقُرَب، والمشهور عند الفقهاء: لا يجوز، وفي كثير من الأحاديث الدليل على الجواز. شرح سنن أبي داود (8/ 381- 382).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
فالنبي -صلى الله عليه وسلم- استَفْهَم هل حجّ عن نفسه؟ وهذا الاستفهام هل يمكن وروده أو لا يمكن؟ إن قلنا: إن الحج إنما فُرض في السنة العاشرة ففي وروده شيء من الإشكال؛ لماذا؟ لأن هذا القائل إنما سمعه النبي -صلى الله عليه وسلم- في حجة الوداع، وإنا قلنا: إن الحج إنما فُرض في العاشرة فإنه لا يمكن أن يحج هذا الرجل عن نفسه؛ لماذا؟ لأنه لم يوجد مِن قبل، ولكن سبق لنا أن القول الراجح أنه مفروض في السنة التاسعة، وبناء على ذلك فإنه يمكن أن يكون هذا الرجل قد حجّ عن نفسه، وهذا مما يرجح القول بأنه فُرض في السنة التاسعة، وإلا لم يكن لاستفهام النبي -صلى الله عليه وسلم- محل... «فقال» النبي -صلى الله عليه وسلم-: «حججتَ عن نفسك؟» يعني: أديتَ الفريضة عن نفسك؛ لأن كلمة «عن» تدل على أن الشيء مفروض على الإنسان فيريد أن يؤدي عن نفسه «قال: لا» يعني: لم أحجَّ، ولكنه بدأ بأخيه لعله كان ميتًا فقدَّمه على نفسه، وقال -كما يقول بعض العامة-: أنا حي والدهر أمامي طويل، ولكن هذا ميت ومفتقِر إلى الحج فأحج عنه. فتح ذي الجلال والإكرام (3/ 352- 353).
قوله: «قالَ: حُجَّ عن نفسِكَ، ثم حُجَّ عن شُبرمةَ»:
قال المناوي -رحمه الله-:
«حُجّ» أولًا «عن نفسك» يا أبا طيش قال المعلق على الكتاب: قوله يا أبا طيش بن نبيشة هذا سبق قلم صوابه يا نبيشة قال العلقمي: قال الحافظ ابن حجر في تخريج أحاديث الشرح الكبير: زعم ابن باطيش أن اسم الملبي نبيشة بن نبيشة الذي لم يحج عن نفسه، وقد قال: «لبيك عن شبرمة»، «ثم حُجّ عن شبرمة» بشين معجمة مضمومة فموحدة ساكنة فراء مضمومة، ومَن قال: شبرمنت فقد صحَّف وحرَّف.
وفيه: أنه لا يصح ممن عليه حج واجب الحج عن غيره، وكذا العمرة، فإنْ أحرم عن غيره وقع عن نفسه، وعليه الشافعي وصححه أبو حنيفة ومالك، والحديث حُجة عليهما. فيض القدير (3/ 374).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«قال: حُجّ عن نفسك، ثم حُجّ عن شبرمة» ورواه ابن حبان بإسناد صحيح ولفظه: «فاجعل هذه عن نفسك، ثم حُجّ عن شبرمة» وجزم فيه بأن شبرمة قريب له. شرح سنن أبي داود (8/ 382).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «ثم حُجّ» بلفظ الأمر، وهو يدل بظاهره أن النيابة إنما تجوز بعد أداء فرض الحج، وإليه ذهب جماعة من الأئمة، والشافعي وأحمد منهم، وذهب آخرون إلى أنه يجوز بدونه، وهو مذهبنا (الحنفية) ومذهب مالك. لمعات التنقيح (5/ 290).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
«قال له: حُجّ عن نفسك، ثم حُجّ عن شبرمة» وفي رواية: «هذه عنك، ثم حُجّ عن شبرمة» ورواية: «هذه عنك» أصرح بأن النسك الذي كان هذا الرجل يقول فيه: لبيك عن شُبرمة، انقلب عن نفس الملبي قال: «حُجّ عن نفسك، ثم حُجّ عن شبرمة». فتح ذي الجلال والإكرام (3/ 353).
قوله: «فاجعلْ هذه عن نفسِكَ، ثم احجُجْ عن شُبْرمةَ»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فاجعل هذه» الحجة التي أحرمتَ عن شبرمة واقعًا «عن نفسك» أي: قاصدًا ناويًا وقوعها عن نفسك؛ لأن في ذمتك فرض الإسلام، فلا تصلح للنيابة عن غيرك، «ثم» بعدما حججتَ عن نفسك «حُجّ عن شُبرمة» الذي ذكرتَ. مرشد ذوي الحجا والحاجة إلى سنن ابن ماجه (17/ 75).
وقال ابن حبان -رحمه الله-:
قوله -صلى الله عليه وسلم-: «فاجعل هذه عن نفسك» أراد به الإعلام بنفي جواز الحج عن الغير إذا لم يحج عن نفسه، وقوله: «ثم احجج عن شبرمة» أمر إباحة، لا حتم. التقاسيم والأنواع (2/ 178).
وقال ابن الهمام -رحمه الله-:
حديث شبرمة يفيد استحباب تقديم حجة نفسه؛ وبذلك يحصل الجمع، ويثبت أولوية تقديم الفرض على النفل مع جوازه، والذي يقتضيه النظر أن حج الصرورة (الذي لم يحج) عن غيره إن كان بعد تحقيق الوجوب عليه بِمِلْكِ الزاد والراحلة والصحة فهو مكروه كراهة تحريم؛ لأنه يتضيق عليه والحالة هذه في أول سِنِيِّ الإمكان فيأثم بتركه، وكذا لو تنفَّل لنفسه ومع ذلك يصح؛ لأن النهي ليس لعين الحج المفعول بل لغيره، وهو خشية ألا يُدرك الفرض؛ إذ الموت في سَنَةٍ غير نادر.
فعلى هذا يحمل قوله -عليه الصلاة والسلام-: «حُجّ عن نفسك، ثم عن شبرمة» على الوجوب، ومع ذلك لا ينفي الصحة، ويحمل ترك الاستفصال في حديث الخثعمية على علمه بأنها حجَّت عن نفسها أولًا، وإن لم يُرْوَ لنا طريق علمه بذلك جمعًا بين الأدلة كلها: أعني دليل التضييق عند الإمكان وحديث شبرمة والخثعمية، والله سبحانه أعلم. فتح القدير (3/ 160).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قد اختلف العلماء في النيابة في الحج قديمًا وحديثًا، فحكي عن النخعي وبعض السلف: لا يَحُج أحد عن أحد جملة من غير تفصيل، وحكي مثله عن مالك، وقال جمهور الفقهاء: يجوز أن يحج عن الميت، عن فرضه ونذره، وإن لم يوصِ به، ويجزئ عنه، واختلف قول الشافعي -رحمه الله- في الإجزاء عن الفرض، ومذهب مالك والليث والحسن بن حيي: أنه لا يحج أحد عن أحد إلا عن ميت لم يحج حجة الإسلام، ولا ينوب عن فرضه، قال مالك: إذا أوصى به، وكذلك عنده يتطوع بالحج عن الميت إذا أوصى به، وأجاز أبو حنيفة والثوري وصية الصحيح بالحج عنه تطوعًا، وروي مثله عن مالك، وسبب الخلاف في هذه المسألة: ما قد أشرنا إليه من معارضة الظواهر بعضها بعضًا، ومعارضة القياس لتلك الظواهر، واختلافهم في تصحيح حديثَي جابر وابن عباس، فأما حديث جابر: فخرجه عبد الرزاق قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إن الله يُدخل بالحجة الواحدة ثلاثة الجنة: الميت والحاجَّ عنه والمنفِّذ لذلك (يعني: الوصي)» في إسناده أبو معشر؛ نجيح، وأكثر الناس يضعفه، ومع ضعفه يُكتب حديثه.
وأما حديث ابن عباس: فخرجه أبو داود، قال فيه: سمع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- رجلًا يقول: لبيك عن شبرمة، فقال: «مَن شبرمة؟» قال: أخ لي، أو قريب لي، فقال: «حججتَ عن نفسك؟» قال: لا، قال: «حُجّ عن نفسك، ثم حُجّ عن شبرمة» علَّله بعضهم: بأنه قد روي موقوفًا، والذي أسنده ثقة، وقد قال سفيان والحسن بن علي: لا يحج في الوصية بالحج من لم يحج عن نفسه؛ أخذًا بحديث شبرمة هذا، وقاله الشافعي فيمَن حج عن ميت، وقال غير مَن ذكر بجواز ذلك، وإن كان الأولى هو الأول.
والجمهور على كراهية الإجارة في الحج، وقال أبو حنيفة: لا تجوز، وقال مالك والشافعي -في أحد قوليه-: لا تجوز، فإن وقع مضى، وقال بعض أصحابنا بجواز ذلك ابتداء. المفهم (3/ 443- 445).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
وقد روي في حديث شبرمة هذا أنه قال له (أي: للملبي عن شبرمة): «فاجعل هذه عن نفسك، ثم احجج عن شبرمة» هكذا حدثناه الأصم حدثنا الربيع أخبرنا الشافعي أخبرنا عبد الوهاب الثقفي عن أيوب، عَن أبي قلابة عن ابن عباس وذكر القصة وقال فيها: «فاجعل هذه عن نفسك، ثم احجج عن شبرمة» هكذا قال عن ابن عباس لم يذكر فيه النبي -صلى الله عليه وسلم-، وهذا يوجب أن يكون إحرامه عن شبرمة قد انقلب عن فرضه بنفسه، وقد اختلف الناس في هذا؛ فقال الشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه: لا يحج عن غيره مَن لم يحج عن نفسه، وهو قول الأوزاعي.
وقال أصحاب الرأي: له أن يحج عن غيره قبل أن يحج عن نفسه، وقال الثوري نحوًا من ذلك، وهو قول مالك بن أنس. معالم السنن. (2/ 172).
قال النووي -رحمه الله-:
قال الشافعي والأصحاب: لا يجوز لمن عليه حجة الإسلام أو حجة قضاء أو نذر أن يحج عن غيره، ولا لمن عليه عمرة الإسلام -إذا أوجبناها- أو عمرة قضاء أو نذر أن يعتمر عن غيره، بلا خلاف عندنا.
فإن أحرم عن غيره وقع عن نفسه لا عن الغير، وهذا مذهبنا، وبه قال: ابن عباس، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق.
وعن أحمد رواية: أنه لا ينعقد عن نفسه ولا عن غيره.
ومن أصحابه من قال: ينعقد الإحرام عن الغير، ثم ينقلب عن نفسه. المجموع (7/١١٨).
وقال ابن قدامة -رحمه الله-:
ليس لمن لم يحج حجة الإسلام أن يحج عن غيره، فإن فعل وقع إحرامه عن حجة الإسلام. وبهذا قال الأوزاعي، والشافعي، وإسحاق.
وقال أبو بكر عبد العزيز: يقع الحج باطلًا، ولا يصح ذلك عنه ولا عن غيره، وروي ذلك عن ابن عباس؛ لأنه لما كان من شرط طواف الزيارة تعيين النية، فمتى نواه لغيره ولم ينوِ لنفسه لم يقع لنفسه، كذا الطواف حاملًا لغيره لم يقع عن نفسه.
وقال الحسن، وإبراهيم، وأيوب السختياني، وجعفر بن محمد، ومالك، وأبو حنيفة: يجوز أن يحج عن غيره من لم يحج عن نفسه. وحُكي عن أحمد مثل ذلك.
وقال الثوري: إن كان يقدر على الحج عن نفسه حج عن نفسه، وإن لم يقدر على الحج عن نفسه حج عن غيره.
واحتجوا بأن الحج مما تدخله النيابة، فجاز أن يؤديه عن غيره من لم يسقط فرضه عن نفسه، كالزكاة.
ولنا: ما روى ابن عباس أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سمع رجلًا يقول:
»لبيك عن شُبرُمة»، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: »من شبرمة؟»، قال: قريب لي، قال: «هل حججت قط؟» قال: لا، قال: «فاجعل هذه عن نفسك، ثم احجج عن شبرمة»، رواه الإمام أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، وهذا لفظه.
ولأنه حج عن غيره قبل الحج عن نفسه فلم يقع عن الغير، كما لو كان صبيًّا.
ويُفارق الزكاة؛ فإنه يجوز أن ينوب عن الغير وقد بقي عليه بعضها، وهاهنا لا يجوز أن يحج عن الغير مَن شرع في الحج قبل إتمامه، ولا يطوف عن غيره من لم يطف عن نفسه.
إذا ثبت هذا: فإن عليه ردّ ما أُخذ من النفقة؛ لأنه لم يقع الحج عنه، فأشبه ما لو لم يحج. المغني(3/٢٣٦)
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«قال: حُجّ عن نفسك، ثم حُجّ عن شبرمة» ورواه ابن حبان بإسناد صحيح ولفظه: «فاجعل هذه عن نفسك، ثم حُجّ عن شبرمة»، وجزم فيه بأن شبرمة قريب له.
وفيه: دليل على أن مَن عليه حجة الإسلام لا يصح حجه عن غيره ولا التطوع بالحج عن الغير، قيل: إذا ما وجب عليه سواء وجب عليه بنذر أو قضاء، وكذلك مَن عليه حجة الإسلام لا يصح منه غيرها قبلها عند الشافعية والحنابلة، وقال الحنفية: لو أحرم بالحج ولم يعيِّن حجة الإسلام وهي عليه وقعت عن حجة الإسلام استحبابًا، ولو نوى التطوع وقع عن التطوع، أو الحج عن الغير وقع عن الغير، وذهب المالكية أنه يصح المنْذَر والحج عن الغير قبل حجة الإسلام مع الكراهة، وكذلك التطوع بالحج يصح قبل حجة الإسلام مع الكراهة. شرح سنن أبي داود (8/ 382).
وقال الماوردي -رحمه الله-:
فأما العمرة فكالحج سواء، ليس لمن لم يعتمر عن نفسه أن يعتمر عن غيره، فإن اعتمر عن غيره كانت عن نفسه، ولزمه رد الأجرة، فلو حج عن نفسه ولم يعتمر، جاز أن يحج عن غيره، وكذلك لو اعتمر عن نفسه ولم يحج، جاز أن يعتمر عن غيره، فلو حج عن نفسه ولم يعتمر فقَرَن بين الحج والعمرة عن غيره كان الجميع عن نفسه؛ لأن القِرَان كالنسك الواحد فلم يجز أن يقع بعضه عنه، وبعضه عن غيره، والله تعالى أعلم بالصواب. الحاوي الكبير (4/ 50).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
لكن بقي فيه إشكال على مقتضى قواعدنا من أن الشخص إذا تلبَّس بإحرام عن غيره لم يقدر على الانتقال عنه إلى الإحرام عن نفسه؛ للُّزوم الشرعي بالشروع، وعدم تجويز الانقلاب بنفسه، فكيف في إطاعة الأمر، سواء قلنا: إنه للوجوب أو الاستحباب؟ فلا مخلص عنه إلا بتضعيف الحديث أو نسخه؛ لأن حديث الخثعمية في حجة الوداع (حديث: «حجِّي عن أبيك») أو بتخصيص المخاطب بذلك الأمر، والله تعالى أعلم. مرقاة المفاتيح (5/ 1752).
وقال السندي -رحمه الله-:
مفاد الحديث: أن مَن عليه حَجة الإسلام وأَحرم بغيرها لا يجب عليه المضي في الغير، بل يجب عليه صرف ذلك الإحرام إلى حجة الإسلام؛ لأن جعل تلك الحجة عن نفسه لا يكون إلا كذلك. حاشيته على سنن ابن ماجه (2/ 212).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
ظاهر الحديث: أنه لا يجوز لمن لم يحج عن نفسه أن يحج عن غيره، وسواء كان مستطيعًا أو غير مستطيع؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يستفصل هذا الرجل الذي سمعه يلبي عن شبرمة وهو ينزل منزلة العموم، وإلى ذلك ذهب الشافعي والناصر، وقال الثوري والهادي والقاسم: إنه يجزئ حج مَن لم يحج عن نفسه ما لم يضيق عليه، واستدل لهم في البحر (الزخار، لأحمد بن يحيى المرتضى) بقوله -صلى الله عليه وسلم -: «هذه عن نبيشة، وحُجّ عن نفسك»، فكأنهم جمعوا بين هذا وبين حديث الباب بحمل حديث الباب على مَن كان مستطيعًا، ولكن الحديث الذي استدل لهم به صاحب البحر لا أدري مَن رواه ولم أقف عليه في شيء من كتب الحديث المعتمدة، فينبغي الاعتماد على حديث الباب، ومَن زعم أن في السنة ما يعارضه فليطلب منه التصحيح لمدعاه. نيل الأوطار (4/ 347).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
الحديث دليل على أنه لا يصح أن يحج عن غيره مَن لم يحج عن نفسه، فإذا أحرم عن غيره فإنه ينعقد إحرامه عن نفسه؛ لأنه -صلى الله عليه وسلم- أمره أن يجعله عن نفسه بعد أن لبَّى عن شبرمة، فدل على أنها لم تنعقد النية عن غيره وإلا لأوجب عليه المضي فيه، وأن الإحرام ينعقد مع الصحة والفساد وينعقد مطلقًا مجهولًا معلقًا، فجاز أن يقع عن غيره ويكون عن نفسه؛ وهذا لأن إحرامه عن الغير باطل؛ لأجل النهي، والنهي يقتضي الفساد، وبطلان صفة الإحرام لا توجب بطلان أصله، وهذا قول أكثر الأمة أنه لا يصح أن يحج عن غيره مَن لم يحج عن نفسه مطلقًا مستطيعًا كان أو لا؛ لأن ترك الاستفصال والتفريق في حكاية الأحوال دالٌّ على العموم؛ ولأن الحج واجب في أول سنة من سِنِيِّ الإمكان، فإذا أمكنه فعله عن نفسه لم يجز أن يفعله عن غيره؛ لأن الأول فرض والثاني نفل، كمَن عليه دَين وهو مطالب به ومعه دراهم بقدره لم يكن له أن يصرفها إلا إلى دَينه، وكذلك كل ما احتاج أن يصرفه إلى واجب عنه فلا يصرفه إلى غيره، إلا أن هذا إنما يتم في المستطيع؛ ولذا قيل: إنما يؤمر بأن يبدأ بالحج عن نفسه إذا كان واجبًا عليه وغير المستطيع لم يجب عليه، فجاز أن يحج عن غيره، ولكن العمل بظاهر عموم الحديث أَولى. سبل السلام (1/ 609- 610).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
قلتُ: فيه من الفقه: أن الصرورة (الذي لم يحجّ) لا يحج عن غيره حتى يحج عن نفسه.
وفيه: أن حج المرء عن غيره إذا كان قد حج عن نفسه جائز.
وفيه: أن مَن أهلّ بحجَّتين لم يلزمه إلا واحدة، ولو كان لاجتماع وجوبهما مساغ في وقت واحد لأشبه أن يجمع عليه الأمرين، فدل على أن الإحرام لا ينعقد إلا بواحدة. معالم السنن. (2/ 172).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
يدل (الحديث) على أن الحج قد يكون من الأخ عن أخيه، وليس خاصًّا بالولد عن والده كما جاء في حديث الخثعمية وحديث أبي رزين العقيلي المتقدِّمَين، فذاك فيه حج الولد عن والده، والآخر فيه حج البنت عن والدها، وحديثنا هذا فيه حج الأخ عن أخيه أو قريبه. شرح سنن أبي داود (215/ 20).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله- أيضًا:
في هذا دليل على أن الإنسان إذا كان قد أحرم بالنسك عن غيره ولم يحج عن نفسه فإنه يقلب ذلك إلى نفسه، فيُلَبِّي عن نفسه، ويكون النسك له، ولا يستطيع الإنسان أن يحج حجًّا واحدًا عن شخصين، بل يكون الحج من واحد عن واحد، إما عن نفسه، أو عن واحد من الناس، لكن يمكن إذا كان الإنسان متمتعًا أن يجعل العمرة لشخص والحج لشخص؛ لأن كل واحد منهما مستقل عن الثاني بإحرامه وتحلله وما بين ذلك. شرح سنن أبي داود (215/ 20).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
ففي هذا الحديث فوائد:
الأولى: الجهر بالتلبية؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- سمع هذا الرجل يلبي، ولا يسمع إلا ما كان جهرًا، وهو كذلك، فإن الجهر بالتلبية سنة -كما سيأتي إن شاء الله تعالى-؛ لما فيه من إظهار الشعائر.
ومن فوائد الحديث: أن الرجل إذا حج عن غيره فإنه يصرح بذكره فيقول: «لبيك عن فلان»؛ لأن التلبية عند الإطلاق تنصرف إلى نفس الملبي حتى تقيَّد، فيقال: «لبيك عن فلان»...
ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي لطالب العلم أن يسأل في المواضع التي يكون فيها السؤال متجهًا؛ لأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- سأل هذا الرجل: «من شبرمة؟»...
ومن فوائد الحديث: أنه لا يجوز أن يحج الإنسان عن غيره مع قدرته عن الحج عن نفسه إذا لم يحج عن نفسه، الدليل: «حُجّ عن نفسك، ثم حُجّ عن شبرمة»، فإن كان لا يلزمه الحج كرجل فقير أعطاه شخص مالًا يحج به عنه فهل يجوز أن يحج؟ الجواب: نعم؛ لأن هذا الرجل لا يجب عليه الحج، والله -عز وجل- يقول: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} آل عمران: 97، وهذا الرجل الآن لا يستطيع إليه سبيلًا؛ لأنه ليس عنده مال فيجوز أن يحج عن غيره.
ومن فوائد الحديث: أن الحج يمتاز عن غيره بجواز تغيير النية، وجواز الإبهام فيه...
ومن فوائد الحديث: حسن تعليم النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ حيث سأله قبل أن ينكر عليه، ثم دله على الهدى حين عرف أنه أخطأ.
هل يستفاد من الحديث: أن مَن أحرم بنسك عن شخص، ثم تبين أنه يجب أن يقدم نفسه فإنه يلزمه أن يحج عن هذا الشخص الذي أحرم بنسكه؛ لأنه التزمه له بإحرامه، أو تقول: إن قوله: «ثم حج عن شبرمة» من باب الإباحة؛ لأنه إنما ذكر له الممنوع ثم ذكر له الجائز؟
فيه احتمال، يحتمل أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- أوجب عليه أن يحج عن شبرمة؛ لأنه تلبس بالنسك عنه فوجب عليه أن يقضيه عنه؛ إذ إنه لما تلبس بالنسك كان كأنه نذره، فلزمه أن يوفي به، ويحتمل أن قوله: «حُجّ عن نفسك، ثم حُجّ عن شبرمة» من باب الإباحة والإذن، فهو لما منعه أولًا أن يحج عن شبرمة أذن له أن يحج عنه بعد أن يحج عن نفسه، وعندي أن هذا هو الأقرب، ونُجيب عن الأول بأن الإنسان إذا تلبس به ظنًّا منه أنه جائز فإذا تبين أنه ليس بجائز فهو تلبس غير مشروع فلا يلزم الوفاء به.
ومن فوائد الحديث: أنه يجوز الحج عن الغير بلا إذنه -إذن الغير-، وجه الدلالة: أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- لم يقل: هل استأذنتَه...
ومن فوائد الحديث: أن الإنسان ينبغي له أن يبدأ بنفسه؛ لقوله: «حُجّ عن نفسك، ثم حُجّ عن شبرمة». فتح ذي الجلال والإكرام (3/ 353- 355).
وقال الشيخ عبد الله البسام -رحمه الله-:
ما يؤخذ من الحديث:...
• جواز حج الإنسان عن قريبه، سواء كان حيًّا أم ميتًا، لكن في النافلة تجوز مع قدرته على الحج وعدمها، أما في الفريضة فلا يحج عنه حتى ييأس من قيامه بالحج بنفسه...
• أنه لو أحرم عن غيره في هذه الحال انقلب الحج له، ومثله لو أتم الحج صارت الحجة له، لا لمن نوى النيابة عنه، فهو من الأحكام القهرية التي لا تؤثر فيها النية.
• أن الإحرام ينعقد مع الصحة والفساد، فإنَّ الإحرام عن الغير ممن لم يحج عن نفسه باطل؛ للنهي، ولكنه لم يؤثر في أصل عقد الإحرام، فصحَّت الحجة القائم بها مع اختلاف نيته وقصده.
• وجوب المبادرة إلى تعليم الجاهل إذا كان متلبسًا بالعبادة على غير وجه صحيح.
• أن المفتي إذا بين للجاهل خطأ ما هو عليه، فلا بد أن يبين له الطريقة الصحيحة في عمله الذي أخطأ فيه.
• قال العلماء: يستحب أن يحج عن أبويه إن كانا ميتين، أو عاجزين؛ لحديث زيد بن أرقم: «إذا حج الرجل عن والديه تقبل عنه وعنهما، واستبشرت أرواحهما في السماء، وكتب عند الله برًّا» رواه الدارقطني، ولا نزاع في وصول ثوابه إليهما. توضيح الأحكام من بلوغ المرام (4/ 37- 38).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
الجمهور على كراهة إجارة الإنسان نفسه للحج، وينبغي حمله على مَن قصد الدنيا، أما مَن قصد الآخرة لاحتياجه للأجرة ليصرفها في واجب أو مندوب فلا كراهة في حقه. الفتح المبين بشرح الأربعين (ص: 283).