الإثنين 22 ذو الحجة 1447 | 2026-06-08

A a

«جعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الضَّبُعِ يُصيبه المُحْرم كبشًا، وجعله من الصيد».


رواه أبو داود برقم: (3801)، وابن ماجه برقم: (3085)، واللفظ له، من حديث جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما-.
صحيح الجامع برقم: (4251)، إرواء الغليل برقم: (1050).


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«الضَّبُع»:
الضَّبُع: بضم الباء، لغة قَيْس، وسكونها، لغة تميم، وهي أنثى، وقيل: يقع على الذَّكَر والأنثى، وربما قيل في الأنثى: ضَبُعَةٌ بالهاء، والذَّكَر ضِبْعَان، والجمع ضَبَاعِين، ويُجمع مضموم الباء على ضِبَاعٍ، وساكنُها على أَضْبُع. شرح الزرقاني على الموطأ (2/ 574).
وقال الفيومي -رحمه الله-:
الضَّبُعُ: بضمِّ الباء في لغة قيس، وبسكونها في لغة تميم، وهي أنثى، وتختص بالأنثى، وقيل: تقع على الذَّكر والأنثى. المصباح المنير(2/358).
وقال الفيروز آبادي -رحمه الله-:
وهي سَبُعٌ كالذِّئب إلا إذا جَرَى كأنه أعرج، فلذا سُمي الضَّبُع: العرجاء. القاموس المحيط (ص:740).

«المُحْرم»:
الْمُحْرِم هو من دخل في الحجِّ أو العمرة معًا، أو أحدهما. العدة في شرح العمدة، لابن العطار (2/ 949).
يقال: أحْرَمَ الرَّجُل: إذا دخل في الإحرام بالإهلال. تهذيب اللغة (5/31).

«الصَّيد»:
الصيد: يُطلق على الاصطياد، والْمَصيد. التحبير لإيضاح معاني التيسير (7/ 5).
يقال: صَاد الصَّيدَ يَصِيْدُه ويَصَادُه صيدًا: إذا أخذه. لسان العرب (3/26).
ولا يقال للشيء: صيدٌ حتى يكون ممتنعًا حلالًا، لا مالك له. النهاية لابن الأثير (3/65).


إظهار شرح الحديث

شرح الحديث

قوله: «جعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الضَّبُع يصيبه المُحْرِمُ كبشًا»:
قال الهرري -رحمه الله-:
«جعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في» ضمانِ «الضَّبُعِ» الذي «يُصِيبُه» أي: يَصيده «المحْرمُ كبشًا» أي: ذَكَرَ ضَأْنٍ الذي تمَّ له سنة؛ أي: حَكَم فيه بالكَبْش إذَا قَتلَه. مرشد ذوي الحجا والحاجة إلى سنن ابن ماجه (18/197-198).
وقال العزيزي -رحمه الله-:
«في الضَّبُعِ» إذا قتله الْمُحْرِم، أو أزْمَنَهُ، أو غير الْمُحْرِم وكان بالحرم، «كبش» وهو ذكر الضأن، والأنثى نعجة.
قال شيخ الإسلام زكريا -رحمه الله-: والضَّبُع بضم الموحدة وتُسَكَّن، ويقال: للذكر والأنثى عند جماعة، وللأنثى فقط عند الأكثر، وأما الذَّكَر فضِبْعَان بكسر الضاد، وإسكان الباء.
فمَن منع إخراج الذكر عن الأنثى، يحمل الضَّبُع على الذكر، أو يُستثنى هذا؛ أخذًا بظاهر المأثور. السراج المنير شرح الجامع الصغير (3/288).
وقال الرافعي -رحمه الله-:
والحكم في الضَّبُع بالكبش مروي عن عمر وعلي -رضي الله عنهما- أيضًا؛ أما عن عمر فقد روى مالك وابن عُيينة وأيوب السِّخْتِياني وسفيان الثوري والليث بن سعد، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنه- أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قضى في الضَّبُع بكبش ...
وأما عن عليّ -رضي الله عنه- فقد روى مجاهد وعامةٌ أن عليًّا -رضي الله عنه- قال: في الضَّبُع كبشٌ. شرح مسند الشافعي (2/369-370).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«إذا صاده الْمُحْرِمُ» فإن صاده الحلال فلا شيء عليه، ويحل للْمُحْرِم أَكله صيدًا ذبحه حلال إن لم يصده له، ولا بِدَلالته ولا بإعانته. شرح سنن أبي داود (15/426).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
والذي ذهب إليه الشافعي -رضي الله عنه- أن مَن قتل ضبعًا وهو مُحْرِمٌ، أو كان في الحرم، فإن عليه أن يذبح كبشًا.
وروي ذلك عن عمر، وعثمان، وعلي، وعبد الرحمن، وابن عباس، وزيد بن ثابت، وابن الزبير، وأن الكبش من النَّعم بمنزلة الضَّبُع من الصيد. الشافي في شرح مسند الشافعي (3/375-376).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
وفي الحديث: دليل على أن الْمِثْل الـمَجْعُول في الصيد إنما هو من طريق الخِلْقَة دون القِيمة، ولو كان الأمر في ذلك مَوْكُولًا إلى الاجتهاد لأشْبَه أن يكون بدَله مقدرًا، وفي ذلك ما دل على أن في الكبش وفاءً لجزائه كانت قيمته مثل قيمة الْمَجْزِي أو لم تكن. معالم السنن (4/249).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
اختلاف أهل العلم في الْمُحْرِم إذا قَتل صيدًا ضَبُعًا أو غيره: فذهب الأئمة الثلاثة: مالك والشافعي وأحمد إلى أن الواجب فيه النظير، ففي الضَّبُع الكبش، ومنهم من قال: شاة.
وذهب الحنفية إلى أن الواجب هو القيمة؛ وذلك أن يُقوَّم الصيد في المكان الذي قُتل فيه، أو في أقرب المواضع، يُقوِّمه عَدْلان، ثم هو مخيَّر في الفِداء بين أن يشتري به هَدْيًا، أو يشتري به طعامًا يتصدق به، وإن شاء صام.
قال العلامة ابن قدامة -رحمه الله تعالى-: إنَّ جزاء ما كان دابة من الصيد نظيرُه من النَّعم، هذا قول أكثر أهل العلم، منهم الشافعي.
وقال أبو حنيفة: الواجب القيمة، ويجوز صرفُها في الْمِثْل؛ لأن الصيد ليس بمثلي.
ولنا قول الله تعالى: {فَجَزَاء مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} الآية، المائدة: 95، وجعل النبي -صلى الله عليه وسلم- في الضَّبُع كبشًا، وأجمع الصحابة على إيجاب الْمِثْل. ذخيرة العقبى في شرح المجتبى (25/20).

قوله: «وجعَلَه من الصَّيد»:
قال الهرري -رحمه الله-:
«وجعَلَه» أي: وجعل رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- الضَّبُعَ «من الصيدِ» الذي يُضَمَّنُ؛ لأنه مما يحل أكله، فيُضَمَّن بالْمِثْل. مرشد ذوي الحجا والحاجة إلى سنن ابن ماجه (18/197-198).
وقال العيني -رحمه الله-:
الضَّبُعُ صيد، فلا يجوز للْمُحْرِم قتْله، ولو قَتَله يجب عليه الجزاء، وعن الشافعي قولان، أصحهما الوجوب. نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار في شرح معاني الآثار (9/286).
وقال القاري -رحمه الله-:
وليس هذا الحديث حُجة علينا؛ إذ لا تنافي بين كونه حرامًا أكله، وبين كونه صيدًا، ويلزم الكبش في قتله، وإنما يصح دليلًا للخصم؛ حيث إنه يخص تحريم الصيد بما يؤُكل لحمه. مرقاة المفاتيح (5/ 1858).
قال المباركفوري -رحمه الله-:
قلتُ: في رواية جرير بن حازم، عن عبد الله بن عبيد بن عمير، عن عبد الرحمن بن أبي عمار، عن جابر قال: قلتُ: أيؤكل الضَّبُعُ؟ قال: نعم، قلتُ: أصَيْدٌ هي؟ قال: نعم، قال: أسمعتَه من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟ قال: نعم، رواه الحاكم، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين.
قال الشافعي: في مسألة ابن أبي عمار جابرًا: أَصَيد هي؟ قال: نعم. ومسألته: أتؤكل؟ قال: نعم، وسألته: أسمعتَ من النبي -صلى الله عليه وسلم-؟ قال: نعم. فهذا دليل على أنَّ الصيد الذي نهى الله تعالى الْمُحْرِمَ عن قتله: ما كان يحِلُّ أكْله من الصيد، وأنهم إنما يقتلون الصيد ليأكلوه لا عبثًا بقتله، انتهى فتأمل. مرعاة المفاتيح (9/423- 424).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
إذا كان قد جعَله صيدًا، أو رأى فيه الفداء، فقد أباح أكله، كالظِّبَاء والحُمُر الوحشية وغيرها من أنواع صيد البَرِّ.
وإنما أَسْقَط الفداء في قتل ما لا يُؤكل، فقال: «خمس لا جُناح على من قتَلَهن في الحل والحرم» الحديث.
وفي قوله: «هو صيد» دليل على أنَّ من السباع والوحش ما ليس بصيد، فلم يدخل تحت قوله تعالى: {وَحُرِّمَ عَلَيْكُم صَيْدُ الْبَرِّ} المائدة: 96.
وفيه: دليل على أن لا شيء على من قَتَل سَبُعًا؛ لأنه ليس بصيد. معالم السنن (4/ 248).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
وفي النهاية قيل: لا يُقال للشيء: صيد حتى يكون ممتنعًا حلالًا، لا مالِك له.
قلتُ: والحديث هذا شاهد لهذا التفسير؛ لأنه إخبار عن حِلِّهِ؛ لأنه الذي بعث الشارع -صلى الله عليه وسلم- لتعريف العباد به ونحوه، لا الإخبار بأنه ممتنع، لا مالِك له، فإنه معلوم. التنوير شرح الجامع الصغير (7/ 111-112).
قال الكنكوهي -رحمه الله-:
لما كان أكثر الحيوانات التي هي جوارح كالأسد والفهد والذئب لا بأس بقتلها للْمُحْرِم إذا صَالَ ولا كفارة، وأما إذا قتلها ابتداءً فعليه جزاء، سأل سائل عن الضَّبُعِ: أصَيدٌ هي؟ قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «نعم، وفيه كبش».
ففهِم جابر بصيدته حِلَّتِهِ، وهو غير صحيح، وقوله: أقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟ قال: «نعم».
أراد به كونه صيدًا، لا كونه مأكولًا؛ لما روى جابر حديث: «الضَّبُعُ صيد، وفيه كبش» ولم يرو في حديث أنه مأكول. الكوكب الدري على جامع الترمذي (2/ 109).
وقال العيني -رحمه الله-:
فأخبر في هذا الحديث عن النبي -عليه السلام-: «أن الضَّبُعَ صيد»، وما كلُّ صيدٍ يؤكل.
ثم قوله: «ويؤكل» زيادة على رواية غيره، ويحتمل: أن تكون تلك الزيادة من قول جابر نفسه، ويحتمل: أن تكون من النبي -عليه السلام-، فلما احتمل ذلك، ووجدنا السُّنة قد جاءت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- بِطُرق صحيحة أنه نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع، ولا شك أن الضَّبُعَ ذو ناب، فشمِلته السُّنة الصحيحة، فخرج بذلك عن أن يكون من المأكولات.
فإن قيل: ليس هذا باضطراب، ولا خلاف في الحديث، بل إنما هو زيادة في بعض الطرق على الباقية، فتقبل الزيادة، ويعمل بها.
قلتُ: روى تلك الزيادة إبراهيم الصائغ، فقد قال أبو حاتم: لا يُحتج به، وذكره النسائي في الضعفاء. نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار في شرح معاني الآثار (13/ 45).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
أما الضَّبُعُ فروي عنه فيها حديث صححه كثير من أهل العلم بالحديث، فذهبوا إليه، وجعلوه مخصِّصًا لعموم أحاديث التحريم، كما خَصت العرايا لأحاديث المزابنة بيع الرطب في رؤوس النخل بالتمر، وطائفة لم تصححه، وحرّموا الضَّبُعَ؛ لأنها من جملة ذات الأنياب.
وقالوا: قد تواترت الآثار عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بالنهي عن أكل كل ذي ناب من السباع، وصحَّت صحةً لا مطعن فيها من حديث علي، وابن عباس، وأبي هريرة، وأبي ثعلبة الخُشني -رضي الله عنهم-.
قالوا: وأما حديث الضَّبُع، فتفرَّد به عبد الرحمن بن أبي عمار، وأحاديث تحريم ذوات الأنياب كلها تخالفه.
قالوا: ولفظ الحديث يحتمل معنيين:
أحدهما: أن يكون جابر رفع الأكل إلى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-.
وأن يكون إنما رفع إليه كونها صيدًا فقط، ولا يلزم من كونها صيدًا جواز أكلها، فظن جابر أن كونها صيدًا يدل على أكلها، فأفتى به مِن قوله، ورفع إلى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- ما سمعه من كونها صيدًا...
والذين صَحَّحوا الحديث جعلوه مخصِّصًا لعموم تحريم ذي الناب من غير فرق بينهما، حتى قالوا: ويحرم أكل كل ذي ناب من السباع إلا الضَّبُع...
ومن تأمل ألفاظه -صلى اللَّه عليه وسلم- الكريمة تبيَّن له اندفاع هذا السؤال؛ فإنه إنما حَرَّم ما اشتمل على الوصفين:
أن يكون له ناب.
وأن يكون من السباع العادِيَة بطبعها، كالأسد والذئب والنمر والفهد.
وأما الضَّبُعُ فإنما فيه أحدُ الوصفين، وهو كونها ذات ناب، وليست من السباع العادِيَة، ولا ريب أن السِّباع أخصُّ من ذوات الأنياب، والسَّبُع إنما حرم لما فيه من القوة السبعية التي تورث المغتذي بها شبْهها؛ فإن الغَاذِي شبيهٌ بالمغتذي، ولا ريب أن القوة السبعية التي في الذئب والأسد والنمر والفهد ليست في الضَّبُعِ حتى تجب التسوية بينهما في التحريم، ولا يُعَد الضَّبُع من السباع لغةً ولا عرفًا، واللَّه أعلم.إعلام الموقعين (3/ 363-368).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
وسُئل أبو عبد الله: عن أكل الضَّبُعِ فقال: يؤكل، لا بأس بأكله...، قيل له: نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عن أكل كل ذي ناب من السباع، قال أبو عبد الله: هذه خارجة منه، وقد حكم النبي -صلى الله عليه وسلم- فيها، وجعلها صيدًا، وأمر فيه بالجزاء إذا أصابه الْمُحْرِم، فكلَّما وَدَى، وحكم فيه، أُكل لحمه.
وكذلك قال في غير موضع محتجًا على إباحتها بأنها صيد، يعني: أن كل ما كان صيدًا فهو مباح. شرح العمدة في الفقه (3/ 127-129).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
اختلف العلماء لما كانت -أي الضَّبُع- حلالًا هل هي مستثناة من كل ذي ناب من السباع، أو أنها ليس لها ناب تفترس به؟ فمنهم من قال: إنها ليس لها ناب تفترس به، وأنه ليس من عادتها افتراس الحيوان إلا عند الضرورة، ومنهم من قال: إنها مفترسة، ولله تعالى في الاستثناء من أحكامه ما يشاء، فعلى القول الأول قد يحصل فيه إشكال؛ لأنه ثبت بأن الضَّبُعَ تأكل الإنسان، وعلى الثاني لا إشكال فيه.
والذي للإنسان عند المناظرة والمجادلة أن يسلك ما لا إشكال فيه حتى يقطع النزاع، ويكفي المؤمن أن يقال له: هذا قول الله ورسوله. فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام (6/ 15).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
وفيه: دليل على أن ما ليس بصيد لا جزاء في قتله، كسَبُع، وهو الأسد، ودُبٍّ وذئب ونَمِر، وكذا ما كان إنسيًّا، كنَعَمٍ وخيل ودجاج.
وفيه: دليل على أن الكبش مثل الضَّبُع.
وفيه: أن المعتبر في المثلية بالتقريب في الصورة، لا بالقيمة، ففي الضَّبُع الكبش، سواء كان مثله في القيمة، أو أقل أو أكثر. شرح سنن أبي داود (15/425).

وللاستفادة من الرواية الأخرى ينظر(هنا)


إبلاغ عن خطأ