«أَتَى أعرابي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقال: إن أبي يريد أن يجتاح مالي؟ قال: أنت ومالك لوالدك، إن أَطيب ما أَكلتم من كَسبكم، وإن أموال أولادكم من كسبكم، فكُلوه هنيئًا».
رواه أحمد برقم: (6678) واللفظ له، وأبو داود برقم: (3530)، وابن ماجه برقم: (2292) من حديث عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما-.
صحيح الجامع برقم: (1487)، مشكاة المصابيح برقم: (3354).
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«يجتاح»:
بتقديم الجيم على الحاء، أي: يستأصله، ويأتي عليه بالهلاك، ومنه: الجائحة، ورُوي: يجتح بتقديم الجيم أيضًا، وروي: يجتحُّ، بفتح الفوقانية وتشديد الحاء المهملة. شرح سنن أبي داود، لابن رسلان (14/518).
وقال السندي -رحمه الله-:
«يجتاح» بتقديم الجيم على الحاء المهملة، أي: يستأصله، أي: يصرفه في حوائجه بحيث لا يبقى لي شيء. كفاية الحاجة في شرح سنن ابن ماجه (2/ 43).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
الاجتياح من الجائحة: وهي الآفة التي تهلك الثمار والأموال وتستأصلها، وكل مصيبة عظيمة وفتنة مبيرة: جائحة، والجمع: جَوَائِح، وجَاحَهُم يَجُوحُهُم جَوحًا: إذا غشيهم بالجوائح وأهلكهم. النهاية (1/ 312).
«كسبكم»:
أي: من جملة مكسوباتكم. شرح مسند أبي حنيفة، للقاري (1/ 49).
الكسب: بفتح الكاف مصدر كسب المال يكسبه استفاده بالطلب والنماء. المطلع على أبواب المقنع، للبعلي (ص: 234).
وقال الخليل بن أحمد -رحمه الله-:
الكسب: طلب الرزق، ورجل كسوب يكسب: يطلب الرزق. العين (5/ 315).
وقال الفتني -رحمه الله-:
الكسب: الطلب والمسعى في طلب الرزق والمعيشة، والوالد طلب ولده وسعى في تحصيله. مجمع بحار الأنوار (4/ 399).
«هنيئًا»:
أي: طيب ليس معه مشقة ولا تعب، قال اللّه تعالى: {فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا} النساء: 4. شمس العلوم، للحميري (10/ 6994).
قال بطال الركبي -رحمه الله-:
هو الطيب الذي لا تنغيص فيه. النظم المستعذب (1/ 120).
شرح الحديث
قوله: «أتى أعرابي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-»:
قال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
الأعرابي: هو ساكن البادية، والغالب على سكان البادية الجهل. فتح ذي الجلال والإكرام (1/ 97).
قوله: «فقال: إن أبي يريد أن يجتاح مالي؟»:
قال الخطابي -رحمه الله-:
قوله: «يجتاح مالي» معناه: يستأصله، ويأتي عليه، والعرب تقول: جاحهم الزمان، واجتاحهم إذا أتى على أموالهم، ومنه: الجائحة، وهي: الآفة التي تصيب المال فتهلكه، ويشبه أنْ يكون ما ذكره السائل من اجتياح والده ماله إنَّما هو سبب النفقة عليه، وأنَّ مقدار ما يحتاج إليه للنفقة عليه شيء كثير لا يسعه عفو ماله، والفضل منه إلا بأنْ يجتاح أصله، ويأتي عليه فلم يعذره النبي -صلى الله عليه وسلم-، ولم يرخص له في ترك النفقة عليه. معالم السنن (3/ 165).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
«إن أبي يريد أن يجتاح مالي» أي: يستأصله، ويأتي عليه أخذًا وإنفاقًا. النهاية (1/ 311).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
«إن أبي يجتاح مالي» أي: أنه يأخذ منه كثيرًا حتى يؤثر عليه، ومعلوم أن النفقة لازمة له. شرح سنن أبي داود (401/ 13).
قوله: «قال: أنت ومالك لوالدك»:
قال الصنعاني -رحمه الله-:
«أنت» أيها الرجل القائل: «إن أبي يريد أن يجتاح مالي» أي: يستأصله «ومالك لأبيك». التنوير (4/ 269).
وقال الصنعاني -رحمه الله- أيضًا:
«أنت ومالك لأبيك» فيه إخباره بأنه لما علم من أنَّ الحر لا يملك. التحبير (1/ 433).
وقال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «أنت ومالك لوالدك» يعني: أنت ومالك ثابتان لوالدك؛ لأن والدك أصل وجودك، وأنت خلقت من مائه، فحينئذٍ وجودك له، وإنما قال: «مالك لوالدك» لأن والدك إذا كان محتاجًا تجب نفقته في مالك قدر ما يكفيه، وكذا الإعفاف، فإذا كان بصدد أن يكون له استحقاق ما في مالك يومًا من الأيام، صار المال كأنه له، فيكون عامًّا يريد به الخاص. المفاتيح (4/ 142).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«ومالك» أي: ما كسبته وصار لك ملكًا «لأبيك»، أي: ملك له، فكيف تقول: يجتاح مالي، وأيُّ مال لك تختص به؟! بل هو مالك صورة لاستيلائك عليه، وكسبك له، وهو لأبيك ملك. التحبير (1/ 433).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
قوله -صلى الله عليه وسلم-: «أنت ومالك لأبيك» أنه ليس على التمليك، وكما كان قوله -عليه الصلاة والسلام-: «أنت» ليس على التمليك، فكذلك قوله -عليه الصلاة والسلام-: «ومالك» ليس على التمليك، ولكنه على البر به، والإكرام له. الاستذكار (7/ 525).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«أنت ومالك لوالدك» اللام للإباحة لا للتمليك، فإن مال الولد له، وزكاته عليه، وهو موروث عنه، غير أنَّ الوالد إذا كان فقيرًا زَمِنًا (يعني: مريضًا) وجب نفقته على ولده. شرح سنن أبي داود (14/ 518).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«ومالك لأبيك» أي: أن له التصرف فيك وفي استعمالك فيما أذن الله تعالى أن يستعملك فيه، ومالك الذي كسبته له يتصرف فيه كيف يشاء. التنوير (4/ 269).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
«أنت ومالك لأبيك» يريد في البر والمطاوعة، لا في اللازم، ولا في القضاء. شرح صحيح البخاري (3/ 544).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
قال له: «أنت ومالك لوالدك»، على معنى: أنَّه إذا احتاج إلى مالك أخذ منك قدر الحاجة، كما يأخذ من ماله نفسه، وإذا لم يكن لك مال، وكان لك كسب لزمك أن تكتسب وتنفق عليه، فإما أن يكون أراد به: إباحة ماله، وخلاه واعتراضه حتى يجتاحه، ويأتي عليه، لا على هذا الوجه، فلا أعلم أحدًا ذهب إليه من الفقهاء -والله أعلم-. معالم السنن (3/ 166).
وقال الصنعاني -رحمه الله- بعد أن ذكر المسألة وأقوال العلماء فيها قال:
فهؤلاء سبعة من الصحابة، وثمانية من التابعين، قائلون بمعنى الحديث، وأنَّ مال الولد لأبيه، يتصرف فيه كيف شاء، كما يتصرف فيما يملكه، وكُلما جاز له في مالِ نفسه من الإنفاق وغيره جاز له في مال ولده.
إذا عرفت هذا فلا تغتر بقول الخطابي في معالم السنن على حديث أبي داود المذكور هنا في التيسير: إنه لا يعلم أنَّ أحدًا يقول: إنَّ معنى الحديث: إباحة مال الولد لأبيه، وأنه يأتي عليه إسرافًا وتبذيرًا، بل معناه: إذا احتاج إلى مالك أخذ منه قدر الحاجة. انتهى.
فقوله: لا يعلم قائلًا بذلك، مُصدَّق أنَّه لا يعلمه، وعَلِمَهُ غيره، وأما قوله: إسرافًا وتبذيرًا، فكلام في غير محله، فإنَّه يحرم على الإنسان ذلك في مال نفسه المجمع عليه.
وأما قوله: يأخذ قدر حاجته، فهذا صرف للفظ: «يجتاح» عن معناه الذي فسره هو به، فالحق: أنَّ مال الولد يملكه أبوه، ويتصرف فيه كيف شاء، وقد بسطنا المسألة في رسالةٍ مستقلة -بحمد الله-. التحبير (1/ 436).
وقال الطيبي -رحمه الله- متعقبًا الخطابي -رحمه الله-:
أقول: لا حاجة إلى التقدير؛ لأن قوله: «أولادكم من أطيب كسبكم» خطاب عام، وتعليل لقوله: «أنت ومالك لوالدك»، وإذا كان الولد كسبًا للوالد لا بمعنى أنه طلبه وسعى في تحصيله؛ لأن الكسب معناه: الطلب والسعي في تحري الرزق والمعيشة والمال تبع له، كان الولد نفس الكسب مبالغة، وقد أشار إليه التنزيل بقوله: {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ} البقرة: 233 سماه مولودًا له إيذانًا بأن الوالدات إنما وَلَدْنَ لهم؛ ولذلك ينسبون إليهم، وأنشد للمأمون بن الرشيد:
فإنما أمهات الناس أوعية *** مستودعات للآباء أبناء
الكاشف عن حقائق السنن (7/ 2382).
وقال ابن قدامة -رحمه الله-:
للأب أنْ يأخذ من مال ولده ما شاء، ويتملكه مع حاجة الأب إلى ما يأخذه، ومع عدمها، صغيرًا كان الولد أو كبيرًا بشرطين:
أحدهما: أنْ لا يجحف بالابن، ولا يضر به، ولا يأخذ شيئًا تعلَّقت به حاجته.
الثاني: أنْ لا يأخذ من مال ولده فيعطيه الآخر، نص عليه أحمد في رواية إسماعيل بن سعيد؛ وذلك لأنه ممنوع من تخصيص بعض ولده بالعطية من مال نفسه، فلأن يمنع من تخصيصه بما أخذ من مال ولده الآخر أولى.
وقد روي أنَّ مسروقًا زوَّج ابنته بصداق عشرة آلاف، فأخذها، وأنفقها في سبيل الله، وقال للزوج: جهز امرأتك.
وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي: ليس له أن يأخذ من مال ولده إلا بقدر حاجته؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إنَّ دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا» متفق عليه، وروى الحسن أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «كل أحد أحق بكسبه من والده وولده والناس أجمعين» رواه سعيد في سننه، وهذا نص، وروي أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفسه» رواه الدارقطني؛ ولأن ملك الابن تام على مال نفسه، فلم يجز انتزاعه منه، كالذي تعلقت به حاجته.
ولنا: ما روت عائشة -رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إنَّ أطيب ما أكلتم من كسبكم، وإنَّ أولادكم من كسبكم» أخرجه سعيد والترمذي، وقال: حديث حسن....المغني (6/ 320).
وقال البهوتي -رحمه الله-:
ولأنَّ الرجل يلي مال ولده من غير توليةٍ كمالِ نفسِه... بشروطٍ ستة:
أحدها: أن يكون ما يتملكه الأب فاضلًا عن حاجة الولد؛ لئلا يضرَّه بتملكه، وهو منفيٌّ بقوله -صلى الله عليه وسلم-: «لا ضرر ولا ضرار».
الشرط الثاني: ألا يُعطيه الأب لولدٍ آخر؛ فلا يتملَّك من مال ولدهِ زيدٌ ليعطيه لولده عمرو؛ لأنه ممنوع من تخصيص بعض ولده بالعطية من مال نفسه، فلأن يُمنع من تخصيصه بما أُخذ من مال ولده الآخر أَولى.
الشرط الثالث: ألا يكون التملُّك في مرض موت أحدهما، أي: الأب أو الولد؛ لأنه بالمرض قد انعقد السبب القاطع للتملك.
الشرط الرابع: ألا يكون الأب كافرًا والابن مسلمًا، لا سيما إذا كان الابن كافرًا ثم أسلم، قاله الشيخ. قال في "الإنصاف": وهذا عين الصواب، انتهى؛ لحديث: «الإسلام يعلو ولا يُعلى».
وقال الشيخ (ابن تيمية) -أيضًا-: الأشبه أن الأب المسلم ليس له أن يأخذ من مال ولده الكافر شيئًا، لانقطاع الولاية والتوارث.
الشرط الخامس: أن يكون ما يتملكه الأب عينًا موجودة، فلا يتملَّك دين ابنه؛ لأنه لا يملك التصرُّف فيه قبل قبضه.
ويحصل تملُّكه -أي: الأب- لمال ولده بقبض ما يتملكه مع قول: "تملكتُه"، أو نحوه، أو نيةٍ. قال في "الفروع": ويتوجه: أو قرينة؛ لأن القبض أعمُّ من أن يكون للتملك أو غيره، فاعتُبر القول أو النية؛ ليتعيَّن وجه القبض، وهو -أي: القبض مع ما ذُكر-.
الشرط السادس: ولا يصح تصرُّفه -أي: الأب- فيه -أي: في مال ولده- قبل ذلك -أي: قبل القبض مع القول أو النية- ولو عتقًا؛ لأن ملك الابن تامٌّ على مال نفسه، يصح تصرُّفه فيه، ويحل له وطء جواريه.
الإقناع مع كشاف القناع (10/160-162).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
إذًا يُشترط (في تملُّك الأب مال ولده):
أولًا: ألَّا يضرَّ الابنَ.
ثانيًا: ألَّا يحتاجه.
ثالثًا: أن يكون الأب حرًّا.
رابعًا: ألَّا يكون الولد أعلى منه في الدِّين.
خامسًا: ألَّا يأخذ لولدٍ آخر؛ لأنه إذا حُرِّم التفضيلُ من مال الوالد الخاص، فتحريمه بأخذه من مال الولد الآخر من باب أولى.
مسألة: هل للأب أن يأخذ من أحد أولاده ويُعطي الثاني؟
الجواب: نعم، إذا كان الآخرون فقراء، والأب لا يستطيع أن يُنفق عليهم، فله ذلك.
أما إذا كانوا أغنياء، أو هو يقدِر أن يُنفق عليهم، فلا يجوز؛ لأن هذا يُحدث الضغائن بين الأولاد.
الشرح الممتع (11/ 93-94).
وجاء في الموسوعة الفقهية الكويتية:
أخذ الأبوين من مال ولدهما:
ذهب جمهور الفقهاء إلى أن الوالد لا يأخذ من مال ولده شيئًا إلا إذا احتاج إليه.
قال الحنفية: إذا احتاج الأب إلى مال ولده، فإن كانا في المصر واحتاج الوالد لفقره، أكل بغير شيء، وإن كانا في المفازة واحتاج إليه لانعدام الطعام معه، فله الأكل بالقيمة، نص على ذلك ابن عابدين.
وذهب الحنابلة إلى أن للأب أن يأخذ من مال ولده ما شاء ويتملكه، مع حاجة الأب إلى ما يأخذه ومع عدمها، صغيرًا كان الولد أو كبيرًا، بشرطين:
أحدهما: أن لا يُجحف بالابن ولا يضره، ولا يأخذ شيئًا تعلقت به حاجته.
الثاني: أن لا يأخذ من مال ولده فيعطيه ولده الآخر. نص عليه أحمد في رواية إسماعيل بن سعيد، وذلك لأنه ممنوع من تخصيص بعض ولده بالعطية من مال نفسه، فلأن يمنع من تخصيصه بما أخذ من مال ولده الآخر أولى...
وفي مسائل الإمام أحمد لابن هانئ قال: سمعت أبا عبد الله يقول: كل شيء يأخذ من مال ولده فيقبضه، فله أن يأكل ويعتق.
وسئل أبو عبد الله: يسرق الوالد من مال ولده عليه القطع؟ قال: لا يقال سرق، له أن يأخذ منه ولا يقطع.
وقال أيضًا: يأخذ من مال ولده ما شاء، لحديث: «أنت ومالك لأبيك».
وقال أيضًا: له أن يأخذ من مال ولده ما شاء، وليس لولده أن يمنعه إذا أراد أن يأخذ، إلا أن يكون بسرف، فله أن يعطيه القوت.
وسئل عن المرأة تتصدق من مال ابنها؟ قال: لا تتصدق إلا بإذنه.الموسوعة الفقهية الكويتية (٤٥/ ٢٠٢- ٢٠٣).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
اللام في الحديث ليست للملك قطعًا، وأكثركم يقول: ولا للإباحة؛ إذ لا يباح مال الابن لأبيه...، ومَن يقول: هي للإباحة أسعد بالحديث، وإلا تعطلت فائدته ودلالته. إعلام الموقعين (1/ 91).
وقال الشيخ الألباني -رحمه الله-:
وفي الحديث («إنَّ أولادكم هبة الله لكم») فائدة فقهية هامة، قد لا تجدها في غيره، وهي: أنَّه يُبيِّن أنَّ الحديث المشهور: «أنت ومالك لأبيك» ليس على إطلاقه، بحيث إنّ الأب يأخذ من مال ابنه ما يشاء، كلا، وإنما يأخذ ما هو بحاجة إليه. السلسلة الصحيحة (6/ 138).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
وقيل: يده مبسوطة في مال ولده يأخذ منه ما شاء، والعامة على أنه لا يأخذ إلا لحاجة. شرح المصابيح (4/ 68-69).
وقال الطحاوي -رحمه الله-:
ذهب قوم إلى أن ما كسبه الابن من مال فهو لأبيه، واحتجوا في ذلك بهذه الآثار (لآثار ذكرها قبل ومنها هذه الحديث)، وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا: ما كسب الابن من شيء فهو له خاصة دون أبيه، وقالوا: قول النبي -صلى الله عليه وسلم- هذا ليس على التمليك منه للأب كسب الابن، وإنما هو على أنه لا ينبغي للابن أن يخالف الأب في شيء من ذلك، وأن تجعل أمره فيه نافذًا كأمره فيما يملك، ألا تراه يقول: «أنت ومالك لأبيك»؛ فلم يكن الابن مملوكًا لأبيه بإضافة النبي -صلى الله عليه وسلم- إياه، فكذلك لا يكون مالكًا لماله بإضافة النبي -صلى الله عليه وسلم- إليه. شرح معاني الآثار (4/ 158).
قال العيني -رحمه الله- معلقًا على كلام الطحاوي:
أراد (يعني: الطحاوي) بالقوم هؤلاء (أي: في القول الأول): عطاء بن أبي رباح، ومسروق بن الأجدع، ومجاهدًا، والحكم بن عتيبة، وعامرًا الشعبي، والحسن البصري، وابن أبي ليلى، فإنهم قالوا: مال الابن لأبيه، يأخذ منه ما شاء، ويأكل منه ما شاء، وروي ذلك عن عمر وعلي، وابن مسعود وجابر، وأنس وابن عباس، وعائشة الصديقة -رضي الله عنهم-....
(و) خالف القوم المذكورين جماعة آخرون (يعني: أصحاب القول الثاني) وأراد بهم: إبراهيم النخعي والزهري، ومحمد بن سيرين، وحماد بن زيد ومجاهدًا -في قول-، وحماد بن أبي سليمان، وسفيان، وأبا حنيفة، وأبا يوسف ومحمدًا، ومالكًا والشافعي وأحمد، فإنهم قالوا: مال الابن له دون أبيه إلا إذا احتاج الأب أو الأم، فإنهما يأكلان من مال ابنهما بالمعروف، وهو مذهب الظاهرية أيضًا. نخب الأفكار (14/ 511-512).
وقال ابن حزم -رحمه الله-:
يقول ابن سيرين والنخعي والزهري ومجاهد وجابر بن زيد: نقول في كل شيء إلا في الأكل خاصة، فإن للأب والأم أن يأكلا من مال الولد حيث وجداه من بيت أو غير بيت فقط، ثم لا شيء لهما، ولا حكم في شيء من ماله، لا بعتق، ولا بإصداق، ولا بارتهان، إلا إن كانا فقيرين، فيأخذ الفقير منهما ما احتاج من مال ولده من كسوة، وأكل، وسكنى، وخدمة، وما احتاجا إليه فقط.
وأما الولد فيأكل من بيت أبيه، وبيت أُمِّه ما شاء بغير إذنهما، ولا يأكل من غير البيت شيئًا، كما جاءت النصوص، لا يتعدَّى حدود الله، فإن احتاج أخذ أيضًا كما قلنا في الوالدين؛ لقول الله تعالى: {وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى} النساء: 36...، وهذا الخبر منسوخ (يعني: حديث الباب) -لا شك فيه-؛ لأن الله -عز وجل- حكم بميراث الأبوين، والزوج، والزوجة، والبنين، والبنات، من مال الولد إذا مات، وأباح في القرآن لكل مالك أمة وطأها بملك يمينه، وحرمها على من لا يملكها بقوله تعالى: {إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ} المؤمنون: 6-7، فدخل في هذا من له والد، ومن لا والد له، فصح أن مال الولد له بيقين لا لأبويه، ولا حق لهما فيه إلا ما جاء به النص مما ذكرنا: من الأكل، أو عند الحاجة فقط، ولو كان مال الولد للوالد لما ورثت زوجة الولد، ولا زوج البنت، ولا أولادهما من ذلك شيئًا؛ لأنه مال لإنسان حي، ولا كان يحل لذي والد أن يطأ جاريته أصلًا؛ لأنها لأبيه كانت تكون، فصح بورود هذين الحكمين وبقائهما إلى يوم القيامة ثابتين غير منسوخين: أن ذلك الخبر منسوخ، وكذلك أيضًا صح بالنص والإجماع المتيقن: أن من ملك أَمَةً، أو عبدًا لهما والد فإن ملكهما لمالكهما، لا لأبيهما.
فصح أيضًا: أن قوله -عليه السلام-: «إنه لأبيه» منسوخ، وارتفع الإشكال -والحمد لله-، وهذا مما احتجوا به بالأثر، وخالفوا ذلك الأثر نفسه. المحلى بالآثار (6/ 388-390).
وقال العيني -رحمه الله- متعقبًا لابن حزم:
وادعى ابن حزم أن حديث: «أنت ومالك لأبيك» منسوخ. نخب الأفكار (14/ 514).
وقال الصنعاني -رحمه الله- متعقبًا لابن حزم:
أقول: لا يخفى أنَّ دعوى النسخ محتاجة إلى إقامة البرهان على تأخر الناسخ، ولم يأتِ بدليل على تأخُّره، وكيف يخفى النسخ على الصحابة وهم علي وعمر وابن مسعود وعائشة، وجابر بن عبد الله وأنس، وابن عباس -رضي الله عنهم-، فإنَّه نقل ابن حزم نفسه القول عنهم بأنَّ مال الولد ملك لأبيه عملًا بالحديث، ثم قال: ولا نعلم خلافًا من الصحابة لمن ذكرنا منهم في هذه المسألة، قال: إلَّا رواية عن ابن عمر ورواية عن علي لم تصح. انتهى.
قلتُ: فأي داع إلى دعوى النسخ مع إمكان الجمع، وقد زعم أنَّ الدليل على النسخ إيجاب الميراث لمال الولد إن هلك في حياة والده، وجواز تسرِّيه بما ملكت يمينه، وقد توهَّم أنه لا يتم الجمع بين القول بملك الأب لمال ابنه والقول بأنه يورث عنه ماله إذا مات في حياة أبيه، وكذلك الحكم في تسرِّيه، وإنَّما لما تعذر الجمع بين الأدلة حكم بالنسخ.
والجمع هنا ممكن عندنا، فإنَّا نقول: حديث: «أنت ومالك لأبيك» قضى بأنَّ الولد وماله للأب، وحكم بالأدلة الأخرى أنه إذا مات الولد كان ما تحت يده ميراثًا لأبويه وزوجه وأولاده، فهذا حكم مال الولد بعد وفاته، والأول حكمه في حياته، فأي مانع أن يكون ما تحت يده ملكًا لأبيه مهما كانا في قيد الحياة؟
فإذا مضى أحدهما لسبيله، ولقي الله تعالى كان مال الولد أي الذي تحت يده إن كان هو الميت ميراثًا بين ورثته على فرائض الله، وإن خلف أبويه فقط حازا ما تحت يده أثلاثًا إن كان له أم، وإلَّا فهو للأب جميعه، كما كان له في حياة ولده...، إذا عرفت هذا فأي شيء يوجب الحكم بنسخ حديث: «أنت ومالك لأبيك»؟ فإنَّه لا تناقض في الأحكام، ولا معارضة، وقد اختلف زمان الحكمين، وقد سمَّى الشارع الولد نفسه كسبًا لأبيه، وأمره بالأكل من كسبه، وأخبره بأنه من أطيب ما يأكل منه في حديث: «إنَّ أطيب ما أكلتم من كسبكم، وإنَّ أولادكم من كسبكم» أخرجه البخاري في التاريخ والترمذي والنسائي وابن ماجه من حديث عائشة، والمراد من الأكل: الانتفاع على أي وجه.
وأما قول ابن حزم: إنه لو كان مال الولد لأبيه لما حل له وطء الأمة المشتراة من ماله، مع حل ذلك بدخوله تحت عموم {إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ} المؤمنون: 6.
فجوابه: إنَّ عموم «مالك» في حديث: «أنت ومالك لأبيك» مخصوص، فإنَّه اسم جنس مضاف، وهو من صيغ العموم، خصه الإِجماع بحل أَمَةٍ شراها الولد في حياة والده، مما تحت يده ليطأها، وكذلك إصداق زوجة ينكحها؛ لأن وقوع هذا معلوم في عصر النبوة أنه يتسرَّى البنون وينكحون مما تحت أيديهم من الأموال التي يكتسبونها في حياة آبائهم، هذا معلوم قطعًا، وقد قال -صلى الله عليه وسلم- لابن عمر لما أخبره أنَّ أباه عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- يأمره بفراق امرأته، فقال: «أطع أباك».
على أنا نقول: المعلوم من أحوال الناس أنه لا يتزوج الولد أو يأخذ أمَةً وأبوه حيٌّ إلَّا بعد أخذ رأيه وإذنه له بذلك، وإقرار الأب لولده على انفراده في بيت وإنفاقه على نفسه مما تحت يده إباحة له، وإن فعل شيئًا من ذلك عن غير رأيه كان عاقًّا آثمًا ما لم يعلم رضا والده بذلك، وإذا علم رضاه فهو كرضاه بأخذ الولد من المال الذي كسبه الأب وأحرزه، ولا حق فيه لابنه، وإنَّ رضا الأب بذلك يبيح لولده مال أبيه الذي تحت يد أبيه لا فرق بينهما. رسالة لطيفة في شرح حديث أنت ومالك لأبيك (ص: 32-36).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
يدل (يعني: الحديث) على أن الرجل مشارك لولده في ماله، فيجوز له الأكل سواء أَذِنَ الولد أو لم يأذن، ويجوز له أيضًا أن يتصرف به كما يتصرف بماله، ما لم يكن ذلك على وجه السرف والسفه، وقد حكي في البحر الإجماع على أنه يجب على الولد الموسر مئونة الأبوين المعسرين. نيل الأوطار (6/ 17).
وقال ابن الهمام -رحمه الله-:
فإن قيل: هذا يقتضي أن له (يعني: للأب) ملكًا ناجزًا في ماله.
قلنا: نعم، لو لم يقيده حديث رواه الحاكم وصححه، والبيهقي عنها مرفوعًا: «إن أولادكم هبة لكم {يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ} الشورى: 49، وأموالهم لكم إذا احتجتم إليها»، ومما يقطع بأن الحديث مؤول: أنه تعالى ورَّث الأب من ابنه السدس مع ولد ولده، فلو كان الكل ملكه لم يكن لغيره شيء مع وجوده. فتح القدير (4/ 418).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
هذا الذي ادَّعاه ابن الهمام من التقييد مستدلًا بالحديث المذكور، غير صحيح؛ لأن قوله: «إذا احتجتم إليها» زيادة غير صحيحة، فقد قال أبو داود -رحمه الله- في سننه: حماد بن أبي سليمان زاد فيه: «إذا احتجتم» وهو منكر. انتهى.
ونقل الحافظ في التلخيص: عن ابن المبارك، عن سفيان، قال: حدثنا به حماد، ووهم فيه. انتهى.
فثبت بهذا: أن القيد بالحاجة غير معتبر، بل للوالد أن يتصرف في مال ولده مطلقًا على ما هو ظاهر النص، وقد أخرج أبو داود وابن ماجه من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: «أن رجلًا قال: يا رسول الله، إن لي مالًا وولدًا، وإن والدي يجتاح مالي، قال: أنت ومالك لوالدك، إن أولادكم من أطيب كسبكم، فكلوا من كسب أولادكم»، وأخرج ابن ماجه بإسناد رجاله ثقات، عن جابر بن عبد الله -رضي الله تعالى عنهما-: «أن رجلًا قال: يا رسول الله، إن لي مالًا وولدًا، وإن أبي يجتاح مالي، فقال: أنت ومالك لأبيك»؛ فهذه النصوص تدل على جواز تصرفه مطلقًا، فليتنبه -والله تعالى أعلم بالصواب-. ذخيرة العقبى في شرح المجتبى (34/ 79-80).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
قلت: هذا الذي ينشرح له الصدر، ولا أدري ما الحامل على تأويل الخطابي، وكأن الحامل ما قاله من أنه لا يعلم أن أحدًا ذهب إليه فظنه إجماعًا -والله أعلم-. التنوير (4/ 270).
وقال السندي -رحمه الله-:
ظاهر الحديث: أن للأب أن يفعل في مال ابنه ما شاء، كيف وقد جعل نفس الابن بمنزلة العبد مبالغة، لكن الفقهاء جوَّزوا ذلك للضرورة. كفاية الحاجة في شرح سنن ابن ماجه (2/ 43).
قوله: «إن أطيب ما أكلتم من كسبكم»:
قال المناوي -رحمه الله-:
«إن أطيب ما أكلتم» أي: أحله وأهنأه، «من كسبكم» يعني: إنَّ أطيب أكلكم مما كسبتموه بغير واسطة؛ لقربه للتوكل، وتعدي نفعه. فيض القدير (2/ 425).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«إن أطيب ما أكلتم من كسبكم» كأن المراد بأطيبه: بركته، والأجر عليه، وصلاح القلب به. التنوير (3/ 577).
وقال السندي -رحمه الله-:
«إنَّ أطيب ما أكلتم من كسبكم»، والطيب الحلال، والتفضيل فيه بناه على بعده عن الشبهات، ومظانها، والكسب: السعي في تحصيل الرزق وغيره، والمراد: المكسوب الحاصل بالطلب والجد في تحصيله بالوجه المشروع. فتح الودود (3/ 601-602).
قوله: «وإن أموال أولادكم من كسبكم»:
قال الصنعاني -رحمه الله-:
جعل -صلى الله عليه وسلم- الأولاد من كسب الإنسان، وأمر بالأكل من كسبهم؛ لأنه كسبه بالواسطة، وخص الأكل فإنه أعم الاستهلاكات، وإلا فالمراد: كل انتفاع، وهو عام للآباء الأغنياء وغيرهم، وأصل الأمر الإيجاب. التحبير لإيضاح معاني التيسير (1/ 437).
وقال السندي -رحمه الله-:
«أموال أولادكم من كسبكم» لأن الولد من الكسب، كما جاء به الحديث، وكسْب الكسْب كسْبٌ -والله تعالى أعلم-. حاشيته على مسند أحمد (2/260).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«من كسبكم» يعني: إن أطيب أكلكم مما كسبتموه بغير واسطة لقربه للتوكل وتعدى نفعه كذا بواسطة أولادكم، كما بينه بقوله: «وإن أولادكم من كسبكم»؛ لأن ولد الرجل بعضه وحكم بعضه حكم نفسه، ويسمى الولد كسبًا مجازًا؛ وذلك لأن والده سعى في تحصيله، والكسب الطلب، والسعي في الرزق ونفقة الأصل الفقير واجبة على فرعه عند الشافعي. فيض القدير (2/ 425).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
وهذا يدل على أنَّه إذا لم يكن للولد مال وله كسب يلزمه الكسب للإنفاق على والده. شرح المصابيح (4/ 68-69).
قوله: «فكلوه هنيئًا»:
قال ابن رسلان -رحمه الله-:
«فكلوا» الفاء للسببية، أي: فبسبب كونهم أطيب كسبكم كلوا «من كسب أولادكم»، «ولن يجزي ولد والده إلا أن يجده رقيقًا فيعتقه». شرح سنن أبي داود (14/ 518).
وقال المظهري -رحمه الله-:
يعني: أولادكم من أحل أكسابكم، وأفضلها، كلوا مما كسب أولادكم، فإنَّه حلال لكم، وإنما سُمي الولد أطيب كسب وأحله؛ لأنه أصله والسبب الظاهر، ولم يكن قبله لأحد، بخلاف كل الأموال؛ لأنها زائلة منتقلة كانت للغير، وسوف تنتقل إلى آخر، والولد لم يملكه أحد قبله، ولا يملك أبدًا. المفاتيح (4/ 143).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
فإن قلتَ: فهل الأم كالأب في ملكها مال ابنها؟
قلتُ: لم يرد النص إلَّا في الأب، وقول جابر: يأخذ الأب والأم من مال ولدهما، كلام من قبل نفسه، كأنه قاسها على الأب، وأدخلها تحت عموم قوله -صلى الله عليه وسلم-: «إنَّ أولادكم من أطيب كسبكم، فكلوا من كسب أولادكم»، ولا ريب أنَّ الأولاد من كسب الأب والأم، والحديث وإن ورد تعليلًا لأخذ الأب من مال ولده لكن لفظ: «أولادكم» عام، والعام لا يقصر على سببه.
إن قلتَ: ضمير الإِنسان في «أولادكم»، وهذا الضمير خاص بالرجال.
قلتُ: هو كما قلت لا يشمل الأمهات إلَّا تغليبًا، والتغليب مَجَازٌ، والأصل الحقيقة، وأيضًا فالأصل عصمة مال الولد، فلا يُشارَك فيه، ولا يكون لغيره إلَّا بدليل قاهر كالنص في حق الأب.
وأما حديث: «يا رسول الله، من أبر؟ قال: أمك، ثم أمك، ثم أمك، ثم أباك» أخرجه أبو داود والترمذي وغيرهما، فهو جواب عن الأحق بالبر، وليس فيه تعرض لتملكها ماله؛ إذ البر لا يستلزم ذلك قطعًا، إذ البر الإِحسان بكل نوع من أنواعه، وليس منه أن تملك أمه ماله، فإنَّه واجب على الإِنسان البر بأرحامه، ولا يملكون من ماله شيئًا كما يملكه الأب، فأثر جابر (يأخذ الأب والأم من مال ولدهما)، وعموم «من كسبكم» لا ينهضان على ملك الأم شيئًا من مال ابنها كما يملكه الأب.
فإن قلتَ: أي مانع عن إلحاق الأم بالأب في ملك مال الولد، فإنَّ العلة منصوصة، أعني: قوله -صلى الله عليه وسلم-: «إنَّ أولادكم من أطيب كسبكم»، ولا ريب أن الولد من كسب الأبوين، لا من كسب الأب فقط.
قلتُ: هذا الدليل لا أراه بعيدًا بُعْدَ النصِّ على العلة، ومساواة الأصل للفرع فيها ما لم يأت نص أنهض من هذا -والله أعلم-. رسالة لطيفة في شرح حديث أنت ومالك لأبيك (ص: 37-38).
وقال السفاريني -رحمه الله-:
وفرق الإمام أحمد بين الأب والأم بأن له أن يتملك من مال ولده، بخلافها؛ لحديث: «أنت ومالك لأبيك». كشف اللثام (5/ 81).
وقال العزيزي -رحمه الله-:
ومثل الأب سائر الأصول، ولو من جهة الأم، ومثل الابن سائر الفروع ولو من جهة البنت. السراج المنير (2/ 188).
وقال الترمذي -رحمه الله-:
والعمل على هذا عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم-، وغيرهم، قالوا: إنَّ يد الوالد مبسوطة في مال ولده، يأخذ ما شاء، وقال بعضهم: لا يأخذ من ماله إلا عند الحاجة إليه. سنن الترمذي (3/ 632).
وقال البيضاوي -رحمه الله-:
في الحديث: دليل وجوب نفقة الوالد على ولده، وأنه لو سرق شيئًا من ماله أو ألمَّ بأمته، فلا حدَّ عليه؛ لشبهة الملك. تحفة الأبرار (2/ 419).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
فيه من الفقه: أنَّ نفقة الوالدين واجبة على الولد إذا كان واجدًا لها، واختلفوا في صفة من تجب لهم النفقة من الآباء والأمهات، فقال الشافعي: إنما يجب ذلك للأب الفقير الزَّمِن (أي: المريض)؛ فإن كان له مال أو كان صحيح البدن غير زمن فلا نفقة له عليه.
وقال سائر الفقهاء: نفقة الوالدين واجبة على الولد، ولا أعلم أحدًا منهم اشترط فيها الزمانة، كما اشترطها الشافعي. معالم السنن (3/ 165).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
في فوائده: ...
الحث على الكسب؛ لأنه -صلى الله عليه وسلم- جعله من أطيب كسب الرجل.
ومنها: جواز تصرف الوالد في مال ولده بغير إذنه. ذخيرة العقبى (34/ 80).