الإثنين 21 شعبان 1447 | 2026-02-09

A a

أنَّ رسول اللهِ -صلى الله عليه وسلم- أَمَرَ بكبشٍ أَقْرَنَ يَطَأُ في سوادٍ، ويَبرُك في سوادٍ، وينظُرُ في سوادٍ، فأُتِيَ به لِيُضحِّيَ به، فقال لها: «يا عائشةُ، هلُمِّي المُدْيَةَ» ثم قال: «اشْحَذِيهَا بِحَجَرٍ»، ففعلت، ثم أخذها، وأخذَ الكبشَ فأضجعَهُ، ثم ذبحه، ثم قال: «باسمِ اللهِ، اللهُمَّ تَقَبَّلْ مِن محمَّدٍ، وآلِ محمَّدٍ، ومِن أُمَّةِ محمَّدٍ، ثم ضحَّى به».


رواه مسلم برقم: (1967)، من حديث عائشة -رضي الله عنها-.


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«أَقْرَنَ»:
والأَقْرَنُ من الكِبَاشِ: ما له قُرون. مطالع الأنوار، لابن قرقول 5/341).

«يَطَأُ في سَوَادٍ»:
‌‌وطِئ الشيء، يَطَؤُهُ وطئًا: داسه. المحكم ، لابن سيده (9/ 251).
قال ابن قتيبة -رحمه الله-:
يريد أنه أسود القوائم. غريب الحديث (1/ 459).

«وَيَبْرُكُ»:
برك البعير ‌يبرك ‌بُرُوكًا، وهو أن يُلْصِقَ بَرْكَه (صدره) بالأرض. جمهرة اللغة، لابن دريد (1/ 325).
قال ابن فارس -رحمه الله-:
يُقال: ‌بَرَكَ ‌فلان ‌على الأمر وبَارَكَ، جميعًا: إذا واظب عليه. مقاييس اللغة (1/229).

«المُدية»:
السكين: ‌المدية. المحكم، لابن سيده (6/ 718).
وقال السهارنفوري -رحمه الله-:
وإنَّما يُقال لها: الْمُدْيَة؛ لأنه يُقطع بها مدى الحياة. ‌ بذل المجهود(9/ 538).

«اشْحَذِيْهَا»:
شَحَذْتُ السكين بالفتح شحذًا: حدَّدْتُه. مشارق الأنوار، للقاضي عياض (2/ 245).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
يُقال: شَحَذْتُ السيف والسكين إذا حدَّدْته بالْمَسَنِّ وغيره مما يخرج حدَّه. النهاية (2/ 449).


شرح الحديث


 قوله: «أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أَمَرَ بكبشٍ أَقْرَنَ»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أمر» أنْ يُؤتَى «‌بكبش ‌أقرن» أي: أمر من عنده أن يأتوه من ماله بكبش ذي قرن؛ لكونه أفضل من الأجم. الكوكب الوهاج (20/ 423).
وقال السهارنفوري -رحمه الله-:
«أمر بكبش» ذَكَر النعجة «أقرن» أي: ذي قرنين حسنتين عظيمتين. بذل المجهود (9/ 538).
وقال التوربشتي -رحمه الله-:
«‌بكبش ‌أقرن» الأَقْرَنُ: العظيم القرن. الميسر (1/ 347، 348).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
قوله: «إن النبي -صلى الله عليه وسلم- أمر ‌بكبشٍ ‌أقرن» أي: له قرنان؛ وذلك يدل على كمال خِلْقَته، وكما هو معلوم أن غير الأقرن سائغ، ولكن هنا الإشارة إلى الأفضل وإلى الأَولى. شرح سنن أبي داود (329/ 16).

قوله: «يَطَأُ في سوَادٍ، ويَبْرُكُ في سَوَادٍ، ويَنْظُرُ في سَوَادٍ»:
قال الخطابي -رحمه الله-:
قوله: «يطأ في سواد» يريد أن أظلافه ومواضع البروك منه وما أحاط بِمَلاحِظ عينيه من وجهه أسود، وسائر بدنه أبيض. معالم السنن (2/ 228).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
معنى: «يطأ في سواد» أي: أسود القوائم، «ويبرك في سواد» أي: في بطنه سواد، «وينظر في سواد» أي: ما حول عينيه أسود. المفهم (5/ 361).
وقال المظهري -رحمه الله-:
«يطأ في سواد» يطأ أي: يمشي ويضع رجليه، يعني: كأن رجليه سُود، «ويبرك في سواد» أي: يضطجع، أي: بطنه أسود، «وينظر في سواد» أي: حوالي عينيه أسود، وباقيه أبيض. المفاتيح (2/ 347).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«يطأ» ذلك الكبش، أي: يدبُّ ويمشي «في سواد» أي: في عضو ذي سواد، فيه إشارة إلى سواد رجليه، «ويبرك» من البروك، وهو الجلوس على الركبتين، أي: يبرك ويضطجع على عضو ذي سواد، فيه إشارة إلى سواد ركبتيه «في سواد»، «وينظر» أي: يبصر «في سواد» أي: في عضو ذي سواد، فيه إشارة إلى سواد ما حول عينيه. الكوكب الوهاج (20/ 423).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
هل الرسول قال: ائتوني بما هذا وصفه، أو أنه أمر ‌بكبش ‌أقرن، ووَصَفَتْهُ عائشة بأنه يطأ في سواد... إلخ؟
عندي محتمل أنَّ الرسول أمر بكبش هذا وصفه: «أقرن، يطأ في سواد، ويبرك في سواد، وينظر في سواد»، ويحتمل أنه أمر ‌بكبش ‌أقرن، فجيء به فإذا هو ملون بهذا التلوين «يطأ في سود...» إلخ، وعندي أن هذا أقرب؛ وذلك لأنه إذا أمر بكبش هذا وصفه فقد يكون صعبًا جدًّا، ثم إن الإنسان لعقله القاصر يقول: أيّ فرق بين هذا اللون واللون الثاني؟ فتح ذي الجلال والإكرام (6/ 70).

قوله: «فأُتِيَ به ليُضَحِّي به»:
قال السهارنفوري -رحمه الله-:
«فأُتِيَ به فضحَّى به» أي: أراد التضحية. بذل المجهود (9/ 538).
وقال الشيخ عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
«فأتي به» أي: فجيء بالكبش «ليُضَحِّي به» علَّة لأمره -عليه السلام-. مرعاة المفاتيح (5/ 75).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
«فأُتي به ليضحِّي به» وهذا قد يؤيِّد أنه أمر به على هذا الوصف؛ لقوله: «فأُتي به ليضحِّي به». فتح ذي الجلال والإكرام (6/ 70).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فأُتي» رسول الله -صلى الله عليه وسلم- «به» أي: بالكبش الذي على تلك الشية، وقوله: «ليضحي به» متعلق بيؤتى المُقدَّر، أي: أمر بأن يؤتى بكبش أقرن ليضحي به عن نفسه وأهله. الكوكب الوهاج (20/ 424).

قوله: «فقال لها: يا عائشةُ، هلُمّي المُديةَ، ثم قال: اشْحَذِيهَا بِحَجَرٍ، فَفَعَلَتْ»:
قال المظهري -رحمه الله-:
«هلُمِّي» أي: أَعْطِني «الْمُدية» وهي السكين، «اشحذيها» أي: حدِّدِيها، والشحذُ: التحديد. المفاتيح (2/ 347).
وقال السهارنفوري -رحمه الله-:
«فقال: يا عائشة، هلمِّي» أي: هاتي «المدية» أي: السكين، وإنما يقال لها: المدية؛ لأنه يقطع بها مدى الحياة، «ثم قال: اشحذيها بحجَر» أي: حديها بحجَر «ففعلت». بذل المجهود (9/ 538).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
في ذلك الوقت فيما يظهر -والله أعلم- ليس عندهم هذه المبارد المعروفة عندنا، لكن عندهم حجر، وكان الناس فيما سبق يحدُّون الشِّفار بالحجر، إذن «اشحذيها» أَمِرِّيها على الحجر؛ لتكون حادة. فتح ذي الجلال والإكرام (6/ 70، 71).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
وذلك ليحصل مقصوده، وهو الراحة، وعدم المضرة والتعذيب للذبيحة؛ لأن السكين إذا كانت كالَّةً تتألم الذبيحة وتتأذى. شرح سنن أبي داود (329/ 16).

قوله: «ثم ‌أخذها ‌وأَخذ ‌الكبش ‌فأضجعه»:
قال القاضي عياض -رحمه الله-:
قوله: «فأضجعه، ثم ذبحه» سُنة في صفة الذبح، من إضجاعه برفق، ولا تُذبح قائمة ولا باركة، ومضى العمل بإضجاعها على الشق الأيسر؛ لأنه أهنأ لمناولة ذبحها باليمين، وإمساك رأسها باليسار. إكمال المعلم (6/ 412).
وقال السهارنفوري -رحمه الله-:
«فأضجعه» على اليسار، وهو الظاهر؛ لأنه أَيسر في الذبح. بذل المجهود (9/ 538).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
أخذ المدية أولًا، ثم أخذه فأضجعه، وهذا هو الأَولى، إلا إذا كان الإنسان غير قوي، بحيث يخشى أنه إذا حاول إضجاع البهيمة بدأت تتحرك وتضطرب، فربما عاد السكين إلى يده؛ لعدم قوته، وشده إياه، ففي هذه الحال نقول: أَضْجِعْهَا أولًا، ثم خذ المدية. فتح ذي الجلال والإكرام (6/ 71).

قوله: «ثم ذبحَهُ، ثم قال: باسمِ اللهِ»:
قال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
ثانيًا: تقول: «ثم ذبحه، ثم قال: بسم الله» (ثم) هنا للترتيب الذِّكري، وليست للترتيب المعنوي؛ لأن التسمية تكون قبل الذبح لا شك، يذكر اسم الله، ثم تمر السكين، ثم ذبحه. فتح ذي الجلال والإكرام (6/ 71).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
قولها: «وقال: باسم الله» يدل على مشروعية التسمية عند الذبح، وأنه يقول: باسم الله، في بعض الروايات أنه يقال: «باسم الله، والله أكبر». شرح سنن أبي داود (329/ 16).

قوله: «اللهُمَّ تَقَبَّلْ مِن محمَّدٍ، وآلِ محمَّدٍ، ومِن أُمَّةِ محمَّدٍ، ثم ضَحَّى به»:
قال المظهري -رحمه الله-:
قوله -عليه السلام-: «تقبل من محمد، وآل محمد، ومن أمَّة محمد» ليس معنى هذا أن واحدًا من الغنم يجوز عن اثنين فصاعدًا، بل لا يجوز واحد من الغنم إلا عن واحد، إلا أن معناه: إيصال الثواب إلى من أشار له في الذِّكْر.
ولهذا قال الشافعي ومالك وأحمد: إن المستحب للرجل أن يقول إذا ذبح أضحيته: أضحِّي هذا عني وعن أهل بيتي، وكره هذا أبو حنيفة. المفاتيح (2/ 347).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
قوله: «اللهم تقبل من محمد، وآل محمد، ومن أمَّة محمد» أجاز أكثر العلماء من أصحابنا وغيرهم أن يقول في الضحية: «اللهم تقبل مني»؛ اقتداء بقول النبي -صلى الله عليه وسلم-، واستحب ذلك بعض أصحابنا، واستحب بعضهم أن يقول ذلك بعد الآية: {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} البقرة: 127، وكره أبو حنيفة أن يقول شيئًا من ذلك عند الذبح والتسمية، قال: ولا بأس به قبل ذلك، وكره مالك قولهم: "اللهم منك وإليك"، وقال: هذه بدعة، وأجاز ذلك الحسن وابن حبيب من أصحابنا. إكمال المعلم (6/ 413).
وقال القاضي عياض -رحمه الله- أيضًا:
قوله: «اللهم تقبل من محمد، وآل محمد، ومن أمَّة محمد» حُجة لمالك وكافة علماء الأمصار في تجويز ذبح الرجل عنه وعن أهل بيته الضحية، وإشراكهم فيها معه، مع استحباب مالك أن يكون واحد عن كل واحد، وكان الثوري وأبو حنيفة وأصحابه يكرهون ذلك، وقال الطحاوي: لا يجزئ، وزعم أن الحديث في ذلك مِن فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- عن أمَّته منسوخ أو مخصوص، وما ادعاه من النسخ يحتاج إلى توقيف. إكمال المعلم (6/ 413- 414).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قوله: «اللهم تقبل من محمد، وآل محمد، ومن أمَّة محمد» هذا دليل للجمهور على جواز قول المضحي: اللهم تقبل مني، على أبي حنيفة؛ حيث كره أن يقول شيئًا من ذلك، وكذلك عند الذبح، وقد استحسنه بعض أصحابنا، واستحب بعضهم أن يقول ذلك بنص الآية: {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} البقرة: 127، وكره مالك قولهم: اللهم منك وإليك، وقال: هذه بدعة، وأجاز ذلك ابن حبيب من أصحابنا والحسن.
قلتُ: وقد روى أبو داود من حديث جابر بن عبد الله قال: «ذبح النبي -صلى الله عليه وسلم- يوم الذبح كبشين أقرنين مَوْجِيَّيْنِ (خَصِيَّيْن) أملحين، فلما وجههما قال: {إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا} الأنعام: 79، وقرأ إلى قوله: {وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} الأنعام: 163، اللهم منك وإليك عن محمد وأمته، باسم الله، والله أكبر، ثم ذبح»، فهذا الحديث حجة للحسن وابن حبيب، وأما مالك: فلعل هذا الحديث لم يبلغه، أو لم يصح عنده، أو رأى أن العمل يخالفه، وعلى هذا يدل قوله: إنه بدعة.
وفيه من الفقه: ما يدل على جواز تشريك الرجل أهل بيته في أضحيته، وأن ذلك يجزئ عنهم، وكافة علماء الأمصار على جواز ذلك، مع استحباب مالك أن يكون لكل واحد من أهل البيت أضحية واحدة، وكان أبو حنيفة وأصحابه والثوري يكرهون ذلك، وقال الطحاوي: لا يجزئ، وزعم أن الحديث في ذلك مِن فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- منسوخ أو مخصوص، وممن قال بالمنع: عبد الله بن المبارك.
قلتُ: وهذه المسألة فيها نظر؛ وذلك أن الأصل أن كل واحد مخاطب بأضحية، وهذا متفق عليه، فكيف يسقط عنهم بفعل أحدهم؟! وقوله: «اللهم تقبل من محمد، وآل محمد» ليس نصًّا في إجزاء ذلك عن أهل بيته، بل هو دعاء لمن ضحى بالقبول، ويدل عليه قوله: «ومن أمِّة محمد»، وقد اتفق الكل على أن أضحية النبي -صلى الله عليه وسلم- لا تجزئ عن أمَّته، ولو سلم ذلك لكان يلزم عليه أن تجزئ أضحية النبي -صلى الله عليه وسلم- عن آل النبي -صلى الله عليه وسلم- حيث كانوا، وإن لم يكونوا في بيته، ثم يلزم عليه ألا يدخل أزواجه فيهم، فإنهم ليسوا آلًا له على الحقيقة اللغوية، وقد تقدم القول على آل النبي -صلى الله عليه وسلم- في الزكاة، والذي يظهر لي أن الحجة للجمهور على ذلك ما روي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- ضحى عن نسائه ببقرة، وروي: بالبقر، وأيضًا فلم يُرْوَ أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أمر كل واحدة من نسائه بأضحية، ولو كان ذلك لنُقل؛ لتكرار سِنِيِّ الضحايا عليهن معه، ولكثرتهن، فالعادة تقتضي أن ذلك لو كان لنُقل كما نُقل غير ذلك من جزئيات أحوالهن، فدل ذلك على أنه كان يكتفي بما يضحي عنه وعنهن، والله تعالى أعلم. المفهم (5/ 363، 364).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
دلّ قوله: «وآل محمد» وفي لفظ: «عن محمد وآل محمد» أنه تجزئ التضحية من الرجل عن أهل بيته، ويشركهم في ثوابها، وأنه يصح نيابة المكلف عن غيره في فعل الطاعات إن لم يكن من الغير أمر ولا وصية. سبل السلام (2/ 531).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
فيه: أنه يستحب الدعاء بقبول الأضحية وغيرها من الأعمال، وقد قال الخليل والذبيح عند عمارة البيت: {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} البقرة: 127، وقد أخرج ابن ماجه أنه -صلى الله عليه وسلم- قال عند التضحية وتوجيهها للقبلة: {وَجَّهْتُ وَجْهِيَ} الأنعام: 79، الآية. سبل السلام (2/ 531).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
«ثم قال: بسم الله، اللهم تقبل من محمد، وآل محمد، ومن أمة محمد» ثلاثًا، محمد -صلى الله عليه وسلم- وآل محمد، وأمة محمد، أما محمد فهو نفسه الكريمة -صلى الله عليه وسلم-، وأما آل محمد فهم المؤمنون مِن قرابته وليسوا كل قرابة؛ لأن أبا لهب وأبا طالب ليسا من آله، أما العباس وحمزة فمن آله، فالمراد بآله المؤمنون من قرابته في مثل هذا السياق، «ومن أمة محمد»، يعني: أمَّة الإجابة الذين أجابوه واتبعوه واقتدوا به في النحر، فسأل الله أن يتقبل من أمة محمد. فتح ذي الجلال والإكرام (6/ 71).

قوله: «ثمَّ ضَحَّى بِهِ»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«ثم ضحى» أي: نوى التضحية «به» أي: بذلك الكبش، ولفظة: «ثم» مؤوَّلة هنا على ما ذكرته بلا شك (أي: من تقديم وتأخير) . الكوكب الوهاج (20/ 424).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
أما حديث عائشة ففيه فوائد:
من فوائد الحديث: اختيار الكبش، وهو الكبير مِن الخِراف، واختيار الأقرن؛ لأنه أكمل خِلقةً، وأقوى غالبًا.
ومن فوائد الحديث: اختيار هذا اللون أن يكون أبيض، لكن يطأ في سواد، ويبرك في سواد، وينظر في سواد، وقد يقال: إنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- أمر أمرًا معيَّنًا على كبش صادف أنه يطأ في سواد... إلخ، بمعنى: أن اختيار اللون لا أثر له، لكن الأصل أن قوله: «أنه أمر بكبش» هذا وصفه وأنه لم يقع اتفاقًا.
ومن فوائد الحديث: أنه يجوز الاستعانة بالغير في الذبح؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- استعان بعائشة.
ومن فوائده: أنه ينبغي شحذ المدية بحجر، أو ما يقوم مقامه مما هو أشد؛ لأجل إراحة الذبيحة، وظاهر هذا الحديث أنها شحذتها والبهيمة تنظر، مع أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أَمر أن تُحد الشِّفار، وأن تُوارى عن البهائم وتُخفَى؛ لئلا تنزعج؛ لأن البهيمة تدري وتعرف، فلذلك أمر الرسول -صلى الله عليه وسلم- أن توارى عن البهائم، فيقال في الجمع: إن أمره إياها أن تشحذها بحجر لا يستلزم مشاهدة البهيمة؛ لأنها لو استدبرت البهيمة شحذتها بدون أن تراها.
ومن فوائد الحديث: أنه يُسن إضجاع الضأن، وكذلك المعز، وكذلك البقر، هذه الثلاث يسن إضجاعها، ولكن على أي الجُنُوب؟ حسب ما هو أسهل للذبيحة، فالذي يعمل باليمين، الأسهل للذبيحة أن يضجعها على اليسار، والذي يعمل باليسار، الأسهل للذبيحة أن يضجعها على اليمين، والمقصود إراحة الذبيحة.
ومن فوائد الحديث: جواز الاقتصار على البسملة دون التكبير؛ لأنها لم تَذْكُر التكبير، «قال: باسم الله» ولم يذكر التكبير، وفي حديث أنس السابق أنه سمّى وكبر، فدل ذلك على أن التكبير ليس بواجب.
ومن فوائد الحديث: أنه يُسنُّ أن يدعو الإنسان بالقبول؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- دعا بذلك...
ومن فوائد الحديث: فضل النبي -صلى الله عليه وسلم- على أُمته؛ حيث سأل الله أن يتقبل من أُمة محمد الأضاحي، وأما اللفظ فيدل عمومه على أنه عام في كل شيء يتقبله الله -عز وجل-.
لو أن الإنسان أتى بهذا الدعاء بغير هذه الصيغة وقال: يا رب تقبل مِنَّا هل يجزئ؟ نعم يجزئ، لكن الأفضل المحافظة على اللفظ الوارد في كل الأدعية، كل الأدعية يصلح أن تقتصر على المعنى ويجزئ، لكن الأفضل مراعاة اللفظ. فتح ذي الجلال والإكرام (6/ 74، 75).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
ففيه ما يدل على أن المضحي ينبغي له أن يختار الأفضل نوعًا، والأكمل خَلْقًا، والأحسن شية، فالأقرن: الطويل القرن، وهو أفضل، ولا خلاف في جواز الأجم (الذي ليس له قرن)، واختُلف في المكسورة القرن، فالجمهور على الجواز، وقد روى أبو داود عن علي: «أن النبي -صلى الله عليه وسلم- نهى أن يضحَّى بعضباء الأذن والقرن» وكرهه مالك إن كان يدمى؛ لأنه مرض، وأجازه إن لم يُدْمِ. المفهم (5/ 360، 361).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله- أيضًا:
وفيه: الأمر بحد آلة الذبح، كما قال في الحديث الآخر: «إذا ذبحتُم فأحسنوا الذبحة، وليَحُدَّ أحدكم شَفْرَتَه، وليُرِحْ ذبيحته»، وهو من باب الرفق بالبهيمة بالإجهاز عليها، وترك التعذيب، فلو ذبح بسكين كالَّة، أو بشيء له حد وإن لم يكن مجهزًا بل معذِّبًا فقد أساء، ولكنه إن أصاب سنة الذبح لم تحرم الذبيحة، وبئس ما صنع، إلا إذا لم يجد إلا تلك الآلة. المفهم (5/ 361 ـ 362).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
الحديث يدل على أن مِن صفات الذبيحة المستحبة أن يكون فيها بياض وسواد، وأن المُضحِّي يستحب له أن يباشر الذبح بنفسه؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- باشر الذبح بنفسه، ولم يوكِلْ أحدًا، ويجوز للإنسان أن يوكِلَ، لكن المباشرة أولى؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- فعل ذلك. شرح سنن أبي داود (329/ 16).
وقال النووي -رحمه الله-:
وفيه: استحباب إضجاع الغنم في الذبح، وأنها لا تُذبح قائمة ولا باركة، بل مُضجعة؛ لأنه أرفق بها، وبهذا جاءت الأحاديث، وأجمع المسلمون عليه، واتفق العلماء وعمل المسلمين على أن إضجاعها يكون على جانبها الأيسر؛ لأنه أسهل على الذابح في أخذ السكين باليمين، وإمساك رأسها باليسار. المنهاج شرح صحيح مسلم (13/ 122).
وقال الشيخ عبد العزيز الراجحي -حفظه الله-:
في الحديث: دليل على استحباب الدعاء بقبول الأضحية، فيقول: «اللهم تقبل مني...» ونحو ذلك، واستحسن بعض العلماء أن يقول نص الآية: {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} البقرة: ١٢٧، وهذا قول الجمهور من أهل العلم. منحة العلام (9/274).
وقال الشيخ عبد الله الفوزان -حفظه الله-:
هذا يدل على أن الأصل في الأضحية أنها مطلوبة في وقتها من الحي عن نفسه، وله أن يُشرك في ثوابها من شاء من الأحياء والأموات، وأما ما يظنه بعض العامة أن الأضحية للأموات فقط فهذا خطأ؛ فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه كانوا يضحون عن أنفسهم وأهليهم.
وأما الأضحية عن الميت منفردًا فمن أهل العلم مَن رخَّص فيها؛ لأنها نوع من الصدقة، والصدقة تصح عنه، كما دلت عليه النصوص، وتنفعه إن شاء الله. منحة العلام (9/274).
وقال الشيخ عبد العزيز الراجحي -حفظه الله- أيضًا:
وهذه حُجة من يقول: إن الأضحية ليست واجبة؛ وفي الحديث الثاني: «اللهم عن محمد، وعن من لم يضح من أمة محمد»، يعني: الأموات والأحياء جميعًا.
فيه: مشروعية الأضحية عَنِ الأموات، خلافًا لمن قال: لا تشرع، فهذا ليس بصحيح.
والصواب: أنها مشروعة عَنِ الحي والميت، لكن لا يُخَصُّ الميت بأضحية، إلا إذا وصَّى، ويكتفي المضحي بأضحيةٍ عن نفسه، وعن الأحياء والأموات، وإذا خصَّ الميتَ فلا حرج، لكن بعض الناس غَلَوا في هذا، فصاروا يُضحُّون عَنِ الأموات، ولا يضحون عَنِ الأحياء، فعكسوا القضية، وهذا غلط. توفيق الرب المنعم(5/٤٨٠)
وقال الشيخ عبد الكريم الخضير -حفظه الله-:
لو قال شخص: النبي -عليه الصلاة والسلام- ضحى عن أمَّته، ومن باب مقابلة الإحسان بالإحسان أُريد أن أضحي عن الرسول -عليه الصلاة والسلام-، كما ضحى عنا نضحي عنه، ووُجد في بعض الوصايا من أوصى بأضاحي لآدم ولحواء ولمحمد -عليه الصلاة والسلام-، ولفلان من الناس من له عليه حق، وُجد من يضحي عن الإمام أحمد، وعن شيخ الإسلام ابن تيمية، والشيخ محمد بن عبد الوهاب، يوجد من يضحي، وكلٌّ يضحي عمن أعجبه أو وصل إليه نفعه، المقصود أن هذا قال: النبي -عليه الصلاة والسلام- ضحى عن أمة محمد، ومن باب الجزاء والإحسان إلى الإحسان، أحسن إلينا فنحسن إليه، هل يسوغ أن يُضحى عن النبي -عليه الصلاة والسلام-؟
لا؛ لماذا؟ لأن هذا شيء لم يفعله سلف هذه الأُمة، ما ضحى أبو بكر ولا عمر عن محمد -عليه الصلاة والسلام-.
والأمر الثاني: أنَّ هذه الأضحية التي تذبحها عنك وعن أهل بيتك لمحمد -عليه الصلاة والسلام- مثل أجرك؛ لأنه هو الذي دلَّك على هذا الخير، ومن دلَّ على هُدى كان له مثل أجر فاعله، فالتضحية عنه -عليه الصلاة والسلام- بدعة وإن فعله بعض الناس. شرح بلوغ المرام (101/ 13)


إبلاغ عن خطأ