«إنَّ أحسَنَ ما دَخَلَ الرَّجلُ على أهلِهِ إذا قَدِمَ من سفَرٍ أولَ الليلِ».
رواه أبو داود برقم: (2777)، من حديث جابر -رضي الله عنه-.
صحيح الجامع برقم: (1545)، صحيح سنن أبي داود برقم: (2481).
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«أهلهِ»:
أهل الرجل: زوجه، وأخصُّ الناس به. العين، للخليل (4/ 89).
قال الكفوي -رحمه الله-:
وأهل الرجل: من يجمعه وإياهم مسكن واحد، ثم سُمِّي به من يجمعه وإياهم نسب أو دين أو صنعة، أو نحو ذلك. الكليات (ص: 210).
شرح الحديث
قوله: «إنَّ أحسَنَ ما دخلَ الرجلُ على أهلهِ»:
قال ابن رسلان -رحمه الله-:
«إنَّ أحسن ما دخل الرجل» الغائب غيبة طويلة «على أهله» زوجته، أو أم ولده المملوكة، وربما دخل فيه أقاربه. شرح سنن أبي داود (12/ 105).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
قيل: (ما) في قوله: «إنَّ أحسن ما دخل الرجل» موصولة، والعائد محذوف، والمراد به: الوقت، و«أهله» منصوب بنزع الخافض، أي: على أهله، وقيل: مصدرية على تقدير مضاف، والتقدير: إنَّ أحسن دخول الرجل على امرأته دخول أول الليل. الأزهار، مخطوط، لوح (358).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
(ما) هنا مصدرية على تقدير مضاف، أي: إنَّ أحسن دخول الرجل على امرأته أول الليل. شرح سنن أبي داود (12/ 106).
وقال التوربشتي -رحمه الله-:
«إنَّ أحسن ما دخل الرجل أهله» الحديث: إرشاد له إلى الوقت الذي لا يزاحمه فيه الزُّوَّار، فلا يقطعونه عما هو فيه. الميسر (3/ 895).
وقال البيضاوي -رحمه الله-:
«إنَّ أحسن ما دخل الرجل أهله» (ما) موصولة، والراجع إليه محذوف، والمراد به: الوقت الذي يدخل فيه الرجل على أهله، و«أهله»: منصوب بنزع الخافض، واتصال الفعل إليه على سبيل الاتساع.
ويحتمل أنْ تكون مصدرية على تقدير مضاف، أي: إنَّ أحسن دخول الرجل أهله دخول أول الليل. تحفة الأبرار (3/ 12-13).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «إن أحسن ما دخل الرجل أهله» (ما) موصولة أو موصوفة، ويحتمل أنْ تكون مصدرية، أي: أحسنُ دخولِ الرجل دخولُ أولِ الليل، و«أهله» منصوب على الاتساع، والتوفيق بينه وبين الحديث الذي نُهي فيه عن القدوم ليلًا: أنْ يُحمل هذا على السفر القريب. لمعات التنقيح (6/ 642).
قوله: «إذا قَدِمَ من سفَرٍ أولَ الليلِ»:
قال الطيبي -رحمه الله-:
و«إذا» هذا مرفوع محلًّا، خبر لـ «إن». الكاشف عن حقائق السنن (8/ 2689).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«إذا قدم من سفر» طويل أو قصير، فليدخل «أولَ الليل» أي: قبل وقت العشاء، وقبل المغرب أولى؛ لتلحق إصلاح شأنها قبل النوم معه. شرح سنن أبي داود (12/ 105).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
«أولُ» مرفوع بخبر (إنَّ)، ويحتمل بنزع المضاف، وإقامته مقامه. الأزهار، مخطوط، لوح (358).
وقال التوربشتي -رحمه الله-:
إنَّما اختار له أول الليل؛ لأن المسافر يقدم في غالب أحواله عن غلبة شهوة، فإذا قضى نهمته من أول الليل، كان ذلك أجلب للنوم، وأدعى إلى الاستراحة. الميسر (3/ 895).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«إذا قدم من سفر أول الليل» يحمل هذا على الدخول بالزوجة، وقضاء الوطء منها، فإن ذلك في أول الليل أحسن منه نهارًا؛ إذ بالنهار قد يُزاحَم بالزوار، فينقطع عما هو فيه؛ إذ المسافر يقدم غالبًا مع شهوة، فإذا قضى نهمته عند ذلك يكون أجلب للنوم، وأدعى إلى الاستراحة. شرح المصابيح (4/ 372-373).
وقال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «إذا قدم من سفر أول الليل» قد ذُكِرَ قبل هذا: أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- لا يطرق أهله، وأنه -صلى الله عليه وسلم- قال: «إذا طال أحدكم الغيبة فلا يطرق أهله ليلًا»، وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لا يقدم من سفر إلا نهارًا.
هذه الأحاديث صريحة بأنَّ الدخول على الأهل من السفر قبل الليل أفضل من الدخول ليلًا، وتأويل هذا الحديث: أنَّ أحسن ساعات الليل في الدخول على الأهل أول الليل؛ يعني: أنه إذا فاته الدخول نهارًا، وأراد أن يدخل ليلًا، فأول الليل قبل أنْ يظلم الليل أحسن من الدخول في وسط الليل. المفاتيح (4/ 389).
وقال السهارنفوري -رحمه الله-:
هذا الحديث بظاهره يخالف ما تقدم من الحديث (النهي عن طروق الأهل ليلًا)، ووجه الجمع بينهما: أنَّ المراد بهذا الحديث: هو الدخول على أهله للجماع، لا المراد: الإتيان طروقًا، وعلى هذا: فوجه كونه أحسن الأوقات؛ لأنه إذا أتى أهله في أول الليل يكون مستريحًا، فإنه بسبب طول الغيبة لأجل السفر يكون كثير الشَّبَق، فيخف به.
أو يُقال: إنَّ هذا الحديث محمول على أنَّه إذا أطلع أهله بقدومه قبل المجيء، والأول إذا لم يعلموا بقدومه، أو يُقال: إنَّ الكراهة محمولة على الدخول في أثناء الليل، وعدم الكراهة في الدخول أول الليل، أو الكراهة محمولة على التنزيه، وهذا على الجواز. بذل المجهود (9/ 513).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
قيل: وجه الجمع بين هذا الحديث، وبين قوله -صلى الله عليه وسلم-: «فلا يطرق أهله ليلًا»، أنَّ المراد هنا: أول الليل، وهناك آخره وأوسطه، على ما قال أنس: «كان رسول الله لا يدخل على أهله إلا غدوة أو عشية»، وقيل: هذا محمول على الوقاع؛ وذلك على الطروق؛ لأنَّ المسافر يقدُم في غالب أحواله عن غلبة شهوة، فإذا قضى نهمته في أول الليل، كان أجلب للنوم، وأدعى للاستراحة. الأزهار، مخطوط، لوح (358).
وقال النووي -رحمه الله-:
معنى هذه الروايات كلها: أنه يكره لمن طال سفره أنْ يقدم على امرأته ليلًا بغتة، فأما مَن كان سفره قريبًا تتوقَّع امرأته إتيانه ليلًا، فلا بأس، كما قال في إحدى هذه الروايات: «إذا أطال الرجل الغيبة»، وإذا كان في قَفْل عظيم (القُفولُ: رجوع الجند بعد الغزو) أو عسكر ونحوهم، واشتهر قدومهم ووصولهم، وعلمت امرأته وأهله أنه قادم معهم، وأنهم الآن داخلون فلا بأس بقدومه متى شاء؛ لزوال المعنى الذي نُهِيَ بسببه، فإنَّ المراد: أن يتأهَّبوا، وقد حصل ذلك، ولم يقدم بغتة. المنهاج (13/ 71-72).
وقال الطيبي -رحمه الله- مُتعقِّبًا:
الأحسن أنْ يُنزَّل الحديث على الثاني؛ لأن مَن طال سفره، وبعد مدة الفراق طار قلبه اشتياقًا، وخصوصًا إذا قرب من الدار، ورأى منها الآثار قال:
إذا دنت المنازل زاد شوقي *** ولا سيما إذا بدت الخيامُ
ولأنه يكره للمسافر الذي طال سفره أنْ يقرب من الأهل إلا بعد أيام؛ لأنه يتضرر به. الكاشف عن حقائق السنن (8/ 2690).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله- مُتعقِّبًا:
قوله: يكره، ليس على مقتضى القواعد الشرعية، بل على طبق كلام الحكماء الفلسفية. مرقاة المفاتيح (6/ 2522).
وقال البيضاوي -رحمه الله-:
والتوفيق بينه وبين ما رواه: أنه -عليه الصلاة والسلام- قال: «إذا طال أحدكم الغيبة فلا يطرق أهله ليلًا» أنْ يُحمل على الخلوِّ بها، وقضاء الوطر منها، لا القدوم عليها ليلًا، وإنَّما اختار ذلك أول الليل؛ لأن المسافر لبعده عن أهله يغلب عليه الشَّبَق، ويكون ممتلئًا توَّاقًا، فإذا قضى شهوته أول الليل خف بدنه، وسكن نفسه، وطاب نومه. تحفة الأبرار (3/ 12- 13).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
ووجه الجمع بين هذا الحديث وبين حديث النهي عن طروق الأهل ليلًا: أنَّ هذا الحديث محمول على الخلوة، وقضاء الوطر، أي: أحسن خلوته بأهله أول الليل، والنهي عن طروق أهله مراد به النزول عليهم. شرح سنن أبي داود (12/ 106).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
أي: لا يكون في ذلك طروق؛ لأنه جاء وهم مستيقظون غير نائمين في أول الليل، فالمحذور ليس في ذات الطروق، إنما المحذور أنْ يكونوا نائمين وغافلين، ثم يأتيهم ويطرق عليهم الباب ويزعجهم.
أما إذا كان في أول الليل، لا سيما إذا كان بعد المغرب وقبل العشاء، والناس ما زالوا ينتظرون صلاة العشاء وليس هناك نوم؛ فإن ذلك هو أحسن الأحوال بالنسبة لمن يأتي في الليل.
أما مَن جاء في النهار، فإنَّ جميع الأحوال في النهار مناسبة، والنبي -صلى الله عليه وسلم- كان يقدم إذا قدم ضحى؛ لكن إذا قدم في الليل يكون قدومه في أول الليل، وهذا للابتعاد عن كونه يطرق عليهم ويزعجهم.
وتقدَّم أنَّه إذا حصل علم منهم بقدومه في أيِّ وقت من ليل أو نهار، فلا بأس به. شرح سنن أبي داود (327/ 27).
وللاستفادة من الروايات الأخرى ينظر (هنا) و (هنا)