«كان النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- إذا أتاه قومٌ بصدقَتِهِم، قال: اللهمَّ صلِّ على آلِ فلانٍ، فأتاه أبي بصدقَتِهِ، فقال: اللهمَّ صلِّ على آلِ أبي أوفى».
رواه البخاري برقم: (1497) واللفظ له، ومسلم برقم: (1078)، من حديث عبد الله بن أبي أوفى -رضي الله عنهما-.
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
.
إظهار شرح الحديث
شرح الحديث
قوله: «كان النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا أَتاه قوم بصدقتهم»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم-» دائمًا «إذا أتاه» أي: جاءه «قوم» من المسلمين. الكوكب الوهاج (12/ 320).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
«بصدقتهم» أي: بزكاة أموالهم. إرشاد الساري(3/ 79).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«كان إذا أتاه قوم بصدقتهم» الواجبة. التنوير شرح الجامع الصغير (8/ 307).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«إذا أتاه قوم بصدقتهم» ليفرقها عنهم. مرقاة المفاتيح (4/ 1268).
قوله: «قال: اللهم صلِّ على آل فلانٍ»:
قال الكرماني -رحمه الله-:
قوله: «صلِّ» أي: ترحَّم عليهم، أو اغفر؛ إذ الصلاة من الله مغفرة، ومن غيره استغفار. الكواكب الدراري (8/ 41).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «صلِّ على آل فلان» أي: اعطف عليهم بالدعاء لهم وترحَّم. الكاشف عن حقائق السنن (5/ 1476).
وقال العيني -رحمه الله-:
قوله: «اللهم صلِّ على آل أبي أوفى» قيل: المراد به: أبو أوفى، والآل تقع على ذات الشيء، ومنه قوله -عليه السلام-: «مِن مزامير آل داود» قيل: أراد به: داود. شرح أبي داود (6/ 285).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
«اللهم صلِّ على آل فلان» إقحام الآل للتعظيم؛ فإنه يضاف إلى ذوي الشرف والخطر، والصلاة مستلزمة للصلاة على ذي المال من باب الأولى. الكوثر الجاري (3/ 491).
وقال العيني -رحمه الله-:
وقيل: آل الرجل: أهله، والفرق بين الآل والأهل: أنَّ الآل قد خص بالأشراف، فلا يقال: آل الحائك، ولا آل الحجام.
فإن قلتَ: كيف قيل: آل فرعون؟ قلتُ: لتصوره بصورة الأشراف، وفي الصحاح: أصل آل: أول، وقيل: أهل؛ ولهذا يقال في تصغيره: أُهيل. عمدة القاري (9/ 95).
وقال العيني -رحمه الله- أيضًا:
قوله: «صلِّ على آل فلان» قال ابن التين: يعني: عليه وعلى آله، وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يمتثل أمر الله في ذلك، قال: {وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ} التوبة: 103. عمدة القاري (22/ 296).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«اللهم صلِّ على آل فلان» كناية عما ينسبون إليه، اجعلها لهم طهرًا، وارحمهم. التنوير شرح الجامع الصغير (8/ 307).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«اللهم صلِّ على آل فلان» كناية عمن ينسبون إليه، أي: زكِّ أموالهم التي بذلوا زكاتها، واجعلها لهم طُهورًا، واخلف عليهم ما أخرجوه منها، واعطف عليهم بالرحمة، واغفر لهم، إنك أنت الغفور الرحيم. فيض القدير (5/ 88).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
وأخذ منه - قوله: {وَصَلِّ عَلَيْهم} التوبة: 103- أصحابنا: أنَّه يُسن لقابض الزكاة من عامل ومستحق: الدعاء جهرًا للمزكي عند الأخذ منه؛ ترغيبًا له في الخير، وتطييبًا لقلبه. فتح الإله (6/194).
قوله: «فأتاه أبي بصدقته»:
قال السهارنفوري -رحمه الله-:
«فأتاه» أي: رسول الله -صلى الله عليه وسلم- «أبي بصدقته» أي: بصدقة ماله. بذل المجهود (6/ 397).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
قوله: «بصدقته» أي: بزكاته. الكوكب الوهاج (12/ 320).
قوله: «فقال: اللهم صلِّ على آل أبي أوفى»:
قال البرماوي -رحمه الله-:
«اللهم صلِّ» أي: ارحم واغفر. اللامع الصبيح (5/ 480).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
وللنسائي من حديث وائل بن حجر، قال -عليه السلام- لرجل بعث بناقته -يعني: في الزكاة- فذكر من حسنها: «اللهم بارك فيه، وفي آله». التوضيح (10/ 592).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
قوله حين أتاه أبو أوفى: «اللهم صلِّ على آل أبي أوفى» يحتج به من يرى الآل نفس الرجل، وأن المراد بآل محمد: محمد -عليه السلام-...، لا سيما مع قوله قبل: «إذا أتاه قوم بصدقتهم قال: اللهم صلِّ عليهم».
وقد يحتمل: أنه عمَّ أبا أوفى وآله بالدعاء، فدخل فيهم. إكمال المعلم (3/ 635).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «على آل أبي أوفى» يريد أبا أوفى نفسه؛ لأن الآل يطلق على ذات الشيء، كقوله في قصة أبي موسى: «لقد أوتي مزمارًا من مزامير آل داود»، وقيل: لا يقال ذلك إلا في حق الرجل الجليل القدر.
واسم أبي أوفى: علقمة بن خالد بن الحارث الأسلمي، شهد هو وابنه عبد الله بيعة الرضوان تحت الشجرة، وعُمِّر عبد الله إلى أن كان آخر من مات من الصحابة بالكوفة؛ وذلك سنة سبع وثمانين. فتح الباري (3/361-362).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قال كثير من علمائنا: إنه أراد بآل أبي أوفى: نفس أبي أوفى، وجعلوا هذا مثل قوله -صلى الله عليه وسلم- لأبي موسى: «لقد أُوتيتَ مزمارًا من مزامير آل داود»، وإنَّما أراد: داود نفسه، وهو محتمل لذلك.
ويحتمل: أنْ يريد به: من عمل مثل عمله من عشيرته وقرابته، فيكون مثل: «اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد» -والله تعالى أعلم-. المفهم (3/ 132).
وقال الشافعي -رحمه الله-:
الصلاة عليهم: الدعاء لهم عند أخذ الصدقة منهم، فحقٌّ على الوالي إذا أخذ صدقة امرئ أنْ يدعو له، وأحب إليَّ أنْ يقول: آجرك الله فيما أعطيتَ، وجعلها لك طهورًا، وبارك لك فيما أبقيتَ، وما دعا له به أجزأه -إن شاء الله-. الأم (2/ 64).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
وتكون الصلاة بمعنى الدعاء، ومن ذلك: الصلاةُ على الميِّت؛ معناها الدعاء، لأنها لا رُكوع فيها ولا سُجود.
ومن ذلك قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «إذا دُعي أحدُكم إلى طعامٍ، فليُجِب، فإن كان مفطرًا فليأكُل، وإن كان صائمًا فليُصَلِّ»؛ يريد: يَدعو. الاستذكار(2/٣٠٠)
وقال الخطابي -رحمه الله-:
قلتُ: الصلاة في هذا الموضع معناه: الدعاء والتبرك، وهو تأويل قوله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ} التوبة: 103، ومن هذا قول الأعشى:
وقابلها الريح في دنها *** وصلى على دنها وارتسم
قال أبو العباس أحمد بن يحيى بن يزيد: ودعا لها (أي: الخمر) بأنْ لا تحمض ولا تفسُد. معالم السنن (2/ 39).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
قلتُ: صلاة النبي -صلى الله عليه وسلم- على المتصدِّق إنَّما هي على تأويله قوله: {وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ} التوبة: 103، وأصل الصلاة في اللغة: الدعاء، إلا أن الدعاء يختلف حسب اختلاف أحوال المدعو له، فصلاة النبي -صلى الله عليه وسلم- لأمته دعاء لهم بالمغفرة، وقبول ما يتقربون به إلى الله من نسك وطاعة، وصلاة الأمة على الرسول ثناء عليه، ودعاء له بزيادة القربة والزلفة، وهذه الصلاة لا تليق بغيره، ولا يستحقها سواه.
وقوله -عزَّ وجلَّ-: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ} الأحزاب: 56 إنما نسقت إحدى الصلاتين على الأخرى جمعًا بينهما في الاسم لا في المعنى، كقوله -عز وجل-: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ} آل عمران: 18، إنما نسقت الشهادات بعضها على بعض من طريق الاسم لا من جهة التسوية في المعنى؛ لأن شهادة الله تعالى بالوحدانية علم منه بكنه (يعني: حقيقة) ذاته، وحقائق صفاته، وشهادة الخلق له إنما هي علم بما أطلعهم عليه من أمره دون ما لم يطلعهم عليه، كما قال تعالى: {وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ} البقرة: 255. أعلام الحديث (2/ 817-818).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
قال العلماء: يُستحب للساعي أنْ يدعو للمالك تأسِّيًا بالنبي، فيقول: آجرك الله فيما أعطيتَ، وجعله لك طهورًا، وبارك لك فيما أبقيتَ، ولا يحسن أنْ يقول: اللهم صلِّ على فلان؛ لأن الصلاة عند السلف مخصوصة بالأنبياء، فلا يقال: محمد عزّ وجلّ ، وإن كان عزيزًا جليلًا، ولا أبو بكر أو علي صلى الله عليه، وإن صح معناهما، وهو ترك أدب، وقيل: مكروه، وقيل: حرام. الأزهار، مخطوط لوح (202).
وقال العيني -رحمه الله-:
ولا يحسن ذلك (يعني: الصلاة على المزكي) لغير النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يصلي على غيره، إلا تبعًا له -صلى الله عليه وسلم-، كآله بني هاشم والمطلب، وعن مالك: لا يقال لفظ الصلاة في غير الأنبياء -عليهم السلام-. عمدة القاري (22/ 296).
وقال المناوي -رحمه الله-:
هذا (يعني: الصلاة على المزكي بلفظ الصلاة، وأما الدعاء للمتصدِّق فليس خاصًّا) من خصائصه -عليه الصلاة والسلام-؛ إذ يكره تنزيهًا إفراد الصلاة على غير نبي أو ملك؛ لأنه صار شعارًا لهم إذا ذكروا، فلا يقال لغيرهم، وإن كان معناه صحيحًا. فيض القدير (5/ 88).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
قيل: لفظ الصلاة لا يجوز أن يُدعى به لغير النبي -صلى الله عليه وسلم-، كما لا يجوز أنْ يُدعى به للغير سوى النبي -صلى الله عليه وسلم-، لكن يجوز أن يدعى بمعناه فيقول العامل عند أخذ الصدقة: آجرك الله فيما أعطيتَ، وجعله طهورًا، وبارك لك فيما أبقيتَ؛ ليكون جبرانًا لما عسى أن يضطرب ويقلق من إخراج روحه، فيطمئن به، قال الله تعالى: {وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ} التوبة: 103. الكاشف عن حقائق السنن (5/ 1476).
وقال ابن العربي -رحمه الله-:
قال علماؤنا: لا حجة فيمن تعلَّق بحديث ابن أبي أوفي؛ لأنه كان مخصوصًا بالنبي -عليه السلام-، أُمِرَ أنْ يُصلي على من جاء بصدقة عوضًا له منها، فقيل له: {وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ} التوبة: 103، وهذا معنى يختص به، وهذه مسألة اجتهادية قد بيَّنَّاها في موضعها.
والصحيح عندي: أنَّ الصلاة مخصوصة بالنبي -صلى الله عليه وسلم-، وأما ما روي عن ابن عمر أنه كان يصلي على النبي وعلى أبي بكر وعمر، فإن معناه: يدعو لأبي بكر وعمر، كما رواه ابن القاسم، ولكنه ألحق الثاني في الأول لفظًا. المسالك في شرح موطأ مالك (3/ 162).
وقال ابن العطار -رحمه الله-:
وقد أجمع العلماء على الصلاة على نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم-؛ ولذلك أجمع من يُعْتَدُّ به على جوازها واستحبابها على سائر الأنبياء والملائكة استقلالًا، وأما غير الأنبياء والملائكة من مؤمني الآدميين من أُمَّة محمد -صلى الله عليه وسلم- فقد اختلف العلماء في الصلاة عليهم استقلالًا، فذهب مالك والشافعي والأكثرون إلى أنهم لا يُصلى عليهم استقلالًا، فلا يقال: اللهم صلِّ على أبي بكر أو عمر أو علي أو غيرهم، ولكن يصلى عليهم تبعًا، والحديث يدل على ذلك، خصوصًا على مذهب المحققين في أن الآل كل المؤمنين.
واختلف أصحاب الشافعي في هذا المنع هل هو للتحريم أم لكراهة التنزيه أم هو خلاف الأولى؟ على ثلاثة أوجه، والصحيح الذي عليه الأكثرون منهم: أنه مكروه كراهة تنزيه، قالوا: لأنه شعار أهل البدع، وقد نهينا عن شعارهم، لكن المعتمد في دليل المنع: أن الصلاة في لسان السلف صارت مخصوصة بالنبي وغيره من الأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين- استقلالًا، كما أن قولنا: عزَّ وجلَّ مخصوص بالله -سبحانه وتعالى-، فكما لا يقال: محمد -عزَّ وجلَّ-، وإن كان عزيزًا جليلًا، لا يقال: أبو بكر أو علي صلى الله عليه، وإن كان معناه صحيحًا.
وذهب الإمام أحمد وجماعة إلى جواز الصلاة على كل واحد من المؤمنين استقلالًا، واحتجوا بقوله تعالى: {هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ} الأحزاب: 43، وبقوله -صلى الله عليه وسلم-: «اللهم صلِّ على آل أبي أوفى» فإنه -صلى الله عليه وسلم- إذا أتاه قوم بصدقتهم صلى عليهم، وأجاب الأكثرون بأنَّ هذا النوع من الصلاة مأخوذ من التوقيف وعمل السلف، ولم ينقل استعمالهم ذلك، بل خصوا به الأنبياء كما ذكرنا.
وأجابوا عن الآية الكريمة والحديث المذكورين وغيره من الأحاديث: أن ما كان من الله -عز وجل- ورسوله -صلى الله عليه وسلم- فهو دعاء وترحم، وليس فيه معنى التعظيم والتوقير الذي يكون من غيرهما.
واتفق العلماء على جواز جعل غير الأنبياء من الأتباع والذرية والأزواج تبعًا لهم في الصلاة؛ للأحاديث الصحيحة في ذلك، وفي الأمر به في أحاديث التشهد، والصلاة عليه -صلى الله عليه وسلم-، وفي السلام عليه، ولم يزل السلف على العمل به خارج الصلاة أيضًا.
وأما السلام، فقال الشيخ أبو محمد الجويني: هو في معنى الصلاة، فإن الله تعالى قرن بينهما، فلا يفرد به غائب غير الأنبياء، فلا يقال: أبو بكر، أو عمر، أو علي -عليه السلام-، وإنما يقال ذلك خطابًا للأحياء والأموات، وأما الحاضر منهم، فيقال: سلام عليك، أو عليكم، أو السلام -بالألف واللام-، والله أعلم. العدة في شرح العمدة (2/ 611-613).
وقال النووي -رحمه الله-:
وأما قول الساعي: اللهم صلِّ على فلان، فكرهه جمهور أصحابنا، وهو مذهب ابن عباس ومالك وابن عيينة وجماعة من السلف.
وقال جماعة من العلماء: ويجوز ذلك بلا كراهة؛ لهذا الحديث.
قال أصحابنا: لا يُصلى على غير الأنبياء إلا تبعًا؛ لأن الصلاة في لسان السلف مخصوصة بالأنبياء -صلاة الله وسلامه عليهم- كما أن قولنا: عز وجل مخصوص بالله -سبحانه وتعالى-، فكما لا يقال: محمد -عزَّ وجلَّ- وإن كان عزيزًا جليلًا لا يقال: أبو بكر -صلى الله عليه وسلم-، وإن صح المعنى.
واختلف أصحابنا في النهي عن ذلك، هل هو نهي تنزيه أم محرم أو مجرد أدب؟
على ثلاثة أوجه، الأصح الأشهر أنه مكروه كراهة تنزيه؛ لأنه شعار لأهل البدع، وقد نُهِيْنَا عن شعارهم، والمكروه هو ما ورد فيه نهي مقصود.
واتفقوا على أنه يجوز أن يجعل غير الأنبياء تبعًا لهم في ذلك، فيقال: اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد وأزواجه وذريته وأتباعه؛ لأن السلف لم يمنعوا منه، وقد أمرنا به في التشهد وغيره. شرح صحيح مسلم (7/ 185).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
وفصل الخطاب في هذه المسألة: إن الصلاة على غير النبي -صلى الله عليه وسلم- إما أن يكون آله وأزواجه وذريته أو غيرهم، فإن كان الأول فالصلاة عليهم مشروعة، مع الصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم-، وجائزة مفردة.
وأما الثاني: فإن كان الملائكة وأهل الطاعة عمومًا الذين يدخل فيهم الأنبياء وغيرهم جاز ذلك أيضًا، فيقال: اللهم صلِّ على ملائكتك المقربين، وأهل طاعتك أجمعين، وإن كان شخصًا معينًا، أو طائفة معينة كُرِهَ أن يتخذ الصلاة عليه شعارًا لا يخل به، ولو قيل بتحريمه لكان له وجه، ولا سيما إذا جعلها شعارًا له، ومنع منها نظيره، أو من هو خير منه، وهذا كما تفعل الرافضة بعلي -رضي الله عنه-، فإنهم حيث ذكروه قالوا: عليه الصلاة والسلام، ولا يقولون ذلك فيمن هو خير منه، فهذا ممنوع لا سيما إذا اتخذ شعارًا لا يُخِلُّ به، فتركه حينئذٍ مُتَعَيِّن، وأما إن صلى عليه أحيانًا بحيث لا يجعل ذلك شعارًا كما صلى على دافع الزكاة، وكما قال ابن عمر للميت: صلى الله عليه، وكما صلى النبي -صلى الله عليه وسلم- على المرأة وزوجها، وكما روي عن علي من صلاته على عمر، فهذا لا بأس به، وبهذا التفصل تتفق الأدلة، وينكشف وجه الصواب -والله الموفق-. جلاء الأفهام (ص: 481-482).
وقال الشيخ ابن باز -رحمه الله-:
يجوز أنْ يُصلى على غير الأنبياء ما لم يُتَّخَذْ عادة، اللهم صلِّ على أبي بكر، ونحو ذلك، ما لم يُتَّخَذْ عادة. الحلل الإبريزية (4/ 204).
وقال المظهري -رحمه الله-:
هذا يدل على أن المستحب للساعي أن يدعو لمعطي الزكاة، بأن يقول: آجرك الله فيما أعطيتَ، وبارك فيما أبقيتَ، وجعله لك طهورًا، ولا يقول: اللهم صلِّ على فلان؛ لأن الصلاة على النبي، وله أن يقول لغيره، أما نحن فلا يجوز لنا أن نصلي إلا على نبينا وغيره من الأنبياء، وكذلك يجوز على الملائكة. المفاتيح في شرح المصابيح (2/ 481).
وقال النووي -رحمه الله-:
هذا الدعاء وهو الصلاة امتثال لقول الله -عزَّ وجلَّ-: {وَصَلِّ عَلَيْهِمْ} التوبة: 103، ومذهبنا المشهور ومذهب العلماء كافة: أن الدعاء لدافع الزكاة سُنة مستحبة ليس بواجب، وقال أهل الظاهر: هو واجب، وبه قال بعض أصحابنا؛ حكاه أبو عبد الله الحناطي -بالحاء المهملة-، واعتمدوا الأمر في الآية. قال الجمهورُ: الأمرُ في حقِّنا للندبِ؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- بعثَ معاذًا وغيرَه لأخذ الزكاة، ولم يأمرهم بالدعاءِ. وقد يُجيبُ الآخرون بأن وجوب الدعاءِ كان معلومًا لهم من الآيةِ الكريمة.
وأجاب الجمهورُ أيضًا بأن دعاءَ النبي -صلى الله عليه وسلم- وصلاتَه سَكَنٌ لهم، بخلافِ غيرِه. شرح صحيح مسلم(7/ 184-185).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
فيه: الأمر بالدعاء لصاحبها، وأوجبه أهل الظاهر؛ عملًا بالأمر، وبفعل الشارع، وخالفهم جميع العلماء، وأنه مستحب.. التوضيح (10/ 592).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
قال أهل الظاهر: إذا أخذ الإمام الصدقة من صاحبها وجب عليه أن يدعو له، وقال جميع الفقهاء: إن ذلك غير واجب، واحتج أهل الظاهر بقوله تعالى: {وَصَلِّ عَلَيْهِمْ} التوبة: 103، قالوا: والأمر يقتضي الوجوب، والنبي -صلى الله عليه وسلم- قد دعا لآل أبي أوفى، وفعله ممتثل، والاقتداء به واجب. شرح صحيح البخاري (3/ 549).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
لا يُسَلَّمُ لهم (يعني: للظاهرية) ذلك؛ لأن قوله تعالى: {إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ} التوبة: 103 يشعر بخصوصيته -صلى الله عليه وسلم- بالدعاء.
وقوله تعالى: {إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ} التوبة: 103 تعليل للأمر بالدعاء، لا لأخذ الصدقة، كما قد توهَّمه أهل الرِّدَّة الذين تقدَّم ذكرهم في كتاب الإيمان.
وعلى هذا: فلا يكون للظاهرية متمسك في الآية، ويتَّجِهُ قول من ادَّعى خصوصية ذلك بالنبي -صلى الله عليه وسلم-. المفهم (3/ 132-133).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
وتُعقِّب (يعني: القول بالوجوب) بأنه لو كان واجبًا لَعَلَّمَهُ النبي -صلى الله عليه وسلم- السعاة، ولأن سائر ما يأخذه الإمام من الكفارات والديون وغيرهما لا يجب عليه فيها الدعاء فكذلك الزكاة.
وأما الآية فيحتمل أن يكون الوجوب خاصًّا به؛ لكون صلاته سكنًا لهم بخلاف غيره. فتح الباري (3/ 362).
وقال الصنعاني -رحمه الله- متعقبًا ابن حجر:
قلتُ: في رواية جابر بن عتيك عند أبي داود: «وليدعوا» أي: السُّعاة «لكم»، وهو أمر للسعادة كَافٍ بها التعليم لهم، ولا يشترط لفظ معين. التحبير لإيضاح معاني التيسير (4/ 542).
وقال النووي -رحمه الله-:
وقد يجيب الآخرون بأن وجوب الدعاء كان معلومًا لهم من الآية الكريمة، وأجاب الجمهور أيضًا بأن دعاء النبي -صلى الله عليه وسلم- وصلاته سكن لهم بخلاف غيره. شرح صحيح مسلم (7/ 185).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
قال ابن القصار: حُجة الجماعة أنه لا يخلو أن يكون الأمر إذا لم يدع له أن تجزئه الزكاة أم لا؟ فإن قالوا: لا تجزئه، دللنا بقوله تعالى: {وَآتُوا الزَّكَاةَ} البقرة: 43، وهذا قد أعطاها، فإن قالوا: تجزئه، دللنا أن الإمام لا يجب عليه شيء بقوله -صلى الله عليه وسلم-: «خذ الصدقة من أغنيائهم، وردها في فقرائهم»، ولم يقل: ادع لهم، ولو كان مأمورًا بالدعاء لذكره؛ ليعلم كما علمنا وجوب الزكاة، ولأمر به السعاة، ولم ينقل أحد أنه أمرهم بذلك.
وأما قوله تعالى: {وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ} التوبة: 103، فإنما أراد إذا ماتوا، هكذا يقتضي إطلاق الصلاة في الشريعة، ولو ثبت أنه أراد الدعاء لكان خصوصًا للنبي -صلى الله عليه وسلم-؛ لقوله: {إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ} التوبة: 103، فلا يعلم هذا في غير النبي، ويجوز أن يحمل على الاستحباب بدليل أن كل حق لله أو للآدميين استوفاه الإمام فلا يجب عليه الدعاء لمن استوفاه منه كالحدود والكفارات والديون. شرح صحيح البخاري (3/ 549).
وقال الصنعاني -رحمه الله- متعقبًا:
قلتُ: والأظهر: الاقتداء به -صلى الله عليه وسلم- فيمن سلَّم صدقته إلى الإِمام. التنوير شرح الجامع الصغير (8/ 307).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
عندي أن ما ذهب إليه الجمهور هو الأرجح؛ لأن ما احتجوا به كافٍ في صرف الأمر عن الوجوب إلى الاستحباب، فتأمل -والله تعالى أعلم-. البحر المحيط الثجاج (20/ 357).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
فيه: دليل على أن الصلاة التي هي بمعنى الدعاء والتبريك يجوز أن يصلى على غير النبي -صلى الله عليه وسلم-.
فأما الصلاة التي هي تحية لذكر رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فإنها بمعنى التعظيم والتكريم، وهي خصيصًا له لا يشركه فيها إلا آله، وإنما يستحق المزكي الصلاة والدعاء إذا أعطى الصدقة طوعًا، ولا يستحقها من استخرجت منه الصدقة كرهًا وقهرًا. معالم السنن (2/ 39-40).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
فيه: الصلاة على غير الأنبياء، وقد منعه مالك، والحديث حجة عليه، وكذا حديث الموطأ: «اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد»، ولكن هذا من باب التبع.
وفيه: أن يقال: آل فلان، يريد فلانًا وآله، وذكر بعض أهل اللغة: أنها لا تقال إلا للرجل العظيم كآل أبي بكر وعمر. التوضيح (10/ 592).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
قال بعض العلماء: أيُّ شرف فوق شرف المتصدِّق، حيث قال: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ} الأحزاب: 56، إلخ، وأمر الكل بالصلاة على المتصدِّق، حيث قال: {وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ} التوبة: 103. الأزهار، مخطوط، لوح (202).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
في الحديث: دليل لمن أجاز الصلاة على غير الأنبياء، وينفصل عنه من لم يجز ذلك، وهو المروي عن مالك وسفيان وابن عباس قبلهما، وجماعة من السلف، واختيار الأستاذ أبي المظفر الإسفراييني من أئمتنا المتكلمين: أن هذا في حق النبي -عليه السلام- بخلاف غيره، وإنما الكلام في صلاتنا نحن. إكمال المعلم (3/ 635-636).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قال ابن التين: وهذا الحديث يعكر عليه (يعني: على الجمهور)، وقد قال جماعة من العلماء: يدعو آخذ الصدقة للمتصدِّق بهذا الدعاء؛ لهذا الحديث. فتح الباري (3/ 362).
وقال العيني -رحمه الله-:
ما يُستفاد منه: احتج بالحديث المذكور من جوز الصلاة على غير الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- بالاستقلال، وهو قول أحمد أيضًا.
وقال أبو حنيفة وأصحابه ومالك والشافعي والأكثرون: إنه لا يُصلى على غير الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- استقلالًا، فلا يقال: اللهم صلِّ على آل أبي بكر ولا على آل عمر أو غيرهما، ولكن يُصلى عليهم تبعًا، والجواب عن هذا: أن هذا حقه -عليه الصلاة والسلام-، له أن يعطيه لمن شاء، وليس لغيره ذلك.
وفيه: جواز أن يقال: آل فلان، يريد به: فلانًا.
وفيه: استحباب الدعاء للمتصدِّق. عمدة القاري (9/ 95).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
في فوائده:
منها: بيان استحباب دعاء الإمام لأهل الصدقة إذا أتوه بها، ثم إنه لا يتعين لفظ الصلاة، بل لو دعا له بالبركة أصاب السُّنة، كما دل عليه حديث وائل بن حجر -رضي الله عنه- في قصة قال: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «اللهم بارك فيه، وفي إبله» رواه النسائي بإسناد صحيح...
ومنها: جواز أن يقال: آل فلان يريد به: فلانًا.
ومنها: جواز الصلاة على غير الأنبياء، وكرهه مالك والجمهور.
(و) القول بكراهة الصلاة على غير الأنبياء مما لا يقوم عليه دليل، فالحق أن الصلاة على غيرهم جائزة. البحر المحيط الثجاج (20/ 356).